اختلاف الإنجيليون الأربعة في إنكار بطرس

 

قال القس الفاضل :

 

قال المعترض : اختلف الإنجيليون الأربعة في إنكار بطرس عدة اختلافات :

ورد في إنجيل متى 26: 69-75 " أما بطرس فكان جالساً خارجاً في الدار، فجاءت إليه جارية قائلة: وأنت كنت مع يسوع الجليلي. فأنكر قدام الجميع قائلاً: لست أدري ما تقولين. ثم إذ خرج إلى الدهليز رأته أخرى، فقالت للذين هناك: وهذا كان مع يسوع الناصري. فأنكر أيضاً بقَسَم  إني لستُ أعرف الرجل. وبعد قليل جاء القيام وقالوا لبطرس: حقاً أنت أيضاً منهم، فإن لغتك تظهرك. فابتدأ حينئذ يلعن ويحلف: إني لا أعرف الرجل. وللوقت صاح الديك، فتذكر بطرس كلام يسوع الذي قال له: إنك قبل أن يصيح الديك تنكرني ثلاث مرات".

 

وورد في مرقس 14 :66-72 " وبينما كان بطرس في الدار أسفل، جاءت إحدى جواري رئيس الكهنة. فلما رأت بطرس يستدفئ نظرت إليه وقالت : وأنت كنت مع يسوع الناصري. فأنكر قائلاً: لست أدري ولا أفهم ما تقولين. وخرج خارجاً إلى الدهليز فصاح الديك، فرأته الجارية أيضاً وابتدأت تقول للحاضرين إن هذا منهم، فأنكر أيضاً. وبعد قليل أيضاً قال الحاضرون لبطرس: حقاً أنت منهم لأنك جليلي أيضاً، ولغتك تشبه لغتهم. فابتدأ يلعن ويحلف: إني لا أعرف هذا الرجل الذي تقولون عنه. وصاح الديك ثانية، فتذكر بطرس القول الذي قاله يسوع:  "إنك قبل أن يصيح الديك تنكرني ثلاث مرات".

 

وورد في لوقا 22 :54-61 "وأما بطرس فتبعه من بعيد. ولما أضرموا ناراً في وسط الدار وجلسوا معاً، جلس بطرس بينهم، فرأته جارية جالسة عند النار، فتفرست فيه وقالت: وهذا كان معه، فأنكره قائلاً: لست أعرفه يا امرأة. وبعد قليل رآه آخر وقال: وأنت منهم. فقال بطرس: يا إنسان! لست أنا. ولما مضى نحو ساعة واحدة أكد آخر قائلاً: بالحق إن هذا أيضاً كان معه، لأنه جليلي أيضاً. فقال بطرس يا إنسان! لست أعرف ما تقول، وفي الحال بينما هو يتكلم صاح الديك، فالتفت الرب ونظر إلى بطرس، فتذكر بطرس كلام الرب: كيف قال له: "إنك قبل أن يصيح الديك تنكرني ثلاث مرات".

 

وورد في يوحنا 18 :16 و17 "أما بطرس فكان واقفاً خارجاً، فخرج التلميذ الآخر الذي كان معروفاً عند رئيس الكهنة وكلم البوَّابة فأدخل بطرس. فقالت الجارية البوَّابة لبطرس: ألست أنت أيضاً من تلاميذ هذا الإنسان؟  قال ذاك: "لست أنا". وفي آية 25 وسمعان بطرس كان يصطلي، فقالوا له: "ألست أنت أيضاً من تلاميذه؟"  فأنكر ذاك وقال: "لست أنا" . فقال واحد من عبيد رئيس الكهنة: "أما رأيتُك أنا معه في البستان؟" فأنكر بطرس أيضاً. وللوقت صاح الديك".

 

وهذه الاختلافات هي :

 

(1)  يُفهم من رواية متى ومرقس أن جاريتين والرجال القيام كلَّموا بطرس، أما لوقا فقال إنهم جارية واحدة ورجلان.

 

(2)  كان بطرس وقت سؤال الجارية في ساحة الدار حسب رواية متى، وفي وسط الدار على رواية لوقا، وأسفل الدار على رواية مرقس، وداخل الدار على رواية يوحنا.

 

(3)  اختلفوا في الأسئلة الموجَّهة لبطرس.

 

(4)  كان صياح الديك بعد إنكار بطرس ثلاث مرات على رواية متى ولوقا ويوحنا، وكان صياحه مرة بعد إنكار بطرس الأول، ومرة أخرى بعد إنكاره مرتين، على رواية مرقس.

 

(5)  قال متى ولوقا إن المسيح قال: "قبل أن يصيح الديك تنكرني ثلاث مرات". وقال مرقس إنه قال : " قبل أن يصيح الديك مرتين تنكرني ثلاث مرات ".

 

(6) جواب بطرس للجارية حسب رواية متى " لست أدري ما تقولين " وعلى رواية يوحنا أجاب بالسلب فقط، وعلى رواية مرقس "لست أدري ما تقولين" وعلى رواية لوقا " لست أعرف يا امرأة "

 

وللرد نقول :

(1) اتفق الإنجيليون على عدد مرات إنكار بطرس لسيده، وأجمعوا على أن إنكاره كان قبل أن يصيح الديك. وتمت بذلك نبوَّة المسيح أن بطرس سينكره ثلاث مرات، وقبل صياح الديك.

لقد قال المسيح العبارتين - قال إن بطرس سينكره قبل أن يصيح ديك، وإنه ينكره قبل أن يصيح الديك مرتين. وذكر متى إحدى العبارتين، وذكر مرقس العبارة الأخرى. ومما يجدر ذكره أن لوقا ويوحنا أوردا قول المسيح بنفس الصيغة الواردة في متى. وقبل الجزم بأن أحد البشيرين يناقض البقية يجب أن نأتي بالدليل على أن المسيح لم يقل هذه العبارة إلا مرة واحدة، وإلا فلا تناقض.

 

فيصح أن نتصور ما يأتي: أنذر المسيح بطرس أنه قبل أن يصيح ديك تنكرني ثلاث مرات.. ولما كان بطرس سريع التأثر ثار لما سمع هذا، وكأنه يقول: هل أنا أنكر سيدي؟ إن هذا مُحال! "ولو اضطُررت أن أموت لا أنكرك". وعندئذ كرر المسيح الإنذار، وأضاف تفصيلاً آخر بقوله: يا بطرس، قبل أن يصيح الديك مرتين تنكرني ثلاث مرات. ويترجح جداً أنه قد تُبودلت عبارات كثيرة بين بطرس وسيده بصدد هذه النقطة الخطيرة. ولا شك أن المسيح قال لبطرس نفس العبارة الواردة في متى ولوقا ويوحنا، والعبارة الواردة في مرقس أيضاً.

 

ولنورد حلاً آخر، وهو أن متى ولوقا ويوحنا أوردوا إعلان المسيح لبطرس أنه سينكره بصيغة عامة، أما مرقس  (فكما هي عادته)  أورد العبارة بالتدقيق. وكما نراه في روايات أخرى يورد تفصيلات دقيقة لا نراها في بقية البشائر، هكذا هنا أيضاً أورد كلمة دقيقة لم يوردها غيره. وعلاوة على هذا يجب أن نتذكر أن بشارة مرقس (كما يفيد التقليد) كُتبت تحت إشراف بطرس. ولذا نرى فيها أسلوب بطرس ولهجته. فلا نستغرب عندما نجد أن العبارة المقولة لبطرس واردة في هذه البشارة بدقة أكثر من سواها.

 

(2)  اقتصر لوقا البشير على ذكر المرة التي أنكر فيها بطرس سيده صراحة وبشدة، لأنها كانت أهم من المرة الأولى. وهذا لا ينافي أن جاريتين سألتاه مرتين. أما متى ومرقس فذكرا الحالتين. وعليه فلا اختلاف، فإن الاختلاف لا يتحقق إلا إذا نفى الواحد ما أثبته الآخر. وهنا اقتصر لوقا على ذكر الأهم، وأما الآخرون فذكروا كل شيء بالتفصيل.

 

(3)  قال لوقا إن رجلين سألاه عن نسبته إلى سيده، وقال متى ومرقس إن الرجال سألوه، فعبارتهما تتضمن أن رجلين سألاه نيابةً عن باقي الجمهور، فلا نتصوَّر أن كل الحاضرين سألوا بطرس مرة واحدة.

 

(4)  قال متى: إنه كان خارجاً في الدار، وقال مرقس: في الدار أسفل، وقال لوقا: في وسط الدار، وقال يوحنا: إنه كان واقفاً عند الباب خارجاً، فخرج التلميذ وكلَّم البوَّابة فأدخل بطرس (آية 16). فلا يوجد اختلاف. بطرس كان حسب قول متى خارجاً في الدار، أي ليس في الدار الأعلى الذي كان فيه المسيح والمجلس. ومما يدل على أنه كان في صحن الدار قول متى إنه لما ضايق اليهود بطرس خرج إلى الدهليز، مما يدل على أنه كان في الدار. ولم يقل البشير إن بطرس كان خارج الدار، بل "خارجاً في الدار" أي خارج المخادع. وبما أنه كان في المحل التحتاني (أي صحن الدار)  فيصح أن يُطلق عليه أسفل الدار. ولا يخفى أن معنى صحن الدار هو أسفله، وهو لا ينافي أنه كان جالساً في وسطه يستدفئ. وقصد الرسل أنه لم يكن في الدور الأعلى المرتفع الذي كان فيه المجلس، بل كان في مكان الخدم وهو الصحيح.

 

(5)  من تأمل الأسئلة الموجَّهة لبطرس وجدها واحدة، ففي متى قالت الجارية : " وأنت كنت مع يسوع الجليلي ". ثم قالت أخرى: " وهذا كان مع يسوع الناصري ". وقال القيام (أي الحراس) : " أنت أيضاً منهم فإن لغتك تظهرك ". هذه هي رواية متى.

 

أما مرقس فذكر أن الجارية قالت: "أنت كنت مع يسوع الناصري". ثم رأته ثانية وقالت للحاضرين: "إن هذا منهم". وقال الحاضرون لبطرس : "حقاً أنت منهم لأنك جليلي أيضاً ولغتك تشبه لغتهم". وقِس على ذلك ما ورد في إنجيل لوقا ويوحنا، فإنه لا يختلف عن ذلك في شيء ما.

 

(6)  أنكر بطرس المسيح ثلاث مرات قبل صياح الديك، غير أن بعضهم ذكر أن الديك صاح مرتين واقتصر البعض الآخر على ذكر صياح الديك مرة، وسبب ذلك هو أن الديوك عادةً تصيح مرتين، عند قدوم الصبح وعند طلوع النهار. وبما أنه يندر من يسمع صياحه أول مرة، لم يذكره بعض البشيرين. والمهم هو الصياح الثاني وقد ذكره جميع البشيرين، وهذا لا ينافي أنه صاح قبلها.

 

(7)  إجابات بطرس واضحة متشابهة لا فرق بينها. وبما أن كثيرين من الخدم والحاضرين أخذوا يعنفونه ويضايقونه، فزع وتلعثم في الكلام، وهو يبرئ نفسه بأساليب متنوعة في الوضوح والخفاء. فتارة ينكر، وأخرى يحلف ليتخلّص من ظلم اليهود. وكان ينتقل من مكان لآخر ليواري نفسه ويتخلص من مأزقه.

 

وهكذا يتضح عدم وجود اختلاف في أقوال البشيرين، فكل واحد منهم ذكر أقوال الوحي الإلهي بحسب روحه ونَفَسه، فإن الوحي لا يبتلع شخصية الإنسان. فالله يوحي للنبي أو الرسول المعاني والأحكام، ويكون في يد الله بمنزلة القلم في يد الكاتب، فتُحفظ شخصيته، ويظهر في كتابته ما اختص به من القوى العقلية وطرق الفكر والتصوّر. وهذا هو سبب تنوّع طرق تعبير الأنبياء. وكلامنا هنا هو عن الأنبياء أو الرسل بصيغة الجمع. أما إذا اختلف رسول أو نبي في أقواله وعباراته، فهذا هو الذي يُؤاخذ عليه، لأنه ناقض نفسه بنفسه اتفق الإنجيليون على عدد مرات إنكار بطرس لسيده، وأجمعوا على أن إنكاره كان قبل أن يصيح الديك. وتمت بذلك نبوَّة المسيح أن بطرس سينكره ثلاث مرات، وقبل صياح الديك.

_______________________________________________________

 

بعد الحمد لله و الصلاة و السلام على رسول الله :

حاول الدكتور القس عبد النور دفع تناقضات قصة انكار بطرس بأجوبة مليئة بالمغالطات منها :

1) زعم القس أن نبوءة المسيح بانكار بطرس له ثلاث مرات قبل صياح الديك تعنى قبل الصياح مرتين ، و أن الاناجيل اتفقت علي ذلك المعنى ، و هذا خطأ  لأن روايات متى و لوقا و يوحنا علقت صياح الديك مطلقاً على وقوع الانكار الثلاثى و هو ما أدى  إلى تعارضها مع  رواية مرقس الذى انفرد بذكر صياح الديك مرتين .

 ولا مجال للقول بعمومية اللفظ ، نظراً لاتفاق متى و يوحنا و مرقس عليه ، فلا يتصور إجتماع الثلاثة على تعميم اللفظ فى هذا الموضع بالذات و بشكل يؤثر فى المعنى على هذا النحو إلا إن كان هو اللفظ المقصود ، زد على هذا وضوح العبارات و قطعية دلالتها مما لا يترك مجالاً للشك : (( فقال : أقول لك يا بطرس لا يصيح الديك اليوم قبل أن تنكر ثلاث مرات أنك تعرفنى )) لوقا34:22 ((  الحق أقول لك إنك فى هذه اليلة قبل أن يصيح ديك تنكرنى ثلاث مرات )) متى 34:26

فتامل فى عبارة لوقا كيف نفى المسيح وقوع الصياح مطلقاً فى ذلك اليوم  قبل أن ينكره بطرس ثلاث مرات، و فى عبارة متى نجد المسيح و قد أنكر كلمة "ديك" مما يؤكد عدم وقوع صياح من أى ديك قبل تمام الانكار الثلاثى.

و قد أورد القس احتمالاً آخر تصور فيه وقوع العبارتين من المسيح وأن بطرس كان يجادله فى هذا الخبر و بالغ فى تصوره حتى قال : " ويترجح جداً أنه قد تُبودلت عبارات كثيرة بين بطرس وسيده بصدد هذه النقطة الخطيرة "

ونحن نسأل القس هل انتهت مشاكل المسيح ليمضى وقته فى مجادلة بطرس و الأخذ و الرد معه بهذه الطريقة ؟!

و حسبنا فى إبطال أقوال القس الملهم أن ننظر إلى النص كاملاً سواء فى رواية متى او رواية مرقس و سنجد أن العبارة السابقة و العبارة اللاحقة للنص محل الخلاف فى انجيل مرقس موافقتان لنظيرتيهما بالنسبة للنص محل الخلاف فى انجيل متى مما يؤكد أنه نص  واحد  صدر عن المسيح و لكن أخطأ  أحدهما فيه :

(( حينئذ قال لهم يسوع كلكم تشكون فيّ في هذه الليلة لانه مكتوب اني اضرب الراعي فتتبدد خراف الرعية .ولكن بعد قيامي اسبقكم الى الجليل . فاجاب بطرس وقال له وان شك فيك الجميع فانا لا اشك ابدا . قال له يسوع الحق اقول لك انك في هذه الليلة قبل ان يصيح ديك تنكرني ثلاث مرات  قال له بطرس ولو اضطررت ان اموت معك لا انكرك .هكذا قال ايضا جميع التلاميذ )) متى31:26-35

(( وقال لهم يسوع ان كلكم تشكون فيّ في هذه الليلة .لانه مكتوب اني اضرب الراعي فتتبدد الخراف .ولكن بعد قيامي اسبقكم الى الجليل .فقال له بطرس وان شك الجميع فانا لا اشك .فقال له يسوع الحق اقول لك انك اليوم في هذه الليلة قبل ان يصيح الديك مرتين تنكرني ثلاث مرات .فقال باكثر تشديد ولو اضطررت ان اموت معك لا انكرك .وهكذا قال ايضا الجميع )) مرقس27:14-31

و أخيراً أرجع القس الإختلاف إلى أن الصياح الأول للديك قلما يُسمع فتجاوز عنه البشيرون الثلاثة!!، فما علاقة سماع الصياح من عدمه بتحرى الامانة فى نقل أقوال المسيح و نبوءاته ليُعرف مدى صدقها ؟!  ، ثم أن الصياح الأول مثل الصياح الثانى كلاهما يصدر عن الديك و يسمعه الناس، إلا من يكونوا نياماً ، فهل كان بطرس نائماً وقت الصياح الاول؟!

2)  و من نقاط التناقض ما أورده متى ومرقس من أن جاريتين والرجال القيام كلَّموا بطرس، بينما لوقا قال إنهم جارية واحدة ورجلان. فكان جواب القس بالآتي :

" اقتصر لوقا البشير على ذكر المرة التي أنكر فيها بطرس سيده صراحة وبشدة، لأنها كانت أهم من المرة الأولى. وهذا لا ينافي أن جاريتين سألتاه مرتين. أما متى ومرقس فذكرا الحالتين "  

ونحن نرد ذلك بالآتي :

أ- أن كل انجيل حرص على ذكر ثلاث انكارات فقط فذكر لوقا انكار بطرس امام جارية ثم أمام رجل ثم مرة ثالثة امام رجل آخر بينما ذكر متى و مرقس انكاره أما جارية ثم أمام جارية أخرى ثم أمام الجمع الذين سألوه ، و بالتالى يتبين أن الجمع و التوفيق من القس الفاضل لا يقوم على أساس ، فكما أن لوقا قد أهمل انكار بطرس امام إحدى الجارتين ، لم يذكر متى ولا مرقس أن الانكار  أمام الرجال وقع مرتين و ذكرا مرة واحدة  .

ب- لا نعلم ما الفارق بين الانكار الشديد و الانكار الغير شديد ؟! فالانكار هو الإنكار، وقد أنكر بطرس بوضوح امام الجارتين ، و تبع الإنكار الاول الصياح الأول للديك كما جاء فى مرقس 67:14، 68: (( ...نظرت إليه و قالت : أنت كنت مع يسوع الناصرى؟ فأنكر قائلاً: لست أدرى ما تقولين! و خرج خارجاً إلى الدهليز فصاح الديك ))

اما الانكار الثانى أمام الجارية فقد أقسم بطرس عليه زوراً تأكيداً له : ((.... ثم إذ خرج إلى الدهليز رأته أخرى فقالت للذين هناك: و هذا كان مع يسوع الناصرى، فأنكر أيضاً بقسم : إنى لست أعرف الرجل! )) متى71:26، 72

فلا سبيل للتنكر لاحدى الروايتين ، و تكون نتيجة الجمع بين الروايات حينئذ وفق تعليل القس أن بطرس قد أنكر المسيح أربع مرات، مرتين أمام الجارتين و مرتين امام الرجال فيكون المجموع أربع انكارات لا ثلاثة و تبطل بذلك مقولة القس " اتفق الإنجيليون على عدد مرات إنكار بطرس لسيده "  بل و تبطل  نبوءة المسيح بالكلية إذ أخطأ  فى تحديد عدد مرات الانكار

3) من نقاط التناقض أيضاً ، قال لوقا أن إنكار بطرس جاء رداً على رجلين بينما جعل متى و مرقس الانكار رداً على مجموعة من الرجال،  فزعم القس أن عبارتى متى و مرقس تتضمن أن رجلين سألاه نيابة عن الجمهور، و هذا غلط لأن سؤال الرجال فى متى و مرقس كان مرة واحدة و أنكر بطرس انكاره الثالث حين سؤل هذا السؤال من قبلهم ، بينما نجد فى لوقا أن الانكارين الثانى و الثالث كانا رداً على رجلين و أن كل رجل  منهم كان سؤاله على حده و كان  يتحدث من تلقاء نفسه لا بتفويض من الجلوس

(( و بعد قليل رآه أخر وقال: و أنت منهم!، فقال بطرس : يا إنسان لست أنا!، و لما مضى نحو ساعة واحدة أكد أخر قائلاً: بالحق إن هذا أيضاً كان معه، لأنه جليلى أيضاً، فقال بطرس: يا إنسان لست أعرف ما تقول )) لوقا58:22-60

اما روايتى متى و مرقس فتؤكدان  مجىء عدد من الحضور إليه و سؤاله و بمجرد انكاره صاح الديك :

(( و بعد قليل جاء القيام و قالوا لبطرس: حقاً أنت أيضاً منهم، لأن لغتك تظهرك، فابتدأ حينئذ يلعن و يحلف: إنى لا أعرف الرجل!، وللوقت صاح الديك، فتذكر بطرس كلام يسوع.. )) متى73:26-75

 4) و من مواضع التعارض بين الأناجيل ، تحديد موقع بطرس من الدار فى الوقت الذى أنكر فيه المسيح ، فقال القس عبدالنور أن بطرس كان فى صحن الدار و أن هذا هو معنى مقولة متى : (كان خارجاً فى الدار) و أن صحن الدار هو أسفل الدار، و أن بطرس كان جالساً فى وسط صحن الدار يستدفىء ،........أخذاً بتفسير القس الموقر نستخلص الأتى :

- بالنظر فى رواية متى نجد أن بطرس كان يستدفىء فى وسط صحن الدار حين جاءته جارية و سألته فانكر إنكاره الأول : (( أما بطرس فكان جالساً خارجاً فى الدار ، فجاءته جارية قائلة: و أنت كنت مع يسوع الجليلى! فأنكر قدام الجميع )) 69:26، 70، ثم خرج بطرس إلى الدهليز و هناك لقته جارية ثانية و سألته فأنكر انكاره الثانى (( ثم إذ خرج إلى الدهليز رأته أخرى، فقالت للذين هناك : هذا كان مع يسوع الناصرى!، فأنكر أيضاً بقسم..)) 71:26، 72، ثم جاء إليه القيام و سألوه للمرة الثالثة فأنكر : (( و بعد قليل جاء القيام و قالوا لبطرس: حقاً أنت منهم فإن لغتك تظهرك!، فابتدأ حينئذ يلعن و يحلف: إنى لا أعرف الرجل، و للوقت صاح الديك )) 73:26، 74، فيكون قد أنكر مرة فى وسط صحن الدار و مرتين  فى الدهليز الذى خرج اليه بعد مضايقات اليهود.

- و بالرجوع إلى رواية لوقا نجد إنكار بطرس الأول بعد أن رأته جارية جالساً يصطلى فى وسط صحن الدار : (( ولما أضرموا ناراً فى وسط الدار و جلسوا معاً ، جلس بطرس بينهم، فرأته جارية جالساً عند النار فتفرست فيه و قالت: و هذا كان معه! فأنكره قائلاً: لست أعرفه يا امرأة! )) 55:22، 57، ثم لم يقل لوقا أن بطرس خرج إلى الدهليز و إنما قال أن آخر رآه و سأله فأنكر أيضاً (( و بعد قليل رأه أخر و قال : و أنت منهم، فقال بطرس: يا إنسان لست انا! )) 57:22، ثم بعد ساعة كرر آخر عليه السؤال فكرر بطرس إنكاره (( و لما مضى نحو ساعة واحدة أكد أخر قائلاً: بالحق إن هذا أيضاً كان معه، لأنه جليلى أيضاً!، فقال بطرس: يا إنسان لست أعرف ما تقول!، و فى الحال بينما هو يتكلم صاح الديك ))  59:22، 60، فتكون بذلك إنكارات بطرس الثلاثة قد تمت فى وسط صحن الدار حيث كان يصطلى .

-أما فى رواية يوحنا ، فنجد أن بطرس كان واقفاً عند الباب فى الخارج فجاءه أحد التلاميذ و كلم البوابة ليدخله فسالته هذه البوابه فأنكر انكاره الاول (( و أما بطرس فكان واقفاً عند الباب خارجاً ، فخرج عليه التلميذ الاخر الذى كان معروفاً عند رئيس الكهنة، و كلم البوابة فأدخل بطرس، فقالت الجارية البوابة لبطرس : ألست أنت أيضاً من تلاميذ هذا الإنسان؟ قال ذاك: لست انا )) 16:18، ثم وقف يصطلى مع الجنود الذين أضرموا ناراً فسألوه فأنكر الثانية (( وكان العبيد و الخدام واقفين، و هم قد أضرموا جمراً لأنه كان برد، و كانوا يصطلون، و كان بطرس واقفاً معهم يصطلى .......و سمعان بطرس كان واقفاً يصطلى فقالوا له: ألست أنت أيضاً من تلاميذه؟ فأنكر ذاك و قال: لست أنا! )) 18:18-25، ثم سأله واحد من عبيد رئيس الكهنة فأنكر الثالثة (( قال واحد من عبيد رئيس الكهنة، و هو نسيب الذى قطع بطرس أذنه: أما رأيتك أنا معه فى البستان؟ فأنكر بطرس أيضاً، و للوقت صاح الديك )) 26:18، 27 ، فيكون الإنكار قد وقع عند البوابة أول مرة و فى وسط الدار حيث كانوا يصطلون فى ثانى و ثالث مرة.

5)  نصل إلى موضوع الأسئلة و إختلافها بين الاناجيل : فقد زعم القس أن الأسئلة التى وجهت إلى بطرس واحدة ثم عرض روايتى متى و مرقس المتشابهتين ، و أعرض عن روايتى يوحنا و لوقا موهماً القراء أنهما تسيران على نفس المنوال ، و بالنظر فى رواية مرقس نجد الجارية خاطبت بطرس قائلة : ( أنت كنت مع يسوع الناصرى ) فأنكر، ثم خاطبت الاخرى الحراس مشيرة الي بطرس فقالت: (إن هذا منهم) فأنكر، ثم خاطبه القوم الموجودون فقالوا : ( حقاً أنت منهم لأنك جليلي أيضاً ولغتك تشبه لغتهم ) فانكر، و صيغ الخطاب هنا تشابه نظيراتها فى رواية متى مع وجود اختلافات فى اللفظ، و لكن بالنظر فى روايتى  لوقا و يوحنا تتجلى الاختلافات ، و دعوى القس أن هاتين الروايتين تماثلان روايتى متى و مرقس هى دعوى فاسدة نظراً لاختلافات أشخاص السائلين أساساً بين الروايات فكيف يُقاس بعضهم على بعض؟!

- ففى رواية لوقا نجد أن أول انكار لبطرس صدر رداً على الجارية التى أشارت اليه محدثة القوم أنه من تلاميذ المسيح : (( فرأته جارية جالساً عند النار فتفرست فيه و قالت : هذا منهم )) ، ثم نجد الأنكار الثانى بعد أن رأه رجل فسأله : (( و بعد قليل رأه أخر و قال: أنت منهم )) ، أما الإنكار الثالث فكان رداً على رجل أخر قال : (( بالحق إن هذا أيضاً كان معه، لأنه جليلى أيضاً )) ، فاختلفت الصيغ و تبدلت المواضع كما نرى و فى رواية يوحنا تزيد الإختلافات تباعداً و يظهر التعارض على النحو التالى :

أ- فى رواية يوحنا عن الانكار الأول نجد الجارية تسأل بطرس قائلة : (( ألست أنت أيضاً من تلاميذ هذا الإنسان؟ )) فأنكر، فتأمل أيها اللبيب مدى اختلاف هذه العبارة الإستفهامية الموجهة لبطرس من قبل الجارية عن العبارة الخبريه التى وجهتها إلى الحراس فى رواية لوقا : (( قالت : هذا منهم )) ، و إختلاف كليهما عن العبارة الخبرية التى وُجهتها إلى بطرس فى رواية مرقس : (( و قالت : أنت كنت مع يسوع الناصرى! ))، كل ذلك فى الإنكار الاول فقط

ب- فى رواية يوحنا نجد إنكار بطرس الثانى رداً على سؤال وجهه الحراس إليه: (( فقالوا له : ألست أنت أيضاً من تلاميذه؟ )) فأنكر، أيضاً تأمل هذه الجملة الاستفهامية الموجهة إلى بطرس من الحراس و تعارضها مع الجملة الخبرية التى وجهها إليه احد الحراس فى رواية لوقا : (( و بعد قليل رأه أخر و قال: أنت منهم )) ، و تعارض كليهما مع العبارة الخبرية التى وجهتها الجارية إلى الحرس فى مرقس : (( و ابتدأت تقول للحاضرين:إن هذا منهم )) ، و هذا التناقض فى الإنكار الثانى !

ج- فى رواية يوحنا صدر إنكار بطرس الثالث رداً على سؤال عبد رئيس الكهنة : (( أما رأيتك أنا معه فى البستان؟ )) ، فلاحظ تناقض هذا الاستفهام الموجه إلى بطرس من عبد رئيس الكهنة مع الجملة الخبرية التى وجهها أحد الحراس إلى الباقين فى لوقا و مرقس : (( بالحق إن هذا أيضاً كان معه، لأنه جليلى أيضاً! ))  و هذه إختلافات الإنكار الثالث.

6) أخيراً و بخصوص أجوبة بطرس على الأسئلة فبدهى أنه لا يُرجى توافقاً بينها فى ظل تفاوت الأسئلة بين الاناجيل على النحو المبين أعلاه ، و قد اعترف القس مرة اخرى انها أجوبة متباينة فقال : " بما أن كثيرين من الخدم والحاضرين أخذوا يعنفونه ويضايقونه، فزع وتلعثم في الكلام، وهو يبرئ نفسه بأساليب متنوعة في الوضوح والخفاء. فتارة ينكر، وأخرى يحلف ليتخلّص من ظلم اليهود. وكان ينتقل من مكان لآخر ليواري نفسه ويتخلص من مأزقه "

 فكيف يزعم القس أن الاجوبة متشابهة ولا فرق بينها و قد أكد بنفسه أن انكارات بطرس كانت متعددة و متنوعة الأساليب و فى اماكن شتى ؟ و طبعاً هذا الكلام لا يمكن أن يقصد به ثلاثة إنكارات فحسب!، و بذلك  أثبت القس مشكوراً تضارب الاناجيل

وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا