الكلام المفيد في شبهة التجسيد
د. هشام عزمي
 

مكتوب بواسطة: د. هشام عزمي Aug 24 2004, 01:32 AM
 

السلام عليكم و رحمة الله و بركاته ،

جرت عادة النصارى على انتحال الشبهات ضد الإسلام من الفرق الضالة و المبتدعة ؛ فتجدهم يسرقون الشبهات من الشيعة للطعن في الصحابة و أمهات المؤمنين رضي الله عنهم و من القرآنيين للطعن في الأحاديث الصحيحة .

أما هذه المرة فقد واجهونا بشبهة منحولة من كتب أهل الضلال من الأشاعرة و المعتزلة و الجهمية الذين يحرفون صفات الله عن معناها ظنًا منهم أنهم قد وجدوا مطعنًا في اهل السنة و الجماعة السائرين على منوال السلف الصالح . لذا بدأت في كتابة هذا الرد على هذه الشبهة راجيًا من الله أن أوفق في هذا .

علمًا بأني لست أول من تصدى للرد على هذه الشبهة ، بل سبقني الأخ الحبيب ساري في سلسلة ردوده الماتعة

شبهات حول الأسماء والصفات

ندعو الله أن تكون كل اعمالنا الصالحات لوجهه و في سبيله و نعوذ به من الرياء و النفاق .. آمين .

 

الكلام المفيد في شبهة التجسيد
د. هشام عزمي

بسم الله الرحمن الرحيم



حمدًا لله ، و صلاةً و سلامًا على خاتم أنبيائه ، و على إخوانه النبيين .

أما بعد فإن عقيدة أهل السنة والجماعة تمتاز بالصفاء والوضوح والخلو من الغموض والتعقيد , وهي مستمدة من نصوص الوحي كتابا وسنة , وكان عليها سلف الأمة , وهي عقيدة مطابقة للفطرة , ويقبلها العقل السليم الخالي من أمراض الشبهات , وذلك بخلاف العقائد الأخرى المتلقاة من آراء الرجال , ففيها الغموض والتعقيد والخبطُ والخلط , وكيف لا يكون الفرق كبيراً والبونُ شاسعاً بين عقيدة نزل بها جبريل من الله إلى رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم وبين عقائد متنوعة مختلفة خرج أصحابها المبتدعون لها من الأرض .

و من أهم جوانب هذه العقيدة هو ما يتعلق بأسماء الله و صفاته العلا ، فنحن – أهل السنة و الجماعة – نصف الله بما وصف به نفسه أو وصفه به رسوله صلى الله عليه و سلم ، مع فهم المعنى و الجهل بالكيف ، أي أننا نثبت المعنى لله و نفوض الكيف ، خلافًا للمؤولة و المعطلة و سيأتي شرح هذا الكلام لاحقًا إن شاء الله .

و قد سارع النصارى إلى سرقة شبهات أهل التأويل الباطل و التعطيل من المخالفين لأهل السنة و الجماعة ، و قذفنا بها قائلين : ( أنكم تثبتون لله وجهًا و يدًا و عينًا و صورتموه جالسًا على عرش و كاتبًا للألواح و جعلتموه يحب و يرضى و يغضب و يمكر ) ظنًا منهم انهم قد ألزمونا بتجسيد الله فلا فرق بيننا و بينهم في هذه الناحية .

و لسان حالهم يقول : ( طالما أنتم تثبتون لله أعضاءً و جوارح فهذا يقتضي منكم الإيمان بكون الله جسدًا ، فلم إذن تنكرون علينا عقيدتنا في تجسد الإله ؟ )

و الجواب بعون الملك الوهاب :

أن أهل السنة و الجماعة المتبعين لعقيدة السلف الصالح من الصحابة و التابعين و من سار على نهجهم ينزهون الله تعالى عن أن يشبه شئ من صفاته صفات المخلوقين ، وهذا يدل عليه قوله تعالى : ( ليس كمثله شئ) ، (ولم يكن له كفوا أحد) ، (فلا تضربوا لله الأمثال) .

و في نفس الوقت فهم يثبتون له – جل و علا – كل ما وصف به نفسه في كتابه أو وصفه به سيد الخلق – عليه صلوات الله و سلامه – دون تشبيه أو تمثيل . و هذان الأصلان ( إثبات الصفات و التنزيه عن التشبيه ) هما اللذان سار عليهما أهل السنة و الجماعة .

قال الشهرستاني :
فأما أحمد بن حنبل وداود بن علي الأصفهاني وجماعة من أئمة السلف فجروا على منهاج السلف المتقدمين عليهم من أصحاب الحديث مثل مالك بن أنس ومقاتل بن سليمان وسلكوا طريق السلامة فقالوا: نؤمن بما ورد في الكتاب والسنة ولا نتعرض للتأويل بعد أن نعلم قطعاً أن الله عز وجل لا يشبه شيئاً من المخلوقات وأن كل ما تمثل في الوهم فإنه خالقه ومقدره .
(
الشهرستاني ، الملل و النحل ص604 )

وقال ابن خزيمة في كتابه (التوحيد) :
فنحن وجميع علمائنا من أهل الحجاز واليمن والعراق والشام ومصر مذهبنــا: أن نثبت لله ما أثبته الله لنفسه نقر بذلك بألسنتنا ونصدق بذلك في قلوبنا من غير أن نشبه وجه خالقنا بوجه أحد من المخلوقين وعز ربنا أن نشبهه بالمخلوقين ، وجل ربنا عن مقالة العاطلين وعز أن يكون كما قال المبطلون .
(
ابن خزيمة ، التوحيد و إثبات صفات الرب ص10 )

قال ابن قدامة المقدسي :
وعلى هذا درج السلف والخلف رضي الله عنهم متفقون على الإقرار والإمرار والإثبات لما ورد من الصفات في كتاب الله وسنة رسوله من غير تعرض لتأويله وقد أمرنا بالاقتفاء لآثارهم والاهتداء بمنارهم وحذرنا المحدثات وأخبرنا أنها ضلالات .
(
ابن قدامة المقدسي ، لمعة الاعتقاد ص4 )

وقال ابن عبدالبر :
أهل السنن مجمعون على الإقرار بهذه الصفات الواردة في الكتاب والسنة ، ولم يكيفوا شيئاً منها .
(
ابن حجر العسقلاني ، فتح الباري ج13 ص407 )

وقال الإمام الترمذي في سننه في باب فضل الصدقة :
ما ثبت بهذه الروايات فنؤمن بها ولا نتوهم ولا يقال كيف هذا ، هكذا روي عن مالك بن أنس وسفيان بن عيينة وعبدالله بن المبارك أنهم قالوا في هذه الأحاديث: أَمِرُّها بلا كيف ، وهكذا قول أهل العلم من أهل السنة والجماعة .
(
سنن الترمذي ج3 ص87
)

 

و رب معترض يقول :

أنا لا أفهم كيف تقول نثبت الصفات و في نفس الوقت تنفي التشبيه ! هذه سفسطة و مغالطة لا تخفى على أحد ؛ فأنت إن أثبت لله يدًا فلا يخطر ببالي سوى يد بها أصابع و عظم و عروق ، و لا أدري كيف يكون لله يد لا تشبه أيدي مخلوقاته !!

و الجواب بعون الملك الوهاب :

أولا :
اتفق جميع أهل الملل أن الله عالم قادر سميع بصير ، و هم مع ذلك لا يقولون أن علم الله كعلم أي من مخلوقاته كمًا أو كيفًا ، و لا أن قدرة الله كقدرة أي من مخلوقاته كمًا أو كيفًا ، و لا أن سمع الله كسمع أي من مخلوقاته ، و لا أن بصر الله كبصر أي من مخلوقاته . فلم يستلزم إثبات هذه الصفات أي تشبيه ، أليس كذلك ؟!
إذن من الطبيعي أن نتبع نفس المنهج مع كل ما أثبته الله لنفسه ، و هذا مما يقتضيه العقل و المنطق .

قال شيخ الإسلام في التدمرية :
القولُ في بعض الصفات كالقول في البعض الآخر , فإن ما أثبت من الصفات على وجهٍ يليق بالله عز وجل , يلزمك الباقي على هذا الوجه اللائق بالله .
(
ابن تيمية ، العقيدة التدمرية ص46 و كذلك مجموع الفتاوى ج5 ص212 )

و قال في الجواب الصحيح :
ومن فرق بين صفة وصفة ، مع تساويهما في أسباب الحقيقة والمجاز ؛ كان متناقضاً في قولـه ، متهافتاً في مذهـبه ، مشابهاً لمن آمن ببعض الكتاب وكفر ببعض .
(
ابن تيمية ، الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح ج3 ص145 و كذلك مجموع الفتاوى ج9 ص290 )

و كذلك نحن جميعًا نثبت لله ذاتًا حقيقية و موجودة ، و في نفس الوقت لا نشبهها بذواتنا المخلوقة . فأولى بنا أن نتبع نفس المنهج و الأسلوب في إثبات الصفات كلها ، أليس كذلك ؟!

فكما أن ذاته حقيقية لا تشبه الذوات ؛ فهي متصفة بصفات حقيقية لا تشبه الصفات ، وكما أن إثبات الذات إثبات وجود لا إثبات كيفية ، كذلك إثبات الصفات .

يقول شيخ الإسلام :
إن الكلام في الصفات فرعٌ عن الكلام في الذات , فكما أننا نُثبت لله ذاتاً لا تُشبه ذوات المخلوقات , فيجب أن نثبت كل ما ثبت في الكتاب والسنة من الصفات دون أن يكون فيها مشابهةٌ للمخلوقات .
(
العقيدة التدمرية ص31 )

و هذا هو منهج أهل السنة و الجماعة مع كل ما وصف الله به نفسه أو وصفه به نبيه – صلى الله عليه و سلم – فهم يثبتون الصفة فقط و لا يثبتون المثل الموجود في المخلوقات .

قال العلامة الشنقيطي :
ومن ظن أن صفة خالق السموات والأرض تشبه شيئا من صفات الخلق فهذا مجنون جاهل، ملحد ضال، ومن آمن بصفات ربه جل وعلا منزها ربه عن تشبيه صفاته بصفات الخلق فهو مؤمن منزه سالم من ورطة التشبيه والتعطيل. وهذا التحقيق هو مضمون: (ليس كمثله شيء وهو السميع البصير) فهده الآية فيها تعليم عظيم يحل جميع الإشكالات ويجيب عن جميع الأسئلة حول الموضوع. ذلك لأن الله قال: (وهو السميع البصير) بعد قوله (ليس كمثله: شئ). ومعلوم أن السمع والبصر من حيث هما سمع وبصر يتصف بهما جميع الحيوانات، فكأن الله يشير للخلق ألا ينفوا عنه صفة سمعه وبصره بادعاء أن الحوادث تسمع وتبصر وأن ذلك تشبيه بل عليهم أن يثبتوا له صفة سمعه وبصره على أساس (ليس كمثله شىء). فالله جل وعلا له صفات لائقة بكماله وجلاله والمخلوقات لهم صفات مناسبة لحالهم وكل هذا حق ثابت لا شك فيه.
إلا أن صفة رب السموات والأرض أعلى وأكل من أن تشبه صفات المخلوقين، فمن نفي عن الله وصفا أثبته لنفسه فقد جعل نفسه أعلم من الله (سبحانك هذا بهتان عظيم). من ظن أن صفة ربه تشبه شيثا من صفة الخلق فهذا مجنون ضال ملحد لا عقل له يدخل في قوله: (تالله إن كنا لفي ضلال مبين إذ نسويكم برب العالمين). ومن يسوى رب العالمين بغيره فهو مجنون .
(
محمد الأمين الشنقيطي ، منهج و دراسات لآيات الأسماء و الصفات ص3 )

و قال شارح الطحاوية في شرحه لقول الإمام الطحاوي (ولا يشبه الأنام) :
ولكن المشهور من استعمال هذا اللفظ عند علماء السنة المشهورين : أنهم لا يريدون بنفي التشبيه نفي الصفات ، ولا يصفون به كل من أثبت الصفات . بل مرادهم أنه لا يشبه المخلوق في أسمائه وصفاته وأفعاله ، كما تقدم من كلام أبي حنيفة رحمه الله " أنه تعالى يعلم لا كعلمنا ، ويقدر لا كقدرتنا ، ويرى لا كرؤيتنا ". وهذا معنى قوله تعالى (ليس كمثله شيء وهو السميع البصير) . فنفى المثل وأثبت الصفة .
(
ابن أبي العز الحنفي ، شرح العقيدة الطحاوية ص26 )

ثانيًا :
كيفية الصفة تختلف حتمًا باختلاف الموصوف ، فأنت مثلاً عندما تقول أن زيدًا حي يتبادر إلى ذهنك أن الحياة في زيد عبارة عن سريان الدم في الأوعية الدموية و ضربات القلب و تردد الأنفاس . و لكن عندما تقول أن النبات حي فلا يتبادر لذهنك نفس المتبادر من نفس الصفة عند إثباتها لزيد . و لا يقول أحد أن في وصف النبات بالحياة تشبيه له بزيد ، فهذا من الهراء الذي لا يخطر على عقل بشر .

لذا فنحن عندما نقرأ في القرآن أن لله وجهًا أو يدًا أو عينًا لا يتبادر إلى أذهاننا نفس الأعضاء أو الجوارح المخلوقة ، بل يتجه تفكيرنا لوجهة أخرى تثبت هذه الصفات – و ليس الأعضاء لأن الله منزه عن الأعضاء و الأجزاء – بما يليق بكمال الله و جلاله تعالى عما يصفون .

و خلاصة الجواب :
أن دعوى النصارى بأن إثبات هذه الصفات في القرآن و الإيمان بها على ظاهرها يستلزم الإيمان بكون الله جسدًا و بالتالي فلا مناص لنا من الإقرار بتجسد الإله في شخص المسيح أو – على الأقل – عدم الاعتراض عليه من الناحية العقلية أو العقائدية ، هذه الدعوى لا تخرج عن كونها جهلاً فاضحًا بمعتقد أهل السنة و الجماعة في هذه الصفات أو تدليسًا على هذا المعتقد . و قد سبق توضيح معتقد أهل السنة و الجماعة في هذه الصفات و هو إثباتها كما هي على ظواهرها المفهومة من كلام العرب بلا تأويل أو نفي و في نفس الوقت بلا تشبيه أو تمثيل بالمخلوقات .

قال الصابوني في عقيدته :
أصحاب الحديث، حفظ الله أحياءهم ورحم أمواتهم، يشهدون لله تعالى بالوحدانية، وللرسول صلى الله عليه وآله وسلم بالرسالة والنبوة، ويعرفون ربهم عز وجل بصفاته التي نطق بها وحيه وتنزيله، أو شهد له بها رسوله صلى الله عليه وسلم على ما وردت الأخبار الصحاح به، ونقلته العدول الثقات عنه، ويثبتون له جل جلاله ما أثبت لنفسه في كتابه، وعلى لسان رسوله صلى الله عليه وسم، ولا يعتقدون تشبيها لصفاته بصفات خلقه، فيقولون: إنه خلق آدم بيده، كما نص سبحانه عليه في قوله عز من قائل: (يا إبليس ما منعك ان تسجد لما خلقت بيدي) ولا يحرفون الكلام عن مواضعه بحمل اليدين على النعمتين، أو القوتين، تحريف المعتزلة الجهمية، أهلكهم الله، ولا يكيفونهما بكيف أو تشبيههما بأيدي المخلوقين، تشبيه المشبهة، خذلهم الله، وقد أعاذ الله تعالى أهل السنة من التحريف والتكييف، ومن عليهم بالتعريف والتفهيم، حتى سلكوا سبل التوحيد والتنزيه، وتركوا القول بالتعطيل والتشبيه، واتبعوا قول الله عز وجل: (ليس كمثله شيء وهو السميع البصير).

وكذلك يقولون في جميع الصفات التي نزل بذكرها القرآن، ووردت بها الأخبار الصحاح من السمع والبصر والعين والوجه والعلم والقوة والقدرة، والعزة والعظمة والإرادة، والمشيئة والقول والكلام، والرضا والسخط والحياة، واليقظة والفرح والضحك وغرها من غير تشبيه لشيء من ذلك بصفات المربوبين المخلوقين، بل ينتهون فيها إلى ما قاله الله تعالى، وقاله رسوله صلى الله عليه وآله وسلم من غير زيادة عليه ولا إضافة إليه، ولا تكييف له ولا تشبيه، ولا تحريف ولا تبديل ولا تغيير، ولا إزالة للفظ الخبر عما تعرفه العرب، وتضعه عليه بتأويل منكر، ويجرونه على الظاهر، ويكلون علمه إلى الله تعالى، ويقرون بأن تأويله لا يعلمه إلا الله، كما أخبر الله عن الراسخين في العلم أنهم يقولونه في قوله تعالى: (والراسخون في العلم يقولون: آمنا به، كل من عند ربنا. وما يذكر إلا أولو الألباب).
(
أبو عثمان الصابوني ، عقيدة السلف أهل الحديث ص1-2 )

 

يقول النصارى في مواقعهم :
القرآن الذي حارب بعنف تجسّد الله في المسيح,, والذي يقرر أن الذين يؤمنون بأن المسيح هو ابن الله، هم كفرة,, قاتلهم الله,, هذا القرآن عينه جسّد الله .

و قد بينا تهافت هذا المنطق في كلامنا السابق ، و قررنا قاعدة أهل السنة و الجماعة في إثبات الصفات لله تعالى . فالثابت عندنا هو أن صفات الله لا تشبه صفات الأجساد لأن ذاته ليست جسدًا ، و الكلام في الصفات فرع من الكلام عن الذات . فإذا تقرر أن الذات ليست جسدًا ، استحال أن تثبت التجسيد بطريق الصفات . و هذا من بداهات العقل لأن الذات أصل و الصفات فروع من هذا الأصل ، و لا يجوز أن
يتبع الأصل الفروع بل العكس هو الصحيح .

وليس بمولدٍ وليس بوالدٍ --- وليس له شِبْهٌ تعالى المُسبحُ
(
حائية ابن أبي داود )



يقول شارح الحائية :
( وليس له شبه ) أي : الله سبحانه وتعالى , والشبه هو المثيل والنظير , والله لا شبيه له ولا مثيل ولا نظير لا في أسمائه ولا في صفاته ولا في أفعاله .

قال الله تعالى ( ...لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ) ( الشورى11 )
وقال تعالى ( ... هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا ) ( مريم65 )
وقال ( وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ ) ( الإخلاص4 )
وقال ( فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ ) ( البقرة22 )

ويؤخذ من هذا أن إثبات الصفات لا يقتضي التمثيل فإن التمثيل أمر آخر غير إثبات الصفات .

يقول الإمام أحمد رحمه الله : المشبه يقول يدي كيدي وسمع كسمعي ... والله يقول ( لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ) , فالذي يثبت الصفات لله على الوجه الذي يليق به ليس بمشبه , وإنما المشبه الذي يشبه صفات الله بصفات خلقه , وأهل السنة مطبقون على ذم هؤلاء المشبهة , وأن مقالتهم كفر وضلال .
(
التحفة السنية شرح منظومة ابن أبي داود الحائية )

و نحن الآن نتناول حججهم بالتفصيل لدحضها و تفنيدها في نور الحق الساطع و نواصل كلامنا مع شبهات النصارى المنحولة من كتب أهل البدع و الضلال داعين الله تعالى أن يعيننا على إتمام الرد على كل الشبهات .

 

يقول النصراني :
أعطى القرآن لله وجهاً
كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلاَلِ وَالإِكْرَامِ * سورة الرحمن 55: 26 و27 ,
وَلاَ تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ * سورة القصص 28: 88 .

ذكر النصراني لإثبات صفة الوجه لله تعالى آيتين ‏:‏

الآية الأولى‏:‏ قوله‏:‏ ‏{‏ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام‏}‏ ‏( ‏الرحمن : 27 )

والوجه‏:‏ معناه معلوم ، لكن كيفيته مجهولة ، لا نعلم كيف وجه الله عز وجل ، كسائر صفاته ، لكننا نؤمن بأن له وجهاً موصوفاً بالجلال والإكرام ، وموصوفاً بالبهاء والعظمة والنور العظيم ، حتى قال النبي عليه الصلاة والسلام‏:‏ ‏(‏حجابه النور، لو كشفه، لأحرقت سبحات و انتهى إليه بصره من خلقه‏)‏

وبناء على هذا نقول ‏:‏ من عقيدتنا أننا نثبت أن لله وجهاً حقيقة ، ونأخذه من قوله‏ :‏ ‏{‏ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام‏} ‏، ونقول بأن هذا الوجه لا يماثل أوجه المخلوقين ، لقوله تعالى‏:‏ ‏{‏ليس كمثله شيء‏}‏ ‏( ‏الشورى‏:‏ 11‏ )، ونجهل كيفية هذا :‏ ‏{‏ولا يحيطون به علماً‏}‏ ‏( ‏طه‏ : 110 )

يقول العلامة عبد الله ‏الجبرين :
في هذه الآية إثبات الوجه صفة لله تعالى ، وهو من الصفات الذاتية التي لا تنفك عن الله تعالى ، ومثلها قوله تعالى : ( كل شيء هالك إلا وجهه ) ، وقوله ( إلا ابتغاء وجه ربك الأعلى ) ، وفي الحديث : ( من قال لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله .. ) ، ومن دعاء النبي صلى الله عليه وسلم ( وأسألك لذة النظر إلى وجهك الكريم ) وقوله صلى الله عليه وسلم ( أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات ) ، وفي الحديث أيضاً ( حجابه النور لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه ) .
فأهل السنة يثبتون الوجه صفة لله تعالى على ما يليق بجلاله ، زائدة على الذات ، ولا يشبهونه بما يختص بالمخلوق .
(
عبد الله بن عبد الرحمن الجبرين ، التعليقات على متن لمعة الاعتقاد ص64 )

فإن حاول أحد أن يتصور هذه الكيفية بقلبه أو أن يتحدث عنها بلسانه ، قلنا‏:‏ إنك مبتدع ضال ، قائل على الله مالا تعلم ، وقد حرم الله علينا أن نقول عليه مالا نعلم ، قال تعالى‏:‏ ‏{‏قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي بغير الحق وأن تشركوا ما لم ينزل به سلطاناً وأن تقولوا على الله مالا تعلمون‏}‏ ‏( ‏الأعراف‏:‏ 33‏ ) ‏، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏ولا تقف ما ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولاً‏}‏ ‏( الإسراء : 36 )

وقوله‏:‏ ‏{‏ذو‏}‏‏:‏ صفة للوجه، والدليل الرفع ، ولو كانت صفة للرب ، لقال ذي الجلال كما قال في نفس السورة‏:‏ ‏{‏تبارك اسم ربك ذي الجلال والإكرام‏}‏ ‏( ‏الرحمن‏:‏ 78‏ )‏، فلما قال‏:‏ ‏{‏ذو الجلال‏}‏ ، علمنا أنه وصف للوجه‏ .

الآية الثانية‏:‏ قوله‏:‏ ‏{‏كل شيء هالك إلا وجهه‏}‏ ‏( ‏القصص : 88 )

قوله‏:‏ ‏{‏كل شيء هالك‏}‏، أي‏:‏ فان، كقوله‏:‏ ‏{‏كل من عليها فان‏}‏ ( الرحمن : 26 )‏
وقوله‏:‏ ‏{‏إلا وجهه‏}‏‏:‏ توازي قوله‏:‏ ‏{‏ويبقى وجه ربك ذو الجلال و الإكرام }
فالمعنى ‏:‏ كل شيء فان وزائل ، إلا وجه الله عز وجل ، فإنه باق ، ولهذا قال ‏:‏ ‏{‏له الحكم وإليه ترجعون‏}‏ ‏( ‏القصص‏:‏ 88‏ )‏ فهو الحكم الباقي الذي يرجع إليه الناس ليحكم بينهم .

وقيل في معنى الآية‏:‏ ‏{‏كل شيء هالك إلا وجهه‏}‏، أي‏:‏ إلا ما أريد به وجهه‏ .‏ قالوا‏:‏ لأن سياق الآية يدل على ذلك‏:‏ ‏{‏ولا تدع مع الله إلهاً آخر لا إله إلا هو كل شيء هالك إلا وجهه‏}‏ ‏[‏القصص‏:‏ 88‏]‏، كأنه يقول‏:‏ لا تدع مع الله إلهاً آخر فتشرك به، لأن عملك وإشراكك هالك ، أي‏:‏ ضائع سدى ، إلا ما أخلصته لوجه الله ، فإنه يبقى ، لأن العمل الصالح له ثواب باقى لا يفنى في جنات النعيم‏ .

ولكن المعنى الأول أسد وأقوى‏ .

وعلى طريقة من يقو بجواز استعمال المشترك في معنييه ، نقول‏:‏
يمكن أن نحمل الآية على المعنيين ، إذ لا منافاة بينهما ، فتحمل على هذا وهذا ، فيقال‏:‏ كل شيء يفنى إلا وجه الله عز وجل ، وكل شيء من الأعمال يذهب هباء ، إلا ما أريد به وجه الله‏ .

وعلى أي التقديرين ، ففي الآية دليل على ثبوت الوجه لله عز وجل‏ .

قال الإمام البيهقي :‏
وهذه صفات طريق إثباتها السمع، فَنُثْبِتُها لورود خير الصادق بها، ولا نكيفها قال الله تبارك وتعالى: "ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام" فأضاف الوجه إلى الذات، وأضاف النعت إلى الوجه، فقال: "ذو الجلال والإكرام" ولو كان ذكر الوجه صلة – [أي: زيادة]، ولم يكن للذات صفة لقال: ذي الجلال والإكرام. فلمـا قال: ذو الجلال والإكرام علمنا أنه نعت للوجه ، وهو صفة للذات .
(
البيهقي ، الاعتقاد ص89 )

و قال الإمام ابن خزيمة في إثبات صفة الوجه لله عز وجل :
فنحن وجميع علمائنا من أهل الحجاز وتهامة واليمن والعراق والشام ومصر ، مذهبنا: أنا نثبت لله ما أثبته الله لنفسه ، نقر ذلك بألسنتنا ، ونصدق ذلك بقلوبنا ، من غير أن نشبه وجه خالقنا بوجه أحد من المخلوقين عز ربنا عن أن يشبه المخلوقين .
(
ابن خزيمة ، التوحيد و إثبات صفات الرب ص10 )

 

و يواصل النصراني :
وأعطى القرآن لله يدين
وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ,,, * سورة المائدة 5: 64

و اليدان صفةٌ ذاتيةٌ خبرِيَّةٌ لله عَزَّ وجَلَّ ، نثبتها كما نثبت باقي صفاته تعالى ؛ من غير تحريفٍ ولا تعطيلٍ ، ومن غير تكييفٍ ولا تمثيلٍ ، وهي ثابتةٌ بالكتاب والسنة .

يقول العلامة عبد الرحمن عبد الخالق :
ومن الصفات التي جحدتها قلوب النفاة ، وأنكرها الزنادقة قديماً ، وصف الله نفسه سبحانه بأن له يدين وهذا ما قد مدح الله به نفسه في آيات كثيرة من كتابه وقد مدحه به النبي صلى الله عليه وسلم في أحاديث كثيرة فمن الآيات قوله تعالى: { تبارك الذي بيده الملك وهو على كل شيء قدير } وقوله تعالى: { وما قدروا الله حق قدره والأرض جميعاً قبضته يوم القيامة والسموات مطويات بيمينه سبحانه وتعالى عما يشركون } وقوله تعالى مادحاً نفسه مبيناً فضله وتفضله على بني آدم إذ خلقه بيديه قال تعالى لإبليس { ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي } وكذلك لما اتهم اليهود الله سبحانه وتعالى بأنه بخيل وأنه لا ينفق فقالوا { يد الله مغلولة } رد الله سبحانه وتعالى عليهم قائلاً: { بل يداه مبسوطتان ينفق كيف يشاء }.

وقد جاءت الأحاديث الكثيرة التي تمدح الله بهذه الصفة وتبين كثرة عطاء الله وقدرته وعظمته من ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي يرويه البخاري ومسلم عن أبي هريرة قال: قال صلى الله عليه وسلم: ( قال الله عز وجل: أنفق أنفق عليك ) ، وقال صلى الله عليه وسلم: ( يد الله ملأى لا تغيضها نفقة، سحاء الليل والنهار ) وقال صلى الله عليه وسلم: ( أرأيتم ما أنفق منذ خلق السموات والأرض فإنها لم تغض ما في يده وكان عرشه على الماء، وبيده الميزان يخفض ويرفع ) متفق عليه .

وكل هذا بيان لعظيم عطاء الله وسعة فضله وأن يده الكريمة جل وعلا دائمة العطاء والإنفاق ، ويشبه هذا قول النبي صلى الله عليه وسلم أيضاً: ( ما تصدق أحد بصدقة من طيب، ولا يقبل الله إلا الطيب إلا أخذها الرحمن بيمينه وإن كانت ثمرة فتربو في كف الرحمن حتى تكون أعظم من الجبل كما يربي أحدكم فلوه أو فصيله ) مسلم .

وفي هذا الحديث إثبات الكف ، وبيان عظيم فضل الله سبحانه وتعالى وإحسانه وأنه يتقبل من العباد صدقاتهم وينميها لهم ويحاسبهم على النماء وينميها ولا شك أن هذا له تأثيره في قلب المؤمن من محبة الله ورضوانه .

وفي مجال قوة الله سبحانه وتعالى وجبروته وبطشه يقول صلى الله عليه وسلم: ( إن الله يقبض يوم القيامة الأرض وتكون السموات بيمينه ثم يقول: أنا الملك ) رواه البخاري عن ابن عمر رضي الله عنهما ، وفي رواية أخرى ( فيجعلهما في كفة ثم يرمي بهما كما يرمي الغلام بالكرة ) .
وفي هذا بيان لعظمة الله وكمال قدرته وأن السموات والأرض يوم القيامة تكون بيمينه .

وكذلك جاء في حديث عبد الله بن مسعود عن البخاري ومسلم أن يهودياً جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا محمد إن الله يمسك السموات على إصبع ، والأرض على إصبع ، والجبال على إصبع ، والشجر على إصبع ، والخلائق على إصبع ثم يقول أنا الملك . فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى بدت نواجذه . ثم قرأ: { وما قدروا الله حق قدره والأرض جميعاً قبضته يوم القيامة والسموات مطويات بيمينه سبحانه وتعالى عما يشركون }.

ولا شك أن أثر الإيمان بهذه الصفة في قلب المؤمن عظيم لأنها تورث القلب المهابة لله والخوف منه وتعظيم أمره وشأنه ، وأنه الملك الذي قهر الملوك ، وأنه لا مفر من قبضته ، ولا ملجأ منه إلا إليه .
(
عبد الرحمن عبد الخالق ، الرد على من أنكر توحيد الأسماء و الصفات ، ص11-12 )

قال الإمام أبو حنيفة :
يد الله فوق أيديهم ليست كأيدي خلقه .
(
أبو حنيفة ، الفقه الأبسط ص56 )

قال إمام الأئمة ابن خزيمة في كتاب التوحيد :
باب : ذكر إثبات اليد للخالق الباريء جلَّ وعلا ، والبيان أنَّ الله تعالى له يدان كما أعلمنا في محكم تَنْزيله 000
(
ابن خزيمة ، التوحيد و إثبات صفات الرب ، ج1 ص118 )

و سرد جملة من الآيات تدل على ذلك ، ثم قال :
باب ذكر البيان من سنة النبي صلى الله عليه وسلم على إثبات يد الله جل وعلا موافقاً لما تلونا من تَنْزيل ربنا لا مخالفاً ، قد نَزَّه الله نبيه وأعلى درجته ورفع قدره عن أن يقول إلا ما هو موافق لما أنزل الله عليه من وحيه .
(
المصدر السابق )

و قال أبو الحسن الأشعري المتكلم السلفي :
وأجمعوا على أنه عَزَّ وجَلَّ يسمع ويرى ، وأنَّ له تعالى يدين مبسوطتين .
(
أبو الحسن الأشعري ، رسالة إلى أهل الثغر ص225 )

و قال أبو بكر الإسماعيلي :
وخلق آدم عليه السلام بيده ، ويداه مبسوطتان ينفق كيف يشاء ، بلا اعتقاد كيف يداه ، إذ لم ينطق كتاب الله تعالى فيه بكيف .
ولا يعتقد فيه الأعضاء ، والجوارح ، ولا الطول والعرض ، والغلظ ، والدقة ، ونحو هذا مما يكون مثله في الخلق ، وأنه ليس كمثله شيء تبارك وجه ربنا ذو الجلال والإكرام .
(
أبو بكر الإسماعيلي ، اعتقاد أئمة الحديث ص51 )

و قال شيخ الإسلام و المسلمين أحمد ابن تيمية :
إنَّ لله تعالى يدين مختصتان به ذاتيتان له كما يليق بجلاله .
(
ابن تيمية ، مجموع الفتاوى ج2 ص263 )

 

 

و يتابع النصراني :
وأعطى القرآن لله عينين
وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلاَ تَتَّقُونَ قَالَ رَبِّ انْصُرْنِي بِمَا كَذَّبُونِ فَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا و َوَحْيِنَا فَإِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ فَاسْلُكْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلاَّ مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ مِنْهُمْ وَلاَ تُخَاطِبْنِي فِي الذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ فَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الذِي نَجَّانَا مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ * سورة المؤمنون 23: 23 و26 و27 و28

عجبًا ! هل كان من اللازم الاستشهاد بكل هذه الفقرة الطويلة – مع حذف آيتين من المنتصف - لإثبات صفة العين ؟!

لا علينا !

أما العين فهي صفةٌ ذاتيةٌ خبريَّةٌ ثابتةٌ لله عَزَّ وجلَّ بالكتاب والسنة ، وأهل السنة والجماعة يعتقدون أن الله عَزَّ وجلَّ له عينان تليقان به . قال أبو الحسن الأشعري المتكلم السلفي :
وأن له سبحانه عينين بلا كيف، كما قال سبحانه: (تجري بأعيننا) .
(
أبو الحسن الشعري ، الإبانة عن أصول الديانة ص6 )

قال الشيخ ابن العثيمين – رحمه الله – في شرح السفارينية :
قوله : ( وعينه ) : يعني : ونؤمن أيضاً بما جاء في الدليل من ثبوت العين لله عز وجل .
(
محمد بن صالح بن العثيمين ، شرح العقيدة السفارينية ص232 )

ثم قال :
البحث الثاني : هل العين تماثل أعين الخلق بحيث يكون فيها بياض وسواد أو سواد وصفراء أو ما أشبه ذلك من أعين الخلق ؟
الجواب : لا ، لا نقول بهذا ، بل نقول : هذا ممتنع ، لأن الله يقول : { ليس كمثله شيء } ( الشورى 11 )

وإن كان أهل التحريف والتعطيل يشنعون على الذين يثبتون لله العين حقيقة ،ويقول : إذا أثبتها فلا بد أن تقول : هل هي مستديرة أو مستطيلة ؟ هل هي بيضاء أو سوداء ؟ هل فيها بياض وسواد أم ليس فيها ؟

الجواب : نقول : هذا لا يلزمنا نحن نثبت لله العين ، ولكن لا نقول : إن لها مثيلاً حتى تلزمونا بذلك ، وأنتم إذا ألزمتمونا بذلك ألزمناكم أيضاً بذات الله ، وقلنا : ذات الله هل هو طويل أو قصير أسود أو أبيض سمين أو هزيل أو ما أشبه ذلك ، فإذا ألزمتمونا بأن نقول في العين ما تدعون ، إذن نلزمكم بأن تقولوا في الذات مثل ما تقولوا في العين ، إذن لا نعلم حقيقة هذه العين ولا كيفية هذه العين ، لكن نعلم أنها حقيقة إلا أنها لا تماثل أي حقيقة من حقائق المخلوقات ، لأن الله تعالى مباين للخلق غاية المباينة في ذاته وصفاته عز وجل .
(
المصدر السابق ص233 )

قال إمام الأئمة ابن خزيمة بعد ذكر الآيات التي تثبت صفة العين :
فواجب على كل مؤمن أن يثبت لخالقه وبارئه ما ثبَّت الخالق البارئ لنفسه من العين ، وغير مؤمن من ينفي عن الله تبارك وتعالى ما قد ثبَّته الله في محكم تَنْزيله ببيان النبي صلى الله عليه الذي جعله الله مبيِّناً عنه عَزَّ وجلَّ في قولـه : (وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ) ، فبين النبي صلى الله عليه وسلم أن لله عينين فكان بيانه موافقاً لبيان محكم التَنْزيل ، الذي هو مسطور بين الدفتين ، مقروء في المحاريب والكتاتيب .
(
ابن خزيمة ، التوحيد و إثبات صفات الرب ج1 ص97 )

و قال في موضع آخر :
نحن نقول : لربنا الخالق عينان يبصر بهما ما تحت الثرى وتحت الأرض السابعة السفلى ، وما في السماوات العلى 000
(
المصدر السابق ج1 ص114 )

و بوب الَّلالَكَائي في أصول الاعتقاد بعنوان :
سياق ما دل من كتاب الله عَزَّ وجلَّ وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم على أن صفات الله عَزَّ وجلَّ الوجه والعينين واليدين .
(
الَّلالَكَائي ، اعتقاد أهل السنة و الجماعة ج3 ص412 )

و قال الشيخ عبد الله الغنيمان في شرحه :
قولـه : ((إن الله ليس بأعور)) : هذه الجملة هي المقصودة من الحديث في هذا الباب ؛ فهذا يدل على أن لله عينين حقيقة ؛ لأن العور فقدُ أحد العينين أو ذهاب نورها .
(
عبد الله الغنيمان ، شرح كتاب التوحيد من صحيح البخاري ج1 ص285 )

و قال الشيخ ابن العثيمين – رحمه الله – في عقيدته :
وأجمع أهل السنة على أن العينين اثنتان ، ويؤيده قول النبي صلى الله عليه وسلم في الدجَّال : ( إنه أعور ، وإن ربكم ليس بأعور ) .
(
محمد بن صالح بن العثيمين ، عقيدة أهل السنة و الجماعة ص12 )

 

و لتوفير الوقت و المجهود سنكتفي بهذا القدر في إثبات الصفات و نفس الكلام يسري على صفات الاستواء على العرش و الكلام و غيرها .

ينقل الذهبي عن الشافعي قوله :
نثبت هذه الصفات التي جاء بها القرآن ووردت بها السُّنة وننفي التشبيه عنه كما نفى عن نفسه فقال ( ليس كَمِثْلِه شيء ) .
(
الذهبي ، سير أعلام النبلاء ج20 ص341 )

و يقول العلامة صديق حسن خان :
فمذهبنا مذهب السلف إثبات بلا تشبيه وتنزيه بلا تعطيل وهو مذهب أئمة الإسلام كمالك والشافعي والثوري وابن المبارك والإمام أحمد ... وغيرهم فإنه ليس بين هؤلاء الأئمة نزاع في أصول الدين وكذلك أبو حنيفة رضي الله عنه فإن الاعتقاد الثابت عنه موافق لاعتقاد هؤلاء وهو الذي نطق به الكتاب والسنة .
(
صديق حسن خان ، قطف الثمر في عقيدة أهل الأثر ص47-48 )

و ننتقل الآن لنقل ردود العلماء على هذه الشبهة حتى يكون هو الكلام المفيد في شبهة التجسيد : و أبدأ بكلام العلامة ابن العثيمين - رحمه الله - لأن شرحه أكثر تنسيقًا و ترتيبًا و تركيزًا ، ثم يليها رد شيخ الإسلام و المسلمين أحمد بن تيمية .

و ما نحن إلا عالة على
علمائنا .

 

يقول الشيخ ابن العثيمين

واعلم أن الاشتراك في الأسماء والصفات لا يستلزم تماثل المسميات والموصوفات، كما دل على ذلك السمع، والعقل، والحس.

أما السمع: فقد قال الله عن نفسه: (إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعاً بَصِيراً) (النساء: 58). وقال عن الإنسان: (إِنَّا خَلَقْنَا الْأِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعاً بَصِيراً) (الإنسان:2). ونفي أن يكون السميع كالسميع والبصير كالبصير فقال: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ) (الشورى:11). وأثبت لنفسه علماً وللإنسان علماً، فقال عن نفسه: (عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنّ) (البقرة: 235) وقال عن الإنسان: (فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنّ) (الممتحنة: 10). وليس علم الإنسان كعلم الله تعالى، فقد قال الله عن علمه: (وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً) (طـه: 98). وقال: (إِنَّ اللَّهَ لا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّمَاءِ) (آل عمران:5). وقال عن علم الإنسان: (وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلاً) (الإسراء: 85).

وأما العقل: فمن المعلوم بالعقل أن المعاني والأوصاف تتقيد وتتميز بحسب ما تضاف إليه، فكما أن الأشياء مختلفة في ذواتها فإنها كذلك مختلفة في صفاتها وفي المعاني المضافة إليها، فإن صفة كل موصوف تناسبه لا يفهم منها ما يقصر عن موصوفها أو يتجاوزه، ولهذا نصف الإنسان باللين، والحديد المنصهر باللين، ونعلم أن اللين متفاوت المعنى بحسب ما أضيف إليه.

وأما الحس: فإننا نشاهد للفيل جسماً وقدماً وقوة، وللبعوضة جسماً وقدماً وقوة، ونعلم الفرق بين جسميهما، وقدميهما، وقوتيهما.

فإذا علم أن الاشتراك في الاسم والصفة في المخلوقات لا يستلزم التماثل في الحقيقة مع كون كل منها مخلوقاً ممكناً، فانتفاء التلازم في ذلك بين الخالق والمخلوق أولى وأجلى، بل التماثل في ذلك بين الخالق والمخلوق ممتنع غاية الامتناع.

(
محمد بن صالح بن العثيمين ، تقريب التدمرية ص12 )

 

 

قال شيخ الإسلام و المسلمين في الجواب الصحيح


الوجه الرابع : قولهم : ( فيوهمون السامعين أن الله ذو جسم وأعضاء وجوارح ) كلام باطل ، و ذلك أن الله سمى نفسه وصفاته بأسماء ، وسمى بعض عباده وصفات عباده بأسماء ، هي - في حقهم - نظير تلك الأسماء في حقه سبحانه وتعالى :
فسمى نفسه حيا كقوله { الله لا إله إلا هو الحي القيوم } الآية ( البقرة : 255 )
{
وتوكل على الحي الذي لا يموت } ( الفرقان : 58 ) ، وسمى بعض عباده حيا كقوله { يخرج الحي من الميت } ( الروم : 19 ) ، مع العلم بأنه ليس الحي كالحي .

وسمى نفسه عليما كقوله { إن ربك حكيم عليم } ( الأنعام : 83 ) ، وسمى بعض عباده عليما كقوله { وبشروه بغلام عليم } ( الذاريات : 28 ) ، مع العلم بأنه ليس العليم كالعليم .

وسمى نفسه حليما بقوله { والله غني حليم } ( البقرة : 263 ) ، وسمى بعض عباده حليما بقوله { فبشرناه بغلام حليم } ( الصافات : 101 ) . وسمى نفسه رؤوفا رحيما بقوله { إن الله بالناس لرءوف رحيم } ، وسمى بعض عباده رؤوفا رحيما بقوله { بالمؤمنين رءوف رحيم } ( التوبة : 128 ) ، وليس الرؤوف كالرؤف ولا الرحيم كالرحيم .

وكذلك سمى نفسه ملكا جبارا متكبرا عزيزا وسمى بعض عباده ملكا وبعضهم عزيزا وبعضهم جبارا متكبرا وليس هو في ذلك مماثلا لخلقه .

وكذلك سمى بعض صفاته علما وقوة وأيدا وقدرة ورحمة وغضبا ورضى ويدا وغير ذلك وسمى بعض صفات عباده بذلك وليس علمه كعلمهم ولا قدرته كقدرتهم ولا رحمته وغضبه كرحمتهم وغضبهم ولا يده كأيديهم .

وكذلك ما أخبر به عن نفسه من استوائه على العرش ومجيئه في ظلل من الغمام وغير ذلك من هذا الباب ليس استواؤه كاستوائهم ولا مجيئه كمجيئهم .

وهذه المعاني التي تضاف إلى الخالق تارة وإلى المخلوق أخرى تذكر على ثلاثة أوجه :

تارة تقيد بالإضافة إلى الخالق أو بإضافته إليها كقوله تعالى { ولا يحيطون بشيء من علمه } ( البقرة : 255 ) ، { إن الله هو الرزاق ذو القوة } ( الذاريات 58 ) .

وتارة تتقيد بالمخلوق كقوله { شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولوا العلم } ( آل عمران : 18 ) .

وتارة تطلق مجردة .

فإذا قيدت بالخالق لم تدل على شيء من خصائص المخلوقين .

فإذا قيل : علم الله وقدرته واستواؤه ومجيئه ويده ونحو ذلك ، كانت هذه الإضافة توجب ما يختص به الرب الخالق ، وتمنع أن يدخل فيها ما يختص به المخلوق .

وكذلك إذا قيل { فإذا استويت أنت ومن معك على الفلك } ( المؤمنون : 28 ) ، كانت هذه الإضافة توجب ما يختص بالعبد وتمنع أن يدخل في ذلك ما يختص بالرب عز وجل .

(
ابن تيمية ، الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح ج3 ص119-120 )

ثم أكمل قائلاً :



والمقصود هنا أن الله سبحانه وتعالى إذا أضاف إلى نفسه ما أضافه إضافة يختص بها ، وتمنع أن يدخل فيها شيء من خصائص المخلوقين ، وقد قال مع ذلك : إنه ليس كمثله شيء وإنه لم يكن له كفوا أحد وأنكر أن يكون له سمي كان من فهم من هذه ما يختص به المخلوق ، قد أتي من سوء فهمه ونقص عقله ، لا من قصور في بيان الله ورسوله ، ولا فرق في ذلك بين صفة وصفة .

فمن فهم من علم الله ما يختص به المخلوق من أنه عرض محدث باضطرار ، أو اكتساب ، فمن نفسه أتي ، وليس في قولنا علم الله ما يدل على ذلك .

وكذلك من فهم من قوله { بل يداه مبسوطتان } الآية ( المائدة : 64 ) ، و { ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي } ( ص : 75 ) ، ما يختص به المخلوق من جوارحه وأعضائه ، فمن نفسه أوتي ، فليس في ظاهر هذا اللفظ ما يدل على ما يختص به المخلوق كما في سائر الصفات .

وكذلك إذا قال { ثم استوى على العرش } ( الفرقان : 59 ) ، من فهم من ذلك ما يختص بالمخلوق ، كما يفهم من قوله { فإذا استويت أنت ومن معك على الفلك } ( المؤمنون : 28 ) ، فمن نفسه أتي فإن ظاهر اللفظ يدل على استواء يضاف إلى الله عز وجل كما يدل في تلك الآية على استواء يضاف إلى العبد .

وإذا كان المستوي ليس مماثلا للمستوي لم يكن الاستواء مماثلا للاستواء .

فإذا كان العبد فقيرا إلى ما استوى عليه يحتاج إلى حمله .

وكان الرب عز وجل غنيا عن كل ما سواه والعرش وما سواه فقيرا إليه ، وهو الذي يحمل العرش وحملة العرش ، لم يلزم إذا كان الفقير محتاجا إلى ما استوى عليه أن يكون الغني عن كل شيء وكل شيء محتاج إليه ، محتاجا إلى ما استوى عليه .

وليس في ظاهر كلام الله عز وجل ما يدل على ما يختص به المخلوق من حاجة إلى حامل وغير ذلك ، بل توهم هذا من سوء الفهم لا من دلالة اللفظ .

لكن إذا تخيل المتخيل في نفسه أن الله مثله تخيل أن يكون استواؤه كاستوائه ، وإذا عرف أن الله ليس كمثله شيء ، لا في ذاته ، ولا في صفاته ، ولا في أفعاله ، علم أن استواءه ليس كاستوائه ولامجيئه كمجيئه كما أن علمه وقدرته ورضاه وغضبه ، ليس كعلمه وقدرته ورضاه وغضبه .

وما بين الأسماء من المعنى العام الكلي كما بين قولنا ن حي وحي وعالم وعالم .

وهذا المعنى العام الكلي المشترك لا يوجد عاما كليا مشتركا إلا في العلم والذهن ؛ وإلا فالذي في الخارج أمر يختص بالموصوف .

فصفات الرب عز وجل مختصة به ، وصفات المخلوق مختصة به ، ليس بينهما اشتراك ولا بين مخلوق ومخلوق .

(
المصدر السابق ج3 ص121-122 )

بواسطة/د.هشام عزمي