أيوب

مقدمة

الشيطان يجرب أيّوب

1 كانَ في أرضِ عوصَ رَجلٌ اَسمُهُ أيُّوبُ، وكانَ هذا الرَّجلُ نَزيهًا مُستقيمًا يَخافُ اللهَ ويَحيدُ عَنِ الشَّرِّ.2ووُلِدَ لأيُّوبَ سبعةُ بَنينَ وثَلاثُ بَناتٍ. 3وكانَت مَواشيهِ سبعةَ آلافٍ مِنَ الغنَمِ، وثَلاثةَ آلافِ جمَلٍ، وخمْسَ مئَةِ فَدَّانِ بقَرٍ، وخمْسَ مئَةِ أتانٍ، ولَه عبيدٌ كثيرونَ. فكانَ ذلِكَ الرَّجلُ أعظمَ أبناءِ المشرِق جميعًا.
4وكانَ بَنوهُ يَذهبونَ ويُقيمونَ وليمةً في بَيتِ كُلِّ واحدٍ مِنهُم بِدَورِهِ، ويَستَدعونَ أخواتِهِم الثَّلاثَ ليَأكُلْنَ ويَشرَبْنَ معَهُم. 5فإذا تمَّت أيّامُ كُلِّ وليمَةٍ كانَ أيُّوبُ يُبَكِّرُ في الغدِ فيُصعِدُ مُحرقاتٍ عَنْ كُلِّ واحدٍ مِنهُم فيُطَهِّرُهُم. وكانَ يقولُ: ((لعَلَ بَنيَ خطِئوا وجدَّفوا على اللهِ في قُلوبِهِم)). هكذا كانَ أيُّوبُ يفعَلُ كُلَ الأيّامِ.
6وجاءَ الملائِكةُ يومًا للمُثولِ أمامَ الرّبِّ، وجاءَ الشَّيطانُ أيضًا بَينَهُم. 7فقالَ الرّبُّ لِلشَّيطانِ: ((مِنْ أينَ جئْتَ؟)) فأجابَ الشَّيطانُ: ((مِنَ التَّجوُّلِ في الأرضِ والسَّيرِ فيها)). 8فقالَ لَه الرّبُّ: ((هل اَستَرعى اَنتِباهَكَ عبدي أيُّوبُ؟ فهوَ لا مَثيلَ لَهُ في الأرضِ لأنَّه رَجلٌ نَزيهٌ مُستَقيمٌ يخافُ اللهَ ويَحيدُ عَنِ الشَّرِّ)). 9فأجابَ الشَّيطانُ: ((أيخافُ أيُّوبُ الرّبَّ مَجانًا؟ 10أما سيَّجتَ حَولَهُ وحَولَ بَيتِهِ وحَولَ كُلِّ شيءٍ لَه مِنْ كُلِّ جهَةٍ؟ أما بارَكْتَ أعمالَهُ فاَنتَشَرَت مَواشيهِ في الأرضِ؟ 11ولكِنْ مُدَ يدَكَ الآنَ ومُسَ كُلَ شيءٍ لَه، فتَرى كَيفَ يُجدِّفُ علَيكَ في وجهِكَ)).12فقالَ الرّبُّ لِلشَّيطانِ: ((ها أنا أجعَلُ كُلَ شيءٍ لَه في قَبضَةِ يدِكَ، ولكِنْ إليهِ لا تمُدَ يدَكَ)). وخرَج الشَّيطانُ مِنْ أمامِ وجهِ الرّبِّ.

أيّوب يخسر كل شيء له

13وحدَثَ يومًا أنَّ بني أيُّوبَ وبَناتِهِ كانوا يأكلونَ ويشرَبونَ خمرًا في بَيتِ أخيهِمِ الأكبرِ، 14فأقبَلَ رَسولٌ إلى أيُّوبَ وقالَ: ((كانَتِ البقَرُ تحرُثُ والحميرُ تَرعى بِجانِبِها، 15فاَنقَضَ علَيها بَنو سَبأٍ وأخذوها وقتَلوا الرُّعيانَ بِحدِّ السَّيفِ، ونَجوتُ أنا وَحدي لأُخبِرَكَ)).16وفيما هوَ يتكلَّمُ، أقبَلَ آخرُ وقالَ: ((سقَطَت نارُ اللهِ مِنَ السَّماءِ وأحرقَتِ الغنَمَ والرُّعيانَ وأكلَتهُم، ونَجوتُ أنا وَحدي لأُخبِرَكَ)).17وفيما هوَ يتكلَّمُ، أقبلَ آخرُ وقالَ: ((هجمَت ثَلاثُ عِصاباتٍ مِنَ الكَلدانيِّينَ على الجمالِ وأخذوها وقتَلوا الرُّعيانَ بِحَدِّ السَّيفِ، ونَجوتُ أنا وحدي لأُخبِرَكَ)).18وفيما هوَ يتكلَّمُ، أقبلَ آخرُ وقالَ: ((كانَ بَنوكَ وبَناتُكَ يأكُلونَ ويشرَبونَ خمرًا في بَيتِ أخيهِمِ الأكبرِ، 19فهَبَّت ريحٌ شديدةٌ طلَعَت مِنْ عَبرِ القَفْرِ وصدمَت زَوايا البَيتِ الأربَعِ، فسقَطَت علَيهِم فماتوا، ونَجوتُ أنا وحدي لأُخبِرَكَ)).20فقامَ أيُّوبُ وشَقَ ثوبَهُ وجزَ شَعرَ رأسِهِ ووقَعَ على الأرضِ ساجدًا 21وقالَ: ((عُريانًا خرَجتُ مِنْ بَطنِ أُمِّي وعُريانًا أعودُ إلى هُناكَ الرّبُّ أعطى والرّبُّ أخذَ تبارَكَ اَسمُ الرّبِّ)).22وما خطِئَ أيُّوبُ معَ هذا كُلِّهِ، ولا عَتِبَ على اللهِ.

الشيطان يجرب أيّوب ثانية

2 وجاءَ الملائِكةُ يومًا للمُثولِ أمامَ الرّبِّ، وجاءَ الشَّيطانُ بَينَهُم. 2فقالَ الرّبُّ لِلشَّيطانِ: ((مِنْ أينَ جئتَ؟)) فأجابَ الشَّيطانُ: ((مِنَ التَّجوُّلِ في الأرضِ والسَّيرِ فيها)). 3فقالَ لَه الرّبُّ: ((هلِ اَستَرْعى اَنتِباهَكَ عبدي أيُّوبُ؟ فهوَ لا مَثيلَ لَه في الأرضِ لأنَّهُ رَجلٌ نَزيهٌ مُستَقيمٌ يَخافُ اللهَ ويَحيدُ عَنِ الشَّرِّ، وإلى الآنَ هوَ مُتَمَسِّكٌ بِنَزاهَتِهِ، معَ أنَّكَ حَرَّضتَني علَيهِ مِنْ دُونِ سبَبٍ)).
4فأجابَ الشَّيطانُ: ((نَجا بِجلدِه! كُلُّ ما يَملِكُهُ الإنسانُ يَبذُلُهُ عَنْ نفْسِهِ. 5ولكِنْ مُدَ يدَكَ ومُسَ عظْمَهُ ولَحمَهُ، فترَى كيفَ يُجدِّفُ علَيكَ في وجهِكَ)).6فقالَ الرّبُّ للشَّيطانِ: ((ها هوَ الآنَ في قبضَةِ يَدِكَ، ولكِنِ اَحفَظْ حياتَهُ)).7وخرَج الشَّيطانُ مِنْ أمامِ وجهِ الرّبِّ وضرَبَ أيُّوبَ بِالجرَبِ مِنْ باطِنِ قدَمِهِ إلى قِمَّةِ رأسِهِ. 8فأخذَ أيُّوبُ شَقفَةً مِنَ الخزَفِ ليَحُكَ جسَدَه بِها وهوَ جالِسٌ على الرَّمادِ.9فقالَت لَه اَمرأتُهُ: ((أتَبقى إلى الآنَ مُتَمَسِّكًا بِنَزاهَتِكَ؟ جدِّفْ على اللهِ ومُتْ!))10فقالَ لها أيُّوبُ: ((كلامُكِ هذا كلامُ اَمرأةٍ جاهِلَةٍ. أنَقبَلُ الخيرَ مِنَ اللهِ، وأمَّا الشَّرَ فلا نقبَلُهُ؟)) ومعَ هذا كَلِّهِ لم يَخطَأْ أيُّوبُ بكَلِمَةٍ مِنْ شَفَتَيهِ.
11وسَمِعَ ثَلاثَةُ أصدِقاءٍ لأيُّوبَ بِكُلِّ ما حَلَ بهِ مِنَ المصائِبِ، فأقبلَ كُلُّ واحدٍ مِنْ مَكانِهِ: أليفازُ التِّيمانيُّ وبلدَدُ الشُّوحيُّ وصوفَرُ النَّعماتيُّ، واَتَّفَقوا أنْ يذهَبوا إلى أيُّوبَ لِيَرثوا لِحالِه ويُعَزُّوهُ.
12فلمَّا رفَعوا أعينَهُم مِنْ بَعيدٍ لم يعرِفوهُ، تعالَت أصواتُهُم بالبُكاءِ وشَقَ كُلًّ مِنهُم ثيابَه وذَرَّوا تُرابًا فوقَ رُؤوسِهِم نحوَ السَّماءِ. 13ثُمَ قَعَدوا معَهُ على الأرضِ سبعةَ أيّامِ بِلَياليها مِنْ غيرِ أنْ يُكلِّمَهُ أحدٌ بِكلِمَةٍ، لأنَّهُم رأوا كم كانَت كآبَتُهُ شديدةً.
3 ثُمَ فتَحَ أيُّوبُ فمَهُ ولعَنَ يومَهُ 2وقالَ:
3((لا كانَ نهارٌ وُلِدْتُ فيهِ،ولا ليلٌ قالَ: حُبِلَ بِرَجلٍ.
4ليكُنْ ذلِكَ النَّهارُ ظَلامًالا يتَعَهَّدْهُ اللهُ مِنْ فَوقُ ولا يُشرِقْ علَيهِ نورٌ.
5يتَوَلاَهُ الظَّلامُ وظِلُّ الموتِ، وعلَيهِ يَحِلُّ السَّحابُ وتُباغِتُهُ كَواسفُ النَّهارِ.
6ليتَ السَّوادَ أمسَكَ ذلِكَ اللَّيلَ فلم يُحسَبْ بَينَ أيّامِ السَّنةِ ولا دخلَ في عددِ الشُّهورِ. 7ليتهُ كانَ عاقِرًا ولا يُسمَعُ فيهِ هُتافُ الفرَحِ.
8يلعَنُهُ اللاَعِنونَ كُلَ يومِ، الماهرونَ في إثارَةِ لاوياثانَ.
9ليتَ نُجومَ مَسائِهِ أظلَمَت فلم يَجئْهُ النُّورُ مِنْ بَعدُ. ولا رأى أجفانَ الفَجرِ.
10فهوَ لم يُغلِقْ على أبوابِ البَطنِ ولا ستَرَ الشَّقاءَ عَنْ عيني.
11لماذا لم أمُتْ مِنَ الرَّحِمِ أو فاضَت روحي عِندَما خرَجتُ.
12لماذا قَبِلَتْني الرُّكبَتانِ،أوِ الثَّديانِ حتى أرضعَ؟
13إذًا لكُنتُ الآنَ أرقُدُ بسلامِ، غارقًا في سُباتٍ مُريحٍ
14معَ مُلوكِ الأرضِ ووُزَرائِها في ما بَنوهُ لهُم مِنْ قُصورٍ،
15معَ الأُمراءِ وذَهَبُهُم كثيرٌ وبُيوتُهُم مملوءَةٌ بالفِضَّةِ،
16أو لكُنتُ كمَنْ يُولَدُ طِرحًا، ومِثلَ جنينٍ لا يَرى النُّورَ،
17هُناكَ يَكُفُّ الأشرارُ عَنِ القَلَقِ، وهُناكَ يستَريحُ المُتعَبونَ.
18هُناكَ يَطمَئِنُّ الأسرى ولا يسمعونَ صوتَ المُسَخرِ.
19هُناكَ يَتساوى الصَّغيرُ والكبيرُ ويتَحرَّرُ العبدُ مِنْ سَيِّدِهِ.
20لماذا النُّورُ لِلتُّعَساءِ والحياةُ لِمَنْ نُفوسُهُم مرارةٌ،
21المُنتظرينَ الموتَ فلا يَجيءُ،الباحثينَ عنهُ بَينَ الدَّفائِنِ،
22الذينَ يفرحونَ حتى الإبتهاج وينشَرحونَ إذا وجدوا قبرًا.
23لماذا النُّورُ لِمَنْ لا يَرى طريقَهُ،لِمَنْ أغلَقَ اللهُ كُلَ مَجالٍ حَولَهُ؟
24فإذا نُواحي هوَ طَعامي،ودُموعُ أنيني ماءٌ لي.
25كُلُّ ما أخشاهُ يَحِلُّ بي،وما أفزَعُ مِنْهُ يُصيبُني.
26فلا طُمَأنينَةٌ لي ولا سلامٌ، ويأتيني القَلَقُ فلا أستريحُ))

مداخلة أليفاز: هنيئًا للرجل الذي يؤدبه الرب

4 وقالَ أليفازُ التِّيمانيُّ:
2((إنْ أجبْناكَ بكلِمَةٍ فهل تتَحَمَّلُ؟ وهل تقدِرُ أنْ تَلزَمَ الصَّمتَ؟
3ما أكثرَ الذينَ أرشَدْتَهُم، وكم شدَّدتَ مِنْ أيدٍ مُرتَخيةٍ.
4كلامُكَ كم أنهَضَ العاثِرينَ وثَبَّتَ مِنْ رُكَبٍ راكِعَةٍ!
5والآنَ أُصِبْتَ فما تحَمَّلْتَ، وجاءتْكَ الضَّربَةُ فاَرتَعَبْتَ.
6أينَ تَقواكَ وهيَ اَعتِمادُكَ وحُسْنُ سيرَتِكَ وهيَ رَجاؤُكَ.
7أتذْكُرُ واحدًا بريئًا هَلَكَ، أو رَجلاً مُستَقيمًا أُبيدَ؟
8أما رأيتَ أنَّ مَنْ يفلَحُ الإثْمَ ويَزرعُ الشَّقاءَ إيَّاهُما يَحصُدُ؟
9بِنَسْمَةٍ مِنْ فَمِ اللهِ يَبيدُ، وبِريحِ مِنْ أنفِهِ يَفنَى،
10فيَنقَطعُ صوتُ زَئيرِ الأسدِ وتنكسِرُ أنيابُ الأشبالِ.
11لأنَّ الأسدَ بِغَيرِ فريسةٍ يموتُ وتتَبَدَّدُ جراءُ اللَّبوَةِ.
12تلَقَّيتُ مرَّةً كلامًا خفيُا تسَلَّلَ هَمْسًا إلى أذُني
13في هواجسِ أحلامِ اللَّيلِ عِندَ وُقوعِ سُباتٍ على النَّاسِ،
14فأصابَني خوفٌ ورعدَةٌ، مِنهُما رجفَت عِظامي.
15ومَرَّت ريحٌ على وجهي فاَقشَعَرَ الشَّعرُ في جسَدي.
16رأيتُهُ واقفًا هُناكَ، ولكِنْ ما تبَيَّنْتُ وجهَهُ، كأنَّهُ خيالٌ أمامَ عينَيَ. وبَعدَ سُكوتٍ سَمِعْتُ صوتًا:
17هلِ الإنسانُ بَريءٌ أمامَ اللهِ، أمِ المَخلوقُ طاهرٌ أمامَ خالِقِه؟
18نرى اللهَ لا يأتَمِنُ عبيدَهُ وإلى ملائِكتِهِ يَنسِبُ الحَماقةَ،
19فكيفَ السَّاكِنونَ بُيوتًا مِنْ طينٍ، الذينَ أساسُهُم في التُّرابِ؟ ألا يُسحَقونَ كما يُسحَقُ العُثُّ،
20وبَينَ ليلَةٍ وضُحاها يُحَطَّمونَ ويَبيدونَ بِلا أثَرٍ إلى الأبدِ؟
21أوتادُ خيامِهِم تُقتَلَعُ مِنهُم ويموتونَ ولا رَجعَةَ لهُم يموتونَ وهُم لا يعرِفونَ.
5 إنْ دَعَوتَ، فهل مِنْ مُجيبٍ؟وإلى أيِّ القدِّيسينَ تَلتَفِتُ؟
2فالغبيُّ يَقتُلُهُ الغَيظُ والأحمَقُ يُميتُهُ الحسَدُ.
3رأيتُ الغبيَ يَمُدُّ جذورَهُ وسُرعانَ ما تُقتَلَعُ ديارُهُ
4بَنوهُ بَعيدونَ عَنِ الخلاصِ،يُسحَقونَ في البابِ ولا مُنقِذَ.
5حَصيدُهُم يأكُلُهُ الجياعُ، ويأخذونَهُ حتى مِنَ الشَّوكِ، وقوتُهُم يَمتَصُّهُ العِطاشُ.
6فالبَليَّةُ لا تخرُج مِنَ التُّرابِ، ولا الشَّقاءُ يَنبُتُ مِنَ الأرضِ.
7الإنسانُ يُولَدُ لِلشَّقاءِ، ولِلتَّحليقِ تُولَدُ الصُّقورُ.
8لو كُنتُ مكانَكَ لَدعوتُ اللهَ، وإليهِ تَعالى رفَعتُ أمري.
9عَظائِمُهُ لا يُدرِكُها أحدٌ، وعَجائِبُهُ لا يُمكِنُ أنْ تُحصَى.
10على الأرضِ يُنزِلُ أمطارًا وعلى البَراري يَسكُبُ المياهَ.
11يرفَعُ الوُضَعاءَ إلى العَلاءِ وإلى الخلاصِ يَنتَشِلُ الحزانى.
12مَقاصِدُ المُحتالِينَ يُبطِلُها، فلا تَصنَعُ أيديهِم شيئًا.
13يُمسِكُ الحُكماءَ بِحيلَتِهِم، ومَشورةُ الماكِرينَ تَصيرُ جهلاً،
14ففي النَّهارِ يواجهونَ ظَلامًا ويتَلَمَّسونَ الظُّهرَ كاللَّيلِ.
15يُخلِّصُ المَقهورينَ مِنْ أشداقِهِم المساكينَ مِنْ يَدِ طاغيةٍ،
16فيكونُ لِكُلِّ ذليلٍ رجاءٌ. يَسُدَ الجائِرونَ أفواهَهُم.
17هَنيئًا لِمن يُؤدِّبُهُ اللهُ، مَنْ لا يَرفُضُ مَشورةَ القديرِ.
18يجرَحُ ولكِنَّهُ يُضَمِّدُ، يضربُ ويَداهُ تَشفيانِ.
19يُنَجيكَ سِتَ مرَّاتٍ مِنَ الضِّيقِ في السَّابعةِ لا يمَسُّكَ سُوءٌ.
20في المَجاعَةِ يَفديكَ مِنَ الموتِ، في القِتالِ مِنْ حَدِّ السَّيفِ.
21مِنْ سَوطِ اللِّسانِ تَستَتِرُ لا تخافُ العُدوانَ إذا جاءَ.
22تَضحَكُ على العُدوانِ والجوعِ لا تَخشى وُحوشَ الأرضِ.
23تُعاهِدُكَ حجارةُ الحقلِ تُسالِمُكَ وُحوشُ البَرِّ.
24تَجدُ خيمَتَكَ في سلامِ أكيدٍ قطيعَكَ كاملاً حينَ تتَعَهَّدُهُ.
25تَرى ذُرِّيَّتَكَ تزدادُ كثيرًا. نَسلَكَ يَنمو كَعُشبِ الأرضِ.
26تدخلُ القبرَ في تمامِ الشَّيخوخةِ، ما تُرفَعُ الأكداسُ في أوانِها.
27كُلُّ هذا اَختَبَرناهُ وهوَ حَقًّ، اَسمَعْهُ واَعمَلْ بهِ لخيرِكَ)).

جواب أيّوب: يشتكي إلى أصحابه

6 فأجابَ أيُّوبُ:
2((لو أنَّ بُؤسيَ ومَصائِبي جميعًا، ُقَدَّرُ وتُوزَنُ في ميزانٍ
3لكانَت أثقَلَ مِنْ رِمالِ البحرِ كيفَ لا يكونُ كلامي لَغوًا
4وأهوالُ اللهِ تَمحَقُني سِهامُهُ تَنغَرِزُ بي سُمومُها تَمتَصُّ روحي.
5أينهَقُ الحِمارُ على العُشبِ،أو يَخورُ الثَّورُ على عَلَفِهِ؟
6أيُؤكَلُ الطَّعامُ التَّافِهُ بِلا مِلحِ،أم يكونُ لبَياضِ البيضَةِ طَعْمٌ؟
7طَعامٌ كانَت تَعافُهُ نفْسي،صارَ قُوتي في زمَنِ بَلائي.
8مَنْ لي بأنْ تُلَبَّى طِلْبَتي،ولَيتَ اللهَ يُعطيني رجائي!
9لَيتَهُ عَنْ رِضىً يُحَطِّمُني يُطلِقُ يدَهُ فَيقطَعَ حياتي.
10ولكِنْ لي تَعزيَةٌ بَعدُ ُبهِجني في عذابٍ لا يُحتَمَلُ: نَّني لم أُنكِرْ كلامَ القُدُّوسِ.
11ما هيَ قُوَّتي حتى أنتَظِرَ وما مَصيري حتى أُطيلَ حياتي؟
12أقُوَّةُ الحجارةِ قُوَّتي، أم لَحمي أنا مِنْ نُحاسٍ؟
13أبَقِيَت في داخلي قُدرَةٌ؟ أما كُلُّ عَونٍ تباعَدَ عنِّي؟
14مَنْ منَعَ الرَّحمةَ عَنْ صديقِهِ تخلَّى عَنْ مخافةِ القديرِ.
15إخواني يَمُرُّونَ كالسَّيلِ ويعبُرونَ كأنهارِ الأوديةِ
16وعلَيها يتكاثَفُ الجليدُ وتزدادُ مِنْ ذَوَبانِ الثَّلج.
17لكِنْ ما إنْ تسيلُ حتى تَنقَطِعَ، وفي الحَرِّ تَختَفي مِنْ مكانِها.
18فيُحوِّلُ المُسافِرونَ طريقَهُم ويتَوغَّلونَ في التِّيهِ فيَبيدونَ.
19قوافِلُ تَيماءَ تبحَثُ عَنها، ورُكبانُ سَبأٍ بِها يأملونَ.
20يَجدونَ ثِقَتَهُم في غَيرِ مَحلِّها فَحينَ يَصلونَ إليها يَخيبونَ.
21والآنَ هكذا حالُكُم معي، رأيتُم نَكبَتي فأصابَكُم فَزَعٌ.
22أقُلتُ لكُم: أعطوني شيئًا، أو مِنْ مالِكُم أنفِقوا عليَّ؟
23أو أنقِذوني مِنْ يَدِ الخصمِ، أوِ اَفتَدوني مِنْ يَدِ الطَّاغيةِ؟
24أروني الصَّوابَ فأسكُتَ، فَهِّموني في أيِّ شيءٍ ضَلَلتُ.
25كلامُ الحَقِّ ما أحلى وَقعَهُ، أمَّا لومُكُم لي فلا حَقَ فيهِ.
26أتحسبونَ كلامي يَستَحِقُّ اللَّومَ، وهوَ كلامُ يائِسٍ يذهبُ في الرِّيحِ؟
27تُلقونَ على اليتيمِ قُرْعَةً وتبيعونَ صديقَكُم بالرُّخصِ.
28والآنَ هَيَّا واَنظُروا إليَ، فأنا في وُجوهِكُم لا أكذِبُ.
29عودوا عَنْ رأيكُم ولا تَجوروا، فتَعودَ إليَ بَراءَتي.
30هل تَجدونَ جورًا على لِساني، أم أنَّه لا يتَبَيَّنُ ما هوَ حَقًّ)).

جواب أيُّوب: يشتكي إلى الله

7 ((الإنسانُ لاجئِّ على الأرضِ،وكأيّامِ الأجيرِ أيّامُهُ!
2كالعبدِ المُشتاقِ إلى الظِّلِّ،والأجيرِ الذي ينتَظِرُ أُجرَتَهُ.
3شُهورٌ مِنَ البُؤسِ نصيبي،وليالٍ مِنَ الشَّقاءِ قُدِّرَت لي.
4أنامُ فأقولُ: متى الفَجرُ؟وأقومُ فأقولُ: ما أبطَأ المساءَ.
5لَحمي كَساهُ الدُّودُ والقُروحُ، وجلْدي تشَقَّقَ قَيحًا وسالَ.
6أيّامي أسرَعُ مِنْ مَكُّوكِ الحائِكِ،نَفَدَت وما مِنْ رجاءٍ
7تذَكَّرْ: حياتي نَسْمَةُ ريحِ،وعيني لن تَرى الخيرَ بَعدُ.
8تَنظُرُ إليَ ولا تَراني،وتَلتَفِتُ عيناكَ فلا أكونُ.
9مِثلَما يضمَحِلُّ السَّحابُ ويَزولُ،كذلِكَ مَنْ يَهبِط عالَمَ الموتِ لا يصعَدُ.
10إلى بَيتِهِ أبدًا لا يعودُ،ومكانُهُ لا يتَعَرَّفُ إليهِ.
11لذلِكَ لا أمنَعُ فَمي عَنِ الكلامِ اكيًا بِمرارةِ النَّفْسِ ضيقي.
12أبَحرٌ أنا أو أنا تِنِّينٌ ِتجعَلَ حارِسًا عليَّ؟
13إنْ قُلتُ: فِراشي يُعَزِّيني مَضجعي يُخفِّفُ شَكوايَ،
14رَوَّعتَني بِفَظائِعِ الأحلامِ باغَتَّني بِرَهيبِ الرُّؤى،
15فأرى الخنْقَ أفضلَ شيءٍ لي الموتَ خيرًا مِنْ عذابي.
16مِنَ الأسى لا أحيا طويلاً. َعْني فأيّامي نَسْمَةٌ.
17ما الإنسانُ لِتَحسِبَهُ عظيمًا،أو لِتَشغُلَ بهِ قلبَكَ؟
18تُراقِبُهُ صباحًا بَعدَ صباحِ، وفي كُلِّ لَحظةٍ تمتَحِنُهُ؟
19إلى متى تنصرِفُ عنِّي؟فتُمهِلَني لأبلَعَ ريقي؟
20خطِئْتُ فماذا أعمَلُ لكَ،نتَ يا رقيبَ البشَرِ؟ ماذا جعَلْتَني هدَفًا لكَ،وحِمْلاً ثقيلاً علَيكَ.
21لماذا لا تتَحَمَّلُ مَعصيَتي،ولا تَغُضُّ النَّظَرَ عَنْ إثْمي؟ ليلاً وأرقُدُ في التُّرابِ، تُبكِّرُ في طَلَبي فلا أكونُ)).
8 فأجابَ بَلدَدُ الشُّوحيُّ:
2((إلى متى تتكلَّمُ هذا الكلامَ، فأقوالُ فَمِكَ مِثلُ ريحِ عاصِفةٍ؟
3أيُحوِّلُ اللهُ مَجرى العَدلِ،أم يُشَوِّهُ وجهَ الحَقِّ؟
4إنْ كانَ بَنوكَ خطِئوا إليهِ،فإلى يَدِ مَعصيَتِهِم أُسَلِّمُهُم.
5وأنتَ إذا بكَّرْتَ إلى اللهِ طلَبْتَ رحمةَ القديرِ،
6كُنتَ نقيُا ومُستَقيمًا،ففي الحالِ يَغارُ علَيكَ يُلَبِّي صِدْقَ نَواياكَ،
7فما كانَ قليلاً في صِغَرِكَ كثُرُ جدُا في آخرَتِكَ.
8سائِلِ الأجيالَ السَّالِفةَ تأمَّلْ تَجارِبَ آبائهِم،
9فنحنُ بَنو البارِحةِ ولا عِلْمَ لنا، وأيّامُنا على الأرض ظِلًّ.
10هُمُ الذينَ يُعَلِّمونَكَ ويُخبِرونَكَ،ومِنْ قلوبِهِم يقولونَ لكَ:
11أينمُو الخيزَرانُ بِلا مُستَنقَعِ،أم يَنبُتُ القَصَبُ مِنْ غَيرِ ماءٍ؟
12تقطَعُهُ ولو في نَضارَتِهِ،فيَيبَسُ قَبلَ كُلِّ النَّباتِ.
13هكذا يكونُ مَنْ نَسيَ اللهَ،ويَخيبُ رَجاءُ كُلِّ كافرٍ بهِ.
14تتقَطَّعُ أمانيهِ مِثلَ الخيطِ مَأْمَنُهُ كبَيتِ العَنكبوتِ:
15يستَنِدُ إليهِ فلا يَثبُتُ،ويتَمَسَّكُ بهِ فلا يقومُ.
16يكونُ كالخضيرِ تُجاهَ الشَّمسِ َمُدُّ غُصونَهُ على البُستانِ،
17فتَشتَبِكُ عُروقُهُ في الرُّجمةِ، بَينَ الصُّخورِ يَستَمِدُّ حياتَهُ.
18لكنَّكَ لو قَلَعتَهُ مِنْ مكانِهِ أنكَرْتَهُ قُلتَ: ما رأيتُكَ!
19يذبُلُ مَطروحًا على الطَّريقِ،ويَنبُتُ في تُربَتِهِ آخرُ.
20اللهُ لا يَرفُضُ النَّزيهَ لا يأخذُ بأَيدي أهلِ السُّوءِ.
21إذًا سيَمتَلِئْ فَمُكَ بالضَّحكِ شفَتاكَ بِهُتافِ الفرَحِ،
22ويلبَسُ العارَ جميعُ مَنْ يُبغِضونَكَ خيامُ الأشرارِ تزولُ)).

جواب أيّوب: الله هو الأقوى

9 فأجابَ أيُّوبُ:
2((أعرِفُ هذا الأمرَ حَقَ المعرِفةِ، لكِنْ كيفَ يتَبَرَّرُ الإنسانُ عِندَ اللهِ
؟ 3لو شاءَ أنْ يُجادِلَهُ بِالحُجج َما أجابَ عَنْ حُجةٍ مِنْ ألفٍ.
4اللهُ حكيمُ القلبِ جبَّارٌ. مَنِ الذي يُعانِدُهُ ويَسلَمُ؟
5يُزحزِحُ الجبالَ فلا تستَقِرُّ، َقلِبُها في ساعةِ الغضَبِ.
6يُزَلزِلُ الأرضَ مِنْ مكانِها، تتَزَعزَعُ جميعُ أعمِدَتِها.
7يأمُرُ الشَّمسَ فلا تُشرِقُ، يَختُمُ على النُّجومِ فتُظلِمُ.
8مَنْ بسَطَ السَّماواتِ غَيرُهُ، يَدوسُ أمواج البحرِ.
9النَّعْشُ والجوزاءُ مِن صُنْعِهِ، الثُّريَّا وكواكبُ الجنوبِ.
10عَظائِمُهُ فَوقَ حَدِّ الإدراكِ عَجائِبُهُ تفوقُ العَدَ.
11يَعبُرُ قُدَّامي فلا أراهُ، يَمُرُّ بي فلا أتبَيَّنُهُ.
12إذا أماتَني فمَنْ يَرُدُّهُ؟ و يقولُ لَه: ماذا تفعَلُ؟
13غضَبُ اللهِ لا يَردُّه أحدٌ، أعوانُ رهَبٍ يسجدونَ لَه.
14فكيفَ لي أنْ أُجيبَ اللهَ أختارَ كلِماتي معَهُ؟
15ولو كُنتُ بَريئًا لا أُجيبُ خصمي نفْسُهُ حاكِمي.
16وإنْ أنا دَعَوتُهُ فأجابَني، هل تَراهُ يستَمِعُ لِقولي؟
17وهوَ الذي يَراني كشَعْرةٍ يَزيدُ جروحي لِغَيرِ سبَبٍ.
18لا يَترُكُني أستَعيدُ أنفاسي، يَملأُني فأمتَلِئْ مَرائِرَ.
19أبالقُوَّةِ؟ فاَنظُروا قُوَّتَهُ. بِالقضاءِ فمَنْ تُرَى يُحاكِمُهُ؟
20إنْ مُحِقُا فكلامي يَدينُني، و نَزيهًا فهوَ يُعلِنُ ذَنبي.
21أنَزيهٌ أنا؟ لا أعرِفُ. وَّاهُ كم سَئِمْتُ حياتي!
22لا فرقَ عِندي. لأنَّ اللهَ ُبيدُ النَّزيهَ والشِّرِّيرَ على السَّواءِ.
23يَضربُ فيُميتُ في الحالِ، يَستَهزِئْ بِشقاءِ الأبرِياءِ
24يُوقِعُ البلادَ في يَدِ الشِّرِّيرِ يَحجبُ وُجوهَ قُضاتِها. نْ لم يكُنْ فمَنْ يكونُ؟
25أيّامي أسرعُ مِنْ عَدَّاء تَمُرُّ ولا ترى خيرًا.
26تَنطلِقُ كزَورَقٍ مِنْ قصَبٍ،كنَسرٍ يَنقَضُّ على فريستِهِ.
27إنْ قُلتُ سَأنسى شكوايَ أُبَدِّلُ مَلامِحي وأبتَسمُ
28تخوَّفْتُ مِنْ كُلِّ أوجاعي ِعِلْمي أنَّكَ لا تُبَرِّئُني.
29أنا مَعدودٌ في الأشرارِ لماذا أتعَبُ بِغَيرِ فائدةٍ؟
30لَوِ اَغتَسَلْتُ بِمياهِ الثَّلج نَظَّفتُ يدَيَ بِماءِ الرَّمادِ،
31لغَطَّسَني تَغطيسًا في الوَحلِ تى تَعافَني ثيابي.
32أهوَ مِثلي بشَرٌ أُجاوِبُهُ ِنَحْضُرَ كِلانا أمامَ القضاءِ؟
33وما مِنْ حَكَمِ بَينَنا َمُدُّ يَدَهُ ويَفصِلُنا
34ليَرفَعْ عنِّي عصاهُ لا تُرَوِّعْني مَهابَتُهُ،
35فأتكلَّمَ بحرِّيَّةٍ ولا أخافَ مِنهُ أنِّي مِنْ تِلكَ التُّهَمِ بريءٌ)).

جواب أيّوب: خلقني الله ليدمرني.

10((سئِمْتُ حياتي فسَأُبدي شكوايَ لو تكلَّمْتُ بِمرارَةِ نفْسٍ،
2فأقولُ للهِ: لا تحكُمْ عليَ. ِماذا تُخاصِمُني أخبِرْني.
3أيطيبُ لكَ أنْ تَظلِمَ، أنْ ترفُضَ ما صنَعَت يَداكَ تَرفُضَ عَنْ مَشورةِ الأشرارِ؟
4ألكَ عَينانِ مِنْ لَحمِ ودمِ، هل كنَظَرِ الإنسانِ تنظُرُ؟
5هل كأيّامِ الإنسانِ أيّامُكَ، م سنينُكَ كسنينِ بَني البشَرِ؟
6حتى تُفَتِّشَ باحِثًا عَنْ ذُنوبي تُمعِنَ في الفَحْصِ عَنْ خطايايَ،
7وأنتَ تعلَمُ جيِّدًا أنِّي بَريءٌ لا مُنقِذَ لي مِنْ قبضَتِكَ.
8يَداكَ كَوَّنَتاني وصنَعَتاني، لماذا تَلتَفِتُ وتَمحَقُني؟
9مِنَ الطِّينِ جبَلتَني، تَذَكَّرْ! الآنَ إلى التُّرابِ تُعيدُني؟
10سكبتَني كاللَّبَنِ الحليبِ جعَلتَني رائِبًا كالجبْنِ؟
11كسَوتَني جلْدًا ولَحمًا حَبكتَني بِعِظامِ وعصَبٍ.
12منَحتَني حياةً ورَحمةً، عِنايَتُكَ حَفِظَت رُوحي.
13كتَمتَ هذا كُلَّهُ في قلبِكَ لكنِّي أعرِفُ ما غايَتُكَ:
14تُراقِبُني إنْ أنا خطِئتُ، مِنْ آثامي لا تُبَرِّئُني.
15إذا أذنَبتُ فالويلُ لي،وإنْ تَبرَّرتُ فلا أرفَعُ رأسي،أنِّي شَبِعتُ مِنَ الهَوانِ اَرتَوَيتُ مِنْ شِدَّةِ العَناءِ.
16وإنِ اَرتَفَعتُ تَصطادُني كالأسدِ تعودُ فتَضرِبُني أيضًا.
17تُجدِّدُ عُدوانَكَ لي تُضاعِفُ عليَ غَيظَكَ،وجيوشُكَ تتَناوَبُ ضِدِّي.
18لماذا أخرَجتني مِنَ الرَّحِمِ؟ إذًا لَمُتُّ ولم تَرَني عينٌ
19وكُنتُ كأنَّني لم أكُنْ،فأُحمَلُ مِنَ الرَّحِمِ إلى القبرِ.
20أيّامي قليلةٌ فأشفِقْ عليَّ دَعْني فأنتَعِشَ قليلاً،
21قَبلَ أنْ أمضيَ ولا أعودَ إلى أرضِ عَتمَةٍ وظِلالِ موتٍ،
22حَيثُ السَّوادُ حالِكٌ ولا نِظامٌ،والضِّياءُ كالظَّلامِ الدَّامِسِ)).

مداخلة صوفر: الرجوع إلى الله

11 فأجابَ صوفَرُ النَّعماتيُّ:
2((أمَا لِلكلامِ مِنْ رَدٍّ، أم يكونُ الحَقُّ للرَّجلِ المُفَوَّهِ؟
3بَيانُكَ هذا أيُسكِتُ النَّاسَ؟ أم تتَهكَّمُ ولا مَنْ يُجاوِبُكَ.
4تقولُ: ((آرائي لا عَيبَ فيها، وأنا بَريءٌ في عينَيكَ)).
5لَيتَ اللهَ يتكلَّمُ إليكَ ويفتَحُ شَفَتَيهِ ليُجيبَكَ،
6ويُخبِرَكَ بتَعاليمِ الحكمَةِ لِتَضمَنَ لكَ صوابَ الرَّأيِ،فتَعلَمَ أنَّ اللهَ يُحاسِبُكَ على ما اَرتكبتَ مِنَ المَعاصي.
7أتُدرِكُ عُمقَ أعماقِ اللهِ أم يُحيط فَهمُكَ بِكمالِ القديرِ؟
8هوَ أعلى مِنَ السَّماءِ فماذا تفعَلُ؟ وأعمَقُ مِنَ الموتِ فماذا تَعرِفُ؟
9أطوَلُ مِنَ الأرضِ مَداهُ، وأعرَضُ مِنَ البحرِ وُسعُهُ.
10يمُرُّ متى شاءَ فمَنْ يُوقِفُهُ؟ ويُجري أحكامَهُ فمَنْ يَرُدُّهُ؟
11يُمَيِّزُ أهلَ السُّوءِ جميعًا، وإنْ أبصرَ الإثْمَ يتَبَيَّنُهُ.
12أيصيرُ فاقِدُ العقلِ عاقِلاً، أمْ يُولَدُ حِمارُ الوحشِ إنسانًا؟
13لو وجهتَ قلبَكَ إلى اللهِ وبَسَطتَ إليهِ كَفَّيكَ،
14ولو أبعَدتَ يدَكَ عَنِ الإثْمِ ومَنَعتَ الجورَ أنْ يَسكُنَ خيامَكَ،
15لرَفَعتَ وجهًا لا عيبَ فيهِ ولكُنتَ ثابِتًا ولا تخافُ.
16تَنسى الشَّقاءَ الذي أصابَكَ، وإنْ ذكرْتَهُ فكسَيلٍ عبَرَ،
17ويكونُ عُمرُكَ أبهى مِنَ الظَّهيرةِ، وظَلامُهُ مِثلَ نُورِ الصَّباحِ.
18تطمَئِنُّ لِما لكَ مِنْ رجاءٍ، وتُحرَسُ فتَنامُ في أمانٍ.
19تستَريحُ ولا يُرعِبُكَ أحدٌ، بل كثيرونَ يَستَعطِفونَ وجهَكَ.
20أمَّا عُيونُ الأشرارِ فتَكِلُّ، وكُلُّ ملجأٍ لهُم يَبيدُ ولا يَبقى لهُم مِنْ رجاءٍ غَيرَ أنْ يُسلِّموا الرُّوحَ)).
12 فأجابَ أيُّوبُ:2((يا لكُم مِنْ رِجالٍ كامِلينَ وفي موتِكُم تموتُ الحكمةُ!
3لكِنَّ فَهْمي لا يَقِلُّ عَنْ فَهْمِكُم، فمَنْ يجهَلُ مِثلَ هذِهِ الأمورِ؟
4هل صِرْتُ أُضحوكَةً لأصدِقائي لأنِّي دعَوتُ اللهَ فأذَلَّني. أأُضحوكَةً يكونُ البَريءُ النَّزيهُ؟
5ألويلُ لِلمِسكينِ عِندَ أصحابِ الشَّأنِ،والضَّربةُ القاضيةُ لِمَنْ تَزِلُّ قدَمُهُ.
6خيامُ المُعتَدينَ في رغَدٍ مِنَ العيشِ والأمانُ لِلَّذينَ يَغيظُونَ اللهَ ويَنفُضونَ أيديَهُم مِنْ إلهِهِم.
7والآنَ سَلِ البهائِمَ فتُعلِمَكَ وطُيورَ السَّماءِ فتُخبِرَكَ،
8أو سَلْ نَباتَ الأرضِ فيُريَكَ، وأَسماكَ البِحارِ فتُحَدِّثَكَ.
9فما مِنْ هؤلاءِ مَنْ لا يعلَمُ أنَّ هذا مِنْ صُنْعِ يَدِ اللهِ،
10وفيها نَفْسُ كُلِّ حَيٍّ وأرواحُ البشَرِ أجمَعينَ؟
11بالأُذُنِ تُمتَحَنُ الأقوالُ، كما بِالحَنَكِ يُذاقُ الطَّعامُ.
12الحكمةُ عِندَ حُلولِ المَشيبِ، والفِطنَةُ في طُولِ الأيّامِ.
13للهِ العِلْمُ والجبروتُ، ولَه وحدَهُ المَشورةُ والفَهْمُ.
14ما يَهدِمُهُ اللهُ لا يُبنَى، ومن يُغلِقْ علَيهِ يُفتَحُ لهُ.
15يَحبِسُ المياهَ فتَجفُّ، ويُطلِقُها فتَقلِبُ الأرضَ.
16عِندَهُ العِزَّةُ وصوابُ الرَّأيِ، ولَه الضَّالُّ ومَنْ يُضِلُّهُ.
17يَسلُبُ أهلَ الرَّأيِ رَأْيَهُم، ويَجعَلُ القُضاةَ حَمْقى.
18يَحُلُّ وِشاحَ المُلوكِ ويَشُدُّ أحقاءَهُم بِقُيودٍ.
19يَسلُبُ الكهنَةَ مَشورَتَهُم ويَقلِبُ الثَّابتينَ في مكانِهِم.
20يُلغي كلامَ الفُصَحاءِ ويَسلُبُ الشُّيوخ تَعَقُّلَهُم.
21يصُبُّ الهَوانَ على الأكارِمِ ويُزيلُ تفَوُّقَ الجبابِرَةِ.
22يكشِفُ عَنِ الأعماقِ ظَلامَها ويُخرِج ظِلالَ الموتِ إلى النُّورِ.
23يُكثِّرُ الشُّعوبَ ويُبيدُها، ويوسِعُ للأمَمِ ويُزيلُها.
24يَنزَعُ عُقولَ حُكَّامِ الأرضِ ويَجعَلُهُم في تِيهٍ بلا طريقٍ.
25يتَلَمَّسونَ في الظَّلامِ ولا نورٌ، ويتَرَنَّحونَ ترَنُّحَ السُّكارى.
13 رأَت عينايَ هذا كُلَّهُ. سَمِعْتُهُ وتبَيَّنَتهُ أُذُنايَ.
2ما تَعرفونَ أعرِفُهُ مِثلَكُم، ولا أُقَصِّرُ عَنكُم في شيءٍ.
3لكِنِّني أخاطِبُ القديرَ وأُريدُ أنْ أعاتِبَ اللهَ.
4فأنتُم تُلَفِّقونَ الكَلامَ تُطَبِّبونَ وطِبُّكُم باطلٌ.
5ليتَكُم تَلزَمونَ الصَّمتَ، تُبَرهِنوا بذلِكَ عَنْ حكمةٍ.
6والآنَ فاَسمَعوا حُججي أصغُوا جيِّدًا إلى دعوايَ.
7ألأجلِ اللهِ تتكلَّمونَ جورًا في سَبيلِهِ تَنطِقونَ بالبُهتانِ.
8أم أنتُم تُحابونَ اللهَ، وعَنْ دَعواهُ تُدافِعونَ؟
9إذا فحَصَكُم أيكونُ لِخيرِكُم، أم تَسخرونَ بهِ كأنَّهُ إنسانٌ؟
10بل أشدَ التَّوبيخ يُوبِّخكُم أنَّكُم تُحابونَهُ في الخفاءِ.
11أفَما يُرهِبُكُم جلالُهُ، ويَستَولي علَيكُم خوفُهُ.
12أقوالُكم أمثالٌ مِنْ رَمادٍ وأجوِبَتُكُم أجوِبَةٌ مِنْ طِينٍ.
13أسكُتوا عنِّي فأتكلَّمَ أنا وَلْيُصِبْني مِنَ اللهِ مهما أصابَ.
14شَوكي أقلَعُهُ بيَدي وأحُطُّ روحي في كفَّيَ.
15لو قتَلَني اللهُ لَما قاوَمتُهُ، بل لناقَشتُ سُلوكي لَدَيهِ.
16هوَ حَقُا مُخلِّصي الوحيدُ، بَينَما الكافِرُ لا يَثبُتُ أمامَهُ.
17فاَسمَعوا كَلامي باَنتِباهٍ وأميلوا آذانَكُم إلى صوتي.
18ها أنا أعدَدْتُ دَعوايَ، وأعرِفُ أنِّي على حَقٍّ.
19إنْ كانَ اللهُ يُخاصِمُني فأنا أسكُتُ وأُسلِمُ الرُّوحَ.
20أمرَينِ يا أللهُ لا تفعَلْ بي، وإلاَ تَواريتُ عَنْ وجهِكَ:
21أنْ تُبعِدَ يَدَكَ عنِّي ولا تَدَعَ هَولَكَ يُرعِبُني،
22وأنْ تتكلَّمَ أنتَ فأُجيبَ أو أتكلَّمَ أنا فتُجاوِبَني.
23كم لي مِنَ الآثامِ والخطايا؟ عَرِّفْني مَعصيَتي وخطيئَتي.
24لماذا تَحجبُ وجهَكَ عنِّي وتَحسبُني عَدوُا لكَ؟
25أتُهاجمُ ورَقَةً في الرِّيحِ وتُطارِدُ قَشَّةً يابِسةً؟
26ألِتكتُبَ عليَ تُهَمًا مُرَّةً وتُورِثَني آثامَ صِبايَ؟
27تجعَلُ رِجلي في المِقطَرَةِ وتُراقبُ آثارَ قدَمَيَ.
28فأَبلى كخشَبٍ نَخرَهُ السُّوسُ وكثَوبٍ أكلَهُ العُثُّ.
14 الإنسانُ مولودُ المرأةِ، قليلُ الأيّامِ، كثيرُ القَلَقِ.
2كالزَّهرَةِ يَنبُتُ ويَذوي،وكالظِّلِّ يَمضي ولا يَقِفُ.
3أعَلى مِثلي تُحَملِقُ عيناكَ. وبهِ تأتي ليُحاكَمَ أمامَكَ؟
4مَنْ يُخرِج طاهِرًا مِنْ نَجسٍ؟ لا أحدَ سِواكَ لا أحدَ.
5أما أيّامُهُ مَحدودةٌ مِنكَ،وعَدَدُ شُهورِهِ مُعَيَّنٌ عِندَكَ، ولَه قضَيتَ أجلاً لا يتَعدَّاهُ،
6فاَنصَرِفْ عَنهُ ودَعْهُ وشأنَهُ ليَقضيَ مِثلَ الأجيرِ أيّامَهُ.
7لِلأشجارِ رجاؤُها فإن قُطِعَت تُفْرِخ ثانيةً وفُروخها لا تَزولُ،
8وإنْ تَعَتَّقَت في الأرضِ جذورُها أو ماتَ في التُّرابِ جذعُها،
9فَمِنْ رائِحَةِ الماءِ تُفرِخ وتُنبِتُ فُروعًا كغَرسٍ جديدٍ.
10أمَّا الإنسانُ فيموتُ ويَبلى، ومتى أسلمَ الرُّوحَ فأينَ هوَ؟
11البحرُ تَنفُذُ مياهُهُ، والنَّهرُ يَنشَفُ ويَجفُّ،
12والإنسانُ يَرقُدُ ولا يقومُ، وتَزولُ السَّماواتُ قَبلَ أنْ يُفيقَ ويَنهَضَ ثانيةً مِنْ رُقادِهِ.
13لَيتَكَ تُخفيني في عالَمِ الموتِ وتَستُرُني حتى يَرتَدَ غضَبُكَ وتضرِبُ لي مَوعِدًا فتَذكُرَني.
14لو كانَ الإنسانُ يموتُ فيَحيا لاَنتَظرتُ كُلَ أيّامِ شَقائي إلى أنْ يأتيَ إليَ الفرَج.
15حينَ تَدعوني فأُجيبُكَ وتشتاقُ إلى صُنعِ يَدَيكَ.
16ولا تعودُ تُحصي خطَواتي وتُراقِبُ يا اللهُ خطايايَ،
17بل تَتَغافَلُ عَنها وتكتُمُها وتستُرُ على ذُنوبي.
18ومِثلَما يسقُطُ الجبَلُ ويرتَمي وتتَزَحزَحُ الصُّخورُ مِنْ مَكانِها،
19وتبري المياهُ وُجوهَ الحِجارةِ وتَجرِفُ سُيولُها تُرابَ الأرضِ، هكذا تَمحَقُ رجا الإنسانِ.
20تُغالِبُهُ بِلا اَنقِطاعِ فيَهلِكُ، وتُشوِّهُ وجهَهُ ثُمَ تَطرُدُهُ.
21هل بَنوهُ مُكَرَّمونَ؟ لا يَعلَمُ، أم هُم مُهانونَ؟ لا يُلاحِظُ.
22يتوَجعُ لكِنْ على جسَدِهِ، ويَنوحُ لكِنْ على نفْسِهِ)).
15 فأجابَ أليفازُ التِّيمانيُّ:
2((أحكيمٌ وتُجيبُ بِكلامِ فارغِ كمَن في جوفِهِ ريحٌ شرقيَّةٌ؟
3فتُجادِلَ سِواكَ بِحُجج واهيةٍ وبأقوالٍ لا يُعوَّلُ علَيها؟
4بل أنتَ تَنقُضُ مَخافَةَ اللهِ وتُعيقُ كُلَ خشوعِ أمامَهُ.
5خبثُكَ يُملي علَيكَ كلامَكَ، وأنتَ تَختارُ لِسانَ الماكِرينَ.
6أنا لا أدينُكَ، بل فَمُكَ. وشفتاكَ تَشهدانِ علَيكَ.
7أوُلِدتَ أنتَ أوَّلَ البشَرِ أم أبدَعَكَ اللهُ قَبلَ التِّلالِ؟
8هل سَمِعتَ أسرارَ اللهِ، أمِ اَحتكرتَ الحكمةَ لِنَفْسِكَ؟
9ماذا تَعرِفُ أنتَ ولا نَعرِفُ، أم ماذا فَهِمتَ وخفيَ عَنَّا؟
10كم مِنَ الشِّيبِ عِندَنا والشُّيوخ، أصغَرُهُم في السِّنِّ أكبَرُ مِنْ أبيكَ.
11ألا تكفيكَ تَعزيَةُ اللهِ لكَ والرِّفْقُ في كلامِنا معَكَ؟
12لماذا يَغتاظُ قلبُكَ، ولماذا تَزْوَرُّ عيناكَ؟
13فيَرتَدَ على اللهِ غضَبُكَ ويَلفُظَ هذا الكلامَ فَمُكَ.
14ما الإنسانُ ليكونَ طاهِرًا؟ ولَدَتْهُ اَمرَأةٌ فكيفَ يَصلُحُ.
15القِدِّيسونَ لا يأتَمِنُهُمُ اللهُ، والسَّماواتُ غَيرُ طاهِرةٍ عِندَهُ،
16فكيفَ الإنسانُ وهوَ بَغيضٌ فاسِدٌ، ويشربُ الشَّرَ كأنَّهُ ماءٌ.
17فاَسمَعْ لي لأوضِحَ لكَ، وبِما رَأيتُ أُحَدِّثُكَ،
18وبِما رواهُ لنا الحُكَماءُ عَنْ آبائِهِم ولم يَكتُموهُ.
19ولهُم أُعطيَت هذِهِ الأرضُ ولم يَعبُرْ بَينَهُم غريبٌ:
20الشِّرِّيرُ يتَوَجعُ كُلَ أيّامِهِ، ولِلطَّاغيةِ سِنينٌ مَعدودَةٌ.
21صوتُ الرُّعبِ لا يُفارِقُ أُذُنَيهِ، وفي السَّلامِ يُفاجئُهُ المُعتَدي.
22لا يأمَنُ الهرَبَ مِنَ الظَّلامِ، وعَينُهُ تتَرَقَّبُ السَّيفَ.
23تنتَظِرُهُ النُّسورُ لِتَأكُلَ جثَّثَهُ ويعرِفُ أنَّ مَصيرَهُ مُظلِمٌ.
24يُباغِتُهُ الضَّرَرُ ويُلاحِقُهُ الضِّيقُ كمَلِكٍ مُتَأهِّبٍ لِلقِتالِ،
25لأنَّهُ على اللهِ مَدَ يَدَهُ وتجبَّرَ على الإلهِ القديرِ.
26بادَرَهُ بِعُنُقٍ مُتَصَلِّبةٍ خلْفَ تُرْسِهِ الكثيفِ المُحَدَّبِ.
27معَ أنَّ الشَّحْمَ كَسا وجهَهُ، ورَبِيَ الدَّسَمُ على وِرْكَيهِ،
28يُقيمُ في مُدُنِ خرابٍ وأنقاضِ بُيوتٍ مهجورةٍ.
29لا يَغْنى ولا تدومُ ثَروَتُهُ، جذورُهُ لا تمتَدُّ في الأرضِ،
30ولا تزولُ عَنهُ الظُّلمَةُ. اللَّهيبُ يَلفَحُ أغصانَهُ،والرِّيحُ تذهبُ بِأزهارِهِ.
31لا يَأمَنُ الشَّرَ فيَضِلُّ،ويكونُ الشَّرُّ جزاءَهُ.
32يُسرِعُ إلى الزَّوالِ قَبلَ يومِهِ،وفُروعُهُ لا تعودُ إلى الاخضِرارِ.
33يُساقِط كالكرمةِ حِصرِمَهُ ويَنفُضُ كالزَّيتونِ زَهرَهُ.
34فالكافِرونَ جماعةٌ عقيمَةٌ،والمُرتَشونَ خيامُهُم لِلنَّارِ.
35يَحبَلونَ بِالفسادِ فيَلِدونَ الإثْمَ،وأحشاؤُهُم تتَمَخضُ بِالمَكْرِ)).
16 فأجابَ أيُّوبُ:
2((يا ما سَمِعتُ مِثلَ هذا الكَلامِ، وكم تُتعِبُني تَعزيتُكُم.
3أما لِلكَلامِ الفارِغِ نِهايةٌ؟ وماذا يُحَرِّضُني حتى أُجاوِبَ؟
4لو كُنتُم مكاني لَتكلَّمتُ كَلامَكُم ونَمَّقتُهُ وهَزَزتُ علَيكُم رأسي،
5أو لَشَجعتُكُم بِكَلِماتِ فَمي إلى أنْ تَكِلَ مِنَ الحراكِ شَفَتاي.
6والآنَ إنْ تكلَّمتُ لا تزولُ كآبَتي، أو تَمَنَّعتُ فلا تذهبُ عنِّي.
7لأنَّ اللهَ هَدَ عَزيمَتي ودَمَّرَ كُلَ جماعَتي.
8قَيَّدَني وشَهِدَ عليَ، وقامَ يتَّهِمُني في وجهي.
9مَزَّقَني غضَبًا وأبغَضَني واَحمَرَّت عينَاهُ عليَّ خصومي فتَحوا عُيونَهُم
10وفَغَروا أفواهَهُم عليَ. يَلطُمونَ خدِّي تَعييرًا ويتَعاوَنونَ على إهانتي.
11أللهُ أسلَمَني إلى الجائِرينَ، وفي أيدي الأشرارِ طرَحَني.
12كُنتُ في رَغدٍ فهَشَّمَني، وبِرَقْبَتي أمسَكني وحَطَّمَني. نَصَبَني هدَفًا لِرِماياتِهِ
13فتَطايَرَت مِنْ حولي سِهامُهُ. يَشُقُّ بِها كَبِدي ولا يُشفِقُ ويَسفُكُ على الأرضِ مَرارَتي.
14يَطعَنُني طَعنَةً بَعدَ طَعنَةٍ ويُهاجمُني هُجومَ الجبَّارِ.
15لَفَفتُ على جلدي مِسْحًا، ومَرَّغتُ في التُّرابِ جبْهتي.
16اَحْمَرَ وجهي مِنَ البُكاءِ، وعلا جفنيَ ظِلالُ الموتِ،
17معَ أنَّ يَدي بَريئَةٌ مِنَ الجورِ، وصلاتي لا تَشوبُها شائبَةٌ.
18يا أرضُ لا تَستُري ما حلَ بي، ولا يكُنْ لِصُراخي انتهاءٌ.
19لي مِنَ الآنَ شاهِدٌ في السَّماواتِ ومَنْ يُحامي عنِّي في الأعالي.
20الشَّامِتونَ بي هُم أصدِقائي، ولكِنْ إلى اللهِ تفيضُ عَينايَ.
21لَيتَ الإنسانَ يُعاقِبُ اللهَ، كما يُعاقِبُ الإنسانُ صاحِبَهُ،
22سَنواتي أصبَحَت مَعدودَةً، فأسيرُ في طريقٍ لا أعودُ مِنهُ.
17 تلِفَت روحي واَنطَفَأت أيّامي،وصارَتِ القُبورُ وحدَها مَسكِني.
2وها أنا عُرضَة لِلسَّاخرينَ،وعينايَ بمَرارةٍ تُحدِّقُ إليهِم. 3كُنْ يا ربُّ كفيلاً لي عِندَكَ، فَما مِنْ أحدٍ يكفَلُني غَيرُكَ.
4أُغلِقَت قُلوبُهُم عَنِ الإِدراكِ، فلم ترتَفِعْ لمَعونَتي يَدٌ.
5يَجودونَ على أصحابِهِم بِمالِهِم،وعُيونُ بَنيهِم يُذيبُها الحِرمانُ.
6صِرتُ مثَلاً عِندَ النَّاسِ ووجهًا مُعَرَّضًا للبَصْقِ.
7عينايَ كلَّتا مِنَ الغَمِّ، وهيئَتي كُلُّها كالظِّلِّ.
8يراني العادِلونَ فيَندهِشونَ ويغارُ الأبرياءُ على حالتي.
9لكنَّ الصِّدِّيقَ يلزَمُ طريقَهُ، والطَّاهرَ اليَدينِ يزدادُ قُوَّةً.
10وأنتُم فعودوا وتَعالَوا إليَ، لعَلِّي أجدُ فيما بَينَكُم حكيمًا.
11أيّامي عبَرَت ودَنَت ساعتي، وتبَدَّدَت تمنِّياتُ قلبي.
12أمَا لهذا اللَّيلِ مِنْ نهارٍ؟ وهل باَشتدادِ الظَّلامِ يقترِبُ النُّورُ؟
13ما رجائي؟ والقبرُ أصبحَ بيتي،وفي الظَّلامِ فرَشتُ مَضجعًا لي.
14أقولُ للقبرِ: أنتَ أبي، وللدِّيدانِ أنتِ أُمِّي وأُختي.
15فقولوا لي: أينَ إذًا رجائي؟ وسعادَتي مَنْ يا تُرى يَراها؟
16أيَهبُطانِ إلى أبوابِ القبرِ، ويستريحانِ بجانبي في التُّرابِ؟))
18 فأجابَهُ بلدَدُ الشُّوحيُّ:
2((متى تضَعُ حدُا لهذا الكلامِ؟ فكِّرْ جيِّدًا قَبلَما تتكلَّمُ.
3لماذا تحسبُنا كالبَهائِمِ وتعتَبِرُنا أغبياءَ في نظَرِكَ؟
4أنتَ يا مَنْ يُمَزِّقُهُ غضَبُهُ أيُهجرُ وجهُ الأرضِ لأجلِكَ،أو يُزَحزَحُ الصَّخرُ مِنْ مكانِهِ؟
5نورُ الشِّرِّيرِ ينطفئْ، وسِراجهُ علَيهِ ينطِفئْ.
6النُّورُ يُظلِمُ في مَسكِنِه، وسِراجهُ علَيهِ ينطفِئْ.
7تُسرِعُ خطواتُهُ إلى الشَّرِّ وبِمَعصيَتِهِ يكونُ سُقوطُهُ.
9يأخذُهُ فَخُّها بكاحِلِه، ويُطبِقُ علَيهِ فمَهُ.
10الحبائِلُ مَطمورةٌ في الأرضِ والمَصائدُ مَنصوبةٌ في الطَّريقِ.
11تُفاجئُهُ الأهوالُ مِنْ حَولِهِ وتتَعَقَّبُهُ خطوةً خطوةً.
12يُباغِتُهُ الرُّعبُ وهو مُطمَئنًّ،وفي عِزِّهِ تحِلُّ بهِ المَصائِبُ.
13يأكلُ الدَّاءُ جلدَهُ،والموتُ المُبكِّرُ أعضاءَهُ.
14مِنْ أمانِ خيمَتِهِ يُنتَزَعُ ويُسَاقُ إلى مَلِكِ الأهوالِ.
15في خيمَتِهِ يسكُنُ مَنْ لا يخصُّهُ،ويرُشُّ كِبريتًا على مسكِنِه.
16أصولُهُ تَيبَسُ مِنْ أسفَلُ،وفُروعُهُ تزولُ مِنْ فَوقُ،
17فيَبيدُ ذِكرُهُ مِنَ الأرضِ،ولا يكونُ اَسمُهُ في السَّاحاتِ.
18يُطرَدُ مِنَ النُّورِ إلى الظُّلمةِ ويُنفَى نَفيًا مِنَ المَسكونةِ.
19لا تكونُ لَه ذُرِّيَّةٌ ولا نَسلٌ،ولا يَبقى في منازِلِه ساكِنٌ.
20فيتعجبُ الآخرونَ مِنْ مَصيرِهِ، ويرتجفُ الأوَّلونَ مِنَ الرُّعبِ.
21هكذا تكونُ مَساكِنُ الأشرارِ،وهذِهِ حالُ مَنْ لا يعرِفُ اللهَ)).
19 فأجابَ أيُّوبُ:
2((إلى متى تُعذِّبونَني وتسحَقونَني سَحقًا بأقوالِكُم؟
5وإنْ كنتُم تستكبِرونَ عليَّ وتدعَمونَ حُجتَكُم بعاري،
6فاَعلَموا أنَّ اللهَ بَلاني وألقى شَبكتَهُ عليَ.
7فأصرُخ مِنْ جورِهِ ولا مِنْ مُجيبٍ، وأدعو شاكيًا ولا مِنْ مُنصِفٍ.
8طريقي سيَّجهُ فلا أعبُرُ، وبالظَّلامِ غطَّى سُبُلي.
9أزالَ عنِّي كرامتي ونزَعَها وهيَ إكليلُ رأسي.
10هدَمَني إلى الأساسِ فهَلَكتُ، ورَجائي أقتَلِعُهُ كشجرةٍ.
11أضرَمَ عليَ غضَبَهُ، ومِنْ أعدائِهِ اَعتَبَرني.
12غُزاتُهُ زَحفوا بأجمَعِهِم وجاؤوا وحاصَروا مسكِني.
13إخواني اَبتعَدوا عنِّي، واَزدَرى بي مَعارِفي.
14أقارِبي وأصدِقائي خذَلوني. وأهلُ بَيتي تَناسَوا ذِكْري.
15إمائي حَسِبْنَني أجنَبيُا وغريبًا ما رأينَهُ مِنْ قبلُ.
16إنْ نادَيتُ خادِمي فلا يُجيبُ، ولو تضرَّعْتُ إليهِ بفمي.
17لُهاثي صارَ كريهًا عندَ زوجتي، وجسمي نَتِنًا لبَني أُمِّي.
18حتى الصِّغارُ اَشْمأزُّوا منِّي. وفي غيابي يتكلَّمونَ عليَ.
19رجالي كُلُّهُم يَمقُتونَني، والذينَ أحبَبتُهُم اَنقَلَبوا عليَ.
20عِظامي لَصِقَت بجلْدي. ونجوتُ بجلْدِ أسناني.
21إرحَموني يا أصدِقائي إرحَموني يدُ اللهِ هي التي ضَرَبتْني.
22لماذا تُهاجمونَني مِثلَ اللهِ ولا تَشبعونَ أبدًا مِنْ لَحمي؟
23ليتَ هُناكَ مَنْ يكتبُ أقوالي، ليتَهُ يُثبِّتُها في سِفرٍ!
24أو يَنقُشُها إلى الأبدِ في الصَّخرِ. بقلمِ مِنْ حديدٍ ورصاصٍ
25أعرِفُ أنَّ شَفيعي حَيٌّ وسأقومُ آجلاً مِنَ التُّرابِ،
26فتَلبَسُ هذِهِ الأعضاءُ جلْدي وبِجسَدي أُعايِنُ اللهَ.
27وتَراهُ عينايَ إلى جانِبي، ولا يكونُ غريبًا عنِّي.
28كَبِدي ذابَ في داخلي حينَ قُلتُم: ((كيفَ نُهاجمُهُ،وأيَّةُ تُهمَةٍ نجدُها علَيهِ؟))
29فحاذِرُوا سَيفَ النَّقمَةِ،عِقابًا لكُم على جورِكُم لتَعلَموا كيفَ يكونُ القضاءُ)).
20 فأجابَهُ صوفَرُ النَّعماتيُّ:
2((أثَرْتَ بكلامِكَ خواطِري، فشَعَرتُ بحاجةٍ إلى الرَّدِّ.
3سمِعتُ في عِتابِكَ ما يُهينُني، فألهَمَتْني فِطْنَتي ما أُجيبُ.
4أما علِمتَ مِنْ قديمِ الزَّمانِ، ُنذُ كانَ الإنسانُ على الأرضِ،
5أنَّ اَبتِهاج الكافِرينَ قريبُ الزَّوالِ، أنَّ أفراحَ الشِّرِّيرِ لحظَةٌ.
6فلو بلَغَ السَّماواتِ اَرتِفاعُهُ مَسَ رأسُهُ أعاليَ السَّحابِ،
7يضمَحِلُّ كالغُبارِ إلى الأبدِ، يقولُ الذي رآهُ: أينَ هوَ؟
8يطيرُ كالحُلُمِ فلا يوجدُ، وكرُؤْيا اللَّيلِ يفِرُّ هارِبًا،
9يَلوحُ للعَينِ ولا يعودُ، ومكانُهُ لا يراهُ مِنْ بَعدُ.
10بنوهُ يَرتَضونَ الذُلِّ وجاهُهُ يَشوبُهُ الكدَرُ.
11عِظامُهُ اَمتلأت بعَزْمِ الشَّبابِ، ومعَهُ تَضطَجعُ في التُّرابِ.
12يَحلو في فَمِهِ الشَّرُّ، وتَحتَ لِسانِهِ يُخفيهِ.
13يحمِلُهُ ولا يتَخلَّى عَنهُ، فيَجتَرُّهُ في حَنكِهِ.
14هوَ قُوتٌ يَقلِبُ مَعِدتَهُ، كسَمِّ الحيَّةِ في جوفِهِ.
15يتَقيَّأُ أقوالاً بلَعَها، اللهُ يُخرِجها مِنْ جوفِهِ.
16يرضَعُ سَمَ الحيَّاتِ، ولِسانُ الأفعى يَقتُلُهُ.
17لا يُبصرُ أنهارًا تجري جداوِلَ مِنْ عسَلٍ وسَمنٍ.
18يرُدُّ مكاسِبَ لا يُنفِقُها ولا ينعَمُ بثِمارِ تِجارَتِهِ.
19يسحَقُ الفُقراءَ ويَخذُلُهُم ويغتَصِبُ ولا يبني بَيتًا.
20نَهمُهُ لا يعرِفُ القَناعةَ، فعبَثًا تُنقِذُهُ كُنوزُهُ.
21جشَعُهُ لا يُبقي على شيءٍ، لذلِكَ لا يدومُ خيرُهُ.
22في عِزِّ غِناهُ يشعرُ بالفَقرِ. ويدُ الشَّقاءِ تقَعُ علَيهِ.
23يصُبُّ علَيهِ اللهُ نارَ غضَبِهِ، وعلى جسَدِهِ يُمطِرُ سِهامَهُ.
24إنْ فَرَ مِنْ سِلاحِ الحديدِ، فقَوسُ النُّحاسِ يَختَرِقُهُ.
25مِنْ ظَهرِهِ يَنفُذُ السَّهمُ ومِنْ كَبِدِه يلمَعُ النَّصلُ. تتساقَط علَيهِ الأهوالُ
26ويُكمَنُ لَه في الظَّلامِ. تأكُلُهُ نارٌ لم يُنفَخ فيها وتَلتَهِمُ ما بقيَ في مَسكِنِه.
27السَّماواتُ تكشِفُ عَنْ شَرِّهِ، والأرضُ كُلُّها تقومُ علَيهِ.
28تَجرِفُ السُّيولُ بَيتَهُ، وتجتاحُهُ في يومِ الغضَبِ.
29ذلِكَ حظُّ الشِّرِّيرِ مِنْ عندِ اللهِ، ونصيبُهُ بأمرِ القديرِ)).
21 فأجابَ أيُّوبُ:
2((إسمَعوا وأصغُوا إلى كلامي، فيكونَ هذا تَعزِيَتَكُم لي.
3إصبِروا عليَ فأتكلَّمَ، وبَعدَ كَلامي تَسخرونَ.
4لو كانَت شَكوايَ على إنسانٍ لَما كانَ يضيقُ صَدْري؟
5إلتَفِتوا إليَ، أفَلا تُدهَشونَ؟ ومعَ ذلِكَ تَلزَمونَ الصَّمتَ.
أتَذَكَّرُ ما جرى لي فأرتَعِبُ، وجسَدي تأخذُهُ الرَّعشَةُ.
7لِماذا يحيا الأشرارُ ويَشيخونَ، ومعَ الأيّامِ يَزدادونَ اَقتِدارًا؟
8أولادُهُم يكونونَ أمامَهُم، وذُرِّيَّتُهُم تتكاثَرُ مِنْ بعدِهِم.
9بيوتُهُم آمِنَةٌ مِنَ الفزَعِ، وعصا اللهِ لا تُرفَعُ علَيهِم.
10ثورُهُم يُلقِحُ ولا يُخطئْ، وبقرَتُهُم تلِدُ ولا تُسقِطُ.
11أطفالُهُم يسرَحونَ كالغنَمِ، وأولادُهُم يرقصونَ كالغُزلانِ.
12يحمِلونَ الدُّفَ والكنَّارةَ، ويُطرِبونَ بصَوتِ المِزمارِ.
13يقضونَ أيّامَهُم في نعيمِ، ويهبِطونَ الموتَ في سلامِ.
14يقولونَ للهِ: ((إبتَعِدْ عنَّا، فلا نُريدُ أنْ نعرِفَ طُرقَكَ.
15مَنْ هوَ القديرُ حتى نعبُدَهُ، وماذا نستَفيدُ إنْ رَجوناهُ؟))
16فسعادَةُ الأشرارِ في أيديهِم، وتفكيرُهُم بعيدٌ مِنَ اللهِ.
17هلِ اَنطَفَأ سِراج الأشرارِ أو نَزَلت بِهِم نكبَةٌ؟
18فصاروا كالتِّبنِ في مهَبِّ الرِّيحِ أو كالعُصافةِ في وجهِ الزَّوبَعةِ؟
19أيَدَّخرُ اللهُ ذُنوبَهُم لبَنيهِم؟ ليتَهُم يُجازَونَ الآنَ فيَعلَمون،
20يَرَونَ هَلاكَهُم بعُيونِهِم ويتَجرَّعونَ غضَبَ القديرِ.
21فماذا يَهمُّهُم مَصيرُ بُيوتِهِم بعدَما يَقضونَ أعمارَهُمُ المَحتومةَ؟
22اللهُ مَنْ يُعلِّمُهُ المعرفةَ؟وهوَ الذي يَدينُ مَنْ في الأعالي.
23هُناكَ مَنْ يموتُ في عِزِّ شَبابِهِ وفي مُنتَهى السَّعادةِ والهَناءِ.
24جنباهُ مَليئانِ شَحْمًا ومُخُّ عِظامِهِ طَريءٌ.
25وهُناكَ مَنْ يموتُ بِمَرارةٍ مِنْ غَيرِ أنْ يذوقَ طَعمَ السَّعادَةِ.
26كلاهُما يَضطَجعانِ في التُّرابِ. ويكسُو جسَديهِما الدُّودُ.
27نعم، أعرِفُ أفكارَكُم وما تَنوُونَهُ لي ظُلمًا.
28تقولونَ: ((أينَ بَيتُ الطَّاغيةِ؟ وأينَ خيمَةُ مسكِنِ الشِّرِّيرِ؟))
29هكذا سألتُم عابِري الطَّريقِ، حينَ جهِلْتُم دَليلَكُم إليهِ.
30ألا يخلُصُ الشِّرِّيرُ ساعةَ النَّكبةِ وفي يومِ الغضَبِ يَنجو؟
31فمَنْ يُبَيِّنُ لَه مَسلِكَهُ؟ ومَنْ يُجازيهِ على ما فعَلَ؟
32يُحمَلُ حَملاً إلى المقابِرِ ويَسهرُ الحُرَّاسُ على مَدفَنِهِ.
33يمشي جميعُ النَّاسِ في مَأتَمِهِ، ولَه يطيبُ تُرابُ الوادي.
34إذًا، فباطِلاً تُعزُّونَني! وما أقوالُكُم إلاَ خداعٌ)).
22 فأجابَ أليفازُ التِّيمانيُّ:
2((أيَنفَعُ العاقِلُ اللهَ؟ فالعاقِلُ لا ينفَعُ إلاَ نفْسَهُ.
3هل يرضى القديرُ إذا تَبَرَّرتَ أو يستفيدُ إذا قَوَّمتَ طُرُقَكَ؟
4هل على تَقواكَ يُؤدِّبُكَ ويدخلُ معَكَ في مُحاكمةٍ؟
5شُرورُكَ أنتَ جسيمةٌ، وآثامُكَ لا حدَ لها؟
6إرتَهَنتَ مِنْ أخيكَ بغيرِ حَقٍّ وسلَبتَ العُراةَ ثيابَهُم؟
7وحَرَمتَ العطشانَ ماءً، وحَرَمتَ الجوعانَ خبزَكَ؟
8بِبَطشِكَ اَمتَلَكتَ كُلَ الأرضِ وبجاهٍ رفيعِ سكَنتَ فيها.
9أرسَلتَ الأرامِلَ فارِغاتٍ وحطَّمتَ أذرُعَ اليَتامى.
10فكيفَ لا تُحيطُ بِكَ الفِخاخ ولا يُريعُكَ رُعبٌ مُفاجئِّ؟
11أو ظلامٌ لا تُبصِرُ فيهِ، أو سَيلُ مياهٍ يغمُرُكَ.
12اللهُ في أعلى السَّماواتِ ويُشرِفُ على ذُرَى النُّجومِ
13لذلِكَ قُلتُ كيفَ يعلَمُ اللهُ؟ أمِنْ وراءِ الضَّبابِ يدينُ؟
14يَحجبُهُ السَّحابُ فلا يُرَى، وعلى قُبَّةِ السَّماواتِ يَمشي.
15فتَبِعْتَ المَعالِمَ القديمةَ وفي طريقٍ وطِئَها الأشرارُ؟
16فهَلكوا قَبلَ أنْ يَحينَ أوانُهُم وجرَفَ السَّيلُ أساسَهُم،
17قالوا للهِ: ((إليكَ عَنَّا! وماذا يفعَلُ القديرُ لنا؟))
18وهوَ الذي يملأُ بُيوتَهُم خيرًا. فويحٌ لمَشورةِ الأشرارِ.
19ينظُرُ الصِّدِّيقونَ فيَشمَتونَ، والأبرارُ فيَسخرونَ مِنهُم.
20يقولونَ: ها خصومُنا اَنقَرَضوا وآثارُهُم أكَلَتْها النَّارُ!
21تقرَّبْ إلى اللهِ وصالِحْهُ، وبِهذا يعودُ هَناؤُكَ.
22وتقبَلُ شريعتَهُ مِنْ فمِهِ، وأودِعْ كَلامَهُ في قلبِكَ.
23فإنْ تُبتَ إلى القديرِ باَتِّضاعِ وأبعَدتَ الظُّلمَ عَنْ مَسكِنِكَ،
24وحسِبتَ الذَّهبَ كالتُّرابِ وسَبائِكَ أوفيرَ كحصى الأوديةِ
25وجعَلتَ القديرَ وحدَهُ تِبرَكَ وكُنوزًا مِنَ الفِضَّةِ عِندَكَ،
26فيكونُ القديرُ بَهجتَكَ وترفعُ إليهِ باَعتِزازٍ وجهَكَ.
27تُصلِّي لَه فيَستَمِعُ إلَيكَ ويُعفيكَ مِنْ جميعِ نُذورِكَ.
28تطلُبُ شيئًا فيَتِمُّ لكَ، وعلى طَريقِكَ يُشرِقُ النُّورُ.
29مَهما اَتَّضَعْتَ ترتفِعْ، لأنَّ اللهَ معَ النَّاظِرِ بخشوعِ.
30يُنَجي كُلَ مَنْ كانَ بريئًا يُنجيهِ بطَهارةِ يدَيهِ)).
23 فأجابَ أيُّوبُ:
2((شَكوايَ لا تزالُ مُرَّةً، فثِقلُ يدِ اللهِ يُثيرُ أنيني.
3ليتَني أعرِفُ أينَ أجدُهُ أو كَيفَ أصِلُ إلى مَسكِنِهِ!
4فأعرِضُ أمامَهُ دعوايَ وأملأُ فَمي حُججا.
5وأعرفُ ماذا يُجاوِبُني، وأفهمُ ما يقولُهُ لي.
6أبِعَظَمةِ جبروتِهِ يُحاكِمُني، أم علَيهِ أنْ يُصغيَ إليَّ؟
7فيَرى أنَّني خصمٌ مُستَقيمٌ وأنَّ دَعوايَ هيَ الرَّابِحَةُ.
8أسيرُ شَرقًا فلا أجدُ اللهَ، وغَربًا فلا أشعُرُ بهِ.
9أطلُبُهُ في الشَّمالِ فلا أراهُ وأميلُ إلى الجنوبِ فلا أُبصِرُهُ.
10أمَّا هوَ فيَعرِفُ كَيفَ أسلُكُ، وإذا اَمتَحَنَني خرَجتُ كالذَّهبِ،
11لأنَّ قدَمي سارَتْ على خطاهُ ولزِمَت طريقَهُ فما حادَت.
12وصايا شَفَتَيهِ ما اَبتَعَدْتُ عَنها، وحَفِظتُ في صَدري كلامَ فمِهِ.
13لكنَّهُ يختارُ فمَنْ يَمنَعُهُ؟ وتشتهي نفْسُهُ فيفعَلُ.
14يُتمِّمُ ما قضى بهِ عليَّ أُسوَةً بالكثيرينَ سواي.
15لذلِكَ يشتَدُّ فزَعي أمامَهُ، وكُلَّما تأمَّلتُهُ تضاعَفَ خوفي.
16اللهُ هوَ الذي أوهَنَ قلبي، والقديرُ هوَ الذي يُخيفُني.
17لا الظَّلامُ ولا سَوادُهُ الحالِكُ، معَ أنَّهُ يُغطِّي وجهي.
24 القديرُ لا تَخفى علَيهِ المَصائِرُ، ولا يرى عارِفوهُ يومَ جزائِهِ
2الأشرارُ يَنقُلونَ التُّخومَ ويَسلُبونَ القُطعانَ ويَحفظونَها.
3يَستاقونَ حمارَ اليتيمِ ويَرتَهِنونَ ثورَ الأرملَةِ.
4يُزيحونَ الفُقراءَ عَنِ الطَّريقِ، ومِنهُم يَختبِئْ مَساكينُ الأرضِ.
5فيَهيمونَ في القَفرِ كحمارِ الوحشِ، باحثينَ عَنْ طَعامِ لأولادِهِم.
6يَحصُدونَ حُقولاً لا يَملِكونَها ويَقطُفونَ للأشرارِ كُرومَهُم.
7يَبيتونَ عُراةً بلا لِباسٍ، وفي البَردِ لا كِساءَ لهُم.
8يتَبلَّلونَ مِنْ مطَرِ الجبالِ، ويَحضُنونَ الصَّخرَ طَلَبًا لِلمَأوى.
9يَخطفونَ اليَتامى عَنِ الثَّديِ ويَرتَهِنونَ أطفالَ المَساكينِ،
10فيَذهبونَ عُراةً لا لِباسَ لهُم ويحمِلونَ الحُزَمَ وهُم جائعونَ.
11يَعصِرونَ الزَّيتَ بينَ حجرينِ ويدوسونَ المَعاصِرَ وهُم عِطاشٌ.
12مِنَ المُدُنِ يَخرُج النَّحيبُ وتستَغيثُ نُفوسُ الجرحى واللهُ لا يهتَمُّ لصَلاتِهِم.
13هُناكَ مَنْ يَثورُ على النُّورِ ولا يعرِفُ طرُقَ الرّبِّ، وفي سُبُلِهِ لا يَستقِرُّ.
14عندَ الصَّباحِ يقومُ القاتِلُ ويفتُكُ بالبائِسِ والمِسكينِ، وفي اللَّيلِ يكونُ كاللِّصِ.
15عينُ الزَّاني تترَقَّبُ العَتمةَ، ليَضَعَها قِناعًا على وجهِهِ.
16يسرُقُ البُيوتَ في الظَّلامِ ويُغلِقُ على نفسِهِ في النَّهارِ، لا يريدُ أنْ يعرِفَ النُّورَ.
17فالصُّبحُ لَه كظِلِّ الموتِ، يُضيءُ فيَملأُهُ الرُّعبُ.
18الأشرارُ خفافٌ على وجهِ المياهِ، ونصيبُهُم ملعونٌ في الأرضِ،ولا مَنْ يتوجهُ إلى كُرومِهِم. 19يبتهج بمياهِ الثَّلج،كما يبتَهج الموتُ بالخاطئِ.
20الشِّرِّيرُ يَنكسِرُ كالشَّجرةِ تَنساهُ الرَّحِمُ ويَستطيبُهُ الدُّودُ. واَسمُهُ لا يُذكَرُ مِنْ بَعدُ.
21يُسيءُ إلى العاقِرِ التي لا تلِدُ، ولا يُحسِنُ إلى الأرملَةِ.
22اللهُ يُمسِكُ المُقتَدِرينَ بقوَّتِهِ ويظهَرُ فلا يأمَنونَ على حياتِهِم.
23يُعطيهِمِ الأمانَ فيَرتاحونَ إليهِ، ولكِنْ عيناهُ تُراقِبانِ طُرُقَهُم.
24يَرتَفِعونَ قليلاً ثمَ يَزولونَ. يذبلونَ ويضمحلُّونَ كالحَشائِشِ،ويُقطَعونَ كرُؤوسِ السَّنابلِ.
25وإلاَ فمَنْ مِنكُم يُكذِّبُني ويُبرهِنُ على تفاهةِ كلامي)).
25 فأجابَ بلدَدُ الشُّوحيُّ:
2((السُّلطانُ للهِ عَزَ وجلَ، وهوَ صانعُ السَّلامِ في أعاليهِ.
3هل مَنْ يُحصي عدَدَ جنودِهِ، وعلى مَنْ لا يَظهَرُ نورُهُ.
4كيفَ يَتبرَّرُ أحدٌ عِندَهُ ويكونُ مولودُ المَرأةِ طاهرًا؟
5القمرُ نفْسُهُ يعوزُهُ النُّورُ والكواكِبُ غيرُ صافيةٍ في عينَيهِ.
6فكيفَ الإنسانُ وهوَ هذِهِ الحَشرَةُ! وأينَ اَبنُ آدمَ وهوَ تلكَ الدُّودَةُ)).
26 فأجابَ أيُّوبُ:
2((يا لكَ مِنْ مُعينٍ للضَّعيفِ ومُخلِصٍ لِلذِّراعِ الواهِنةِ!
3ويا لِلمَشورةِ تُعطيها للجاهِلِ ولِلفَهمِ تُعَرِّفُهُ بهِ!
4لِمَنْ تُوَجهُ كلامَكَ هذا؟ وأيَّةُ روحِ خرَجت مِنكَ؟
5أرواحُ الأمواتِ تَرتَعِدُ تحتَ الأرضِ والمياهُ وسُكَّانُها يَرتجفونَ رُعبًا
6الهاويةُ مكشوفَةٌ أمامَ الرّبِّ والهلاكُ لا غِطاءَ لهُ.
7يمُدُّ الفضاءَ على الفراغِ ويُعلِّقُ الأرضَ على العدَمِ.
8يحبِسُ المياهَ في سُحُبِهِ فلا يتَمزَّقُ الغَيمُ تحتَها.
9يحجبُ وجهَ القمرِ كاملاً وينشُرُ علَيهِ غَمامَهُ.
10يرسُمُ حَدُا حَولَ وجهِ المياهِ عندَ مُلتَقى النُّورِ والظُّلمَةِ.
11أعمِدَةُ السَّماءِ تَتزعزَعُ وترتَعِدُ عَجبًا مِنْ تَهديدِهِ.
12بقُوَّتِهِ يرجعُ البحرُ إلى الوراءِ وبدَهائِهِ يُحطِّمُ رَهبَ.
13بنَفخةٍ مِنهُ أنارَ السَّماواتِ، ويدُهُ شَقَّتِ الحيَّةَ الهاربةَ.
14إنْ كانَ هذا لَمحَةً عَنْ مآثِرِه وصَدى هَمسةٍ نَسمَعُهُ مِنهُ. فمَنْ يُدرِكُ رعدَ جبَروتِهِ؟))
27 وعادَأيُّوبُ إلى الكلامِ فقالَ:
2((حَيًّ اللهُ الذي أنكرَ حَقِّي، القديرُ الذي مَلأني مرارةً!
3ما دامَ بي نسَمَةٌ مِنْ حياةٍ ونفخةٌ مِنَ اللهِ في أنفي
4لن تَنطِقَ بالسُّوءِ شَفَتاي ولا يتَلَفَّظَ لِساني بالمَكرِ.
5كيفَ لي أنْ أُبرِّرَ كلامَكُم؟ وأنا أموتُ ولا أُنكِرُ نَزاهَتي.
6أتمَسَّكُ ببَراءَتي ولا أُرخيها، وضميري لا يؤنِّبُني على شيءٍ
7لَيتَ عدُوِّي يُعاقَبُ كالأشرارِ وخصمي يُدانُ كفاعِل السُّوءِ
8فَما رجاءُ الكافِرِ إذا ماتَ، إذا اَستعادَ اللهُ روحَهُ مِنهُ؟
9أكانَ اللهُ يستمِعُ إلى صُراخهِ عِندَما كانَ ينزِلُ بهِ ضيقٌ؟
10وهل كانَ يتَدلَّلُ على القديرِ فيدعوَ إليهِ في كُلِّ حينٍ؟
11أأُخبِرُكُم بِقُدرةِ اللهِ! أم أكتُمُ ما عِندَهُ مِنْ جبروتٍ.
12أنتُم جميعًا شَهِدتُموهُ فما بالُكُم تَنطِقونَ بالباطِلِ؟
13حظُّ الشِّرِّيرِ عِندَ اللهِ ونصيبُ الجائِرِ مِنَ القديرِ
14إنْ كثُرَ بَنوهُ فلِلسَّيفِ، وهُم لا يَشبَعونَ خبزًا،
15فيما الباقونَ يَموتونَ بالوَبإِ، وأرامِلُهم لا يَبكينَ علَيهِم.
16إنْ جمعَ الفِضَّةَ مِثلَ التُّرابِ وكوَّمَ المَلابِسَ كالطِّينِ،
17فالصِّدِّيقُ هوَ الذي يلبَسُها، وفِضَّتُهُ يَرِثُها البَريءُ.
18بَيتُهُ كبَيتِ العَنكبوتِ أو كخيمَةٍ نصَبَها النَّاطورُ.
19ينامُ يومًا وهوَ غنيٌّ ويستَفيقُ ولا شيءَ عِندَهُ.
20تُدرِكُهُ الأهوالُ في عِزِّ النَّهارِ وفي اللَّيلِ تجتاحُهُ الزَّوبعةُ.
21تَحمِلُهُ ريحُ السُّمومِ فيَذهَبُ ويُقتَلَعُ مِنْ مكانِ سُكناهُ.
22تَهوي علَيهِ ولا تُشفِقُ ومِنْ يَدِها يفِرُّ هاربًا،
23فيُصَفَّقُ علَيهِ بالكفَّينِ، ويُصفَرُ علَيهِ مِنْ كُلِّ جانِبٍ.
28 إستَخرَجوا الفضَّةَ مِنَ المَناجمِ ووجدُوا مكانًا لتَمحيصِ الذَّهَبِ.
2نبَشوا الحديدَ مِنْ باطِنِ الأرضِ،ومِنْ بَينِ الصُّخورِ صفائِحَ النُّحاسِ.
3جعَلوا للظُّلمَةِ حَدُا وبحَثوا في أبعَدِ الأبعادِ
عَنْ صُخورٍ في حالِكِ الظَّلامِ وعَنِ التي في ظِلالِ الموتِ.
4حفَروا حَيثُ لا موطِئَ قدَمِ مَناجمَ تدَلَّوا فيها مُتَأرجحينَ بعيدًا مِنْ مَساكنِ النَّاسِ.
5الأرضُ التي تُنبِتُ القُوتَ لهُم قلَبوا ما تَحتَها كما بالنَّارِ.
6في صُخورِها مقَرُّ الياقوتِ وعلَيها غُبارُ الذَّهَبِ.
7طريقُها لا تعرِفُهُ البوَاشِقُ ولا تُبصِرُهُ عُيونُ النُّسورِ.
8مَحالٌ أنْ تَدوسَهُ الضَّواري وتَسلُكَهُ أُسودُ الغابِ.
9مدُّوا أيديَهُم إلى الصَّوَّانِ وقلَبوا أُسُسَ الجبالِ.
10نحَتوا قنَواتٍ في الصُّخورِ بَحثًا عَنْ كُلِّ ثمينٍ.
11فحَصوا مَنابِرَ الأنهارِ، وأخرَجوا الخفايا إلى النُّور.
12ولكِنْ هل وجدوا الحِكمةَ؟ واَكتَشفوا أينَ مَقرُّ الفَهمِ؟
13طريقُها لا يَعرِفُهُ الإنسانُ ولا توجدُ في أرضِ الأحياءِ.
14الغَمرُ يقولُ: ما هيَ فيَّ! والبحرُ يقولُ: ولا هيَ عِندي!
15لا تُشتَرى بالذَّهَبِ الخالِصِ ولا تُوزَنُ لثَمَنِها الفضَّةُ.
16ذهَبُ أوفيرَ لا يُعادِلُها، ولا العَقيقُ أو اللاَزَوَردُ.
17لا يُقاسُ بها الذَّهبُ والزُّجاج ولا تُقايَضُ بمَصنوعِ الذَّهبِ النَّقيِّ
18لا المرجانُ يُذكَرُ معَها ولا البَلَّورُ وأينَ مِنْ تَحصيلِها تحصيلُ اللآلئِ.
19لا يُعادِلُها الياقوتُ الأصفَرُ، ولا يوازيها الذَّهَبُ الخالِصُ.
21هيَ مَحجوبةٌ عَنْ عُيونِ الأحياءِ، ومَخفيَّةٌ عَنْ طُيورِ السَّماءِ.
22الهَلاكُ والموتُ يقولانِ: ((خبَرُها بلَغَ مَسامِعَنا)).
23اللهُ وحدَهُ يتَبيَّنُ طريقَها ووحدَهُ يَعرِفُ أينَ توجدُ،
24لأنَّهُ ينظُرُ إلى أقاصي الأرضِ ويرى كُلَ ما تَحتَ السَّماءِ.
25أعطى للهواءِ وزنًا وعايَرَ المياهَ بمِعيارٍ،
26أجرى للمطَرِ أحكامًا وطريقًا للصَّواعِقِ القاصِفةِ.
27فرأى الحِكمةَ وأخبَرَ عَنها. وأكَّدَها وسبَرَ غَورَها
28وقالَ: ((مخافةُ الرّبِّ هيَ الحِكمةُ واَجتِنابُ الشَّرِّ هوَ الفَهمُ)).
29 وعادَ أيُّوبُ إلى الكلامِ فقالَ:
2((لَيتَ الشُّهورَ السَّالِفَةَ تعودُ، أيّامَ كانَ اللهُ حارِسي،
3يُضيءُ سِراجهُ فوقَ رأسي فأسلُكَ بنورِهِ في الظَّلامِ.
4أيّامَ كُنتُ في عزِّ حياتي ورِضا اللهِ على مَسكِني،
6أغسِلُ باللَّبَنِ قدَمي، والصَّخرُ يَفيضُ أنهارَ زيتٍ.
7أخرُج إلى بابِ المدينةِ وأتَّخذُ في السَّاحةِ مَجلِسي.
8يراني الشُّبانُ فيَحيدونَ والشُّيوخ فيَنهَضونَ واقِفينَ،
9يُمسِكُ الأمَراءُ عَنِ الكَلامِ ويَجعلونَ أيديَهُم على أفواهِهِم.
10ويخفُتُ صوتُ العُظَماءِ وتَلصَقُ ألسِنَتُهُم بأحناكِهِم.
11تسمَعُني أذُنٌ فتُهَنِّئُني وتَراني عينٌ فتَشهَدُ لي،
12لأنِّي كُنتُ أُغيثُ المِسكينَ وأُعينُ اليتيمَ الذي لا عَونَ لهُ.
13تحِلُّ عليَ بركةُ البائسينَ وتَطرَبُ لي قُلوبُ الأرامِلِ.
14لبِستُ الحَقَ فكانَ كِسائي، وبقيَ العَدلُ حِلَّتي وتاجي.
15كُنتُ عَينًا بصيرةً للأعمى ورِجلاً صحيحةً للأعرج.
16وكُنتُ وَحدي أبًا للفقيرِ وسَميعًا لدَعوى الغريبِ؟
17وكُنتُ أُهشِّمُ أنيابَ الظَّالمِ ومِنْ بَينِ فَكَّيهِ أنتَزِعُ فريسَتَهُ.
18فقُلتُ: سأموتُ في فراشي وكطَيرِ الفينيقِ أزدادُ أيّامًا.
19جذوري مُمتَدَّةٌ إلى المياهِ والنَّدى يبيتُ على غُصوني،
20فتَبقى كرامَتي نضيرَةً ويتَجدَّدُ قَوسي في يَدي.
21كانوا يستَمِعونَ لي باَشتياقٍ ويُصغونَ إلى مَشورتي صامِتينَ.
22على كلامي لا يَزيدونَ شيئًا، وأقوالي علَيهِم كقَطرِ النَّدى.
23يَنتَظِرونَني اَنتظارَهُم لِلغَيثِ، وكما لمطَرِ الرَّبيعِ يَفتحونَ أفواهَهُم.
24أبتَسِمُ إليهِم فلا يُصدِّقونَ، ويَرقُبونَ في وجهي علامةَ رضًا.
25أتَولَّى أمرَهُم وأتصَدَّرُ مَجالِسَهُم وكمَلِكٍ في جيشٍ أُحسِنُ قيادَتَهُم.
30 أمَّا الآنَ فيَضحَكُ عليَ،مَنْ يَصغَرونَني في الأيّامِ. مَنْ أَبَيتُ أنْ أجعَلَ آباءَهُم في عِدادِ كِلابِ غنَمي.
2وماذا كانَ يَنفَعُني عمَلُ أيديهِم بَعدَ الذي أصابَها مِنْ عَجزٍ؟
3كانوا لشِدَّةِ الفقرِ والجوعِ يَقضِمونَ جذورَ نباتِ البَرِّ وأشواكَ الخرائِبِ المَهجورةِ.
4يقلَعونَ الخبَّيزَةَ بينَ العُلَّيقِ ويَقتاتونَ عُروقَ الوَزَّالِ.
5يَطرُدُهُم أهلُ الحضَرِ مِنْ بَينِهِم، وعلَيهِم يَصيحونَ كأنَّهُم لُصوصٌ.
6فيَلجأونَ إلى سُفوحِ الأوديةِ ومَطاوي التُّرابِ والصُّخورِ.
7ينهِقونَ بَينَ جذوعِ العُلَّيقِ ويقبَعونَ سَويَّةً تَحتَ العَوسَج.
8أولادُ الدَّناءَةِ هُم وبِلا اَسمِ طَلَعوا واَنشَقوا مِنَ الأرضِ.
9والآنَ صِرتُ لهُم أُهجيَةً ومَثَلاً شائعًا لِلسُّخريةِ.
10يكرَهونَني ويَبتَعِدونَ عنِّي ولا يَتورَّعونَ أن يَبصِقوا في وجهي.
11ولأنَّ اللهَ رماني جانبًا وأذَلَّني أطلَقوا شتائِمَهُم في وجهي.
12على يميني يقومُ شُهودٌ يجعَلونَ رِجلي في الفَخ ويَصِلونَ عليَ طريقَ أدومَ
13يقطَعونَ عليَ سبيلَ النَّجاةِ ولا مَنْ يصُدُّ هُجومَهُم عنِّي.
14يدخلونَ كما مِنْ فَجوَةٍ واسِعَةٍ يتَدَفَّقونَ بينَ الرَّدمِ.
15فإذا بالرُّعبِ ينقَضُّ عليَّ كرامتي تذهَبُ هَباءً مَنثورًا، يضمَحِلُّ كالسَّحابِ خلاصي.
16والآنَ روحي تفيضُ منِّي أيّامُ البُؤسِ تُطبِقُ عليَ.
17في اللَّيلِ تنتَخرُ عِظامي يقِضُّ الألَمُ مَضجعي.
18بشِدَّةِ قوَّتِهِ يأخذُني بثيابي يُضيِّقُ عليَ خناقي.
19طَرَحني اللهُ في الوحلِ، مِثلُ التُّرابِ أنا والرَّمادِ.
20إليكَ أصرُخ فلا تُجيبُ. أمامَكَ أقِفُ فلا تَنتَبِهُ.
21عدوُا قاسيًا صِرتَ معي بقوَّةِ يدِكَ حمَلتَ عليَ.
22ترفَعُني عاليًا لأركبَ الرِّيحَ في المَوج تَقذِفُني لأهلِكَ.
23إلى الموتِ تَقودُني، أنا أعرِفُ، لى دارِ ميعادِ كُلِّ حَيٍّ.
24ولكِنْ إلى المَساكينِ مدَدتُ يَدي ُغيثُهُم إذا اَستَغاثوا بي.
25أمَا بكيتُ لمَنْ ضاقَ يومُهُ أشفَقَت نَفسي على المُعوَزينَ؟
26تَوقَّعتُ الخيرَ فجاءَ الشَّرُّ، اَنتَظَرتُ النُّورَ فحَلَ الظَّلامُ.
27أحشائي تَغلي ولا تَهدَأُ، أيّامُ البُؤسِ تُلاقيني.
28كئيبًا أمضي ولا مَنْ يُعزِّي، إنْ قُمتُ بينَ النَّاسِ فَلأبكي.
29صرتُ أخا لبَناتِ آوى رَفيقًا لطُيورِ النَّعامِ.
30تَحوَّلَ جلدي إلى سَوادٍ واَحتَرَقَت عِظامي مِنَ الحرارةِ.
31كنَّارَتي غَدَت لِلنَّحيبِ مِزماري لِصوتِ البُكاءِ.
31 قَطعتُ عَهدًا لعينَيَّ أنْ لا أتأمَّلَ في عذراءَ.
2القِسمَةُ مِنَ اللهِ مِنْ فَوقُ والنَّصيبُ مِنَ القديرِ تعالى،
3إذًا فالبَليَّةُ قِسمةُ الشِّرِّيرِ والهَلاكُ نَصيبُ الأثيمِ.
4وأنا أمَا نظَرَ اللهُ طُرُقي وأحصى جميعَ خطَواتي؟
5فهل مَشيتُ يومًا معَ الكَذِبِ أو أسرَعَت قدَمي إلى الغِشِّ؟
6ليَزِنِّي اللهُ في ميزانِ العَدلِ فيَعرِفَ سُبحانَهُ نَزاهَتي.
7إنْ حادَت خطاي عَنِ الطَّريقِ، أو مشى قلبي وراءَ عينَيّ أو تَلطَّخت يَدايَ بِعَيبٍ،
8فليَأكُلْ غَيري ما أكونُ زَرعتُهُ، ولتُقتَلَعْ فُروعُ أشجاري.
9إنْ هامَ قلبي باَمرَأةٍ أو نَظَرتُ مِنْ فتحَةِ بابِ جاري،
10فلْتَطحَنِ اَمرأتي الحِنطةَ لآخرَ وليَنحَنِ لمُضاجعَتِها غَيري،
11لأنِّي أكونُ اَرتَكبتُ رذيلَةً، بل جريمةً تُرفَعُ إلى القُضاةِ،
12وأشعَلتُ نارًا تأكلُني أكلاً وتَلتَهِمُ جميعَ غِلالي.
13إنْ كُنتُ اَستَهَنتُ بحَقِّ عبدي أو أمَتي في دَعواهُما عليَ،
14فماذا أفعَلُ حينَ أُواجهُ اللهَ؟ وكيفَ أُجيبُهُ حينَ يسألُ؟
15أمَا صانِعي في البَطنِ صانِعُهُ، وواحِدٌ صَوَّرَنا في الرَّحِمِ؟
16هل حَرَمتُ الفقيرَ بَيتَهُ، أم تَراني أكلتُ مالَ الأرملَةِ؟
17أو أكلتُ لُقمَتي وحدي ولم يُشارِكْني فيها اليتيمُ؟
18أمَا مِنْ صِباهُ رَبَّيتُهُ كأبٍ، ومِنْ بطنِ أمِّهِ هَدَيتُهُ.
19أرَأيتُ هالِكًا مِنَ العُري أو بائسًا لا كِسوَةَ لَه
20ولم يُبارِكْني بكلِّ قلبِهِ حينَما تَدفَّأ بصوفِ غنَمي؟
21إنْ كُنتُ رَفعتُ يَدي على اليتيمِ معَ كُلِّ نُفوذي في مجلسِ القضاءِ
22فلْتَسقُطْ كتِفي مِنْ كاهِلي ولتَنكسِرْ مِنْ مِفصَلِها ذِراعي
23بل كُنتُ أخافُ مِنْ نَقمةِ اللهِ، ولا قُدرَةَ لي أمامَ جلالِهِ.
24هل جعلتُ على الذَّهَبِ اَعتِمادي أو قُلتُ للإِبريزِ أنتَ سنَدي؟
25هل فرِحتُ بوافِرِ ثَروَتي أو بالكثيرِ الذي جنَتهُ يَدي؟
26هل نَظرتُ إلى الشَّمسِ حينَ أشرَقَت أو إلى القمرِ يسيرُ في بَهاءٍ
27فاَفتَتَنتُ بِهِما في سِرِّ قلبي وأرسَلتُ لهُما قُبلَةً على يَدي.
28إذًا لاَرتكبتُ جريمةً نكراءَ، لأنِّي كفَرتُ باللهِ العليِّ.
29هل فرِحتُ لِهَلاكِ عدُوِّي أو شَمِتُّ إذا نالَهُ سُوءٌ؟
30بل مَنَعتُ لِساني أنْ يخطَأَ فيَطلُبَ موتَ عدُوِّي بلَعنةٍ.
31أمَا كانَ أهلُ بيتي يقولونَ: ((جميعُ النَّاسِ تشبَعُ مِنْ طَعامي؟))
32هل باتَ غريبٌ واحدٌ في العَراءِ وبابي كانَ مفتوحًا على الطَّريقِ؟
33هل كتَمتُ مِثلَ النَّاسِ مَساوِئي أو أخفَيتُ في صَدري خطايايَ؟
34هل خفتُ مِنَ الظُّهورِ بينَ النَّاسِ أو خشيتُ مِنْ إهانةِ العشائِرِ فسَكتُّ وما خرَجتُ مِنْ بابي؟
35قُلتُ كُلَ شيءٍ، لَيتَ القديرَ يَسمَعُني! لَيتَ خصمي يَردُّ على دَعوايَ،
36فأحمِلَ ردَّهُ على كتِفي وأعصِبَهُ تاجا لرَأسي.
37أُخبرُهُ بعَدَدِ خطَواتي وأتَقدَّمُ كالأميرِ إلى لقائِهِ.
38إنْ كانت أرضي اَحتَجت عليَّ وتَباكَت جميعُ أتلامِها 39لأنِّي أكلتُ غَلَّتَها بلا مُقابلٍ أو تَسبَّبتُ بموتِ مُزارِعيها،
40فَليَنبُتِ الشَّوكُ فيها بدَلَ الحِنطةِ،والزُّوانُ في مكانِ الشَّعيرِ)).
41تمَّت أقوالُ أيُّوبَ.
32 فاَمتَنَعَ هؤلاءِ الرِّجالُ الثَّلاثَةُ عَنْ مُجادَلةِ أيُّوبَ لأنَّهُ كانَ في نظَرِهِ بارُا. 2فثارَ غضَبُ أليهو بنُ بَرخئيلَ البوزيِّ مِنْ عَشيرةِ رامِ. ثارَ غضَبُهُ على أيُّوبَ لأنَّهُ برَّرَ نفسَهُ لا اللهَ.3وغضِبَ أيضًا على أصدِقائِهِ الثَّلاثَةِ، لأنَّهُم عَجزوا عَنِ الجوابِ ومعَ ذلِكَ أعلَنوا أيُّوبَ مُذنِبًا.4وكانَ أليهو ينتَظِرُ دورَهُ في مُخاطبةِ أيُّوبَ لأنَّ أصدِقاءَهُ كانوا أكبَرَ مِنهُ سنُا. 5فلمَّا رأى أليهو أنْ لا جوابَ في أفواهِ الرِّجالِ الثَّلاثَةِ، قالَ غاضِبًا:
6((صغيرٌ أنا في الأيّامِ وأنتُم شُيوخ،فاَحتَشَمتُ وخفتُ مِنْ إبداءِ رأيي
7وقُلتُ: دَعْ كثرَةَ الأيّامِ تنطِقُ وطُولُ السِّنينِ يُعلِنُ الحِكمةَ!
8والآنَ عَلِمتُ أنَّ الرُّوحَ في الإنسانِ،النَّسمَة التي مِنَ القديرِ، تَمنَحُهُ الفَهمَ.
9فلا الحِكمة وَقفٌ على المُسِنِّينَ،ولا صواب الحُكمِ وَقفٌ على الشُّيوخ،
10إذًا، فاَسمَعوا أنتُم لي! لأُبديَ أنا أيضًا رأيي.
11تَأمَّلتُ كثيرًا في أقوالِكُم وأصغَيتُ إلى بلاغةِ حُججكُم
12وتَبَصَّرتُ فَما رَأيتُ فيكُم مَنْ خطَّأَ أيُّوبَ أو فَنَّدَ كلامَهُ.
13فلا تَقولوا نحنُ بِحِكمَتِنا نَعرِفُ،اللهُ يُعلِّمُنا لا الإنسانُ!
14لن أتبَعَ أُسلوبَكُم في الجدالِ،ولنْ أُجيبَ أيُّوبَ ما أجبتُموهُ.
15تَحَيَّرتُم وعَجزتُم عَنِ الرَّدِّ، وسُلِبتُم القُدرَةَ على النُّطقِ!
16فاَنتَظَرتُ فما تَكَلَّمْتُمْ،وتَوقَّفتُم عَنِ الجوابِ مِنْ بَعدُ.
17والآنَ دعوني أُجيبُ بدَوري وأُبدي أنا أيضًا رأيي.
18فعِندي الكثيرُ مِمَّا أقولُهُ، وخواطِري تزدَحِمُ في داخلي.
19كخمرٍ مَحقونةٍ في جوفي تكادُ تَشُقُّهُ كزِقاقٍ جديدٍ.
20لا شيءَ يُريحُني غيرَ الكلامِ،فسأفتَحُ شَفتَيَ وأُعطي جوابي،
22فأنا لا أعرِفُ التَمَلُّقَ،وإلاَ ففي الحالِ يأخذُني خالِقي.
33 فاَسمَعْ يا أيُّوبُ أقوالي،وأصغِ إلى كلامي كُلِّهِ.
2ها أنا سأفتَحُ فَمي،فينطِقُ لِساني في حَنَكي.
3مِنْ قلبٍ مُستقيمِ كلامي ومِنْ شَفَتينِ تَعرِفانِ الحَقَ.
4روحُ اللهِ هوَ الذي صَنَعَني ونَسمَةُ القديرِ هي التي أحيَتْني.
5أجبْني إن كُنتَ قادِرًا وقِفْ دِفاعًا عَنْ دَعواكَ أمامي.
6فأنا مِثلُكَ عندَ اللهِ. مِنْ طينٍ جبلَني أنا أيضًا.
7فلا هَيبَتي يجبُ أن تُخيفَكَ ولا يَدي أنْ تَثقُلَ علَيكَ.
8قُلتَ، على مَسمَعِ مِنِّي وصوتُ كلامِكَ رنَّ في أُذُني:
9((أنا بريءٌ بِلا مَعصيةٍ،نقيًّ ولا عيبَ فيَّ!
10هوَ اللهُ يختَلِقُ المُبَرِّراتِ ويَحسبُ أنِّي عدوًّ لهُ.
11يحبِسُ رِجلَيَ في المِقطَرةِ ويُراقِبُ جميعَ خطَواتي)).
12فأُجيبُ أنَّكَ غيرُ مُحِقٍّ: هوَ اللهُ أعظَمُ مِنَ الإنسانِ.
13لماذا أنتَ تُخاصِمُهُ وتقولُ: ((لا يُجيبُ عَنْ أقوالي)).
14اللهُ يتكلَّمُ مرَّةً ومرَّتَينِ، ولكِنْ أينَ مَنْ يُلاحِظُ كلامَهُ؟
15في الحُلُمِ يتكلَّمُ ورُؤيا اللَّيلِ، والنَّاسُ على مَضاجعِهم نائمونَ.
16فيَفتَحُ آذانَ بَني البشَرِ وبمَشاهِدَ مُرعِبَةٍ يُخيفُهُم
17ليَصرِفَ الإنسانَ عَنْ شُرورِهِ ويضَعَ حَدُا لِكِبريائِهِ.
18فيَحفَظَهُ مِنْ فمِ الهاوية ِويَحيدَ بهِ عَنْ طريقِ الهَلاكِ.
19على فِراشِ الألَمِ يُؤدِّبُهُ وباَرتِجافِ عِظامِهِ المُستَمِرِّ،
20فتَعافُ نفْسُهُ أكلَ الخبزِ ولا تَشتَهي لذيذَ الطَّعامِ.
21فيَبلى لَحمُهُ عَنِ العيانِ وتَبْرى عِظامُهُ فلا تُرَى
22تَدنُو نفْسُهُ إلى الفسادِ وحياتُهُ مِنْ مَسكِنِ الأمواتِ.
23إنْ وجدَ الإنسانُ ملاكًا مِنْ ألفٍ شفيعًا يُريهِ طريقَ الاستقامَةِ.
24يَرحَمُهُ ويقولُ أُنجيهِ مِنَ الهاويةِ لأنِّي وَجدتُ فِديَةً لَه،
25يصيرُ جسَدُهُ غَضُا كَصِباهُ ويعودُ إلى أيّامِ شَبابِهِ،
26يُصلِّي إلى اللهِ فيَرضى عَنهُ. يُعايِنُ وجهَهُ بِهُتافِ الفرَحِ ويُذيعُ على النَّاسِ خبَرَ خلاصِهِ.
27يُعلِنُ لهُم ويقولُ: خطِئتُ وزُغتُ عَنِ الحَقِّ وما عُوقِبتُ.
28فَداني مِنَ العُبورِ إلى الهاويةِ، وحياتي الآنَ تُبصِرُ النُّورَ.
29هذا كُلُّهُ يفعَلُهُ اللهُ مرَّتينِ وثَلاثًا بالإنسانِ،
30ليُعيدَ نفْسَهُ مِنَ الهاويةِ يُنيرُها بِنورِ الحياةِ.
31فأصغِ يا أيُّوبُ واَستَمِع لي، واَنصُتْ فأنا أتكلَّمُ.
32إنْ كانَ عِندَكَ كلامٌ فأجبْني! تكلَّمْ فأنا أُريدُ تَبريرَكَ.
33وإلاَ فاَستَمِعْ أنتَ لي، وأنْصِت فأُعلِّمَكَ الحِكمةَ)).
34 وتابَعَ أليهو كَلامَهُ فقالَ:
2((إسمَعوا أقوالي أيُّها الحُكماءُ، وأصغوا لي يا أهلَ المَعرِفةِ!
3فالأُذُنُ تَختَبِرُ الأقوالَ كما يذوقُ الحنَكُ الطَّعامَ.
4فدَعُونا نبحَثُ عَنِ الحَقِّ لنَتَبيَّنَ ما هوَ الأفضَلُ)).
5قالَ أيُّوبُ: ((أنا على حَقٍّ، لكِنَّ اللهَ رفَضَ حَقِّي.
6يُكَذِّبُني والحَقُّ في جانِبي، وجرحي عديمُ الشِّفاءِ ولا ذنبَ لي)).
7فمَنْ في النَّاسِ مِثلُ أيُّوبَ هذا يشربُ الهُزءَ كما يشربُ الماءَ.
8يَمشي في صُحبةِ أهلِ السُّوءِ ويسلُكُ معَ زُمرةِ الأشرارِ.
9أما قالَ: ((لا ينفَعُ الإنسانُ إنْ كانَ يَحظى بِرِضى اللهِ)).
10فاَسمَعوا لي يا أهلَ الفَهمِ! ما أبعَدَ اللهَ عَنِ الشَّرِّ والقديرَ عَنِ اَرتِكابِ الظُّلمِ.
11يُجازي الإنسانَ بأفعالِهِ. ويُعامِلُهُ بحسَبِ سُلوكِهِ.
12فاللهُ حَقُا لا يفعَلُ الشَّرَ،ولا يُعوِّج طريقَ العَدلِ.
13فمَنْ يا تُرى وكَّلَهُ بالأرضِ،أو جعَلَ الكَونَ كُلَّهُ في عِهدَتِهِ؟
14لو لم يُفكِّرْ إلاَ بنَفسِهِ فاَستَعادَ روحَهُ ونَسمَتَهُ إليهِ،
15لفاضَت أرواحُ البشَرِ جميعًا وعادَ الإنسانُ إلى التُّرابِ.
16إنْ كنتَ فَهيمًا فاَسمَعْ هذا وأصغِ إلى صوتِ كلِماتي:
17أتظُنُّ مَنْ يُبغِضُ الحَقَ يسودُ؟ وهل تَدينُ الدَّيَّانَ العادِلَ،
18القائلَ لِلمُلوكِ أنتُم لِئامٌ ولِلعُظماءِ يا لكُم مِنْ أشرارٍ؟
19لا يُحابي أحدًا لِمَكانَتِهِ ولا يُفَضِّلُ غنيُا على فقيرٍ، لأنَّهُم جميعًا أعمالُ يَدَيهِ.
20يُفاجئُهُمُ الموتُ في نِصفِ اللَّيلِ، ومهما علا شَأنُهُم يَهلِكونَ! وما أسهَلَ ما يُزيلُ الطُّغاةَ.
21لأنَّ عَينَيهِ على طُرُقِ الإنسانِ،فيَرى جميعَ خطواتِهِ.
22لا ظُلمَةَ، ولا ظِلالَ موتٍ يختَبِئْ فيها مَنْ يفعَلُ الشَّرَ،
23لأنَّ اللهَ لا يُعَيِّنُ ميعادًا يُحاكِمُ فيهِ الإنسانَ لدى قضائِهِ،
24بل يَسحَقُ العُظماءَ مِنْ غيرِ بَحثٍ ويُقيمُ آخرينَ مكانَهُم.
25فهوَ عَليمٌ بما يفعلونَ، ويَقلِبُهُم في ليلةٍ فيُداسونَ.
26يضرِبُ الأشرارَ ضَربًا على الفَورِ بمَشهَدٍ مِنْ جميعِ النَّاظرينَ.
27لأنَّهُم تَراجعوا عَنِ السَّيرِ وراءَهُ وما تَبَصَّروا في شيءٍ مِنْ طُرُقِهِ،
28تقولُ صُراخ الفُقراءِ يصِلُ إليهِ واَستِغاثَةُ المَساكينِ بلَغَت مَسامِعَهُ،
29فيَبقى ساكِنًا ولا شيءَ يُثيرُهُ،ويحجبُ وجهَهُ فلا مَنْ يراهُ. لكنَّهُ يا أيُّوبُ يتعَهَّدُ البشَرَ،
30فلا يَستَبِدُّ بِهِم مُنافِقٌ ويوقِعُهُم في شَرَكِ النَّوائِبِ؟
31فلو قالَ أحدُهُم للهِ: ((ضَلَلتُ ولا أعودُ أَخطِئْ.
32أرِني أنتَ ما لا أراهُ، فإنْ كُنتُ أسَأتُ فلا أعودُ.
33أيُعاقِبُهُ اللهُ أم يُعاقِبُكَ، وأنتَ تَرفُضُ أنْ تقولَ قولَهُ؟وما دُمتَ أنتَ تختارُ لا أنا، فقُلْ لنا ما هوَ رأيُكَ!
34أهلُ الفَهمِ يقولونَ لي، بل كُلُّ حكيمِ يستَمِعُ إليَّ:
35((أيُّوبُ يتكلَّمُ بلا مَعرِفةٍ، وكَلامُهُ تُعوِزُهُ البَصيرَةُ)).
36فليُمتَحَنْ أيُّوبُ حتى النِّهايةِ، فكَلامُهُ ككَلامِ أهلِ الشَّرِّ.
37يزيدُ على خطيئتِهِ مَعصيةً، فيَجعَلُ العَدلَ مَوضعَ شَكٍّ بينَناويُكثِرُ كَلامَهُ على اللهِ)).
35 وتابَعَ أليهو كَلامَهُ فقالَ: 2((أمِنَ العَدلِ يا أيُّوبُ أنْ تقولَ: ((بريءٌ أنا أكثرُ مِنَ اللهِ؟))
3أو أنْ تقولَ للهِ: ((ما شأنُكَ؟ وماذا يُغيرُكَ إنْ أنا خطِئتُ؟))
4أنا أُجيبُكَ وأُفنِّدُ كَلامَكَ، أنتَ وأصحابُكَ معَكَ:
5تطَلَّعْ إلى السَّماءِ واَنظُرْ تأمَّلْ ما أعلى السَّحابَ فَوقَكَ.
6فإنْ خطِئتَ فماذا تُؤثِّرُ فيهِ، وإنْ كثُرَت معاصيكَ فكَيفَ تُؤذيهِ؟
7إنْ كُنتَ عادِلاً فماذا أعطَيتَهُ، وأيُّ نَفعِ يأخذُهُ مِنْ يَدِكَ؟
8إنسانٌ مِثلُكَ يُؤذيهِ شَرُّكَ، واَبنُ آدمَ وحدَهُ ينتَفِعُ بعَدلِكَ.
9مِنْ كثرةِ الظُّلمِ يصرُخ النَّاسُ، ومِنْ جبروتِ الطُّغاةِ يَستَغيثونَ،
10ولا مَنْ يقولُ: ((أينَ اللهُ خالِقي، مانِحُ الأهازيج في ليالي الفرَحِ؟
11رفَعَنا على بَهائِمِ الأرضِ عِلمًا وجعَلَنا أحكمَ مِنْ طُيورِ السَّماءِ)).
12نعم، يصرُخونَ ولكنَّهُ لا يُجيبُ مِنْ دَناءةِ تشامُخ الأشرارِ.
13فلا تقُلْ إنَّ اللهَ لا يسمَعُ وإنَّ القديرَ لا يرَى شيئًا!
14وإلاَ زَعَمتَ أنَّهُ لا يَراكَ وأنَّ دَعواكَ عِندَهُ وأنتَ تَنتظِرُ،
15وزَعَمتَ أنَّ غضَبَهُ لا يُعاقِبُ، وبِحَماقَةِ البشَرِ لا عِلمَ لَه
16لذلكَ يا أيُّوبُ تَنطِقُ بالباطِلِ وتُكثِرُ الكَلامَ عَنْ غيرِ عِلمِ)).
36 وتابَعَ أليهو كَلامَهُ فقالَ:
2((إصبِرْ قليلاً عليَ فأُبَيِّنَ لكَ، فلي عَنِ اللهِ أقوالٌ أُخرى.
3مَلتُ مَعرِفَتي مِنْ مكانٍ بعيدٍ، وسأُبَرهِنُ عَنْ عَدلِ خالِقي.
4فكَلامي حَقُا لا كذِبَ فيهِ، كما تَعلَمُ أنتَ عِلمَ اليَقينِ.
5عظيمٌ هوَ اللهُ في قُدرتِهِ، لكنَّهُ لا يَمقُتُ البَريءَ.
6لا يترُكُ الأشرارَ يَعيشونَ، ويَحرِمُ المَساكينَ حَقَّهُم.
7لا يصرِفُ عَنِ الأبرارِ عينَهُ، ويُقيمُ المُلوكَ على عُروشِهِم. فإنْ فاخروا بِدَوامِ سُلطانِهِم
8أوثَقَهُم بِالقُيودِ عِقابًا لهُم، وأوقَعَهُم في حبائِلِ الشَّقاءِ
9وأراهُم أعمالَهُم كُلَّها ومَعاصيَهُم لأنَّهُم تكبَّروا،
10وتَمتَمَ في آذانِهِم مُنذِرًا،وحَثَّهُم أنْ يرجعوا عَنِ الشَّرِّ.
11فإن سَمِعوا لَه وأطاعوا قَضَوا أيَّامَهُم في هناءٍ وسِنيَ حياتِهِم في نعيمِ،
12وإلاَ هَلكوا بحَدِّ السَّيفِ وماتوا على حينِ غَفلَةٍ.
13أمَّا الكافِرونَ والحِقدُ في قلوبِهِم لا يَستَغيثونَ وهُم في القُيودِ.
14فتَموتُ نُفوسُهُم في الصِّبا، ويَقضونَ حياتَهُم مُخنَّثينَ.
15وأمَّا البائِسُ فيُنقِذُهُ بُؤسُهُ ويفتَحُ في الضِّيقِ لَه أُذُنَيهِ.
16وأنتَ مِنَ العذابِ يَنتَشِلُكَ إلى بحبوحةٍ لا حَدَ لها ويملأُ بالطَّعامِ الدَّسِمِ مائدتَكَ،
17فتُملي على الأشرارِ أحكامَكَ ومِنْ عَدلِ قضائِكَ لا يَفلَتونَ.
18لا الضَّلالُ يقودُكَ ولا الغِنى ولا الرَّشاوَةُ بكثرَتِها تُفسِدُكَ.
19تُقاضي الغَنيّ لا الفقيرَ وحدَهُ والقويَ المُسَلَّحَ أُسوَةً بالضَّعيفِ،
20لا تدوسُ الذينَ لا تَعرِفُهُم لتَرفَعَ ذَويكَ إلى مَواضِعِهِم.
21فحاذِرْ أنْ تَلتَفِتَ إلى الشَّرِّ فأنتَ لهذا اَبتُليتَ بالبُؤسِ.
22هوَ اللهُ يتَعالى بقُدرَتِه،فمَنْ يُماثِلُهُ مِنَ الفُهَماءِ؟
23مَنْ أَملى على اللهِ طريقَهُ أو قالَ لَه: ((فعَلتَ شرُا؟))
24فتَذكَّرْ أنْ تُعظِّمَ عمَلَهُ، وهوَ الذي يتَغَنَّى بهِ البشَرُ.
25تُبصِرُهُ عينُ كُلِّ إنسانٍ وتُحدِّقُ إليهِ مِنْ بعيدٍ.
26عظيمٌ هوَ اللهُ فَوقَ إدراكِنا،وسِنينُهُ كثيرَةٌ لا تُحصى
27هوَ الذي يجرَعُ قطَراتِ الماءِ، فتَهطُلُ مطَرًا في الضَّبابِ.
28تُفيضُهُ الغُيومُ وتَصُبُّهُ سُيولاً على النَّاسِ أجمَعينَ.
29فهل مَنْ يفهَمُ اَنتشارَ الغُيومِ ودوِيَ الرَّعدِ في قُبَّةِ السَّماءِ؟
30ينشُرُ النُّورَ ويتَسربَلُ بهِ، ويَملأُ أعماقَ البحارِ.
31بذلِكَ يُنصِفُ شُعوبَ الأرضِ ويَرزُقُهُم طَعامًا وفيرًا.
32يرفَعُ البَرقَ على راحَتَيهِ ويأمُرُه بإصابةِ الهدَفِ.
33ورَعدُهُ يُنذِرُ بمَجيئِهِ، مِثلَما يَسبِقُ الغضَبُ الشَّرَ.
37 لذلِكَ يخفُقُ قلبي ويكادُ يَقفِزُ مِنْ موضِعِهِ.
2فاَسمَعوا هزيمَ صوتِ اللهِ والزَّئيرَ الخارِج مِنْ فمِهِ.
3تَحتَ جميعِ السَّماواتِ يُطلِقُ بَرقَهُ فيَصِلُ إلى أطرافِ الأرضِ.
4تتبَعُهُ زمجرَةُ صوتِهِ، وهزيمُ رَعدِ جلالِهِ، ولا يكبَحُ جماحَ بُروقِهِ ما دامَ يسمَعُ صوتَهُ.
5اللهُ حَقُا يعمَلُ العجائِبَ، وعظائِمُهُ فَوقَ إدراكِنا.
6يقولُ لِلثَّلج: اَسقُطْ على الأرضِ، ولِلمطَرِ الغزيرِ: اَهطُلْ بقُوَّةٍ!
7يختُمُ على يدِ كُلِّ إنسانٍ ليَعرِفَ جميعُ البشَرِ خالِقَهُم،
8فيَرجعُ الوحشُ إلى عرينِهِ ويبقى هُناكَ في مأواهُ،
9وتهُبُّ الأعاصيرُ مِنَ الجنوبِ، والبَرْدُ مِنْ رياحِ الشِّمالِ.
10بنَسْمَةِ اللهِ يحدُثُ الصَّقيعُ وتتجمَّدُ سُطوحُ المياهِ.
11يُثقِلُ الغُيومَ بالنَّدى ويُنيرُ السَّحابَ ببَرقِهِ،
12فيدورُ مُتَقَلِّبًا كما يُديرُهُ ويأمُرُهُ في جميعِ المَسكونةِ.
13يُرسِلُهُ عِقابًا لأهلِ الأرضِ، أو وَفقَ ما شاءَ مِنْ رحمَتِهِ.
14فأصغِ إلى هذا يا أيُّوبُ! قِفْ وتأمَّلْ عجائِبَ اللهِ.
15أتعرِفُ كَيفَ يُسيِّرُها اللهُ، وكَيفَ يلمَعُ ببَرقِ غَمامِهِ؟
16أتعرِفُ كَيفَ ينتَشِرُ السَّحابُ، وهذا مِنْ مُعجزاتِ العالِمِ العَليمِ؟
17وحينَ تكونُ ثيابُكَ دافِئَةً،والأرضُ في سُكونٍ مِنْ رياحِ الجنوبِ،
18أتُعينُهُ أنتَ على نَشرِ السَّحابِ صَلْبًا كمِرآةِ مَعدنٍ مَسكوبٍ؟
19أخبِرْني ماذا نقولُ للهِ، أم إنَّ الظَّلامَ يَمنَعُنا عَنِ الكَلامِ؟
20بل هل لِكَلامي قيمةٌ عِندَهُ؟ وهل مَطلَبُ الإنسانِ يبلُغُ مَسامِعَهُ؟
22ولا مِنَ الشِّمالِ جاءَ شُعاعٌ ذهَبيٌّ يُريكَ اللهَ بجلالٍ مَهيبٍ.
23فالقديرُ فَوقَ مُتَناوَلِ فَهمِنا، عظيمُ القُدرَةِ والرَّأيِ السَّديدِ، والكثيرُ العَدلِ الذي لا يجورُ.
24فلا عجبَ أنْ يهابَهُ البشَرُ، وأنْ لا يُراعيَ كُلُّ مَنْ يدَّعي الحِكمةَ)).
38 فقالَ الرّبُّ لأيُّوبَ مِنَ العاصِفةَ:
2((مَنْ هذا الذي يُغلِّفُ مَشورَتي بأقوالٍ تَخلو مِنْ كُلِّ مَعرفةٍ؟
3شُدَ حَيلَكَ وكُنْ رجلاً! لأسأَلَكَ فاَخبِرْني.
4أينَ كُنتَ حينَ أسَّستُ الأرضَ؟ خبِرْ إنْ كانَ عِندَكَ فَهمٌ.
5مَنْ أقَرَ حجمَها إنْ كُنتَ تَعلَمُ، م مَنْ مَدَ علَيها الخيطَ فقاسَها؟
6على أيِّ شيءٍ رَسَت قواعِدُها، مَنِ الذي أرسى حجرَ زاويَتِها
7حينَ كانَت كواكِبُ الصُّبحِ تُغنِّي جميعُ بَني اللهِ يَهتِفونَ؟
8مَنْ حجزَ البحرَ بأبوابٍ ينَ تدَفَّقَ مِنْ رَحِمِ الأرضِ.
9حينَ جعَلتُ الغَمامَ لِباسًا لَه الغُيومَ الكثيفَةَ السُّودَ قِماطًا،
10حينَ رَسَمتُ لَه حَدُا لا يتَعَدَّاهُ، جعَلتُ له مغاليقَ وأبوابًا
11وقلتُ: إلى هُنا تَصِلُ حُدودُكَ، هُنا يقِفُ طُغيانُ أمواجكَ.
12هل أنتَ في أيّامِكَ أمَرتَ الصُّبحَ أرسَلتَ الفَجرَ إلى موضعِهِ،
13ليُمسِكَ بأطرافِ الأرضِ كُلِّها حتى يسقُطَ نَدى السَّماءِ عَنها.
14فتَتحوَّلَ كطينٍ أحمرَ، وتَصطبِغَ بمِثلِ صَبغِ الرِّداءِ،
15فيُمنَعَ عَنِ الأشرارِ نورُهُم وتنكسِرَ الذِّراعُ المُرتَفعةُ.
16هل وصَلْتَ إلى ينابيعِ البحرِ أم تمَشَّيتَ في أعماقِ الهاويةِ؟
17هل اَنفَتَحَت لكَ أبوابُ الموتِ أم عايَنتَ أبوابَ ظِلِّ الموتِ؟
18هل أدرَكتَ مدَى سعَةِ الأرضِ؟ أخبِرْ إنْ كُنتَ تَعرِفُ هذا كُلَّهُ.
19أينَ الطَّريقُ إلى مَقَرِّ النُّورِ، وأينَ هوَ محَلُّ الظُّلمةِ؟
20لتَقودَهُما إلى حُدودِهِما وتُعرِّفَهُما طُرُقَ مَسكِنَيهِما.
21لو عَلِمتَ لكُنتَ مَولودًا معَهُما، ولكانَ عدَدُ أيّامِكَ كثيرًا.
22هل اَختَرَقتَ إلى خزائِنِ الثَّلج أم أبصَرتَ أينَ خزائِنُ البَرَدِ؟
23تِلكَ التي أبقَيتَها لِلمُلِمَّاتِ، ليومِ الحربِ واَشتِدادِ القِتالِ.
24بأيِّ طريقٍ يتَوَزَّعُ البَرقُ وتَهُبُّ ريحُ المَشرِقِ على الأرضِ؟
25مَنْ شَقَ المَجاريَ لسُقوطِ الأمطارِ وطريقًا لِلصَّواعِقِ القاصِفةِ
26ليُمطِرَ أرضًا لا إنسانَ فيها وقِفارًا لا يَعيشُ فيها بشَرٌ،
27وليَرويَ الأماكِنَ القاحِلَةَ ويُنبِتَ العُشبَ في القِفارِ؟
28هل لِلمطَرِ مِنْ أبٍ؟ ومَنْ ولَدَ قطَراتِ النَّدى؟
29مِنْ أيِّ بَطنٍ خرَج الجليدُ، ومَنْ ولَدَ صَقيعَ السَّماءِ؟
30تتجمَّدُ المياهُ كالحجرِ ويتَماسَكُ وجهُ الغَمرِ.
31أتَربِطُ أنتَ عِقدَ الثُّرَيَّا، أمْ تَحُلُّ حِبالَ الجوزاءِ؟
32أتُطلِعُ نُجومَ الصُّبحِ في أوقاتِها، وتَهدي النَّعشَ وبَناتِه في السَّماءِ؟
33أتعرِفُ أنتَ أحكامَ السَّماواتِ، أم ثبَّتَ سُلطانَها على الأرضِ؟
34أترفَعُ إلى السَّحابِ صوتَكَ فيَسكُبَ علَيكَ ماءً يغمُرُكَ؟
35أتُرسِلُ البُروقَ فتَنطَلِقَ وتقولَ لكَ: سَمعًا وطاعةً؟
36مَنْ وضَعَ الحِكمةَ في طَيرِ الحجلِ، وأعطى الدِّيكَ موهِبَةَ الفَهمِ؟
37مَنْ يُحصي الغُيومَ بِحكمَتِه؟ ومَنْ يَصُبُّ أوعيَةَ السَّماواتِ؟
38فيَصيرَ التُّرابُ كُتلَةً جامِدةً، ويتَماسَكَ الطِّينُ بعضُهُ ببعضٍ؟
39أتَصطادُ اللَّبوءةُ فريسَتَها وتُشبِعُ جوعَ أشبالِها
40حينَ تقبَعُ في عَرائِنِها، أو حينَ تكمُنُ بَينَ أدغالِها؟
41مَنْ يُرزِقُ الغُرابَ صيدَهُ، حينَ تَنعَبُ فِراخهُ إلى اللهِ وتَهيمُ شاردَةً وراءَ القُوتِ؟
39 أتعرِفُ متى تَلِدُ وعولُ الصُّخورِ، وهل راقَبْتَ مَخاضَ الأيائِلِ؟
2هل حَسَبتَ أشهرَ حمْلِهِنَّ وعلِمتَ أوانَ ولادَتِهِنَّ؟
3يَبرُكنَ فيَضَعنَ أولادَهُنَّ ويُلقينَ ما حَبِلنَ بهِ في العراءِ.
4تكبرُ أولادُهُنَّ وتَربى في البَرِّ. وحينَ تخرُج لا تعودُ إليهُنَّ.
5مَنْ أطلَقَ سَراحَ حمارِ الوحشِ وفكَ الرَّسَنَ عَنْ رَقبَتِهِ العاتيةِ؟
6جعَلتُ البرِّيَّةَ مَسكِنَهُ وسُهولَ المِلحِ مأوىً لهُ.
7على ضجيج المدينةِ يضحَكُ ولا يسمَعُ صوتَ المُكاري.
8يرتادُ مَرعاهُ في الجبالِ ويبحَثُ عَنْ كُلِّ نَباتٍ أخضَرَ.
9أيَرضى الثَّورُ الوحشيُّ أنْ يخدُمَكَ،أو أنْ يبيتَ بجانِبِ مَعلَفِكَ؟
10إنْ رَبَطتَهُ بنيرٍ في رَقبَتِهِ، أيَشُقُّ الأتلامَ وراءَكَ؟
11أتتَّكِلُ على قوَّتِهِ العظيمةِ، فتُفوِّضَ إليهِ قضاءَ أعمالِكَ؟
12أتَأْتَمِنُهُ أنْ يعودَ بِزَرعِكَ ويجمَعَهُ جمعًا على بَيدَرِكَ؟
13أجناحُ النَّعامةِ المُرَفرِفُ مِثلُ جناحِ اللُّقلُقِ أوِ الصَّقرِ؟
14لكَ تترُكُ بَيضَها على الأرضِ فيَحضِنُهُ التُّرابُ وحدَهُ،
15تَنسَى أنَّ القَدَمَ تَطَأُهُ، وأنَّ وحشَ البَرِّ يدوسُهُ.
16تقسو كأنَّهُم غَيرُ أولادِها،وإنْ ضاعَ تَعَبُها فلا تَأسَفُ.
17فاللهُ نزَعَ مِنها الحِكمةَ وحرَمَها نَصيبَها مِنَ الفَهمِ.
18فلَو كانَت تُحَلِّقُ في العَلاءِ لضَحِكَت على الخيلِ وفُرسانِها.
19وأنتَ أتُعطي الفرَسَ قُوَّتَهُ وتكسو رَقبَتَهُ شَعرًا مُرسَلاً؟
20تجعَلُهُ يَقفِزُ مِثلَ الجرادِ ويَصهَلُ مِثلَ صَهيلِهِ الهائِلِ،
21ويَشُقُّ الوادي بحافِرِهِ ويهجمُ شَوقًا للِقاءِ السِّلاحِ.
22يهزَأُ بالخوفِ لا يخشَى شيئًا ولا يَنهَزِمُ مِنْ أمامِ السُّيوفِ.
23علَيهِ السِّلاحُ يصِلُّ صَليلاً: سِهامٌ وأسِنَّةٌ ونِبالٌ،
24مِنْ فَرطِ حَماسَتِهِ يَنهَبُ الأرضَ، ولا يَصبِرُ إلى أنْ يهتِفَ البوقُ.
25إذا هتَفَ البوقُ صاحَ: ها! ومِنْ بعيدٍ يَشمُّ ريحَ القِتالِ وصياحَ القُوَّادِ وصوتَ الحربِ.
26أبِمَشورتِكَ يطيرُ الصَّقرُ عاليًا ويَنشُرُ جناحَيهِ نحوَ الجنوبِ؟
29مِنْ هُناكَ يَبحَثُ عَنْ فَريسَتِهِ وعَيناهُ تنظُرانِ إلى بعيدٍ.
30فِراخهُ تَعُبُّ الدِّماءَ طعامًا، وحيثُ الضَّحايا فهُناكَ يكونُ)).
40 فأجابَ الرّبُّ أيُّوبَ وقالَ:
2((هل يُخاصِمُ القديرَ لائِمُهُ ويُجيبُ اللهَ مَنْ يَشتكيهِ؟))
3فأجابَ أيُّوبُ اللهَ، وقالَ:
4((إنْ كُنتُ سَخيفًا فماذا أُجيبُكَ؟ يَدي أضَعُها على فَمي.
5تكلَّمتُ مرَّةً فلا أعودُ، ومرَّتينِ فلا أزيدُ)).
7((شُدَ حَيلَكَ وكُنْ رجلاً! أريدُ أنْ أسألَكَ فأخبِرْني.
8أحَقُا تُريدُ أنْ تَنقُضَ حُكْمي وأنْ تَدينَني لِتُبَرِّرَ نفْسَكَ؟
9أمِثلُ ذِراعِ اللهِ ذِراعُكَ، وبِمثلِ صوتِ اللهِ تُرعِدُ؟
10الآنَ تزَيَّنْ بِالجلالِ والعِزِّ وتسَربَلْ بالمَجدِ والبَهاءِ.
11صُبَ فَيضَ غضَبِكَ واَنظُرْ وإلى كُلِّ مُتَرَفِّعِ وأخفِضْهُ.
12أُنظُرْ إلى كلِّ مُتَكَبِّرٍ وأذِلَّهُ واَسحَقِ الأشرارَ حَيثُ هُم.
13أطمُرهُم في التُّرابِ كُلَّهُم، واجمَعْهُم لفَنائِهِم في حُفرَةٍ.
14فأكونَ أوَّلَ مَنْ يَمدَحُكَ، لأنَّ يمينَكَ تقدِرُ أنْ تُخلَّصَكَ.
15وحيدُ القَرنِ الذي صَنَعتُهُ معَكَ يأكُلُ الأعشابَ مِثلَ البقَرِ.
16قوَّتُهُ عظيمةٌ في مَتنَيهِ، وعَزمُهُ في عَضَلاتِ بَطنِهِ!
17لِذيلِهِ صلابةُ الأرزَةِ، ولِفَخذَيهِ أعصابٌ مَحبوكةٌ.
18عِظامُهُ أنابيبُ مِنْ نُحاسٍ،ومفاصِلُهُ حديدُ فولاذٍ.
19هوَ أوَّلُ أعمالِ اللهِ، صانِعُهُ سَلَّطَ علَيهِ السَّيفَ.
20حرَمَهُ اَرتيادَ مَراتِعِ الجبالِ، حيثُ تَلهو جميعُ وُحوشِ البَرِّ،
21فتَحتَ عَرائِسِ النِّيلِ يَضطَجعُ، وفي مُستَنقَعِ القَصَبِ يَختَبِئْ.
22تُظلِّلُهُ أوراقُ عَرائِسِ النِّيلِ، ويُحيطُهُ صَفصافُ الوادي.
23إنْ طَغى علَيهِ النَّهرُ لا يجفَلُ، أو اَندَفَقَ في فَمِهِ السَّيلُ لا يُبالي.
24لكنَّهُ يَصطادُ وعَيناهُ مَفتوحَتانِ ويُثقَبُ أنفُهُ بشَوكةٍ.
25والتِّمساحُ أتَصطادُهُ بِشِصٍّ،أم تَربُطُ لسانَهُ بحَبلٍ؟
26أتجعَلُ في أنفِهِ حَلَقَةً،أم تَثقُبُ فكَّهُ بِصنَّارةٍ؟
27أيُكثِرُ مِنَ التَّضَرُّعاتِ إليكَ، أم يتكلَّمُ معَكَ باَستِعطافٍ؟
28أيَقطَعُ عَهدًا معَكَ ليكونَ عبدًا مُؤَبَّدًا لكَ؟
29أتُلاعِبُهُ كأنَّهُ عُصفورٌ وتأسِرُهُ لُعبَةً لِجواريكَ؟
30أيَحفُرُ لَه الصَّيّادونَ حُفرَةً ويَبيعونَهُ حُصَصًا للتُّجارِ؟
31أتَطعَنُ بالحِرابِ جلدَهُ وبِكَلاليبِ الصَّيدِ رأسَهُ؟
32ضَعْ يَدَكَ علَيهِ ولو مرَّةً واَذكُرْ عِراكَكَ معَهُ فلا تعودَ!
41 كم خيَّبَ آمالَ صيَّاديهِ، فمُجرَّدُ مَنظَرِهِ يصرَعُهُم.
3مَنِ الذي هاجمَهُ ونَجا؟ لا أحدَ تَحتَ السَّماواتِ.
4هل أسكُتُ عنْ وَصفِ أعضائِهِ وذِكرِ قُوَّتِهِ التي لا تُضاهَى!
5مَنْ يكشِفُ وجهَ لِباسِهِ ويختَرِقُ صَفَّي دُروعِهِ؟
6مَنْ يفتَحُ مِصراعَي فَمِهِ، فالرُّعبُ في مُحيطِ أسنانِهِ؟
7ظَهرُهُ تُروسٌ مُصفَّحَةٌ، مختومَةٌ كأنَّما بصَخرٍ.
8يتَلاصَقُ بَعضُها ببَعضٍ فلا يدخلُ فيها الرِّيحُ.
9مُتَلاحِمَةٌ إحداهُما بالأُخرى، مُتَماسِكةٌ لا يُمكِنُ أنْ تنفَصِلَ.
10عِطاسُهُ يَقدَحُ النُّورَ،وعيناهُ كأجفانِ الفَجرِ.
11مِنْ فَمِهِ تخرُج ألسنَةُ النَّار ِومِنهُ يتَطايَرُ الشَّرَرُ.
12يتَصاعَدُ مِنْ مِنخرَيهِ الدُّخانُ كقِدْرٍ تَغلي على النَّارِ.
13لُهاثُهُ يُشعِلُ الجمرَ، ومِنْ فمِهِ يخرُج اللَّهَبُ.
14في عُنُقِهِ تَبيتُ القُوَّةُ، وأمامَهُ يقفِزُ الرُّعبُ.
15مَطاوي لَحمِه مُتَلاصِقَةٌ، مَسبوكةٌ علَيهِ لا تتَزَحزَحُ.
16قلبُهُ صُلبٌ كالحجرِ، ثابتٌ كالرَّحى السُّفْلى.
17يقِفُ فتَرتَعِبُ اللُّجج وتتَراجعُ أمواج البحرِ.
18يُصيبُهُ السَّيفُ فلا يَطعَنُهُ،ولا الرُّمحُ ولا الحَربَةُ ولا السَّهمُ.
19الحديدُ عنِدَهُ كالتِّبنِ،والنُّحاسُ كالخشَبِ المَنخورِ.
20السَّهمُ لا يجعَلُهُ يَركُضُ،وحِجارَةُ المِقلاعِ عِندَهُ كالقَشِّ.
21النَّبلَةُ يَحسِبُها قصَبَةً ويضحَكُ على اَهتِزازِ الرُّمحِ.
22مِنْ تَحتِهِ خزَفٌ مُحدَّدٌ،وكنَورَج يَسحقُهُ الطِّينُ.
23يُغْلي اللُّجةَ كالقِدرِ ويحرِقُ البحرَ كالمِبخرةِ.
24يُنيرُ الطَّريقَ وراءَهُ،فإذا الغَمرُ شعرٌ أشيَبُ.
25لا مثيلَ لَه في الأرضِ،مطبوعٌ على عدَمِ الخوفِ.
26يُحَملِقُ في أرفعِ مَخلوقٍ،وهوَ سيِّدُ الوحوشِ كُلِّها)).
42 فأجابَ أيُّوبُ الرّبَّ وقالَ:
2((عرَفتُكَ قادرًا على كُلِّ شيءٍ فلا يتَعذَّرُ علَيكَ أمرٌ.
3أخفَيتَ مَشورَتَكَ ولم تَبُحْ بِها. فتكلَّمتُ بكَلامِ باطلٍ على مُعجزاتٍ لا أُدرِكُ مَغزاها وعجائِبَ فَوقَ مُتَناوَلِ فَهمي.
4إسمَعْ، فلي بعدُ ما أقولُهُ، وما أسألُكَ عنهُ فأخبِرْني.
5سمِعتُ عنكَ سَمْعَ الأُذُنِ، والآنَ رأتْكَ عَيني.
6لذلِكَ أستَرِدُّ كَلامي وأندَمُ وأنا هكذا في التُّرابِ والرَّمادِ)).

الخاتمة

7وبعدَ أنْ كلَّمَ الرّبُّ أيُّوبَ بهذا الكَلامِ، اَلتَفتَ إلى أليفاز التِّيمانيِّ وقالَ: ((أنا غاضِبٌ علَيكَ وعلى صاحِبَيكَ لأنَّكُم ما تكلَّمتُم أمامي بالصِّدقِ كعَبدي أيُّوبَ. 8والآنَ خذوا لكُم سبعةَ ثيرانٍ وسبعةَ كِباشٍ وعودوا إلى عبدي أيُّوبَ وقدِّموا ذبيحةً تُكفِّرُ عنكُم، وعبدي أيُّوبُ يُصلِّي مِنْ أجلِكُم. وسأستَجيبُ لَه فلا أُعامِلُكُم بِحَماقَتِكُمُ التي جعَلَتْكُم لا تتكلَّمونَ أمامي بالصِّدقِ كعبدي أيُّوبَ)).9فذهَبَ أليفازُ التِّيمانيُّ وبَلددٌ الشُّوحيُّ وصوفَرُ النَعماتيُّ وفعَلوا كما قالَ الرّبُّ لهُم. فاَستَجابَ الرّبُّ لأيُّوبَ. 10ورَدَ الرّبُّ أيُّوبَ إلى ما كانَ علَيهِ مِنْ جاهٍ حينَ صلَّى لأجلِ أصحابِهِ. وزادَ اللهُ أيُّوبَ ضُعفَ ما كانَ لَه قَبلُ. 11وزارَهُ جميعُ إخوتِهِ وأخواتِهِ وكُلُّ مَنْ كانَ يعرِفُهُ مِنْ قَبلُ، فأكَلوا معَهُ خبزًا في بيتِهِ ورَثَوا لحالِهِ وعَزَّوهُ عَنْ كُلِّ البلايا التي أنزَلَها الرّبُّ بهِ. وأهدى لَه كُلُّ واحدٍ منهمُ قِطعةً مِنَ الفِضَّةِ وخاتَمًا من ذهَبٍ.12وبارَكَ الرّبُّ أيُّوبَ في آخرِ أيّامِهِ أكثرَ مِنْ أوَّلِها، فكانَ لهُ مِنَ الغنَمِ أربعَةَ عشَرَ ألفًا ومِنَ الجمالِ سِتَّةُ آلافٍ، ومِنَ البقَرِ ألفُ فَدَّانٍ، ومِنَ الحميرِ ألفُ أتانٍ. 13وكانَ لَه سبعَةُ بنينَ وثَلاثُ بَناتٍ. 14وسمَّى الأُولى يَميمَةً، والثَّانيةَ قَصيعةً، والثَّالثةَ قَرنَ هَفُّوكَ. 15وما كانَ في الأرضِ كُلِّها نساءٌ جميلاتٌ كبَناتِ أيُّوبَ. وأعطاهُنَّ أبوهُنَّ ميراثًا بَينَ إخوَتِهِنَّ.16وعاشَ أيُّوبُ بَعدَ هذا مئَةً وأربَعينَ سنَةً، فرأى بَنيهِ وبَني بَنيهِ إلى أربعَةِ أجيالٍ. وماتَ أيُّوبُ شيخا شبِعَ مِنَ الأيّامِ.