تفنيد تفصيلي لشبهة مصحف ابن مسعود و عدم قرآنية المعوذتين

 

بسم الله الرحمن الرحيم


الحمد لله نحمده ونستعينه ، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا ، من يهده الله فلا مضل له ، ومن يضلل فلا هادي له ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأشهد أن محمداً عبد الله ورسوله وصفيه خليله ، صلى الله عليه وعلى آله وصـحبـه وسلم تسليماً كثيـراً إلى يوم الدين .

أما بعد : فقد سألني بعض الأخوان أن اكتب له ردًا على شبهة مصحف ابن مسعود رضي الله عنه و عدم قرآنية المعوذتين ، و التميز في ذلك بين الحق و الأباطيل ، و التنبيه على الدليل الفاصل بين الأقاويل .. لذا شرعت في كتابة هذا البحث ، مراعيًا فيه حال السائل و جسامة الشبهة ، و عالمًا بأني أحقر من أن أنال شرف الكتابة في العلم الشرعي ، و أنه ليس لي إلا القص و اللصق من كلام أهل العلم .

 

 

فصل في أن العلم الصحيح هو إما نقل مصدق عن معصوم و إما قول عليه دليل معلوم


كل شبهة تنسب لهذا الدين سببها واحدة من اثنتين : إما زلة عالم و إما قول جاهل ، و أفرح الناس لزلة العالم هو ذلك الجاهل ، حتى إذا قيل له : قولك خطأ ، قال : قال به فلان من العلماء ، و يجعل هذا العالم المخطئ درعًا يحتمي ورائه .. فإذا تبنى قولاً لرجل جليل فاضل لا نشك في علمه و قدره ، و قيل له : أخطأ الشافعي – مثلاً – قال : هذا من جهلكم بقدور العلماء و مكانتهم ، و نسب مخالفيه إلى الجهل ، و ربما إلى بغض العلماء !
ثم ها هي مواقع الإنترنت و الفضائيات يتكلم فيها كل واحد و أي واحد عن الدين بجهل ، و ينسب إليه ما يمليه عليه هواه .

لكن قبل أن نتطرق للمسألة التي نحن بصددها لا بد أن نتفق على أصول يتأسس عليها الرد على الشبهة ، و سنضع ثلاثة أصول ، و ينبغي أن توضع هذه الأصول الثلاثة قبل أي حوار في مسائل الدين ؛ لأنه يستحيل إذا اتبع المرء الأصول الصحيحة أن يقع في أي شبهة إن شاء الله .

الأصل الأول : هو أن المعصوم الوحيد الذي لا يرد كلامه و لا يجوز معه الاعتراض هو رسول الله صلى الله عليه و سلم .. و يدل على ذلك أن الله أوجب على المسلمين اتباع الرسول فيما يأمر و ينهى فقال : { وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا } ( الحشر : 7 ) ، و قرن طاعة الرسول بطاعته في آيات كثيرة من القرآن فقال : { وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ } ( آل عمران : 132 ) ، و حث على الاستجابة لما يدعو ، فقال : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ } ( الأنفال : 24 ) ، و اعتبر طاعته طاعة لله و اتباعه حبًا لله : { مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ } ( النساء : 80 ) ، و قال أيضًا : { قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ } ( آل عمران : 31 ) . و حذر أيضًا من مخالفة أمره : { فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } ( النور : 63 ) . بل أشار أن مخالفته كفر : { قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ } ( آل عمران : 32 ) . و لم يبح للمؤمنين مطلقًا أن يخالفوا حكمه أو أوامره { وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا } ( الأحزاب : 36 ) . و اعتبر من علامات النفاق الإعراض عن تحكيم الرسول في مواطن الخلاف : { وَيَقُولُونَ آَمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ (47) وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ (48) وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ (49) أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ بَلْ أُولَئِكَ هُمَ الظَّالِمُونَ (50) إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (51) } ( النور : 47-51 ) . بل جعل من لوازم الإيمان ألا يذهبوا حين يكونون مع رسول الله دون أن يستأذنوا منه : { إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آَمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُولَئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ } ( النور : 62 ) .. قال ابن القيم رحمه الله :
(( فإذا جعل الله من لوازم الإيمان أنهم لا يذهبون مذهبًا إذا كانوا معه إلا باستئذانه ، فأولى أن يكون من لوازمه ألا يذهبوا إلى قول و لا مذهب علمي إلا بعد استئذانه ، و إذنه يعرف بدلالة ما جاء به على أنه أذن فيه )) ابن قيم الجوزية ، إعلام الموقعين ج1 ص58 .

الأصل الثاني : هو أنه لا معصوم إلا الرسول صلى الله عليه و سلم ، و أن غيره من العلماء يخطئ و يصيب ، و ليس في دين المسلمين أن نقبل كل أقوال أي عالم مهما بلغ قدره و علمه ؛ بل نحفظ له مكانته و لا نتبعه في زلته .. فنحن إذ نرد على أي عالم ، لا نزال نحفظ له مكانته و نحترمه و نبجله و نعظمه و نطيعه ما أطاع الله و رسوله . و مع ذلك ، لا نتبعه في زلته و لا نطيعه فيما أخطأ فيه . و كان الإمام مالك رضي الله عنه إذا استنبط حكمًا قال :
(( انظروا فيه فإنه دين ، و ما من أحد إلا مأخوذ من كلامه و مردود عليه إلا صاحب هذه الروضة )) و أشار بإصبعه إلى قبر الرسول صلى الله عليه و سلم .. و معروف لدى الكافة أن العلماء يختلفون في المسألة الواحدة و يرد بعضهم على بعض ، و الحق واحد لا ريب و ليس متعددًا بعدد العلماء . فإن قال عالم قولاً عليه دليل معلوم اتبعناه ، و إن رددنا على عالم كبير جليل قوله فليس معنى هذا أننا ننتقصه .. و هاهم النصارى إذا واجهناهم بكلام أحد علمائهم أو أكابر ملتهم قالوا : (( كان رجلاً واحدًا و سها )) انظر المناظرة التقريرية بين الشيخ رحمت الله الهندي و القسيس بفندر ص9 .

الأصل الثالث : أنه ليس كل كلام موجود في الكتب يكون حقًا ؛ فقد وجد كلام باطل بل هو من أبطل الباطل قال به ناس و وضعه أهل العلم في الكتب على سبيل إيراد مختلف الآراء و الأقوال . فهاهو الإمام القرطبي يذكر عن البعض في تفسيره لسورة القلم أن (ن) هو
(( الحوت الذي تحت الأرض السابعة )) و (( إن النون هو الحوت الذي عليه الأرضون )) و يكتب في تفسيره : ((و قال الكلبي و مقاتل : اسمه البهموت . قال الراجز :

مالي أراكم كلكم سكوتا ::: والله ربي خلق البهموتا

و قال أبو اليقظان و الواقدي : ليوثا . و قال كعب : لوثوثا . و قال : بلهموثا . و قال كعب : إن إبليس تغلغل إلى الحوت الذي على ظهره الأرضون فوسوس في قلبه ، و قال : أتدري ما على ظهرك يا لوثوثا من الدواب والشجر والأرضين وغيرها ، لو لفظتهم ألقيتهم عن ظهرك أجمع ؛ فهم ليوثا أن يفعل ذلك ، فبعث الله إليه دابة فدخلت منخره ووصلت إلى دماغه ، فضج الحوت إلى الله عز وجل منها فأذن الله لها فخرجت . قال كعب : فوالله إنه لينظر إليها وتنظر إليه إن هم بشيء من ذلك عادت كما كانت )) تفسير القرطبي ج29 ص442 . و لا يخفى ما في هذا الكلام من السخافة و الهذيان .
و هاهو المشعوذ الحلاج يمدح إبليس فيقول :
(( و ما كان في أهل السماء موحد مثل إبليس )) الحلاج ، الطواسين ص42 . ثم يدافع عن فرعون بإصرار و يتخذه و إبليس أستاذين له قائلاً : (( فصاحبي و أستاذي إبليس و فرعون ، و إبليس هدد بالنار و ما رجع عن دعواه ، و فرعون أغرق في اليم و ما رجع عن دعواه ، و لم يقر بالواسطة البتة . و إن قتلت أو صلبت أو قطعت يداي و رجلاي ما رجعت عن دعواي )) المصدر السابق ص51-51 .. فهذا كلام لا يقبله عاقل ، و رغم هذا موجود في الكتب و قال به ناس . لهذا لا نقبل أي قول في الكتب أو غيرها إلا إذا كان عليه دليل معلوم ، فإن افتقر الكلام إلى الدليل لم يكن له وزن و لا اعتبار . و إن كان دليله ضعيفًا أو باطلاً أو مرجوحًا كان اعتباره بقدر دليله .

 

 

فصل في أن ما قامت الأدلة على أنه حق وجب الجزم بصدقه والجزم ببطلان ما عارضه



و هذه قاعدة شريفة جليلة مفطور عليها عقل ابن آدم ؛ فهو إن ثبت لديه أمر ما بالأدلة و البراهين علم قطعًا أن عكس هذا الأمر باطل لا يجوز ، حتى إن وردت عليه شبهة بخصوص هذا الأمر لم تخرج عن كونها شبهة بالنسبة له يعلم فسادها يقينًا و إن لم يكن يعلم كيفية الرد عليها . و هذا أمر نراه كثيرًا في المسلمين الذين ترد عليهم الشبهات بخصوص أمور معلومة من الدين بالضرورة و لا يشكون في بطلان هذه الشبهات و يعلمون في قرار أنفسهم أنها شبهات فاسدة و أن الحق بخلافها لكنهم يعجزون عن الرد عليها ردًا علميًا أصيلاً فيسعون لمن لديه الرد على هذه الشبهات يسألون و يستفسرون .

قال الشيخ عبد الرحمن السعدي - رحمه الله - في تفسيره لقوله تعالى : { إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون * الحق من ربك فلا تكن من الممترين } :
(( وفي هذه الآية وما بعدها دليل على قاعدة شريفة وهو أن ما قامت الأدلة على أنه حق وجزم به العبد من مسائل العقائد وغيرها ، فإنه يجب أن يجزم بأن كل ما عارضه فهو باطل ، وكل شبهة تورد عليه فهي فاسدة ، سواء قدر العبد على حلها أم لا فلا يوجب له عجزه عن حلها القدح فيما علمه ، لأن ما خالف الحق فهو باطل ، قال تعالى فماذا بعد الحق إلا الضلال وبهذه القاعدة الشرعية تنحل عن الإنسان إشكالات كثيرة يوردها المتكلمون ويرتبها المنطقيون ، إن حلها الإنسان فهو تبرع منه ، و إلا فوظيفته أن يبين الحق بأدلته ويدعو إليه )) .

و كلام العلامة السعدي – رحمه الله – حق لا نزاع فيه ؛ فليس لازمًا على كل مسلم معرفة الردود على الشبهات و الأباطيل لأن معرفة الحق و أدلته تغني عن الرد على الأباطيل التي تعارضه ، فالحق واحد و الأباطيل عديدة . و سواء قدر المرء على تفنيد الشبهات و الافتراءات أم لا ، فهذا لا يطعن أبدًا في الحق المقطوع به الذي يؤيده الدليل القطعي ؛ لأن كل ما يخالف هذا الحق فهو باطل بالضرورة حتى دون البحث في أدلته و تفنيدها .

 
باب في الأدلة على كون المعوذتين من سور القرآن الكريم



قبل أن نذكر الشبهات حول قرآنية المعوذتين نود أن نستعرض الأدلة الصحيحة القطعية على كونهما من القرآن العظيم ، و نبدؤها بوقوع التواتر القطعي لهما ضمن باقي السور ، و معه تواتر المعوذتين عن ابن مسعود نفسه رضي الله عنه .

والأصل في رواية القرآن وتلقّيه على السماع والحفظ ، لا على الكتابة والمصاحف .. وقد صار هذا ديدنًا لعلماء القراءات يذكرونه في فواتح كتبهم، بعبارات شتى، ومعنًى واحدٍ .

ومن ذلك قول أبي عمرو الداني في مقدمة كتابه ((نقط المصاحف)) : ((هذا كتاب علم نقط المصاحف وكيفيته على صيغ التلاوة ومذاهب القراءة)).

ويقول ابن خالويه في بيان منهجه في كتابه : ((فإني تدبرت قراءة الأئمة السبعة، من أهل الأمصار الخمسة، المعروفين بصحة النقل وإتقان الحفظ، المأمونين على تأدية الرواية واللفظ))ابن خالويه ، الحجة في القراءات السبع ص61.

وهكذا ترى جميع أهل العلم يقرون بأن نقل القرآن هو في الأصل سماعي لا كتابي :

يقول ابن الجزري : ((ثم إن الاعتماد في نقل القرآن على حفظ القلوب والصدور، لا على خط الْمصاحف والكتب، وهذه أشرف خصيصة من الله تعالى لِهَذِهِ الأمة)) النشر في القراءات العشر لابن الجزري 1/6.

ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمة الله عليه : ((والاعتماد فى نقل القرآن على حفظ القلوب لا على المصاحف؛ كما فى الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم؛ أنه قال: (إِنَّ ربى قال لي أَن قم في قريش فأنذرهم فقلت: أي رب إذًا يثلغوا رأسي - أي يشدخوا- فقال: إني مبتليك ومبتل بك ومنزل عليك كتابا لا يغسله الماء تقرؤه نائما ويقظانًا فابعث جندا أبعث مثليهم وقاتل بمن أطاعك من عصاك وأَنْفق أُنْفِق عليك)؛ فأخبر أن كتابه لا يحتاج في حفظه إلى صحيفة تغسل بالماء بل يقرؤه فى كل حال، كما جاء في نَعْتِ أُمَّتِه: (أناجيلهم فى صدروهم)، بخلاف أهل الكتاب الذين لا يحفظونه إلا في الكتب ولا يقرأونه كله إلا نظرًا لا عن ظهر قلب)) مجموع الفتاوى لابن تيمية 13/400.

وفي تفسير الآلوسي : ((المرعى فيه السماع من النبي صلى الله تعالى عليه وسلم)) روح المعاني للآلوسي 1/21.

ويقول الزرقاني : ((وقد قلنا غير مرة: إن المعول عليه وقتئذٍ كان هو الحفظ والاستظهار، وإنما اعتمد على الكتابة كمصدر من المصادر زيادة في الاحتياط ومبالغة في الدقة والحذر)) مناهل العرفان 1/177.

وانظروا ما رواه لنا ابنُ مجاهد في ((كتاب السبعة في القراءات)) ص51 (وسأختصر الأسانيد هنا) :
ـ عن محمد بن المنكدر قال : ((قراءة القرآن سنة يأخذها الآخر عن الأول)) قال : وسمعت أيضا بعض أشياخنا يقول عن عمر بن الخطاب وعمر بن عبد العزيز مثل ذلك.
ـ وعامر الشعبي قال : ((القراءة سنة فاقرءوا كما قرأ أولوكم)).
ـ وعن صفوان بن عمرو وغيره قالوا: سمعنا أشياخنا يقولون : ((إن قراءة القرآن سنة يأخذها الآخر عن الأول)).
ـ وعن عروة بن الزبير قال : ((إنما قراءة القرآن سنة من السنن فاقرءوه كما عُلِّمتموه)).
وفي لفظٍ عن عروة بن الزبير قال : ((إنما قراءة القرآن سنة من السنن فاقرءوه كما أُقْرئتموه)).
ـ وعن زيد بن ثابت قال : ((قراءة القرآن سنة)).

وغير هذا كثير في كلام الصحابة والتابعين وأهل العلم .

وبناء على ما سبق ، فقد أَرَسَلَها أئمتُنا الكرام رضي الله عنهم قاعدةً أصيلةً حَمَلَتْها الركبان إلى جميع الأقطار ؛ لتقول لهم : (( لا تأخذوا القرآن مِنْ مُصْحَفِيٍّ، ولا الحديث عن صُحُفِيٍّ )) .. فقطع أئمتُنا بذلك كل طُرق الاعتماد في نقل القرآن على الكتابة والمصاحف، وتركوا الباب مفتوحًا أمام السماع والأسانيد لا غير .

ـ فَعَن سليمان بن موسى أَنَّه قال : (( لا تأخذوا الحديثَ عن الصُّحُفيِّين، ولا تقرؤوا القرآنَ على الْمُصْحَفِيِّين)) الجرح والتعديل لابن أبي حاتم 2/31 ، والمحدث الفاصل للرامهُرْمزي ص211 .

ـ وقال سعيد بن عبد العزيز : (( لا تأخذوا العلم عن صُحُفِيٍّ، ولا القرآن مِنْ مُصْحَفِيٍّ )) الجرح والتعديل لابن أبي حاتم 2/31 .

ـ ويقول الوليد بن مسلم : (( لا تأخذوا العلم من الصُّحُفيِّين ولا تقرءوا القرآن على الْمُصَحَفِيِّين ؛ إلا مِمَّن سمعه مِن الرجال وقرأَ على الرجال )) تاريخ دمشق لابن عساكر 63/292 ، وتهذيب الكمال للمزي (3/98 .

ـ ويقول السخاوي في (فتح المغيث) 2/262 : (( والأخذ للأسماء والألفاظ من أفواههم - أي العلماء بذلك ، الضابطين له ممن أخذه أيضًا عمن تقدم من شيوخه وهلم جرَّا - لا من بطون الكتب والصُّحُف من غير تدريب المشايخ : أَدْفَع للتَّصحيف ، وأَسْلَم من التبديل والتحريف....
وقد روينا عن سليمان بن موسى أنه قال: كان يقال : لا تأخذوا القرآن من مصحفي ولا العلم من صحفي.
وقال ثور بن يزيد: لا يفتي الناس صحفي ولا يقرئهم مصحفي.
وقد استدل بعضهم بقول عمران -لما حَدَّث بحديثٍ عن النبي صلى الله عليه وسلم وقال له بشير بن كعب: إن في الحكمة كذا-: أُحَدِّثك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وتحدثني عن الصحف؟
وروينا في مسند الدارمي عن الأوزاعي أنه قال: ما زال هذا العلم في الرجال حتى وقع في الصحف فوقع عند غير أهله ))
. أهـ

ـ ويقول الصنعاني في (توضيح الأفكار) 2/394 : (( ويقال: لا تأخذ القرآن من مُصْحَفِيٍّ ولا العلم من صُحُفِيٍّ )) .

نخلص من هذا بأن القرآن الكريم بجميع سوره وأياته متضمنًا المعوذتين قد بلغنا سماعًا من المشايخ القراء جيلاً بعد جيل ، وهؤلاء المشايخ يرجعون في النهاية إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم .. فهذا أكبر دليل على تواتر المعوذتين وكونهما جزءًا من القرآن الكريم .
 

د.هشام عزمي

 

أقرأ أيضا

الفاتحة والمعوذتان عند ابن مسعود

 

رد آخر

http://tafsir.org/vb/showthread.php?t=3576