الجامعة

مقدمة

 

1 كَلامُ الحكيمِ ابنِ داوُدَ مَلِكِ أورُشليمَ.
2باطِلُ الأباطيلِ يقولُ الحكيمُ. باطِلُ الأباطيلِ، كُلُّ شيءٍ باطلٌ.
3أيَّةُ فائدةٍ للإنسانِ مِنْ كُلِّ تعبِهِ،هذا الذي يُعانيهِ تَحتَ الشَّمسِ.
4جيلٌ يَمضي وجيلٌ يجيءُ،والأرضُ قائِمةٌ إلى الأبدِ.
5الشَّمسُ تُشرِقُ والشَّمسُ تَغرُبُ وتُسرِعُ إلى مَوضِعِها حَيثُ تُشرِقُ.
6الرِّيحُ تذهبُ جنوبًا وتدورُ شَمالاً،تدورُ وتُدورُ في مَسيرِها. وإلى مَدارِها تَعودُ الرِّيحُ.
7الأنهارُ كُلُّها تجري إلى البحرِ،والبحرُ لا يمتَلِئْ. فتعودُ إلى المَوضعِ الذي جرَت مِنهُ،إلى هُناكَ تعودُ الأنهارُ لِتَجريَ أيضًا.
8كلُّ شيءٍ مُمِلًّ،والإنسانُ لا يكِلُّ عنِ الكَلامِ، والعينُ لا تَشبَعُ منَ النَّظَرِوالأذُنُ لا تَمتَلِئْ مِنَ السَّماعِ.
9ما كانَ فهوَ الذي سيكُونُ،وما صُنِعَ فهوَ الذي سيُصنَعُ فما مِنْ جديدٍ تَحتَ الشَّمسِ.
10خذْ أيَ شيءٍ يُقالُ فيهِ: ((أنظرْ هذا جديدٌ))، فتجدَهُ كانَ في الزَّمانِ قَبلَنا.
11ما سبَقَ لا يَبقَى ذِكرُهُ،ولا يبقَى ذِكرُ ما سيتبعُ عِندَ الذينَ يَجيئونَ مِنْ بَعدُ.

خبرة الحياة

12أنا الحكيمُ كنتُ مَلِكًا على إِسرائيلَ في أورُشليمَ، 13فوَجهْتُ قلبي، مُستَعينًا بالحِكمةِ، للدَّرسِ والبحثِ عَنْ كُلِّ ما صُنِعَ تَحتَ السَّماءِ، فإذا هوَ عَناءٌ رَديءٌ جعَلَهُ اللهُ لبني البشَرِ حتى يُعانوه. 14رأيتُ كُلَ شيءٍ صُنِعَ تَحتَ الشَّمسِ، فإذا هوَ باطِلٌ وقَبضُ ريحِ.
15الأعوَج لا يُمكِنُ تَقويمُهُ،والنَّقْصُ لا يُمكِنُ سَدُّهُ.
16فقُلتُ في قلبي: ((ها أنا عَظُمتُ واَزْدَدتُ حِكمةً فَوقَ كُلِّ مَنْ كان قَبلي مَلِكًا على أورُشليمَ، ورأيتُ كثيرًا مِنَ الحِكمةِ والمعرِفةِ)).
17وجهتُ قلبي إلى معرِفةِ الحِكمةِ ومعرفةِ الجنونِ والحماقةِ، فعَرَفْتُ أنَّ هذا أيضًا قَبْضُ ريحِ.
18ففي كثرةِ الحِكمةِ كثرةُ الغَمِّ،ومَنِ اَزْدادَ مَعرِفةً اَزْدادَ كآبةً.
2 ثم قُلتُ لقلبي: ((تعالَ فأمتَحِنَكَ بالفرَحِ وأُريكَ السَّعادةَ!)) وإذا هذا أيضًا باطِلٌ. 2قُلتُ للضَّحِكِ: ((فيكَ جنونٌ))، ولِلفَرَحِ: ((ماذا تَنفَعُ؟)) 3واَفْتكرتُ في قلبي أنْ أُنعِشَ جسَدي بالخمرِ على أنْ يبقَى قلبي مُنصَرِفًا إلى الحِكمةِ، وأنْ آخذَ بالحماقةِ لأرى ما السَّعادةُ لبَني البشَرِ فيَعمَلوهُ تَحتَ السَّماءِ طُولَ أيّامِ حياتهِمِ.
4فقُمْتُ بأعمالٍ عظيمةٍ: بنَيتُ لي بُيوتًا وغرَسْتُ لي كرومًا. 5أنشأْتُ لي جنائنَ وبساتينَ وغَرَسْتُ فيها أشجارًا مِنْ كُلِّ ثَمَرٍ. 6صنَعْتُ لي بِرَكَ ماءٍ لأسقيَ الغياضَ النَّاميةَ للأشجارِ.
7إقتَنَيتُ عبيدًا وإماءً وكانَ بيتي عامِرًا بالبَنينَ. رُزِقْتُ مواشيَ كثيرةً مِنَ البقَرِ والغنَمِ حتى فُقتُ جميعَ الذينَ كانوا قَبْلي في أورُشليمَ. 8جمعتُ لي فِضَّةً وذهَبًا معَ كنوزِ الملوكِ والأقاليمِ، واَتَّخذتُ لي مُغنِّينَ ومُغنِّيات وَجواري وكُلُّ ما يَنْعمُ بِهِ البشَرُ، 9فَزِدْتُ عظَمَةً وَفُقتُ جميعَ مَنْ كانوا قَبلي في أورُشليمَ، وبَقِيَت حِكمتي معي. 10وما حرَمْتُ عينيَ شيئًا ما تَمَنَّتاهُ، ولا مَنَعْتُ قلبي مِنَ الفرَحِ شيئًا، بل فَرِحَ قلبي بكُلِّ تعبي. فكانَ هذا حظِّي منْ تعبي كُلِّهِ. 11ثُمَ اَلتَفَتُّ إلى جميعِ ما عَمِلَتْ يَدايَ، وإلى ما عانَيتُ مِنَ التَّعَبِ في عمَلِهِ، فإذا كلُّ شيءٍ باطِلٌ وقبضُ ريحِ، ولا فائِدةَ في شيءٍ تَحتَ الشَّمسِ.
12ولمَّا اَلتَفتُّ لأنظرَ في الحِكمةِ والجنونِ والحماقةِ، وماذا يفعَلُ الخلَفُ غَيرَ ما فعَلَهُ المُلوكُ الذينَ قَبلَهُ، 13رأيتُ أنَّ الحِكمةَ أفضلُ مِنَ الحماقةِ، كما أنَّ النُّورَ أفضلُ مِنَ الظَّلامِ: 14الحكيمُ عيناهُ في رأسِهِ، أمَّا الجاهلُ فيسيرُ في الظَّلامِ. لكنِّي عرَفْتُ أيضًا أنَّ ما يَحدُثُ للواحدِ يَحدُثُ للآخرِ. 15فقُلتُ في قلبي: ((ما يَحدُثُ للجاهلِ يحدُثُ لي أنا أيضًا، فما نَفعُ حِكمتي هذِهِ؟)) وقُلتُ في قلبي: ((هذا أيضًا باطِلٌ)). 16فما مِنْ ذِكْرٍ دائِمِ للحكيمِ ولا للجاهلِ، وفي الأيّامِ الآتيةِ كُلُّ شيءٍ يَطْويهِ النِّسيانُ. ويا أسَفي، كَيفَ يموتُ الحكيمُ كالجاهلِ! 17فكَرِهْتُ الحياةَ لأنَّ ما يُعمَلُ تَحتَ الشَّمسِ سَيِّئِّ في نظَري، فهوَ كُلُّهُ باطِلٌ وقبضُ ريحِ. 18وكرِهْتُ كُلَ ما عايَنتُ تَحتَ الشَّمسِ من تَعَبٍ سأتركُهُ لِمَنْ يجيءُ بَعدي. 19ومَنْ يَعلَمُ هل يكونُ حكيمًا أو أحمَقَ، ومعَ ذلِكَ سيَتَسلَّطُ على كُلِّ ما عايَنتُهُ وبذْلتُ حكمَتي لَه تَحتَ الشَّمسِ. هذا أيضًا باطِلٌ. 20فَمِلْتُ إلى قلبي أزرعُ فيهِ اليأسَ مِنْ كُلِّ التَّعَبِ الذي عانَيْتُهُ تَحتَ الشَّمسِ. 21أيَتعبُ إنسانٌ بِحِكمةٍ ومَعرِفةٍ ونجاحِ، ثُمَ يَترُكُ ما جناهُ لإنسانٍ لا يكونُ تَعِبَ فيهِ؟ هذا أيضًا باطلٌ وشَرًّ عظيمٌ. 22فأيَّةُ فائدةٍ للإنسانِ مِنْ كُلِّ تعبِهِ، ومِنْ جهدِ قلبِهِ الذي عاناهُ تَحتَ الشَّمسِ؟ 23أيّامُهُ كُلُّها كآبةٌ وعناؤُهُ غَمًّ، حتى في اللَّيلِ لا يَرتاحُ بالُهُ. هذا أيضًا باطِلٌ. 24فما للإنسانِ خيرٌ مِنْ أن يأكلَ ويَشربَ ويَجنيَ ثمَرَةَ تعَبِهِ. أرى أنَّ هذا أيضًا مِنْ يدِ اللهِ، 25وإلاَ فكَيفَ تأكلُ وتتَنَعَّمُ؟ 26واللهُ يُعطي الصَّالحينَ حِكمةً ومعرِفةً وفرَحًا، ويَجعَلُ الخاطِئينَ يُعانُونَ في الجمْعِ والادِّخارِ، لِيُعطيَ ذلِكَ كُلَّهُ لِمَنْ يكونُ صالِحًا لدَيهِ. هذا أيضًا باطِلٌ وقبضُ ريحِ.

لكل شيء أوان

3 لِكُلِّ شيءٍ أوانٌ، ولِكُلِّ أمرٍ تَحتَ السَّماءِ وقتٌ:
2لِلولادَةِ وقتٌ وللموتِ وقتٌ. لِلغَرْسِ وقتٌ ولِقَلْعِ المَغرُوسِ وقتٌ،
3للقتلِ وقتٌ وللشِّفاءِ وقتٌ،للهَدْمِ وقتٌ وللبناءِ وقتٌ،
4للبكاءِ وقتٌ وللضَّحِكِ وقتٌ، للنَّحيبِ وقتٌ وللرَّقصِ وقتٌ،
5لِطَرْحِ الحجارةِ وقتٌ ولتكويمِ الحجارةِ وقتٌ، للمعانَقَةِ وقتٌ وللامتِناعِ منَ المُعانَقةِ وقتٌ،
6لِلكَسْبِ وقتٌ وللخسارةِ وقتٌ،لحفظِ الشَّيءِ وقتٌ ولِطَرْحِهِ وقتٌ،
7للتَّمزيقِ وقتٌ وللخياطَةِ وقتٌ،للسُّكوتِ وقتٌ وللكَلامِ وقتٌ.
8للحُبِّ وقتٌ وللبُغضِ وقتٌ،للحربِ وقتٌ وللسِّلْمِ وقتٌ.
9فأيُّ فائِدَةٍ للعامِل منْ تعَبِهِ؟ 10رأيتُ العَناءَ الذي جعَلَهُ اللهُ لِبَني البشَرِ حتى يُعانونَ، 11فإذا كُلُّ شيءٍ حسَنٌ في وقتِهِ. وأعطى اللهُ الإنسانَ أنْ يَعيَ في قلبِهِ دَيمومَةَ الزَّمانِ مِنْ غَيرِ أنْ يُدرِكَ أعمالَ اللهِ مِنَ البدايةِ إلى النِّهايةِ. 12فعَرَفْتُ أنَّ ما مِنْ شيءٍ خيرٌ للإنسانِ مِنْ أنْ يفرحَ ويتلذَّذَ في حياتِهِ. 13وأنَّ هِبَةَ اللهِ للإنسانِ هيَ أنْ يأكلَ ويَشربَ ويَجنيَ ثمَرَةَ تَعَبِهِ. 14وعرَفْتُ أنَّ كُلَ ما يعمَلُهُ لِيَخشَعَ البشَرُ أمامَهُ. 15ما يكونُ فَمِنْ قَبلُ كانَ، وما سيكونُ فهوَ الذي كانَ. واللهُ يُعيدُ ما مضى.

الظلم في الأرض

16ولكنِّي رأيتُ أيضًا تَحتَ الشَّمسِ أنَّ في مَوضعِ الحَقِّ والعَدلِ شرُا، 17فقُلتُ في قلبي: ((اللهُ يَدينُ الصِّدِّيقَ والشِّرِّيرَ معًا، فهنا لكُلِّ أمرٍ ولكُلِّ عِلْمِ وقتٌ)). 18وقُلتُ في قلبي: ((البشَرُ يتَصَرَّفُونَ هذا التَّصَرُّفَ لِيَمتَحِنَهُمُ اللهُ ويُريَهُم أنَّهُم في حَقِّ أنفُسِهِم كالبَهائِمِ)). 19كَيفَ لا، ومصيرُ بَني البشَرِ والبهيمةِ واحدٌ؟ فكما يموتُ الإنسانُ تموتُ هيَ، ولهما نَسَمةُ حياةٍ واحدةٌ. وما للإنسانِ فَضلٌ على البهيمةِ، لأنَّ كِلَيهما باطِلٌ. 20كِلاهُما يصيرانِ إلى مكانٍ واحدٍ، وكِلاهُما مِنَ التُّرابِ وإلى التُّرابِ يَعودانِ. 21ومَنْ يَعلَمُ هل تصعَدُ روحُ البشَرِ إلى العَلاءِ وتَنزِلُ روحُ البهيمةِ إلى الأرضِ؟ 22فرأيتُ أن لا شيءَ خيرٌ مِنْ أنْ يفرحَ الإنسانُ بأعمالِهِ، وهذا حَظُّهُ. فمَنْ يُرجعُهُ لِيَرى ما سيكونُ مِنْ بَعدِهِ؟
4 رأيتُ جميعَ المَظالِمِ التي تَجري تَحتَ الشَّمسِ. فها هيَ دُموعُ المَظلومينَ ولا مُعَزِّيَ لهُم، وفي أيدي ظالِميهِم قُدْرةٌ ولا مَنْ يُعينُهُم. 2هَنيئًا لِلأمواتِ الذينَ ماتوا مِنْ قَبلُ، فهُم أسعَدُ حالاً مِنَ الأحياءِ الباقينَ حتى الآنَ. 3وخيرٌ مِنْ كِلَيهِما مَنْ لم يُولَدْ بَعدُ، لأنَّهُ لم يَرَ المَساوِئَ التي تُرتكَبُ تَحتَ الشَّم.
4ورأيتُ أنَّ كُلَ تَعَبٍ وكُلَ نجاحِ في العمَلِ إنَّما هو حسَدُ الإنسانِ مِنْ أخيهِ الإنسانِ. هذا أيضًا باطِلٌ وقبضُ ريحِ.5الكسلانُ يَطوي يَدَيهِ ويأكُلُ مِنْ لَحمِهِ الحَيِّ ويقولُ: 6((حَفْنَةُ راحةٍ خيرٌ مِنْ حَفْنَتَي تَعَبٍ وقبضِ ريحِ)).7ثُمَ رأيتُ باطلاً آخرَ تَحتَ الشَّمسِ: 8واحدًا وحيدًا لا اَبنٌ لَه ولا أخ، ولا نِهايةٌ لِكُلِّ تَعَبِهِ، ولا تَشبَعُ عينُهُ مِنَ الغِنَى ولا يقولُ: ((لِمَنْ أتعَبُ وأحرِمُ نَفسيَ السَّعادةَ؟)) هذا أيضًا باطِلٌ وعَناءٌ ولا خيرَ فيهِ.9إثنانِ خيرٌ مِنْ واحدٍ، لأنَّ لهُما جزاءً أفضلَ على عمَلِهِما معًا. 10إذا وقَعَ أحدُهُما أقامَهُ رفيقُهُ. والويلُ لِمَنْ هو وحدهُ، لأنَّهُ إذا وقَعَ فلا أحدَ يُقيمُهُ. 11وأيضًا إذا اَضطجعَ اَثنانِ كانَ لهُما دِفءٌ، أمَّا الواحدُ فكَيفَ يَدفَأُ.
12وإنْ كانَ الواحدُ يَغلِبُ الواحدَ. فالاثنانِ يُقاومانِهِ. والخيطُ المُثَلَّثُ لا يَنقَطعُ سريعًا.13فتىً مِسكينٌ وحكيمٌ خيرٌ مِنْ مَلِكٍ شيخ يَجهَلُ التَّبصُّرَ في الأمورِ. 14فقَد يَخرُج الفتى مِنْ بَيتِ أهلِهِ إلى المُلْكِ، والمولودُ في المُلْكِ قد يَفتَقِرُ. 15رأيتُ جميعَ الأحياءِ السَّائرينَ تَحتَ الشَّمسِ يُناصرونَ المَلِكَ واَبْنَهُ الذي يَحِلُّ مكانَهُ. 16وقد يحكُمُ المَلِكُ شعبًا لا يُحصَى. ولكنَّ واحدًا مِنهُم لا يفرَحُ بهِ. هذا أيضًا باطِلٌ وقبضُ ريحِ.
17إنتَبِهْ كَيفَ تَسلُكُ حينَ تذهَبُ إلى بيتِ اللهِ. فالاقْتِرابُ لِسَماعِ كلامِ اللهِ خيرٌ مِنْ تقديمِ ذبيحَةٍ، كالجهَّالِ الذينَ لا يعرفونَ الخيرَ مِنَ الشَّرِّ.
5 لا تستَعجلْ في كَلامِكَ، ولا تتَسَرَّعْ في وعُودِكَ للهِ، لأنَّ اللهَ في السَّماءِ وأنتَ على الأرضِ، فلتكُنْ كَلِماتُكَ قليلةً.
2الأحلامُ تأتي مِنْ كثرةِ العَناءِ وقولُ الجهلِ مِنْ كثرةِ الكلامِ.
3إذا نَذَرْتَ نَذْرًا للهِ فلا تُؤَجلْ إيفاءَهُ، لأنَّ اللهَ لا يَرضَى عَنِ الكَسالَى. فأوفِ ما نَذَرْتَ.
4ألاَ تَنذِرَ خيرٌ مِنْ أنْ تَنذِرَ ولا تُوفي.
5لا تَدَعْ كَلامَكَ يَقودُكَ إلى الخطيئةِ، ولا تَقُلْ أمامَ الكاهنِ: ((هذا سَهْوٌ))، لِئلاَ يَغضَبَ اللهُ مِنْ قولِكَ، فيَفسُدَ ما صنَعَتْهُ يَداكَ.
6في كثرَةِ الأحلامِ أباطيلُ،وكذلِكَ في كثرَةِ الكلامِ. فعلَيكَ أنْ تخافَ اللهَ.

الغنى باطل

7إذا رأيتَ أحدًا يَظلِمُ الفقيرَ وينتَهِكُ الحَقَ والعَدلَ في بَعضِ البُلدانِ، فلا تتَعَجبْ مِنَ الأمرِ، لأنَّ فَوقَ العالي مَنْ هوَ أعلى مِنهُ يَحميهِ، وأنَّ فَوقَهُما مَنْ هوَ أعلى مِنهُما يَحميهِما، 8وأنَّ الأرضَ بِكُلِّ ما فيها خاضعةٌ للمَلِكِ. 9مَنْ يُحِبُّ الفِضَّةَ لا يَشبَعُ مِنَ الفِضَّةِ، ومَنْ يُحِبُّ المالَ لا يَشبَعُ مِنَ الكَسْبِ. هذا أيضًا باطِلٌ.10إذا زادتِ الخيراتُ زادَ الذينَ يأكلونَها. فأيُّ نفعِ مِنها لِصاحبِها إلاَ أنْ تَراها عَيناهُ؟ 11نَومُ العامِلِ لَذيذٌ، سَواء أكَلَ كثيرًا أم قليلاً، أمَّا شبَعُ الغنيِّ فلا يَترُكُهُ ينامُ.
12شَرًّ مُحْزِنٌ رأيتُهُ تَحتَ الشَّمسِ: غنًى مدَّخرٌ ينقَلِبُ سُوءًا على مالِكِهِ. 13فصَفقَةٌ خاسِرَةٌ واحدةٌ تَكفي لِزوالِ غِناهُ، ويُولَدُ لَه اَبنٌ وما في يَدِهِ شيءٌ يُورِثُهُ لهُ. 14عُريانًا خرَج مِنْ بَطْنِ أمِّهِ، وعُريانًا خرَج مِنْ تعَبِهِ يأخذُهُ معَهُ. 15وهذا أيضًا شَرًّ مُحْزِنٌ: أنْ يذهبَ كما جاءَ. فأيَّةُ مَنفَعَةٍ لَه مِنْ أنَّ تعَبَهُ كانَ للرِّيحِ، 16وهوَ الذي قضَى كُلَ أيّامِهِ يأكلُ في الظَّلامِ وكَثرةِ الغَمِّ والألمِ والنَّقمةِ.
17وخلاصةُ ما رَأيتُهُ أنَّ خيرَ ما يَفعَلُهُ الإنسانُ هوَ أنْ يَأكلَ ويشربَ ويجدَ لَذَّةً في كُلِّ ما يعمَلُهُ تَحتَ الشَّمسِ مُدَّةَ أيّامِ حياتِهِ التي وَهبَها اللهُ لَه، فهذا حَظُّهُ. 18وإذا رزَقَ اللهُ الإنسانَ غِنًى وثَروَةً وأتاحَ لَه أنْ يَنعَمَ بها، ويرضَى بِحَظِّهِ مِنها، ويفرحَ بِتَعَبِه فيها، فهذا عطيَّةٌ مِنَ اللهِ. 19وبذلِكَ لا يَذكُرُ كم هيَ قصيرَةٌ أيّامُ حياتِهِ، لأنَّ اللهَ يُشغِلُ قلبَهُ بالفرَحِ.
6 وهُناكَ شَرًّ عظيمٌ يُعانيهِ النَّاسُ رأيتُهُ تَحتَ الشَّمسِ: 2إنسانٌ رزَقَهُ اللهُ غِنًى وثَروَةً ومَجدًا، فما أعوزَهُ شيءٌ مِمَّا تَشتَهيهِ نفْسُهُ. ولكنَّ اللهَ لا يُتيحُ لَه أنْ يَنعَمَ بِما رزَقَهُ، وإنَّما يَنعَمُ بهِ غريبٌ. هذا باطِلٌ وشَرًّ أليمٌ.
3إنْ ولَدَ إنسانٌ مِئةَ وَلَدٍ وعاشَ عُمرًا طويلاً وأخصَبت أيّامُ حياتِهِ، وما شَبِعَت نفْسُهُ مِنْ خيراتِهِ ولا كانَ لَه قبرٌ يُدفَنُ فيهِ، فأقولُ إنَّ السِّقْطَ خيرٌ مِنهُ. 4فهوَ في الباطِلِ يجيءُ، وفي الظَّلامِ يذهبُ، وفي الظَّلامِ يَنطوي اَسمُهُ. 5لا يرى الشَّمسَ ولا يعرفُ شيئًا، ولكنَّه يَنعَمُ بالرَّاحةِ أكثرَ مِنْ ذاكَ 6الذي لا يَرى خيرًا ولو عاشَ ألفَ سنةٍ مرَّتَينِ. ثُمَ يذهَبُ هوَ والسِّقْطُ كِلاهُما إلى مَوضعِ واحدٍ!7كُلُّ تَعبِ الإنسانِ لِفَمِهِ، وبَطنُهُ لا يَمتَلِئْ أبدًا.8فما فَضْلُ الحكيمِ على الجاهلِ؟ وماذا يَنالُ المِسكينُ الذي يُحسِنُ التَّصَرُّفَ في الحياةِ؟ 9هل ما تَراهُ العينُ عمَّا تَشتَهيهِ النَّفْسُ؟ هذا أيضًا باطِلٌ وقبضُ ريحِ.10كُلُّ ما في الوجودِ سُمِّيَ باَسْمِهِ سَلَفًا، والإنسانُ معروفٌ ما هوَ، وهو لا يقدِرُ أنْ يَدينَ مَنْ هوَ أقوى مِنهُ. 11كثرَةُ الكلامِ تُكثِرُ الباطِلَ، فأيَّةُ فائدةٍ مِنهُ للإنسانِ؟12فمَنْ يَعرِفُ ما هوَ خيرٌ للإنسانِ في الحياةِ، مُدَّةَ أيّامِهِ الباطِلةِ التي تمُرُّ كالظِّلِّ؟ ومَنْ يُخبِرُ الإنسانَ بما يكونُ بَعدَهُ تحتَ الشَّمسِ؟

نظرة الحكيم إلى الحياة

7 الصِّيتُ خيرٌ مِنَ الطِّيبِ،ويومُ الموتِ خيرٌ مِنْ يومِ الوِلادةِ.
2الدُّخولُ إلى بَيتِ النُّواحِ،ولا الدُّخولُ إلى بَيتِ الوليمةِ. فالموتُ نِهايةُ كُلِّ إنسانٍ،والحَيُّ يُدرِكُ هذا في قلبِهِ.
3الغَمُّ خيرٌ مِنَ الضَّحِكِ،وبكآبةِ الوجهِ يَنتَفِعُ القلبُ.
4قلبُ الحُكَماءِ في بَيتِ النُّواحِ،وقلبُ الجهَّالِ في بَيتِ المرَحِ.
5سَماعُ التَّأنيبِ مِنَ الحكيمِخيرٌ مِنْ سَماعِ مَديحِ الجاهِلِ.
6كَصوتِ الشَّوكِ تَحتَ القِدْرِ كذلِكَ ضَحِكُ الجهَّالِ. هذا أيضًا باطِلٌ.
7العِشْقُ يُجنِّنُ الحكيمَ،ويُبيدُ قلُوبَ الأقوياءِ.
8آخرُ الأمرِ خيرٌ مِنْ أوَّلِهِ،وطُولُ البالِ خيرٌ مِنْ تكبُّرِ الرُّوحِ.
9لا تُسرِعْ إلى الغضَبِ، فالغضَبُ يكمُنُ في صُدورِ الجهَّالِ.
10لا تَقُلْ لماذا كانتِ الأيّامُ الأُوَلُ خيرًا مِنْ هذِهِ. فما هذا السُّؤالُ عنْ حِكمةٍ.
11الحِكمةُ معَ الغِنَى أفضلُ وأنفعُ للإنسانِ، لأنَّهُ يكونُ آمِنًا 12في ظِلِّ الحِكمةِ وظِلِّ الفِضَّةِ معًا، وفَضلُ مَعرِفةِ الحِكمةِ أنَّها تُحيي صاحِبَها.13أنظُرْ إلى ما عَمِلَهُ اللهُ: مَنْ يَقدِرُ أنْ يُقوِّمَ ما عَوَّجهُ؟ 14في يومِ الخيرِ كُنْ بِخيرٍ، وفي يومِ الشَّرِّ تأملْ أنَّ اللهَ يُرسِلُ الخيرَ والشَّرَ معًا، لِئلاَ يَعلَمَ البشَرُ شيئًا مِمَّا يكونُ فيما بَعدُ.15جملَةُ ما رأيتُهُ في أيّامي الباطِلةِ: الأبرارُ في بِرِّهِم يَهلكُونَ والأشرارُ في شَرِّهِم تَطُولُ حياتُهُم.16لا تكُنْ بارُا مُسرِفًا في البِرِّ، ولا حكيمًا أكثرَ ممّا يجبُ، لِئلاَ تُتعِبَ نفْسَكَ. 17لا تكُنْ شرِّيرًا مُسرِفًا في الشَّرِّ، ولا أحمَقَ مُسرِفًا في الحماقةِ. فلماذا تموتُ قَبلَ وقتِكَ. 18خيرٌ لكَ أنْ تتَمَسَّكَ بهذا الشَّيءِ أو ذاكَ، مِنْ غَيرِ أنْ تُرخيَ يَدَكَ عَنْ أحدِهِما، فالذي يَخافُ اللهُ يَنجحُ في كِلَيهِما.
19الحِكمةُ تَجعلُ الحكيمَ أقوى مِنْ عشَرَةِ حُكَّامِ في المدينةِ. 20ما مِنْ صِدِّيقٍ في الأرضِ يعمَلُ الخيرَ ويَسلَمُ مِنَ الخطإِ. 21لا تَفتَحْ قلبَكَ لكُلِّ كَلامِ يُقالُ، لِئلاَ تَسمَعَ أنَّ خادِمَكَ يَلعَنُكَ. 22فقلبُكَ يَعرِفُ كم مرَّةً أنتَ أيضًا لَعَنتَ غَيرَكَ.23كُلُّ هذا اَمتحَنتُهُ بالحِكمةِ. قُلتُ: أصيرُ حكيمًا، فإذا الحِكمةُ بعيدةٌ عنِّي. 24فما هوَ بعيدٌ وعميقٌ جدُا مَنْ يَجدُهُ؟25فتَوَجهْتُ بِكُلِّ قلبي إلى العِلْمِ والدَّرسِ باحِثًا عن الحِكمةِ وحقيقةِ الأمورِ، وإلى مَعرِفةِ الشَّرِّ على أنَّهُ حماقةٌ، والجهلِ على أنَّهُ جنونٌ. 26فوَجدْتُ أنَّ المرأةَ أمَرُّ مِنَ الموتِ، لأنَّ قلبَها مَصيدةٌ وشَبكةٌ ويَداها قُيودٌ. الصَّالحُ أمام اللهِ ينجو مِنها،أمَّا الخاطئْ فيعلَقُ بها.27يقولُ الحكيمُ: أنظرْ، هذا ما وَجدْتُهُ شيئًا فشيئًا لأعرِفَ حقيقةَ الأمورِ. 28ولا أزالُ أبحَثُ عنها، فلا أجدُها. بَينَ ألفِ رجلٍ وجدْتُ واحدًا صالِحًا ولم أجدِ اَمرأةً صالِحةً بَينَ ألفٍ. 29وإنَّما وجدْتُ أنَّ اللهَ صنَعَ الإنسانَ مُستَقيمًا ولكنَّ الإنسانَ يُكثِرُ مِنْ سُوءِ الظَّنِّ.
8 مَنْ كالحكيمِ يَعرِفُ تَفسيرَ الأمورِ؟ حِكمةُ الإنسانِ تُنيرُ وتُضيءُ جبهَتَهُ.
2أنا أقولُ: إحفَظْ أوامرَ المَلِكِ، لأنَّكَ حلَفتَ يمينًا للهِ. 3أسرِعْ منْ أمامِ وجهِهِ ولا تُعانِدْ في ما يُسيئُهُ، فهوَ يفعَلُ كُلَ ما يشاءُ. 4كَلِمةُ الملكِ لها سلطانٌ، فَمَنْ يَجرُؤُ أنْ يقولَ لَه: ((ماذا تفعَلُ؟))
5مَنْ يحفَظُ وصايا المَلِكِ لا يُصيبُهُ سُوءٌ، والحكيمُ يَعرِفُ في قلبِهِ متى وكَيفَ يفعَلُ ذلِكَ. 6فلِكُلِّ أمرٍ وقتٌ ونَهْج، والإنسانُ عُرضَةٌ لشَرٍّ عظيمِ. 7فهوَ لا يَعرِفُ ما سيكونُ ولا يُخبِرُهُ أحدٌ بهِ. 8ما لأحدٍ سُلطانٌ على الرُّوحِ فيَمنَعَها مِنْ مُفارقةِ الجسَدِ، ولا سُلطانٌ على يومِ الموتِ، ولا هُروبٌ ساعةَ القِتالِ، ولا يُنَجي الأشرارَ شَرُّهُم. 9كُلُّ هذا رأيتُهُ حينَ وجهْتُ قلبي إلى كُلِّ عمَلٍ يُعمَلُ تَحتَ الشَّمسِ، ما دامَ الإنسانُ يتَسَلَّطُ على الإنسانِ لِلإساءَةِ إليهِ.

الأشرار والصالحون

10ورأيتُ أشرارًا يُدفَنونَ بِكرامةٍ، والنَّاسُ في طريقِ عَودَتِهِم مِنَ المقبرةِ يَنسَونَ ما فعَلوهُ في المدينةِ مِنَ الشَّرِّ. هذا أيضًا باطلٌ. 11فإذا كانَ الحُكْمُ على المَساوئِ لا يَجري سريعًا، فقُلوبُ البشَرِ تَمتَلئْ جرأةً على فِعلِ السُّوءِ.
12الخاطئْ يُسيءُ مِئةَ مرَّةٍ وتَطولُ أيّامُهُ، ولكنِّي أعرِفُ ما يُقالُ، وهوَ أنَّ الذينَ يخافونَ اللهَ ويَخشَونَ وجهَهُ سَينالونَ خيرَ جزاءٍ، 13وأنَّ الأشرارَ لا يُصيبُهُم خيرٌ ولا تطُولُ أيّامُهُم بل تَمضي كالظِّلِّ لأنَّهُم لا يَخشَونَ وجهَ اللهِ. 14لكِنْ هذا باطِلٌ عِندي. ففي الأرضِ أبرارٌ يُصيبُهُم ما يُصيبُ الأشرارَ، وأشرارٌ يُصيبُهم ما يُصيبُ الأبرارَ. فأقولُ هذا أيضًا باطِلٌ.15لذلِكَ أمدَحُ الفرَحَ. فما لِلإنسانِ خيرٌ، تَحتَ الشَّمسِ غيرَ أنْ يأكُلَ ويشرَبَ ويفرَحَ. فهذا كُلُّ ما يَبقى لَه مِنْ تَعَبِهِ في أيّامِ حياتِهِ التي وهَبَها اللهُ لَه تَحتَ الشَّمسِ.
16ولمَّا وجهْتُ قلبي إلى معرِفةِ الحِكمةِ وإلى النَّظرِ في ما يُعانيهِ الإنسانُ على الأرضِ، كَيفَ لا يَذوقُ النَّومَ في عينَيهِ نهارًا وليلاً، 17رأيتُ أنَّ الإنسانَ لا يَقدِرُ أنْ يَعرِفَ أعمالَ اللهِ تَحتَ الشَّمسِ، ولا أنْ يُفَسِّرَ لمَاذا يتعَبُ الإنسانُ في طَلبِ معرِفتِها فلا يَجدُ، حتى الحكيمُ لا يَجدُها وإنْ زعَمَ أنَّه وجدَها.
9 هذا كُلُّهُ تأمَّلتُهُ في قلبي وبحَثتُهُ، فوَجدْتُ أنَّ الصِّدِّيقينَ والحُكماءَ وأعمالَهُم في يَدِ اللهِ.
الإنسانُ لا يَعرِفُ حُبُا ولا بُغضًا. كُلُّ شيءٍ في عينَيهِ ككُلِّ شيءٍ. 2ما دامَ المصيرُ واحدًا للصِّدِّيقِ وللشِّرِّيرِ، للصَّالِحِ والطَّالِحِ، للطَّاهرِ والنَّجسِ، لِمَنْ يُقرِّبُ الذَّبائحَ ولِمَنْ لا يُقرِّبُ الذَّبائحَ، وما دامَ الصَّالحُ مِثلَ الخاطئِ، والذي يَحلِفُ مِثلَ الذي يَهابُ أنْ يَحلِفَ. 3وهُناك الشَّرُّ كامِنٌ في كُلِّ عملٍ تَحتَ الشَّمسِ، وهوَ أنْيكونَ المصيرُ واحدًا للجميعِ. فتمتلئْ قلوبُ بني البشَرِ مِنَ السُّوءِ وصدورُهُم مِنَ الجنونِ في حياتِهِم وبَعدَ المَماتِ. 4ولكِنْ كُلُّ ما يُشارِكُ الأحياءَ في حياتِهِم يكونُ لَه رجاءٌ. فالكلبُ الحَيُّ خيرٌ من الأسدِ المَيْتِ. 5والأحياءُ يعرِفونَ أنَّهُم سيَمُوتونَ. أمَّا الأمواتُ فلا يعرِفُونَ شيئًا ولا جزاءَ لهُم بَعدُ، وذِكْرُهُم طَواهُ النِّسيانُ. 6حُبُّهُم وبُغضُهُم وحسَدُهُم زالَ جميعًا، ولا حَظَّ لهُم بَعدُ في شيءٍ ممَّا يَجري تَحتَ الشَّمسِ.7فاَذهَبْ كُلْ خبزَكَ بِفرَحِ واَشرَبْ خمرَكَ بِقلبٍ مسرورٍ، فما تعمَلُهُ رَضِيَ اللهُ سَلَفًا عَنهُ. 8وَلتكُن ثيابُكَ بيضاءَ في كُلِّ حينٍ، ولا يُعوِزُ رأسَكَ الطِّيبُ. 9تمَتَّعْ بالعَيشِ معَ المرأةِ التي تُحِبُّها كُلَ أيّامِ حياتِكَ الباطِلةِ التي وهَبَها اللهُ لكَ تَحتَ الشَّمسِ. فهذا حظُّكَ مِنَ الحياةِ ومِنْ تعَبِكَ الذي تُعانيهِ تَحتَ الشَّمسِ. 10كُلُّ ما تقَعُ علَيهِ يَدُكَ مِنْ عمَلٍ فاَعمَلْهُ بِكُلِّ قُوَّتِكَ، فلا عمَلٌ ولا تَفكيرٌ ولا معرِفَةٌ ولا حِكمةٌ في عالمِ الأمواتِ التي أنتَ صائِرٌ إليهِ.
11واَلتَفَتُّ فرَأيتُ تَحتَ الشَّمسِ أنَّ السَّبْقَ لا يكونُ للسَّبَّاقينَ، ولا النَّصرَ في القِتالِ للأقوياءِ، ولا الخبزَ للحُكَماءِ، ولا الغِنَى للفُهَماءِ، ولا الخبزَ للعُلَماءِ، فهُم جميعًا تَحتَ رحمةِ الزَّمانِ والقَدَرِ.
12فالإنسانُ لا يعرِفُ متى تَحينُ ساعَتُهُ، فهوَ كالأسماكِ التي تُؤخذُ بِشَبكةٍ غادِرةٍ وكالعصافيرِ التي تُمسِكُها الفِخاخ، تَصطادُهُ المَصائِبُ بَغتَةً في زمَنِ الشَّرِّ.13ورأيتُ مثَلاً آخرَ على الحِكمةِ تَحتَ الشَّمسِ وكانَ عظيمًا في نَظري: 14مدينةٌ صغيرةٌ فيها رِجالٌ قليلونَ، هاجمَها مَلِكٌ عظيمٌ وحاصَرَها وبنى عليهَا حُصونًا مَنيعَةً. 15وكانَ فيها رَجلٌ مِسكينٌ حكيمٌ فأنقَذَها بِحِكمتِهِ. وفيما بَعدُ لم يَذكُرْ أحدٌ ذلِكَ الرَّجلَ المِسكينَ. 16فقُلتُ إنَّ الحِكمةَ خيرٌ مِنَ القُوَّةِ، ومعَ ذلِكَ فحِكمةُ المِسكينِ مُحتَقَرَةٌ وكَلامُهُ غَيرُ مَسموعِ. 17كَلامُ الحُكماءِ المَسموعُ في الهُدوءِ أفضَلُ مِنْ صُراخ الحاكمِ بَينَ الجهَّالِ. 18والحِكمةُ خيرٌ مِنْ آلاتِ الحربِ، وخاطئِّ واحدٌ يُتلِفُ خيرًا كثيرًا.
10 الذُّبابُ المَيْتُ يُنَتِّنُ طِيبَ العَطَّارِ، وقليلٌ مِنَ الحماقةِ أثقَلُ مِنَ الحِكمةِ والمَجدِ.
2قلبُ الحكيمِ يُقَوِّمُ طريقَهُ وقلبُ الجاهِل يُعوِّجهُ.
3فما إنْ يَمشي الجاهلُ في الطَّريقِ حتى يَفتَضِحَ اعوِجاج قلبِهِ، ويقولَ كُلُّ واحدٍ إنَّهُ جاهلٌ.
4إذا ثارَ علَيكَ غضَبُ الحاكمِ فلا تَترُكْ مكانَكَ، فالرَّصانَةُ تُجنِّبُكَ أخطاءً فادِحةً.
5رأيتُ سَيِّئَةً يَرتَكبُها الحُكَّامُ سَهْوًا تَحتَ الشَّمسِ، 6وهيَ أنَّهُم يرفَعُونَ الحَمقَى إلى أعلى المَراتِبِ، ويُجلِسونَ الأغنياءَ في أحَطِّ الدَّرَكاتِ. 7ورأيتُ عبيدًا على ظُهورِ الخيلِ وأُمَراءَ ماشينَ على الأرضِ كالعبيدِ.
8مَنْ يَحفِرْ حُفْرَةً يَقَعْ فيها. ومَنْ يَنقُبْ جدارًا تَلدَغْهُ حَيَّةٌ.
9مَنْ يَقلَعْ حِجارةً يُؤذَ بِها،ومَنْ يَشقُفْ حطبًا يُجرَحْ بهِ.
10إذا كَلَ الحديدُ ولم يُسَنَّنْ حَدُّهُ، تَزايَدَتِ القُوَّةُ في اَستِعمالِها. والحِكمةُ أنفَعُ للنَّجاحِ.
11إذا لَدَغَتْكَ الحَيَّةُ قَبلَ الرُّقيةِ فما نَفْعُ الرَّاقي؟ 12كَلامُ الحكيم نِعمةٌ، وشفتا الجاهلِ تَبتَلِعانِهِ.
13فأوَّلُ كلامِهِ حماقةٌ، وآخرُهُ جنُونٌ مُطْبِقٌ. 14الأحمقُ يُكثِرُ مِنَ الكَلامِ، معَ أنَّ الإنسانَ لا يعلَمُ ماذا سيكونُ، وما مِنْ أحدٍ يُخبِرُهُ بِما سيكونُ مِنْ بَعدِهِ. 15الجاهلُ يُتعِبُ نفْسَهُ بالعمَلِ، فلا يَعرِفُ طريقَهُ إلى المدينةِ.
16ويلٌ للبلادِ، إذا كانَ مَلِكُها ولَدًا وأُمراؤُها يأكلونَ ويَشربونَ حتى الصَّباحِ.
17وهَينئًا للبلادِ، إذا كانَ مَلِكُها سَليلَ الأحرارِ وأُمَراؤُها يأكلونَ طَعامَهُم في وقتِهِ لِلقوَّةِ لا لِلسُّكْرِ.
18بالبَطالَةِ يَهبُطُ السَّقْفُ،وبِتراخي اليَدَينِ يَكِفُ البَيتُ.
19بالخبزِ والخمرِ تضحَكُ وتفرحُ في الحياةِ، والمالُ يُلَبِّي كِلَيهِما.
20لا تَلعَنِ المَلِكَ ولو في فِكرِكَ،ولا الغَنيَ ولو في غُرفةِ نَومِكَ. فطَيرُ السَّماءِ يَنقُلُ الصَّوتَ،والسِّرُّ المَفضُوحُ لَه أجنحةٌ.

الفطنة وطيب العيش

11 إرمِ خبزَكَ على وجهِ المياهِ، فتَجدَه بَعدَ أيّامٍِ كثيرةٍ.
2إجعلْ أموالَكَ في سبعَةِ أماكنَ، بل ثمانيةٍ، فأنتَ لا تَعرِفُ أيَ شَرٍّ يَحِلُّ على الأرضِ.
3إذا اَمتلأتِ الغُيومُ مِنَ المطَرِ تَسكُبُهُ على الأرضِ. وإذا وقَعَتِ الشَّجرةُ جهَةَ الجنوبِ أو جهَة الشِّمالِ، فحيثُ تقَعُ الشَّجرةُ هُناكَ تكونُ.
4مَنْ يَنتَظِرُ الرِّيحَ المُؤاتيةَ لا يَزرَعُ،ومَنْ يَتَوَقَّعُ الغَيمَ الماطِرَ لا يَحصُدُ.
5كما أنَّكَ لا تعرِفُ أيَ طريقٍ تَسلُكُ الرُّوحُ، ولا كَيفَ تتَكوَّنُ العِظامُ في رَحِمِ الحُبْلى، كذلِكَ لا تَعرِفُ أعمالَ اللهِ الذي يَصنَعُ كُلَ شيءٍ.
6إزرَعْ زَرعَكَ في الصَّباحِ، وإلى الغُروبِ لا تُرخ يَدَكَ. فأنتَ لا تعرِفُ أهذا يَنمو أم ذاكَ، أم كِلاهُما يَنمُوَانِ جيِّدًا على السَّواءِ.
7النُّورُ بَديعٌ، والعينُ تَبتَهِج بِرُؤيةِ الشَّمسِ.
8ومَهما يكُنْ عدَدُ السِّنينَ التي يعيشُها الإنسانُ، فليَفرَحْ فيها كُلِّها، وليَتَذكَّرْ أنَّ أيّامَ الظُّلمَةِ ستكُونُ كثيرةً. كلُّ ما سيأتي باطِلٌ.
9فاَفرَحْ أيُّها الشابُّ في صِباكَ،وليَبتَهِج قلبُكَ في أيّامِ شَبابِكَ. أُسلُكْ طريقَ ما يَهواهُ قلبُكَ،وما تَراهُ وتَشتَهيهِ عينُكَ. ولكِنِ اَعلَمْ أنَّ اللهَ سَيُحاسِبُكَ على هذا كُلِّهِ.
10إنزَعِ الغَمَ مِنْ قلبِكَ،ورُدَ الشَّرَ عَنْ جسَدِكَ، فالصِّبا والشَّبابُ باطِلانِ.

الشيخوخة والموت

12 أُذكرْ خالِقَكَ في أيّامِ شَبابِكَ، قَبلَ أنْ تَجيءَ أيّامُ الشَّرِّ وتَقتَرِبَ السِّنينُ التي فيها تقولُ: لا أجدُ لَذَّةً فيها. 2وقَبلَ أنْ تُظلِمَ الشَّمسُ والنُّورُ والقمرُ والكواكبُ وتَرجع الغيومُ بَعدَ المَطرِ.
3يومَ يَرتَجفُ حُرَّاسُ البَيتِ، ويَنحَني رِجالُ البأسِ، يومَ تَبطُلُ الطَواحينُ لِقِلَّتِهنَّ وتُظلمُ الأنوارُ في النَّوافِذِ،
4وتُغلَقُ الأبوابُ على الشَّارعِ،يومَ يَنخفِضُ صوتُ المِطحَنةِ ويَخفُتُ صوتُ العُصفورِ وتَسكُتُ جميعُ بَناتِ الغِناءِ،
5ويكونُ الصُّعودُ مُخيفًا والطَّريقُ مَحفوفَةً بالأهوالِ، يومَ تَنكسِرُ أغصانُ اللَّوزِ ويَكثُرُ الجرادُ في الأرضِ، ويَنشَقُّ شجرُ الأصَفِ.فيما الإنسانُ يَمضي إلى بَيتِهِ الأبديِّ، والنَّادِبونَ يَطوفونَ في الأسواقِ.
6قَبلَ أنْ يَنقَطِعَ حَبلُ الفِضَّةِ ويَنسَحِقَ كُوبُ الذَّهبَ وتَنكسِرَ الجرَّةُ على العينِ وتَنقَصِفَ البَكرَةُ على البِئرِ، 7فيَرجعَ الجسَدُ إلى الأرضِ حَيثُ كانَ، وترجعَ الرُّوحُ إلى اللهِ الذي وهَبَها.

خلاصة القول

8باطِلُ الأباطيلِ، كُلُّ شيءٍ باطِلٌ. هذا ما يقُولُهُ الحكيمُ.
9ولأنَّ الحكيمَ بقيَ حكيمًا، ظَلَ يُعَلِّمُ الشَّعبَ المعرِفةَ ويَزِنُ الأمورَ ويَبحَثُها ويَنظِمُ أمثالاً كثيرةً. 10وسعَى الحكيمُ في طَلَبِ التَّعبيرِ الشَّيِّقِ عَنْ أفكارِهِ المُستَقيمةِ بِكلِماتٍ صادِقةٍ.
11كَلامُ الحُكَماءِ كالعِصيِّ والأوتادِ، يَستَعمِلُها الرَّاعي لِخيرِ رَعيَّتِهِ.
12بقِيَ علَيكَ يا اَبني أنْ تَنتَبِهَ إلى أنَّ تأليفَ الكُتُبِ عمَلٌ شاقًّ لا نِهايَةَ لَه، وأنَّ كثرةَ الدَّرسِ تُنهِكُ الجسَدَ. 13وهذا ختامُ ما سَمِعْناهُ مِنْ كَلامِ: إتَّقِ اللهَ واَحفَظْ وصاياهُ، فهذا فَرْضٌ على كُلِّ إنسانٍ. 14واللهُ سَيُحاسِبُ كُلَ إنسانٍ على عمَلِهِ، خفيُا كانَ أم ظاهرًا، وخيرًا كانَ أم شَرُا.