نحن وإسرائيل

الباحث

زهدي جمال الدين محمد

باحث في مقارنة الأديان

 

 

 

 

الباب الأول

 

 

 

 

 

 

 

 

                  

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

على من تلقى الأحجار


 

m :

 

إننا نلاحظ أنه في القرآن الكريم يتم استخدام أسلوب فريد في معالجة القصة الواحدة والتي تعـالج بطرق مختلفة في القـرآن المكي والمدني , فكل حلقة من حلقات         القصة الواحدة في القرآن الكريم لاسيما المكي منها , لا نجد ذكراً للقتال ولا نصراً        بجهد المؤمنين  وإنما نجد معركة بين قوتين غير متكافئتين , قوة طاغية ظالمة بيدها السلطان وتملك كل أسباب البطش , ومجموعة من المؤمنين المستضعفين لا تملك إلا إيمانها بالله   وحده وصبرها على الأذى , وتسير كل الحلقات في هذا الخط دون أن يفرض عليها قتالٌ     أو يكلفهم سوى الصبر والاحتمال وانتظار النصر من عند الله تعالى , فإذا انتقلنا إلى حلقات نفس القصة في العهد المدني , وجدناها تعالج من زاوية أخرى , ففي العهد المدني         الذي أقيم فيه المجتمع وتكونت الدولة وفرض فيه القتال , فلابد من تربية الجماعة الإسلامية من هذا الجانب .

 

لذلك سوف نتناول الآيات ( 20-26 ) من سورة المائدة وهى من السور المدنية .

 

فماذا تقول الآيات الكريمة ؟.

 

 

{ وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ وَجَعَلَكُم مُّلُوكاً وَآتَاكُم مَّا لَمْ يُؤْتِ أَحَداً مِّنَ العَالَمِينَ (20) يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الأَرْضَ المُقَدَّسَةَ الَتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلاَ تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ (21) قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْماً جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِن يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ (22) قَالَ رَجُلانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ البَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ (23) قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا أَبَداً مَّا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ (24) قَالَ رَبِّ إِنِّي لاَ أَمْلِكُ إِلاَّ نَفْسِي وَأَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ القَوْمِ الفَاسِقِينَ (25) قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الأَرْضِ فَلاَ تَأْسَ عَلَى القَوْمِ الفَاسِقِينَ (26) }

 

 

إننا من هذه الآيات البيّنات نستطيع أن نخلص إلى الحقائق التالية :

        واضـح أنهـا تعالج موضوعاً تتفق أحداثه مع ظروف الجماعة المسلمة في العهد المدني  من حيث الهجرة والتحرر من الحياة في ظل سلطان مجتمع وثني وتكوين مجتمع خالص الإيمان .

        إنها تعالج وتقدم العبرة للجماعة المسلمة في ذلك العهد حتى لا يقعوا فيما وقع فيه بنو إسرائيل من جبن وعصيان وتقاعس عن القتال في سبيل الله تعالى .

 

        إن الآيات تكشف حقيقة هامة , هذه الحقيقة تكمن في طبيعة تكوين بني إسرائيل حتى    لا ينخدع المسلمون بمظاهر قوة اليهود في المدينة آنذاك أو حتى فيما بعد إذ أنهم

 

 

{ لاَ يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعاً إِلاَّ فِي قُرًى مُّحَصَّنَةٍ أَوْ مِن وَرَاءِ جُدُرٍ بَأْسُهُم بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَعْقِلُونَ (14) } .

 

 

تكشف الآيات حقيقة هامة وهي فرضية الهجرة فالله I كتب المدينة للجماعة المسلمة وأمرهم بالخروج إليها , فلما نفذ المسلمون ما أمر الله به , هدى أهل المدينة       إلى الإسلام وخرجوا في استقبال رسول الله e , وهكذا كان الحال مع بني إسرائيل , فلقد كتب الله لبني إسرائيل أرض الشام وأمرهم بالخروج إليها , ولو أنهم أطاعوا الله ورسوله موسى عليه السلام لهدى أهل الشام إليهم وهو ما قاله لهم صاحبي موسى كالب بن يَفِّـنَّه ويوشع بن نون في سورة المائدة :

 

 

{ قَالَ رَجُلانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ البَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ (23) } .

 

فلما تقاعسوا صدر أمر الله تعالى إليهم إلى يوم القيامة : 

 

 

{ قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ } .

 

 

وليس التحريم فقط بل هناك عقوبة أخرى سابقة عليه ألا وهى التيه في الصحراء وليس التيه لمدة وجيزة , بل لقد حددها الله جلَّ علاه بقوله تعالى تكملة الآية الكريمة :     

 

 

{ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الأَرْضِ فَلاَ تَأْسَ عَلَى القَوْمِ الفَاسِقِينَ (26) } .

 

 

فهذه الآيات البيِّنات وغيرها نصوص صريحة توضح انه لما رفض بنوا إسرائيل الإذعان لأوامر الله بالدخول إلى الأرض المقدسة التي كتب الله لهم , حرمها عليهم     وعاقبهم بالتيه أربعين سنة , وهو تحذير مقصود لذاته يفهمه المسلمون وهم في بداية العهد المدني .

ولقد أوضحت الآيات الكريمة { 167-168} من سورة الأعراف مصير بني إسرائيل بعد التيه وتحريم الأرض المقدسة عليهم إلى يوم القيامة فيقول I:

 

 

{ وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ مَن يَسُومُهُمْ سُوءَ العَذَابِ إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ العِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ (167) وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي الأَرْضِ أُمَماً مِّنْهُمُ الصَّالِحُونَ وَمِنْهُمْ دُونَ ذَلِكَ وَبَلَوْنَاهُم بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (168) } .

 

        فلقد كتب الله عليهم الشتات في الأرض , فلا وطن لهم ولا مكان , ولقد تحقق     وعد الله وبعث عليهم من سامهم سوء العذاب ولقد بينت سورة الإسراء الكريمة بشيء      من التفصيل ما أجملته سورة الأعراف الكريمة وهو ما سوف نتناوله بشيء من التفصيل وذلك على النحو التالي ..

 

 

       

 

 

 

 

 

 

 

 

الفصل الأول

المنهج التاريخي وبحث قيام دولة إسرائيل من الشتات

إلى الوطن القومي

m

إن منهج البحث التاريخي منهج استردادي يقوم بحركة معاكسة للتاريخ وذلك بهدف استعادة مجرى أحداث التاريخ الماضية ذهنيا والاهتداء إلى الواقعة التاريخية التي اختفت والتثبت منها واسترجاعها بطريقة فكرية صرفه , ويتم ذلك بضرب من تركيب أو إنشاء الواقعة التاريخية بالاعتماد على الآثار التي خلفتها أحداث الماضي ، ونقطة البدء في المنهج التاريخي هي الوثائق , أي الآثار التي تتركها الوقائع .

وهذه الوثائق تنقسم إلى نوعين :

 

1-     الآثار والأشياء المصنوعة .

 

2-     الآثار الكتابية التي قد تكون وصفا لحادث تاريخي , أو قد تكون رواية عيانية لهذا الحادث التاريخي ، وهذا النوع من الآثار هو الذي يهمنا في هذا البحث .

 

الاستقراء التاريخي للأحداث :

     

حسب رواية التوراة نجد أن هيكل الرب والذي بناه سليمان عليه السلام أثناء فترة حكمه والتي دامت أربعين سنة ( 961-921 ق.م) قد استغرق سبع سنين حيث بدء العام 961 ق.م , وانتهى العام 954 ق.م , في حين أن نفس التوراة تذكر في موضع آخر        أن الهيكل قد تم بناؤه على يد الملك سليمان بعد 480 سنة من الخروج , ولما كان الخروج  قد تم العام 1237 ق.م , فهذا يعني أن البناء قد تم الانتهاء منه العام 757 ق.م , وليس العام 954 ق .م .

وهذا التناقض في التوراة كثير ولعل الغرض من ذكر هذا المثال كمدخل للبحث     هو مدى الوقوف على حقيقة هامة خاصة بمنهج البحث التاريخي لا سيما وأن هذا المنهج    كما سبق ذكره (منهج استردادي يقوم بحركة معاكسة للتاريخ بغرض استعادة مجرى    أحداث التاريخ ) .

ولما كانت نقطة البدء في المنهج التاريخي هي الوثائق الكتابية , فإن القارئ سوف يدرك المعاناة الكبيرة والتي تقع على عاتق الباحث في هذا الأمر لاسيما وأن الوثائق المعتمد عليها قد تكون مغلوطة فيسعى إلى تصحيحها أو متناقضة فيحاول التوفيق بينها , فالتوراة  التي بين أيدينا الآن لم يكن لها وجود حتى عهد النبي سليمان عليه السلام وذلك كما هو ثابت في أسفارهم .    

انقسام اليهود إلى فرقتين

 

 اليهود في العهد البابلي والآشوري :

رحل يعقوب u  وبنوه :  رأوبين .. شمعون .. لاوي .. يهوذا .. زوبلون .. يساكر .. دان .. جاد .. أشير .. نفتالي .. يوسف.. بنيامين .. وبنو بنيه ضيوفا على أرض مصر , ثم في عام 1237 قبل الميلاد خرج بنو يعقوب من مصر بقيادة نبي منهم وهو موسى عليه السلام ( من سبط لاوي ) ثم سكنوا بين سكان سيناء والأردن وفلسطين ولبنان .

وبعد موت سليمان u انقسمت الدولة العبرية إلى مملكتين :

الأولى : مملكـة إسرائـيل فـي الشمال , لأنهـا تقـع في شمــال فلسطين وتـضــم     

         عشرة أسباط وهــم :

رأوبين , جاد , أفرايم ( سبط يوسف u ) , يساكر , زوبلون , أشير , دان  شمعون ، لاوي ، نفتالي .

وأول ملوك مملكة إسرائيل هو يربعام الأول ابن نباط  (931 ق.م 910 ق.م ) والذي اتخذ من ترصة الواقعة شمالي شرقي شكيم ( نابلس ) بـ 10 كم عاصمة لمملكته ونصب عجول الذهب في بيت إيل وأمر بعبادتها وملك علي هذه المملكة 19 ملكا دام حكمهم أكثر من قرنين إلى أن دمرها الآشوريون تدميرا كاملا بقيادة سرجون الثاني سنة 722 ق.م , وهؤلاء اليهود هم المعروفون بالسامريين وتوراتهم هى المعروفة بالتوراة السامرية .

الثانية :  مملكة يهوذا أو العبرانيون في الجنوب , لأنها تقع في جنوب فلسطين وعاصمتها القدس (أورشليم) وتضم سبطين هما يهوذا وبنيامين ونفر من سبط لاوي , وتعتقد أن جبل صهيون هو الجبل الذي عظمه الله وتوراتهم هي التوراة العبرية ويطلق عليها مملكة داود لأنه قد تعاقب علي حكمها 20ملكا من نسل داود , وأولهم رحبعام بن سليمان ودام حكمهم   حوالي ثلاثة قرون ونصف إلي أن دمرها البابليون تدميرا كاملا علي يد بختنصر البابلي    سنة 586 ق.م , وذلك بعد دمار مملكة إسرائيل الشمالية علي يد الآشورين بـ 135 سنة وكان أخر ملوك مملكة يهوذا هو صدقيا بن يوشيا وكان اسمه الحقيقي متنيا لكن بوختنصر عندما استولى على مملكة يهوذا نصبه ملكا عليها وغير اسمه إلى صدقيا وكان عمره آنذاك 21سنه ودام حكمه 11سنه (597ق.م _586ق.م) وكان خلالها ذليلا لبوختنصر ثم تمرد عليه  فعسكر بوختنصر حول أورشليم الأمر الذي جعل صدقيا يفر منه لكنه ـ أي بوختنصر ـ قبض عليه وعلى أولاده الذين قتلوا أمام عينيه ثم قلع عيني صدقيا بعد ذلك وأسره إلي بابل بعد أن دمر القدس والهيكل تدميرا كاملا وبعد أن قضى علي مملكة يهوذا قضاءاَ نهائيا .

 

اليهود في العهد الفارسي     

بعد سقوط الدولة البابلية بيد الفرس عام 538 ق.م بقيادة الملك الفارسي قورش   الذي أسس إمبراطورية فارسية كبرى وامتدت سلطته حتى آسيا الصغرى كلها ثم جاء ابنه قمبيز وضم مصر إلي إمبراطورية أبيه في عام 525 ق.م وفي العام 523 ق.م توفي قمبيز ولم يكن له ولد فانتقل التاج إلي أخيه سميرديز والذي قتل بيد الكهنة وتولى داريوس      صهر قورش الحكم والذي عرف في التاريخ باسم داريوس المادي والذي دام حكمه ما بين عامي 521 ق.م ـ 481 ق.م ..

وبعد سقوط دولة بابل في يد الفرس , وبعد مرور 66عام أعيد بناء الهيكل الذي دمره بوختنصر وذلك بإذن من الملك الفارسي داريوس علي يد جماعة من الكهان اليهود وأشهرهم زَرُبابل بن شَالتَئيل وعُزرا ونحْميا , وقد استغرق بناء الهيكل خمس سنوات(1) ، وفي مدينة بابل اتفق العبرانيون والسامريون علي كتابة التوراة لأنهم في الأسر لما تأكدوا من إدبار الدنيا عنهم وإقبال الخير علي بني إسماعيل بعد سنوات طويلة رأوا أن يحتفظوا بكيان مستقل إلى الأبد ومن أجل ذلك كتبوا التوراة بأيديهم على المبادئ التالية :

                                الله I إله واحد ولكن ليس للعالمين , بل لبني إسرائيل من دون الناس .

                                النبي المنتظر الذي أخبر عنه موسى سوف يأتي ولكن ربما من بني إسرائيل         لا من إسماعيل .

                                شريعة التوراة أنزلها الله I ولكن ليست للعالمين بل لبني إسرائيل من دون الناس .

وكتب لهم عزرا كتاب التوراة على تلك المبادئ وعرضها عليهم فسروا بها واستحسنوها  ولما رجع بنو إسرائيل من بابل بتوراة عزرا وسكن العبرانيون في مدنهم وسكن السامريون      في مدنهم , ظهر عداءاً شديداً بينهم وبسببه اختلفت التوراة العبرانية عن التوراة السامرية.

 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) اليهود في تاريخ الحضارات الأولى : غوستاف لوبون ـمطبعة الحلبي بمصر 1970

اليهود في العهد اليوناني ( 330 ق.م. ـ166 ق.م ) :

 

رغم أن الفرس هم الذين سعوا إلى إعادة اليهود إلى أورشليم حيث كانت لليهود حظوة كبيرة عند ملوك الفرس وذلك منذ أيام قورش وداريوس إلا أنهم ـ أي اليهود ـ خانوا أسيادهم وتحولوا إلى القوة الشابة الجديدة والتي ظهرت على يد الإسكندر المقدوني والذي استطاع القضاء على الحكم الفارسي في بلاد الشام كلها ومن بينها فلسطين وذلك في العام 330 قبل الميلاد .

ولما مات الإسكندر المقدوني سنة 323 ق.م وتولى بطليموس الأول حكم مصر وفلسطين والذي امتد حكمه من  ( 323 ق.م ـ 285 ق.م ) بدأ اليهود أول تمردهم على اليونان , فقام بطليموس الأول باعتقالهم وأخذ منهم مائة ألف أسير إلى مصر , وتولى بعده بطليموس الثاني والذي حكم مصر وفلسطين في الفترة من ( 285 ق.م ـ 247 ق.م ) وكان بطليموس الثاني رجلا مثقفا , وفي عهده كتبت التوراة بالغة اليونانية حيث اجتمع سبعون    أو اثنان وسبعون عالما من اليهود ستة من قبائل اليهود الإثناعشرة وقاموا بهذا العمل الضخم والذي استغرق على  ما يقال مائة عام تقريبا .

 

    وهكذا لم يكن للنص العبري أي وجود أو أثر نتيجة لفقده وضياعه بسبب الحروب والأسر والتشتيت والضياع وبقى النص اليوناني ـ والذي اصبح معتمدا فيما بعد ـ عند اليهود .

تولى بطليموس الثالث حكم البلاد في الفترة ( 247 ق.م ـ 222 ق.م ) ثم بطليموس الرابع ( 222 ق.م ـ202 ق.م ) والذي في عهده كان السولوقيون الموجودون في سوريا يريدون توسعة حكمهم في فلسطين الأمر الذي أدى معه اندلاع عدة حروب وقف اليهود فيها إلى جانب بطليموس إلا أن انطوخيوس الثالث السلوقي استطاع الانتصار على بطليموس الرابع في فلسطين وكان شديد الاستياء من موقف اليهود فأذلهم إذلالاً شديداً .       

ومنذ عام 200 ق.م إلى ثورة المكابيين كان السلوقيون يعاملون اليهود باحتقار شديد وأدت معاملة السلوقيين القاسية إلى انفجار ثورة المكابيين الأولى سنة 166 قبل الميلاد واستطاعوا بقيادة يهوذا المكابي الاستيلاء على أورشليم وذلك في العام 165 ق.م         ولكن السلوقيين عادوا وهزموا يهوذا وقتلوه سنة 165 ق.م واستعادوا سيطرتهم على مدينة السلام ـ والتي لم تشهد سلاما أبدا منذ أن تكونت خلال تاريخها القديم إلا في فترات محدودة كان أطولها أثناء الحكم الإسلامي .

 

تولى القيادة بعد يهوذا أخوه يوناثان ثم أخوه سمعان وبعد سمعان  تولى القيادة  ابنه يوحنا والمشهور في التاريخ باسم هركانوس وذلك في العام 134 ق.م .ولقد دون تاريخ المكابيين في سفر المكابيين الأول والذي ينتهي بموت سمعان واعتلاء هركانوس العرش .

ويتحدث سفر المكابيين الثاني عن أهمية عيد الحانوكا وهو التذكار السنوي لإعادة العبادة على يد يهوذا المكابي بعد أن أبطلها أنطوخيوس السلوقي, وهذان السفران من الأسفار الأبوكريفية.

وفي عام 104 ق.م تولى القائد المكابي أرستبولس الملك , وفي عام 63 ق.م دخل القائد الروماني بومبيوس مدينة أورشليم وأخذ أرستبولس أسيرا إلى دمشق ثم إلى روما.

 

 اليهود في العهد الروماني ( 63 ق . م ـ 614 بعد الميلاد )     

بعد سقوط أورشليم على يد القائد الروماني بومبيوس لم يعمد الرومان إلى حكمها مباشرة ولكنهم فضلوا أن يجعلوها مثل كثير من الولايات , حيث يجعلون الحكم فيها على يد حاكم محلي , وقد جعل القائد بومبيوس عليها هركانوس أخا أرستبولس إلا أنه في سنة 57 ق.م ثار إسكندر بن أرستبولس على عمه هركانوس ليأخذ منه الحكم إلا أن الرومان أرسلوا حملة لتأديبه وأسقطوا ثورته على عمه  , وفي عام 49 ق.م عاد أرستبولس من منفاه وحاول الإستيلاء على أورشليم فهزمه بومبيوس وأرسله مرة أخرى إلى سوريا وأمر بإعدامه ، وفي عام 37 ق.م و في عصر الملك الروماني هيرودس ثار الإبن الثاني لأرستبولس والذي يدعى أنتوجينيس على عمه هركانوس واستولى على أورشليم إلا أن الرومان استطاعوا الاستيلاء عليها وقتلوا الثائر عليهم وأمر هيرودس بتدمير أسوار مدينة القدس ، بعد  ذلك قامت ثورات عديدة بين اليهود والرومان حتى تم قمع الثورات على يد القائد الروماني فسبزيان وذلك في خريف عام 68 ميلادية وحاصر أورشليم وترك لابنه تيتوس مهمة الاستيلاء عليها(1).

وفي عام 70 ميلادية وبعد سيطرة القائد الروماني تيتوس على القدس هدم الهيكل ودمر أورشليم وفر من بقى من اليهود إلى مصر وليبيا والجزيرة العربية ولم تقم للهيكل قائمة حتى اليوم .

 

وفي الصفحات القادمة سوف نتناول موقف النبي e من اليهود في الجزيرة العربية ثم اليهود زمن الفتح الإسلامي مروراً بهم في مصر وأوربا وانتهاءً إلى إقامة الوطن القومي موضوع الدراسة .

 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1)      مقدمة في تاريخ الحضارات القديمة ـ طه باقر ـ بغداد _ 1956 .

موقــف النبي e مـن اليـهــود

وموقفهـم مـنه              

   إن النبي e لما قدم المدينة وادع اليهود , وكتب بينه وبينهم كتاباً شرط لهم فيه وشرط عليهم , وأقرهم على دينهم بشرط أن لا يغدروا , ولا يمالئوا عليه عدوا ً , ولكن اليهود     في طبعهم الغدر والدس والخيانة , فقابلوا هذا الإحسان بالإساءة , وحاربوا الدعوة الإسلامية بأساليبهم الماكرة حرباً لا هوادة فيها , فقد هموا بقتل النبي وهو بدارهم لولا أن عصمه الله جلّ علاه منهم وطالما سَعوا في إفساد ما بين المسلمين ولا سيما الأوس والخزرج من أخوة ومحبة كانت بفضل اعتناقهم الإسلام , وكثيراً ما نقضوا العهود وحاولوا طعن المسلمين     من ظهورهم , وكثيراً ما ألبوا عليه المشركين والقبائل كما حدث في غزوة الأحزاب .

وهكذا كانت حياتهم في المدينة وما جاورها سلسلة من المخازي , والمؤامرات الدنيئة فلم يكن بدٌّ من أن يقف النبي e منهم موقفاً حازماً , فأجلاهم عن المدينة واستراح        من شرورهم , وقتل من يستحق القتل منهم , ولم تأت السنة السابعة حتى تقوَّض سلطانهم   في شبه الجزيرة العربية , ولم يعد لهم شأن يذكر , وأذعنوا لسلطان الإسلام وسطوته .

 

وهذا إيجاز يحتاج إلى تفصيل , وإليك البيان...

 

                                اليهود بالجزيرة العربية

 

كان يساكن المسلمين بالمدينة يهود بني قينقاع , ويهود بني النضير , ويهود بني قريظة , كما كانت تسكن منهم جالية كبيرة بخيبر وما حاورها .

والصفحات القليلة القادمة توضح ما حاكوه من دسائس , وما همُّوا به من شر , وما قاموا به من مناهضة للدعوة لترى أن النبي e كان على حق فيما صنع معهم , وأن إجلاءهم كان لابدَّ منه لتأمين الدعوة .

 

                                 يهود بني قينقاع

 

لما انتصر المسلمون ببدر حرك هذا الأحقاد في نفوس الأعداء ولاسيما اليهود  وصاروا يرجفون بالمدينة , فرأى رسول الله e أن يعظهم بالحسنى ويدعوهم إلى ترك المعاندة والدخول في الإسلام , فذهب رسول الله e إلى يهود بني قينقاع , وجمعهم في سوق لهم , ثم قال :

( يا معشر يهود احذروا من الله مثل ما أنزل بقريش من النقمة وأسلموا , فإنكم قد عرفتم أني نبي مرسل , تجدون ذلك في كتابكم وعهد الله إليكم ) .

فقالوا : ( يا محمد لايغرَّنك أنك لقيت قوماً لا علم لهم بالحروب فأصبت منهم فرصة , أما والله لئن حاربناك لتعلمن أنا نحن الناس ) , وتمادوا في غيهم , فأنزل الله في شأنهم محذراً قوله تعالى من  سورة آل عمران الآيتان 13,12:      

{ قُل لِّلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ المِهَادُ (12) قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ التَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُم مِّثْلَيْهِمْ رَأْيَ العَيْنِ وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَن يَشَاءُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لأُوْلِي الأَبْصَارِ (13) } .

يريد الله فئتي المؤمنين والكافرين في بدر فلم يرعووا .

 

تماديهم في الشر :

وتمادَوا في الشر ولم يعبأوا بالقيم الخلقية , والتقاليد الكريمة العربية , ذلك أن امرأة من العرب قدمت بجَـلَب لها فباعته بسوق بني قينقاع , ثم جلست إلى صائغ هناك منهم  فجعلوا يريدونها على كشف وجهها فأبت , فعمد الصائغ إلى عمل مشين , فقد عقد طرف ثوبها إلى ظهرها وهي لا تشعر , فلما قامت انكشفت سوأتها , فضحكوا منها , فصاحت واستغاثت , فوثب رجل من المسلمين على الصائغ اليهودي فقتله , فتجمع اليهود على المسلم فقتلوه , فاستصرخ أهل المسلم المسلمين فغضب المسلمون ووقع الشر بينهم وبين اليهود .  ولا تنس ما لهذا العمل الدنيء من إثارة النفوس العربية التي جبلت على حماية الأعراض  وصيانة النساء من مثل هذا العبث , والاستهانة بكل شيء في سبيل الشرف والكرامة .

غزوة بني قينقاع :

لذلك لم يجد النبي e بداً من غزوهم وقد نقضوا العهد بهذه الفعلة النكراء, وأخبرهم بنقض العهد الذي كان بينه وبينهم تأدباً بأدب القرآن الكريم في هذه الحالة حيث يقول جلّ علاه في سورة الأنفال الآية 58 :

 

{ وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فَانبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ الخَائِنِينَ (58) }

   ثم حاصرهم خمس عشرة ليلة حتى نزلوا على حكم الله ورسوله , فاستشار الرسول e كبار الصحابة فأشاروا بقتلهم , وكان لهم حليفان : عبد الله بن أُبَيّ المنافق , وعبادة بن الصامت , فأما عبادة فقد تبرأ إلى الله ورسوله منهم وقال : (يا رسول الله , أتولى الله ورسوله وأبرأ من حلف هؤلاء الكفار وولايتهم )  ـ هذا هو الصحيح لا ما ذكره الدكتور محمد حسين هيكل في كتابه : حياة محمد  ص 274 من أنه حدث النبي e بحديث ابن أبي وشفع فيهم ـ وأما ابن أبي فقال: ( يا محمد أحسن في الموالي ) , فأعرض عنه الرسول e  ثم كرر مقالته والرسول يعرض عنه , ومازال يلح على الرسول e ويقول : (إني أخشى الدوائر) , حتى قبل الرسول e شفاعته فيهم على أن يخرجوا من المدينة ولهم النساء والذرية وللمسلمين الأموال . ووكل رسول الله e عبادة بن الصامت بإجلائهم وأمهلهم ثلاث ليال  فذهبوا إلى أذرعات على حدود الشام , وبذلك أزال الله I عن المسلمين شر شوكة من الشوكات الثلاث التي كانت في ظهورهم آنذاك وكان ذلك في أوائل سنة ثلاثة من الهجرة .

وفي شأن ابن أُبَيّ وموالاته لهم , وعبادة بن الصامت وبراءته منهم أنزل الله I آيـات كريمة , لتكون درسـاً للمسلمين يعلمهم من يوالون فقال I في سورة المائدة   الآيات 51 ـ55

 

{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَتَّخِذُوا اليَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِي القَوْمَ الظَّالِمِينَ (51) فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَن تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَن يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِّنْ عِندِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنفُسِهِمْ نَادِمِينَ (52) وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا أَهَؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَأَصْبَحُوا خَاسِرِينَ (53) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى المُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (54) إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ (55) }

يعني عبادة بن الصامت ومن على شاكلته من المؤمنين .

غزوة بني النضير :

وكان يهود بني النضير ممن عاهدهم النبي e ووادعهم على أن يأمن كل فريق الآخر, لكنهم لم يفوا بالعهد وهمُّوا بقتل النبي e. ذلك أن عمرو بن أمية الضمري الذي نجا من سرية القراء لقي أثناء رجوعه إلى المدينة رجلين من بني عامر , فقتلهما وهو يظن أنه أصاب بذلك بعض الثأر من بني عامر الذين غدروا بهم , ولم يشعر بعهدهما الذي لهما من رسول الله e .فقال له الرسول e :

 

    ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

السيرة النبوية للعلامة:محمد بن محمد أبو شهبة الجزء الثاني ـ دار القلم ,1992م ص 389ـ ص400     

 (لقد قتلت رجلين لأدِيَنَّـهما) ـ أي لأدفعنَّ الدية إلى أهلهما ـ وكان بين بني عامر وبني النضير عهد وحلف ، فخرج رسول الله e إلى بني النضير يستعينهم في دية الرجلين في جماعة من صحابته منهم أبو بكر وعمر وعلي رضي الله عنهم , فلما جاءهم أظهروا له حسن الاستعداد لإجابته , ثم خلا بعضهم إلى بعض فقالوا : إنكم لن تجدوا الرجل على مثل هذه الحالة ـ وكان رسول الله e جالساً إلى جانب جدار لهم ـ فمنْ رجل يعلو على هذا البيت , فيلقي عليه صخرة ويريحنا منه ؟ فانتدب لذلك عمرو بن جحَّاش فقال : أنا لذلك فصعد ليلقي الصخرة , فأتى رسولَ الله e الخَبرُ من السماء بما أراد القوم , فقام وخرج راجعاً إلى المدينة وعلم الصحابة بما اعتزمته اليهود من الغدر برسول الله e فقاموا       في طلب عمرو بن جحَّاش حتى  انتهوا إلى المدينة فأخبرهم بما كانت اليهود قد اعتزمته   من الغدر برسول الله e .

 فبعث رسول الله e محمد بن مسلمة إليهم يطلب إليهم الخروج من جواره بالمدينة  وأمهلهم عشرة أيام وإلا حاق بهم الهلاك . فأيقنوا أن الله أطلعه على ما أرادوا وصاروا متحيرين لا يدرون ما يفعلون , وبينما هُم في حَيْرتهم وترددهم جاءهم رسل أهل النفاق     ابن أبي وأتباعه أن اثبتوا وتمنعوا , فإنا لن نسلمكم : إن قوتلتم قاتلنا معكم , وإن أُخرجتم خرجنا معكم , فقويت عند ذلك نفوسهم , وحمي حيي بن أخطب , وبعثوا إلى رسول الله e أنهم لا يخرجون , ونابذوه بنقض العهود .

وفي ذلك نزل قول الله I الآيات الكريمة 11ـ13 من سورة الحشر :

{ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا يَقُولُونَ لإِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الكِتَابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلاَ نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَداً أَبَداً وَإِن قُوتِلْتُمْ لَنَنصُرَنَّكُمْ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (11) لَئِنْ أُخْرِجُوا لاَ يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ وَلَئِن قُوتِلُوا لاَ يَنصُرُونَهُمْ وَلَئِن نَّصَرُوَهُمْ لَيُوَلُّنَّ الأَدْبَارَ ثُمَّ لاَ يُنصَرُونَ (12)

لأَنتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِم مِّنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَ يَفْقَهُونَ (13) }

حصار بني النضير :

وأمر رسول الله e بالتهيؤ لحربهم وقتالهم , واستخلف على المدينة  ابن أم مكتوم  وسار إليهم في شهر ربيع الأول من السنة الرابعة حتى نزل بدارهم , فحاصرهم ست ليال  وقاتلوهم , ثم أمر رسول الله e بقطع نخيلهم وتحريقها ليكون ذلك أدعى إلى تسليمهم  فقطعت , ففزعوا وجزعوا ونادوا : يا محمد . كنت تنهى عن الفساد وتعيبه على من صنعه فما بال قطع النخيل وتحريقها ؟! ولم يكن هذا إفساداً إنما هو وسيلة لنشر السلام والأمان والتقليل من إراقة الدماء , وكان بأمر الله تعالى وإذنه ,وعبثاً انتظر اليهود نصر ابن أبيّ وجماعته , وخذلهم كما خذل بني قينقاع من قبل .

 ومَثَلهم كما قال الله I في سورة الحشر الكريمة الآيتان 16 ,17 :

{ كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلإِنسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِّنكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ العَالَمِينَ (16) فَكَانَ عَاقِبَتَهُمَا أَنَّهُمَا فِي النَّارِ خَالِدَيْنِ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ (17) }

وملأ الرعب قلوبهم , واشتد الحصار عليهم , وأيقنوا أن حصونهم لا تمنعهم من سوء المصير , فسألوا رسول الله e أن يجليهم ويؤمنهم على دمائهم على أن لهم ما حملت الإبل من أموالهم إلا الحلقة أي السلاح ، فصالحهم رسول الله e على الجلاء , وعلى أن لكل ثلاثة منهم بعيراً يحملون عليه ما شاءوا من أموال , فصاروا يخربون بيوتهم بأيديهم ليحملوا منها ما استطاعوا مما يحرصون عليه , ولكيلا ينتفع بها المسلمون , فمنهم من خرج إلى خيبر كحيي بن أخطب , وسلام بن أبي الحُقيق , وكنانة بن الربيع , ومنهم من ذهب إلى أذرعات بالشام , وتركوا وراءهم للمسلمين مغانم كثيرة من غلال وسلاح وعقار ودور.

ولما كان المسلمون قد أخذوها صلحا بدون حرب ولا قتال , فكانت فيئاً من حق رسول الله e أن يتصرف فيه كيف يشاء , وقد قسمها على المهاجرين دون الأنصار بعد أن استبقى منها قسماً خصصت غلته لذوي القربى والفقراء والمساكين , وبذلك أغنى الله المهاجرين وأزال فاقتهم , ولم يأخذ من الفيء من الأنصار إلا أبو دجانة , وسهل بن حنيف والحارث بن الصمة , فقد شكوا فقراً .

غزوة بني قريظة :

لما عاد رسول الله e من الخندق ووضع سلاحه جاءه جبريل u فقال : أوضعتَ السلاح يا رسول الله ؟ قال :  نعم . فقال جبريل u  : ما وضعنا السلاح, وإن الله يأمرك بالمسير إلى بني قريظة فإني عامد إليهم فمزلزل بهم , فأمر رسول الله e منادياً ينادي في الناس :

( ألا لا يصليَنَّ أحد العصر إلا في بني قريظة ) فأخذ بعضهم بظاهر الأمر , فلم يصلوا العصر حتى جاءوا بني قريظة وقد غربت الشمس , وقال بعضهم : إنما أراد الإسراع وصلوا في الطريق , فلما علم رسول الله e لم يعنف واحداً منهم ـ لأن كلا الفريقين مجتهد , إن أصاب فله أجران , وإن أخطأ فله أجر ـ وخرج رسول الله e وراءهم ولواؤه معقود لابن عمه علي بن أبي طالب t , فلما عاين بنو قريظة جيش المسلمين امتلأت قلوبهم رعباً  وتحصنوا بحصونهم , وحاصرهم المسلمون خمساً وعشرين ليلة حتى اشتد بهم الحال ،وأيقنوا أن رسول الله e غير منصرف عنهم حتى يناجزهم فلما لم يرَ بنو قريظة فائدة من تحصنهم  وأنهم لا ناصر لهم من دون الله , عرضوا على رسول الله e أن يعاملهم معاملة          بني النضير فأبى إلا أن ينزلوا على حكمه ,ثم سعى إلى رسول الله e رجال من الأوس راجين أن يعاملهم معاملة بني قينقاع حلفاء إخوانهم الخزرج , فقال لهم رسول الله e :

( ألا يرضيكم أن يحكم فيهم رجل منكم ) ؟ فقالوا : ( بلى ),فاخـتاروا سعد بن معاذ t وكان في خيمة في المسجد النبوي معدة لمعالجة الجرحى وتمريضهم بسبب سهم أصيب به في الخندق فأرسل رسول الله e في طلبه , فجاءه راكبا فالتف حوله جماعة من الأوس قائلين له: ( أحسن في مواليك ) , ألا ترى ما فعل ابن أبي في مواليه ؟ فقال لهم : ( لقد آن لسعدٍ أن لا تأخذه في الله لومة لائم ) ثم قال :

( فإني أحكم فيهم أن تقتلوا الرجال , وتسبوا النساء والذرية ) , فقال له رسول الله  e ( لقد حكمت فيهم يا سعد بحكم الله من فوق سبع سماوات ) فَنُفَّذ فيهم الحكم ـ وهو ما قضى به كتابهم المقدس ( العهد القديم ) في حق العدو المهزوم (1). وهكذا يتبين لنا أن ما قضى به سعد لم يخرج عما حكمت به التوراة عندهم وأيضاً فهم ليسوا أعداء مهزومين فحسب بل هم خائنون غير وافين بالعهد ـ وبالقضاء على بني قريـظة تخلَّص المسلـمون بالمدينة من آخـر شـوكة في ظهورهـم وأصبحت المدينة كلها ـ ما عدا المنافقين ـ على قلب رجل واحد وحصن الإسلام الحصين .

وفي شأن بني قريظة نزل قوله تعالى من سورة الأحزاب الآيتان 27,26 :

{ وَأَنزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُم مِّنْ أَهْلِ الكِتَابِ مِن صَيَاصِيهِمْ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقاً تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقاً (26) وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضاً لَّمْ تَطَؤُوهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيراً (27) }

 غزوة خيبر :

لئن كانت المدينة قد تطهرت من اليهود وغدرهم فها هي خيبر ( قرية في شمال المدينة بينها وبين الشام ) لا تزال حصناً حصيناً لليهود وأهلها , ومن نزح إليها من يهود بني النضير الذين يحملون الحقد والضغن على الإسلام والمسلمين , وغير بعيد عنا ما قام به زعماء بني النضير الذين اتخذوا خيبرا مقاماً لهم , من تأليب العرب على المسلمين في الخندق, وحملهم بني قريظة على نقض العهود التي كانت بينهم وبين الرسول e ومن ثم نجد أن خيبر أصبحت مركزاً لتجمع اليهود يقومون منها بما يريدون من غدر ومكايد, لذلك لم يكد الرسول e يرجع من الحديبية ويستريح بالمدينة شهراً أو نحوه حتى أُمر بالتجهز للخروج إلى خيبر , على أن لا يغزو معه إلا من شهد الحديبية ـ كما أمر الله ـ وأراد بعض الأعراب الذين تخلَّفوا عن الحديبية أن يخرجوا معه فقال لهم :

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1)      ففي سفر التثنية الإصحاح 13, فقرة 13,14 : ( وإذا دفعها الرب إلهك إلى يدك فاضرب جميع ذكورها بحد السيف  وأما النساء, والأطفال , البهائم , وكل ما في المدينة, كل غنيمتها لنفسك . وتأكل غنيمة أعدائك التي أعطاك الرب إلهك)

 

(لا تخرجوا معي إلا رغبة في الجهاد , أما الغنيمة فلا أعطيكم منها شيئاً ).

 وقد أراد الرسول e بذلك أن يبيِّن لهم أن لاحاجة له بالذين لا همَّ لهم إلا الغنيمة, ولا يهمهم نصر الإسلام .وخرج رسول الله e في مطلع عام سبع في جيش تعداده ألف وستمائة, ومعهم مائتا فرس  وكل واثق بنصر الله I , وذاكر قوله I في سورة الفتح التي نزلت منصرفة من الحديبية الآية : 15

{ سَيَقُولُ المُخَلَّفُونَ إِذَا انطَلَقْتُمْ إِلَى مَغَانِمَ لِتَأْخُذُوهَا ذَرُونَا نَتَّبِعْكُمْ يُرِيدُونَ أَن يُبَدِّلُوا كَلامَ اللَّهِ قُل لَّن تَتَّبِعُونَا كَذَلِكُمْ قَالَ اللَّهُ مِن قَبْلُ فَسَيَقُولُونَ بَلْ تَحْسُدُونَنَا بَلْ كَانُوا لاَ يَفْقَهُونَ إِلاَّ قَلِيلاً (15) }

وقد كان يهود خيبر من أشدَّ الطوائف اليهودية بأساً وأكثرها مالاً , وأوفرها سلاحاً , وكذلك كان المسلمون كثيراً عددهم , وافراً سلاحهم , ممتلئة قلوبهم بالإيمان , واثقة نفوسهم بنصر الله I مصممين على استئصال هذا الشر مهما كانت التضحية وهزمت خيبر وتهاوت حصونهم حصناً بعد حصن .

يهود فَدَك وتيماء ووادي القرى :

ثم أرسل النبي e إلى يهود فَدَك ( فدك بفتحتين بلد بينها وبين المدينة يومان ) من يطلب إليهم الانقياد والطاعة فصالحوا رسول الله e على أن يحقن دمائهم , ويتركوا أموالهم  فكانت فَدَك فيئاً لرسول الله e خاصة ,ينفق منها على نفسه وعلى من يموت ويعول , ثم عاملهم على العمل في الأرض بنصف ما يخرج منها.ولما بلغ يهود تيماء ما انتهى إليه أمر أهل خيبر , صالحوا على دفع الجزية وبقوا في بلادهم آمنين (1) .

ثم دعا رسول الله e يهود وادي القرى إلى الاستسلام والطاعة فأبَوا وقاتلوا فقاتلهم , ولكن سرعان ما استسلموا , وصالحوا على ما صالح عليه أهل خيبر , فتركت لهم الأرض يزرعونها بشطر ما يخرج منها.وبهذا النصر المتتابع دان اليهود كلهم لسلطان الإسلام  وانتهى ما كان لهم من نفوذ وكيان , ولم تقم لهم قائمة بعد, حتى عام 1948 ميلادية .

إجلاء الفاروق عمر t لهم عن جزيرة العرب : 

ولم يزل يهود خيبر ومن صالح صلحهم يعملون في أرضها على نصف ما يخرج منها حياة رسول الله e ومدة خلافة الصدِّيق t, وصدراً من خلافة الفاروق عمر t     حتى أجلاهم إلى بلاد الشام بعد أن أعطاهم قيمة ما كان لهم من التمر مالاً وإبلاً وعروضاً  وذلك لأمور :لما قاموا به من الغدر والإفساد , فقد كان لابنه عبد الله مال بخيبر , وكان يختلف إليه بين الحين والحين , فعدَوا عليه من الليل , وألقوه من فوق السطح فكسرت يداه ورجلاه .ولما ثبت عنده من قول رسول الله e :( لا يبقى بجزيرة العرب دينان )

فقال : من كان له من أهل الكتابين عهد فليأت به أنفذه له , وإلا فإني مجليكم فأجلاهم , ولا سيما أن إبقاء رسول الله e لهم وإقرارهم في بلدهم كان مشروطاً بمشيئة المسلمين , كما جاء في رواية ابن إسحاق : (على أنا إذا شئنا أن نخرجكم أخرجناكم ) .لأن إقرارهم عليها إنما كان لأنهم أقدر على العمل في الأرض , وأعمر لها من غيرهم , ولأن المسلمين كانوا في قلة من الأيدي العاملة, لاشتغالهم بالجهاد ونشر الإسلام , والعمل في زراعاتهم بالمدينة  فلما كثروا لم تعد حاجة إليهم, لا سيما أنهم أصبحوا مصدر إفساد .ونعمَّـا فعل الملهم e فإن الحجاز قطب الإسلام, وقلبه النابض , فكان من الحكمة أن يبقى القطب قوياً متماسكاً والقلب سليماً من عوامل الضعف والفساد كي تبقى الأطراف سليمة قوية تؤدي وظائفها المطلوبة ، فهل يقيِّض الله I من أبطال المسلمين من يجليهم من الأرض المباركة( فلسطين ) كما أُجلوا عن البلد الطيب( المدينة ) والأرض الطاهرة ( الحجاز ) ؟ .

 

اليهود زمن الفتوح الإسلامية

 

تم فتح كثير من الأمصار في عهد عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان رضى الله تعالى عنهما , أبرزها بلاد العراق والشام ومصر ، وقد رحب أكثر أهل الذمة (اليهود والنصارى) بالفتح الإسلامي خلاصاً من الاضطهاد الروماني والفارسي ,ومن الصراع الطائفي ,ولإعفائهم من الخدمة العسكرية, وتمتعهم بالحرية الدينية في ظل الإسلام ,وفي ظل المبادئ الإنسانية السامية التي أعلنها أبو بكر الصديق t في وصيته لقادته: (لاتخونوا ولاتغدروا, ولا تغلوا, ولا تمثلوا ولا تقتلوا طفلاً ولا شيخاً ولا امرأة , ولا تعقروا نخلاً ولاتحرقوه ,ولا تقطعوا شجرة مثمرة ولا تذبحوا شاة ولا بقرة ولا بعيرا ,إلا ما أُكل ,وسوف تمرون بأناس قد فرغوا بأنفسهم في الصوامع فدعوهم وما فرغوا أنفسهم له) .

وعاش اليهود متمتعين بكل الحقوق الدينية والاجتماعية التي كفلها الإسلام خلال عهود الخلفاء الراشدين و بني أمية .

وفي العصر العباسي تمتعوا بحياة أكثر يسراً ورحابة فوجدوا المجال مفتوحاً أمام مواهبهم وقدراتهم العلمية ومهاراتهم الذاتية , حتى أصبح لهم في بغداد أكثر من دَوْرٍ شجع عليه الخلفاء والأمراء والعمال والعلماء .

ولا ننسى أنهم كانوا من وراء الفتنة التي قامت بين الأمين والمأمون , فلقد تولوا الكثير     من المناصب العامة واحترفوا العديد من المهن كالصباغة والنسيج وصناعة الزجاج وإدارة السفن والصرافة , وفي هذا العصر ترجمت التوراة والتلمود إلى العربية   .

   وفي الأندلس تمتع اليهود بحرية أكبر , وانتشروا في جميع ميادين الزراعة والمال والمناصب العامة , ولبسوا ثياب العرب وتكلموا لغتهم واعتادوا عاداتهم وكان ( حسداي بن شروط) اليهودي يتولى استقبال سفراء الدول الذين كانوا يفدون على البلاط الأموي في عهد عبد الرحمن الناصر , وفي الأندلس صارت حرفة الطب وقفاً عليهم, وفي أشبيلية دعا المعتمد بن عبَّاد إلى بلاطه ( إسحاق بن بروك) العالم الفلكي ومنحه لقب أمير , وجعله حاخام كل المجامع اليهودية ، وفي غرناطة صار( شمويل هلاوي بن نجرلِّه ) وزيرا يهوديا في دولة إسلامية , ولما مات خلفه ابنه ( يوسف) والذي غلبت عليه طبيعة الكبر والغطرسة والتعصب فجرؤ على القول في القرآن الكريم ساخراً ومستخفاً , فثار أهل البلاد وصلبوه وذبحوا أربعة آلاف يهودي وأرغم الباقون على مغادرة البلاد .

وفي مصر أدى تعريب الدواوين إلى انتشار اللغة العربية بين أهل الذمة وأصبح الجميع يتكلمون لغة واحدة مما أدى إلي نوع من الوحدة الاجتماعية والتقارب الفكري وانتشر الإسلام بين أهل الكتاب على نطاق واسع في العصر الطولوني .

وفي العصر الإخشيدي كان لليهود محاكمهم الخاصة , ولقد بلغ عدد الذميين في العصر الفاطمي خمسة ملايين نسمة , مما يوحي بالاستقرار والخير الذي كانوا ينعمون به , وقد تولى (بن سعيد التتري) اليهودي نظارة الخاصة الملكية لأم المستنصر بالله خليفة المسلمين .

وكان من جراء سيطرة اليهود علي كثير من مقاليد البلاد أن قال فيهم الشاعر المصري الحسن بن خاقان :

يهـود هذا الزمان قـد بلـغوا          غايـة آمالهـم وقــد ملكـوا

العـز فيهم  , والمـال عندهم          ومنهـم المستـشـار والمـلك

   يا أهل مصر إني نصحت لكم                   تهـوُّدوا قـد تـهـوَّد المـلك

 

ولم تكتف الدولة الفاطمية بإباحة ممارسة الشعائر الدينية بل شاركت في أعيادهم الدينية بإغلاق الدواوين , وتوزيع الهدايا والحلوى .

وفي العصر الأيوبي توسط لدى صلاح الدين الأيوبي طبيبه الخاص موسى بن ميمون        ( 1135 م ـ 1204م ) بزيارة القدس دون البقاء فيها فأذن لهم مما جعل  اليهود يتدفقون من بلدان أوربا إلى فلسطين ومصر.

وجاء العثمانيون ففتحوا لهم أبواب الوظائف والمهن الحرة , حتى وصلوا إلى أعلى المراتب فكان أطباء سلاطين آل عثمان يهوداً ,وصارت لهم المزارع والمتاجر والمصانع وزحفوا إلى البلقان والتي كانوا قد طُردوا منها واستعادوا وجودهم في أوروبا.ومع ذلك , فقد سجل التاريخ أن اليهود لم يكن منهم سنة 1267م بمدينة القدس سوى اثنين فقط , وفي نفس العام توطنت فيها طائفة صغيرة تشتغل بالصياغة وخلال القرنين الخامس عشر والسادس عشر تراوح عددهم بين 250 و1500يهودي , ولعل ذلك يرجع إلى الأخذ بالعهدة العمرية مع الحرص على حماية الأماكن المقدسة إسلامية ومسيحية .أما اليهود في مصر الحديثة فلقد حظوا بأكثر مما حظى به الكثيرون من أبناء العرب , بل أنهم كانـوا يمارسـون حريـة العمـل ضد أصحاب البـلاد أنفسهم  وتأسست المحافل الصهيونية في القـاهرة والإسكـندرية وعواصم الأقاليم المختلفة , وساهمت هذه المحافل في مساعدة اليهود اللاجئين وكان أشهرها محفل   (ابن ميمون ) الذي أفتتح في 16يناير سنة1886 وظل يمارس ألوان النشاط , فلما كان    عام 1944م اختير حاييم وايزمان رئيس المنظمة الصهيونية آنذاك رئيساً شرفياً له وإلى جوار هذا المحفل الكبير كان هناك محفل الياهوجنابي بالإسكندرية. ومحفل بناي بريث بالقاهرة ومحفل ماجن ديفيد بالمنصورة ومحفل أوهيل بطنطا ومحفل إسرائيل ببور سعيد  وبلغ عدد المعابد في القاهرة ـ خلال النصف الأول من القرن العشرين ـ حوالي 29 معبداً وفي الإسكندرية 20 معبداً بالإضافة إلى عدد من المعابد في بورسعيد ودمنهور وطنطا وكفر الزيات والزقازيق والمنصورة والمحلة الكبرى ، وإلى جانب نشاط المحافل والمعابد في الميادين الثقافية والاجتماعية والسياسية , تأسست جمعيات كثيرة تمارس جميع ألوان النشاط  منها جمعية مصر للدراسات التاريخية اليهودية (1925) وكان يرأسها يوسف قطاوي باشا بالإضافة إلى أكثر من عشرين جمعية أخرى في مختلف المجالات المتعددة (1).

وفي سنة 1917 أسست الجالية اليهودية جريدة ( النهضة اليهودية ) , بالفرنسية وحلت محلها بعد خمس سنوات ( المجلة الصهيونية ) ، كما سيطرت على الاقتصاد المصري خلال الفترة  (1897ـ1947م) عائلات رولو وموصيري وقطاوي وصيدناوي وعدس وشيكوريل وجاتينو ومنشة ومزراحي وغيرها من العائلات اليهودية ومازالت أسماؤها متداولة في الشارع المصري حتى كتابة هذه السطورـ العام 2001 للميلاد ـ وكان يوسف قطاوي باشا قد تولى وزارة المالية , فقد كان ابنه أصلان قطاوي بك سكرتيراً عاماً لمصلحة الأملاك الأميرية  ومندوباً عن مصر في شركة قنال السويس, ومندوب الحكومة في البنك الأهلي المصري .   

وسيطر جوزيف موصيري على معظم دور السينما في القاهرة والإسكندرية والسويس وبور سعيد واحتكر استيراد الأفلام الخام وبيعها وطبع الترجمة على الأفلام الأجنبية .

   ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) مثل جمعية بخور حوليم 1909 والاتحاد الإسرائيلي بهوليوبلس 1922 واتحاد الشبيبة اليهودية 1935 والجمعية الخيرية الإسرائيلية بالإسكندرية1885 والمبرة الإسرائيلية للمساعدات المدرسية للغذاء والكساء 1894 ...إلى آخره .

 

وكان( سلفاتور شيكوريل ) بك رئيساً لمجلس إدارة مؤسسة شيكوريل وعضوا بمجلس إدارة الغرفة التجارية وعضواً لبعثة الاقتصاد المصري والتي سافرت إلى السودان لفتح مجالات أمام رءوس الأموال المصرية(1). وكان اليهود في مصر يسهمون في إدارة وتوجيه (103) شركة من مجموع الشركات البالغ عددها وقتئذ (308) فضلاً عن الإسهام في إنشاء عدد كبير من المصارف والشركات المالية والائتمانية التي كانت تتولى تقديم القروض وبيع وشراء الأوراق الماليـة والسندات وتتاجـر في العقارات والأراضي الزراعـية ، وبـرز عدد كبير من اليهود في ميادين الطب والهندسة والعلوم الزراعـية , كما ظل حاخـام يهـود مصـر ( دافيد ناحوم ) عضواً بالمجمع اللغوي في مصر حتى وفاته سنة 1960 .

هذا مجمل النشاط اليهودي الصهيوني في مصر , التي كان يبلغ عدد اليهود بـها (75) ألفاً  فكيف بالمغرب التي كان بها (225) ألفاً , وفي كل من العراق والجزائر (120) ألفاً , وفي تونس (100) ألف ؟ .(1) ، وفي أوربا كان الوضع  مختلفاً تماما إذ أن المجتمع الأوربي لم يكن ليسمح لليهود بالاستقرار وذلك بسبب سوء أخلاق اليهود وحرصهم على امتصاص عَرَق الكادحين وعزلتهم المريبة  وكان للحاخامات الدور الهام في هذا الانعزال , لأن تعاليم الحاخامات التلمودية كانت تكبل حركة اليهودي في طعامه وشرابه , في بيته ومتجره ومزرعته ومصنعه , في علاقته بزوجته وأولاده , في علاقته بالله والمعبد , انه يتحرك بإشارة الحاخام وفي إطار النسيج العنكبوتي الحاخامي , ثم إن انتظار( الماشيح ) الذي يجمع شتات اليهود المنفيين ويعود بهم إلى الأرض المقدسة , ويحطـم أعداء إسرائيل , قد أضعف من انتماء اليهود إلى أي حـضارة , وألغى الإحساس بالانتماء الاجتماعي والتاريخي ، كل هذا ساعد على تغليف اليهودي وتعفنه من الداخل وعلى نشر رائحة بغيضة في المـجتمع من حوله , وكان لابد أن يفيض هذا كله على من حولهم فيكون الصدام الذي لا رحمة معه  والصدام يدفع إلى الانتقام , والانتقام يورث الثأر , وتظل الدائرة تدور .

ففي إبان الحروب الصلـيبية وتأريث الحـماسة الدينية , ذبح عدد كبير من اليهود  ـ وبخاصة عقب سقوط القدس في أيدي الصليبيين ـ إذ يقدر عدد الذين ذبحوا في المدينة المقدسة من اليهود والمسلمين بسبعين ألفٍ , فضلاً عمن ذبحوا في أنحاء أوروبا حيث       أن الصليبين استعدوا لواجبهم المقدس خلال مسيرتهم عبر أوروبا , بأن ذبحوا اليهود في كل مدينة مروا بها , وأحرقوا بيوتهم , فلما سقطت القدس ساقوا اليهود إلى كنيستهم حيث أُحرقوا على حين كان اليهود الأوربيون هم الذين كانوا من وراء الحملات بالمال وتأريث روح العداء ضد الإسـلام والمسلمين ، وكان نور الدين محمود زنكي أول من تصدى للحملة الصليبية 

(1) اليهود تاريخ وعقيدة : الدكتور كامل سعفان , دارالإعتصام ـ1981 م ـ , ص 31 ـ 48

 

من شمال الشام ـ على الرغم من أن الغرض الأساسي من هذه الحملة إنما يكمن في زرع جسم غريب وسط العالم الإسلامي وهم اليهود ليس حباً فيهم ولكن للتخلص منهم من أنحاء أوروبا ـ . وليت رجال التاريخ يقارنون بين دخول المسلمين القدس في عهد الناصر صلاح الدين ودخول هؤلاء الذين يحملون راية المسيح.وفي سنة 1290م قضى الإنجليز على اليهود جميعا بالنفي وتبعهم في ذلك الفرنسيون ، وسرت العدوى إلى شعوب أوروبا الوسطى ، وبلغ الاضطهاد أَشُـَّده في العقد الأخير من القرن الخامس عشر بأسبانيا والبرتغال , ولم ينج من هذا الاضطهاد الجماعي والملاحقة الشرسة سوى الجماعات الصغيرة في إيطاليا .

لقد كان تصوير الكنيسة لليهود في أبشع صورة ذا أثر كبير في إثارة العوام ضد اليهود , وظل الفاتيكان إلى عام 1960م يرفض الاعتراف باليهود ويعتبر الصهيونية حركة غير مقبولة ويعتبر أن وجود إسرائيل يتناقض مع نبوءات المسيح , ويعتقد أن خطيئة اليهود تزداد جيلاً بعد جيل .(1)

ولما كان اليهود يعيشون في جاليات منغلقة على أنفسهم في أوروبا بسبب ما أصابهم        من اضطهاد في المجتمعات المسيحية كان لابد من التفكير في إنشاء دولة تابعة , يسكنها اليهود وتكون عائقاً دون وحدة الشعوب العربية , وتكون عامل امتصاص لقواها , وقد دعم هذه الفكرة أصحاب الملايين من اليهود , هذا بالإضافة إلى الاضطهاد الذي كانت تمارسه الحكومات الأوربية معهم بسبب عزلتهم وقباحتهم ومحاولتهم إثارة الفتن والقلاقل ونشر الفساد في المجتمعات التي يعيشون فيها.

فإذا ما لاحت في الأفق فكرة إيجاد وطن مستقل يجمع اليهود , بادرت الحكومات كلها لمباركة مثل هذا العمل , ليس حباً في اليهود وليس تأكيداً لتميزهم على العالم ـ كما يدعون ـ وإنما كان الباعث الحثيث وراء  ذلك هو محاولة تخليص المجتمعات الأوربية منهم , بعد أن فشلوا في إخراجهم من قوقعة الجيتو التي فرضوها على أنفسهم .فكيف تم ذلك ؟.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1)      على الرغم من أن الفاتيكان رفض الاعتراف باليهود إلى عام 1960م إلا أنه في عام 1970م تم إلغاء فقرة  ( لعنة ) اليـهود في صـلاة الكاثولـيك والبروتستانت, وفي عام 1975 ظهر أول تعبير ( شعب يهودي ) لدا المسيحيين وفي عام1980 صافح البابا لأول مرة حاخاماً يهودياً، وفي عام 1984 أعيدت العلاقات الدبلوماسية بين الفاتيكان والولايات المتحدة , وفي عام 1985 كانت أولى إشارات الاعتراف بدولة إسرائيل ،وفي عام 1991 كان اللقاء بين بابا الفاتيكان والرئيس جورج بوش الأب ـ رئيس الولايات المتحدة الأمريكية ـ والذي مهد العلاقات بين الفاتيكان وإسرائيل , وفي عام 1994 أعلن البابا براءة اليهود من دم المسيح وحق اليهود في العودة إلى أرض أجدادهم , وفي عام 2000 زار البابا يوحنا بابا الفاتيكان ( دولة إسرائيل ) بعد أن قدم اعتذاراً رسمياً لإسرائيل عمَّـا فعله المسيحيون بهم إبان الحروب الصليبية , وترك رسالة الاعتذار عند حائط المبكى ، وفي عام2001 أعلن الرئيس جورج ونكلر بوش الابن قيادة الحملة الصليبية الجديدة ضد المسلمين تحت راية محاربة الإرهاب .           

 

في سنة 1838م قرر البريطانيون تعيين مستشاراً لهم في القدس وافتتحوا أول قنصلية لهم في هذه المدينة , وخلال عشرين سنة تقريباً وثقت بريطانيا علاقتها باليهود في فلسطين وكان عددهم حوالي 9700 نسمة كما وثقت علاقتها مع الدروز بلبنان .          

   وفي عام 1840م كشف وزير خارجية بريطانيا آنذاك (بالمرستون) في رسالة وجهها إلى السفير البريطاني في القسطنطينية عن طبيعة الوجود اليهودي في فلسطين الأمر الذي جعـل السلطان عبد الحميد الثاني يتنبه لخطر التسلل اليهودي إلى فلسطين , وعلى الفـور أصـدر السلطان أمراً إلى (رءوف باشا) متصرف القدس ليقوم بالتحري عن اليهـود فـي فلسطـين  ولاسيما في القدس الشرقية , ولا يبقي في الأرض المقدسة أحداً من اليهود إلا الذين قدموا إليها بغرض الزيارة العابرة وألا يسمح لهؤلاء بالمكوث فيها إلا بمقدار الزمن المحدد للزيارة.

وفي عام 1888م أصدر الباب العالي فرماناً يقضي بمنع أية هجرة جماعية لليهود إلى أراضي الدولة العثمانية , ولا يسمح للحجاج اليهود بقضاء أكثر من ثلاثة أشهر في فلسطين  ومن ثم تآمر اليهود ضد السلطان ، حتى تم خلع السلطان سنة 1909م, وكان ( كراسو ) اليهودي أحد الثلاثة الذين أعلنوا السلطان عبد الحميد بقرار الخلع .

ولقد حاول ( تيودورهرتزل ) ربط الكيان الصهيوني المختلق بالمصالح الأوربية , حيث أوضح لوزير خارجية بريطانيا اللورد ( لاندسون ) أن الإمبراطورية البريطانية عندما ترعى المساعي الصهيونية لا تكسب مستعمرة غنية فحسب بل إنها ستكسب أيضا عشرة ملايين يهودي ، يتوجهون إلى إنجلترا بقلوبهم , وفي لحظـة تستطيع أن تعتمد على عشرة ملايين مُوالٍ مخْلصٍ لها في جميع أنحاء العالم ،جميع هؤلاء سيكونون رهن إشارة الأمة العظيمة التي ستمد لهم المساعدة المطلوبة , فيكون لإنجلترا عشرة ملايين عميل من أجل عظمتها وسيطرتها , وأن هذا الولاء لابد أن يكون على الصعيدين السياسي والاقتصادي .(1)

فهرتزل نفسه هو الذي كان يقول لأتباعه ( إن اليهودي الإنجليزي الذي يـنشد ـ بحكم إنجليزيته ـ نشيد ( حفظ الله الملكة ) , كيف يمكن أن يكون في نفس الوقت صهيونياً ؟, إن الولاء يجب أن يكون لإسرائيل حتى ولو عاش في غيرها.

 وتمكن (هرتزل ) من عقد أول مؤتمر صهيوني في بازل بسويسرا سنة 1897م وفي خطاب الافتتاح قال : ( إننا نضع حجر الأساس في بناء البيت الذي سوف يؤوي الأمة اليهودية ) . (1)

وفي نوفمبر 1914 كتب ( حاييم وايزمان ) ـ عالم الكيمياء الطبيعية ـ المرشح لقيادة

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1)     مجلة ( آفاق عربية ) تشرين الثاني سنة 1978 ـ ص 18

الحركة الصهيونية عقب موت ( هرتزل ) سنة 1905 إلى صديقه رئيس تحرير جريدة المانشستر جارديان يقول : ( من الممكن الآن أن نقول إنه إذا وقعت فلسطين في دائرة النفوذ البريطاني , وإذا شجعت إنجلترا بعد ذلك توطين اليهود هناك كمستعمرة بريطانية ، فإننا نستطيع أن نوجد خلال الثلاثين سنة القادمة حوالي مليون يهودي في تلك البلاد فيطوروها  وينقلوا الحضارة إليها ويكونوا بمثابة حرس فعال لقناة السويس ) .

ومع نشوب الحرب العالمية الأولى كان (حاييم وايزمان) يجري تجاربه بنجاح في إنتاج المتفجرات واستطاع تحضير الأسيتون لاستعماله في صنع مادة الكورديت المتفجرة , كما استطاع تحضير الجليسرين لاستعماله في مادة التراى نيترو تولوين TNT وكان(لويد جورج)

رئيساً لوزراء بريطانيا , فلما أراد شراء براءة هذا الاختراع من ( وايزمان) , بأي ثمن يريده , وافق ( وايزمان ) على أن يكون الثمن هو إنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين وعلى الفور استدعى (لويد جورج) وزير خارجيته (أرثر جيمس بلفور) ليكتب وعده المشئوم بإقامة وطن قومي لليهود , وعلى الفور ، وفي الثاني من نوفمبر سنة 1917 م أصدر وزير الخارجية تصريحه المشهور والذي جاء فيه ( إن حكومة صاحبة الجلالة لتنظر بعين العطف إلى مسألة إقامة وطن قومي في فلسطين للشعب اليهودي  وستبذل ما في وسعها من مسـاع لتذليل إحـراز هـذه الغاية , مع العلم تمام العلم بأنه لن يُفعل شيء من شأنه المساس بالحقوق المدنية والدينية للجماعات غير اليهودية الموجودة حاليا في فلسطين , أو الحقوق الأهلية السياسية التي يتمتع بها اليهود في أي بلد آخر , وأكون مدينا لكم بالجميل إذا ما تكرمتم فأبلغتم هذا التصريح إلى الاتحاد الصهيوني) .لم يكن أحد يدرك معني محدداً لعبارة (الوطن القومي) لأنه لم يكن لها معنى متعارف عليه ومن ثم أعطت حرية الممارسة في فلسطين, أما (لتنظر بعين العطف) فماذا تساوي في دنيـا التعهدات ؟ وماذا يعني ( التسهيل) في عبـارة ( ستبذل كل ما في وسعها لتسهيل بلوغ هذا الهدف ) , وأما وصف العرب بالجماعات ( غير اليهودية ) في فلسطين  فلفظ مغرّر مخادع  إذ كان عدد اليهود 60 ألف تقريبا من مجموع 670 ألف تقريباً, لقد خلت الوثيقة من ذكر اسم (العرب) فكيف تحتفظ لهم بحقوق مدنية ؟.لقد سلبوا العرب كل شيء , بنصوص يدل ظاهرها على أنها تؤمِّن للعرب كل شيء , وهي خدعة ماهرة تتناسب مع ما كان عليه العرب ـ وما يزالون ـ من تشرزم وضياع .إن كل كلمة في هذه الوثيقة  قد صيغت بالطاقات الفاعلة , وبالإرادة الحميمة  وبالرؤى البعيدة المرسومة على مستوى الواقع الذي لابد من تحقيقه لا على مستوى الأحلام المراهقة .وهكذا كان اختراع الجليسرين وراء نكبة فلسطين ، وسرعان ما صادقت فرنسا على التصريح , وتبعتها إيطاليا عام 1918 ووافقت روسيا بشرط المحافظة على مصالح الكنيسة الروسية في الأراضي المقدسة وأعلن رئيس الولايات المتحدة الأمريكية اغتباطه بصدور التصريح ولم يكتف بإعلان وطن قومي لليهود  بل تجاوز فأعلن عن قيام دولة يهودية بقوله أمام الرأي العام الأمريكي : ( قررت الأمم المتحدة بمساندة مطلقة من جانب حكومتنا وشعبنا إقامة أساس للدولة اليهودية في فلسطين)(1)

ولما تكونت عصبة الأمم المتحدة وافق مجلسها المنعقد في 24 يوليو 1922 بلندن على وثيقة  انتداب إنجلترا في فلسطين وأن تكون هي المسئولة عن تنفيذ التصريح بإقامة وطن قومي لليهود في فلسطين , ولقد صدر بها الوعد كأنه قرار دولي يقول ( إن الدولة المنتدبة مسئولة

عن تحقيق الوعد الذي قطعته على نفسها عام1917 بحقوق اليهود في فلسطين , وتأمين الهجرة اليهودية وتشجيع إسكان اليهود وتسهيل منح الجنسية لهم ) على أن ينتهي الانتداب    في أغسطس عام 1948.(1)

ومنذ قرار عصبة الأمم المتحدة في 24 يوليو 1922 بحق انتداب بريطانيا في فلسطين والذي سينتهي في أغسطس 1948 صارت الأرض العربية تتحرك إلى الأيدي اليهودية وتعاظم في نفس الوقت الدور الأمريكي لحماية اليهود في فلسطين وذهب الصراخ العربي في مهب الريح  فلقد اتخذ الكونجرس الأميركي في ديسمبر 1945 قراراً بالإجماع ينص علي ضرورة بذل الولايات المتحدة مساعيها الحميدة لدا سلطات الانتداب في فلسطين لفتح أبواب الهجرة اليهودية. وتحت تأثير أمريكا والدول الاستعمارية , وبين المناورات والمؤامرات وإغراءات الصهاينة للمندوبين , وانشغال الشارع العربي بالاستقلال التام أو الموت الزؤام اجتمعت الجمعية العمومية للأمم المتحدة وأصدرت في 29 نوفمبر 1947قراراً بتقسيم فلسطين إلى دولتين واحدة عربية وأخرى يهودية , ووضعت الخرائط الموضحة لهذا التقسيم .

 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1)      في عام 1918 قال ألبرت أينشتاين عالم الفيزياء المشهور وصاحب نظرية النسبية  : ( إن الطبيعة الأصلية اليهودية تتعارض مع فكرة إنشاء دولة يهودية بحدود وجيش وسلطة زمنية, لأن اليهود الآن ليسوا هم اليهود الذين عاشوا فترة المكابيين ) , كأنما يقصد إلى عدم القدرة على التضحية التي تمثلت في مواجهة المكابيين للقسوة الرومانية , فهل كان يتوقع مجابهة إسلامية عربية تستدعي مزيداً من التضحية اليهودية ؟ , أكان يرى أن الهجرة إلى أرض فلسطين ستحرم اليهود من الثروات الطائلة التي يحققونها من التعامل مع الشعوب الأخرى التي يقيمون بينها ؟ ,لقد نسي العالم الكبير أن الصهاينة أحرص الناس على مصادر التمويل لقيام دولتهم , فملوك المال والصناعة والإعلام لم يهاجروا إلى إسرائيل ولا يزالون يمكنون لأنفسهم وللقادرين من اليهود في ارض الشتات , أما الفلاحون والعمال والجنود فهم بناة إسرائيل  وأكثرهم ممن ضاقت بهم الأرض في شرق أوروبا و مغربها .وإذا كان هذا هو رأي أينشتاين فإنه لم يكف عن تأييد الحركة الصهيونية , بل إنه قد رشح لأكبر مناصبها القيادية وإن اعتذر بشواغله العلمية .

 

في هذا الوقت كانت الجامعة العربية قد حملت راية الدفاع , عن القضية الفلسطينية  إلا أنها وقفت عند سطح الأحداث . فلقد كانت تعقد لجانا وترسل برقيات احتجاج , وتنذر بالثبور وعظائم الأمور على حين كان التيار الصهيوني يلتف حول الجذور , ويتحكم في القوى التحتية التي تصنع الدوامات القادرة على ابتلاع الانتصارات العربية المسلحة سواء التي حققها جيش الإنقاذ الفلسطيني بقيادة البطل عبد القادر الحسيني عام 1933 وحتى انتصار الجيش المصري - السوري في أكتوبر عام1973، وفي18 مارس 1948 انفتح الباب لقرار أمريكي جديد هو الاعتراف بدولة إسرائيل يوم 14 مايو من نفس العام , بعد إحدى عشرة دقيقة فقط من قيام الدولة , ولم يسبق أمريكا إلى الاعتراف سوى الاتحاد السوفيتي , وماذا عند العرب ؟ إنهم لا يملكون إلا إثارة عواصف السخط والغضب والاحتجاج و التي هي أشبه بالعواصف الترابية التي تحجب الرؤية في الصحراء للحظات ثم لا تلبث أن تـنام على ظهـور الـتلال لقد أصبحت أمريكا صاحبة القرار , حتى ترضي اليهود فتحرز أصواتهم وتنتفع بنفوذهم  وحتى يكون لها في قلب الشرق العربي وفي مستنقع البترول قاعدة استعمارية تحرك بها الريح حيث تشاء . وظلت إنجلترا تجري لاهثة خلف أمريكا لتؤكد دورها الطليعي في خدمة الصهيونية , وكما يقول ( وايزمان ) في مذكراته : ( لقد احتضنت بريطانيا حركة الصهيونية منذ نشأتها , وأخذت على عاتقها تحقيق أهدافها , ووافقت على تسليم فلسطين خالية من سكانها العرب لليهود في الموعد المحدد في سنة 1934  ولولا الثورات المتعاقبة التي قام بها عرب فلسطين لتم إنجاز هذا الاتفاق في الموعد المذكور) ولقد أعلنت إنجلترا أن الانتداب سينتهي في أغسطس 1948 , ثم قدمت الميعاد فجأة ليكون في 15 مايو من نفس العام , بعد أن هيأت لليهود سبيل الاستيلاء على المناطق الاستراتيجية  وبعد أن دربت للإسرائيليين جيشاً زودته بأحدث الأسلحة , وبعد أن اختلط الأمر على العرب فلم يعودوا يدرون أيخوضون حرباً شعبية أم ماذا يفعلون .وفي الصفحات القادمة سوف نتوقف أمام القضية الفلسطينية العربية الإسلامية بعد نصف قرن على اغتصابها وإقامة الدولة الصهيونية فوقها .       

 

 

 

 

 

 

 

 

الفصل الثاني

نصف قـرن على اغتصاب فلـسطين

وإقامة الدولة اليهودية

جاء الفلسطينيون من جزيرة كريت , فراراً من وجه الهجرات اليونانية التي زاحمتهم في مواطنهم ، ودخلوا أرض كنعان , وسكنوا غزة وأشدود وعسقلان وأكرون وجاث وانتصروا على سكان البلاد , بفضل أسلحتهم المصنوعة من الحديد , وبلغوا أوج قوتهم في النصف الثاني من القرن الحادي عشر ق.م. مزودين بثقافة متقدمة ومزودين بعربات حديدية كانوا يركبونها في الحرب , وإلى هذا يشير سفر القضاة ـ 19 ( وكان الرب  مع يهوذا , فملك الجبل , ولكن لم يطرد سكان الوادي , لأن لهم مركبات حديدية ) .. فلما التقوا باليهود ـ حوالي 1050 ق.م ـ أوقعوا بهم هزائم متلاحقة , حتى استولوا على تابوت العهد , وأخذوه إلى أشدود , وظلت لهم اليد العليا , مما دفع الإسرائيليون إلى الالتفاف حول شخص يُحيى أملهم , ويغذي طموحهم في السيطرة من جديد .وكان أن توجوا الملك شاءول حوالي ـ 1020 / 1004 ق.م ـالذي كان معروفا بالقوة والبأس , لكنه لم ينجح في مهمته وقُتل هو وأولاده , وقطع رأسه , وعلقوه مع أبنائه في بيسان , وأودعوا رأسه وسلاحه قرباناً في معبد الإلهة عشتاروت , ثم تولى الأمر داود u الذي كان حامل درع شاءول ـ بين 1004 /960 ق.م ـ بعد أن انتصر على جوليات قائد العماليق أيام الملك طالوت قائد الجيوش آنذاك وإبان حكم نبي الله صموئيل u.

وفي ذلك يشـير المولى عز وجل في كـتابه العزيـز الآيـات الكـريـمة من سورة البقرة:       الآيات:246ـ251  أَلَمْ تَرَ إِلَى المَلأِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَّهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكاً نُّقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِن كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِتَالُ أَلاَّ تُقَاتِلُوا قَالُوا وَمَا لَنَا أَلاَّ نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِن دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ القِتَالُ تَوَلَّوْا إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بَالظَّالِمِينَ (246) وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكاً قَالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ المُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِّنَ المَالِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي العِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (247) وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَن يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِّمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ تَحْمِلُهُ المَلائِكَةُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ (248) فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُم بِنَهَرٍ فَمَن شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلاَّ مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُوا مِنْهُ    إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْهُمْ فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ قَالُوا لاَ طَاقَةَ لَنَا اليَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلاقُوا اللَّهِ كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ    (249) وَلَمَّا بَرَزُوا لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُوا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْراً وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانصُرْنَا عَلَى القَوْمِ الكَافِرِينَ (250) فَهَزَمُوهُم بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُدُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللَّهُ المُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ   عَلَى العَالَمِينَ (251)

  

وخلف داود ابنه سليمان عليه السلام الذي بدأ حكمه بقتل أخيه الأكبر أدونيا وقتل يؤآب رئيس جيش أبيه وعزل أبيثار الكاهن وأسرف في بناء قصره الذي استغرق بناؤه ثلاثة عشر عاما واشتهر كذلك ببناء المعبد المشهور باسم هيكل سليمان (1) .

ومع هذا , فالدولة في أوج خيلائها كانت مائة وعشرين ميلاً في أطول أطوالها وستين ميلا في أعرض أعراضها , وأقل من ذلك بكثير في أغلب الأحيان , فإذا خرج الرجل مع طلوع الشمس من القدس متجهاً شرقاً أو شمالاً أو غرباً أو جنوباً كان في وسعه أن يبلغ أطرافها في فترة وجيزة من الصباح .

هذا عن الفلسطينيين واليهود فماذا عن سكان البلد الأصليين ؟ .

يحدثنا التاريخ أن أول قبيلة استوطنت فلسطين كانت عام 3500 قبل الميلاد وهي قبيلة عربية سكنت المنخفضات الواقعة في أرض فلسطين وسميت بالكنعانيين , وأقامت حكمها على هذه البلاد , وهناك قبائل أخرى مثل العماليق التي هاجرت من موطنها في الجزيرة العربية وغزوا مصر حيث حكموها أكثر من قرن من الزمان وقد عُرفوا باسم الهكسوس , وقد تعقبت هذه الهجرات العديدة حتى فتوحات الإسكندر عام 33 ق.م على صورة موجات سامية سواء منهم الآراميون الذين استقروا في سوريا والعبريون في القرن الثالث عشر قبل الميلاد , والأنباط في القرن الرابع قبل الميلاد الذين لم يتعد نفوذهم البتراء .

ويؤكد العديد من المؤرخين ومنهم ( أولبرايت ) الذي يعتبر أهم مرجع في تاريخ فلسطين والكنعانيين , أن اليبوسيين الكنعانيين أول من أسس مدينه القدس قبل خمسة آلاف سنة , وأن وجودهم فيها يعود إلى أوائل الألف الثالث قبل الميلاد ، ويقول الدكتور ( طه باقر) في كتابه  ( مقدمة في تاريخ الحضارات القديمة ) , (2) أن شالم هو اسم لإله كنعاني معناه السلام وجاء اسمها في التوراة (أورشليم)  هو تحريف للاسم الكنعاني الأصلي وذكر أن ( أورسالم ) أو    (أورشليم ) باللغة الكنعانية تتكون من مقطعين هما (أور) وتعني البلد و (سالم) أو (سليم) وهي اسم الملك اليبوسي الذي أسسها قبل مرور سيدنا إبراهيم e بأرض كنعان بـ 1200 سنة. وبعد استيلاء داود u عليها سنة 1000 ق.م غير اسمها إلى ( مدينة داود ) كما غير الرومان اسمها بعد الاستيلاء وتدميرها سنة 135 ميلادية إلى مدينة إيلياء وهو الاسم الأول

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1)الاستيطان الأجنبي في الوطن العربي ـ د. عبد المالك خلف التميمي ـ عالم المعرفة ـ نوفمبر ـ1983

(2) طه باقر : مقدمة في تاريخ الحضارات القديمة ، بغداد 1956م ص 215

للإمبراطور الروماني ( هادريان ) الذي استولى عليها , ويبدو أن هذا الاسم ظل متداولا ً حتى الفتح العربي , ولذا جاء ذكر هذا الاسم في عهد الأمان الذي أعطاه الخليفة عمر  t لسكان المدينة سنة 15 هجرية عندما تسلم مفاتيح المدينة من بطرياركها , ثم سميت بعد ذلك (بيت المقدس) و (القدس) .

مما تقدم يتضح لنا بأن تسمية ( أورشليم ) التي يحاول اليهود اعتبارها من مفردات لغتهم هي في الأصل كلمة كنعانية وجدت قبل اليهود بعدة قرون ثم حرفت إلى اللغة العبرية والتي تعتبر إحدى لهجات اللغة الآرامية .       

إقامة الدولة اليهودية :

إن إقامة الدولة اليهودية حتمية قرآنية كما, أن نهايتها حتمية قرآنية كذلك . فحتمية قيام الدولة وضحتها الآية الكريمة رقم 104 في سورة الإسراء.

(وَقُلْنَا مِنْ بَعْدِهِ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ اسْكُنُوا الأَرْضَ فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الآخِرَةِ جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفاً (104))

ولقد تناولنا في الصفحات السابقة معنى الإفساد الأول وكيف أنه قد تحقق وبعث الله I على بني إسرائيل عباداً له I ساموهم سوء العذاب , وهو ما عرف في التاريخ بوعد الله الأول كما جاء في سورة الإسراء الآية الكريمة رقم 5 :

(فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَاداً لَّنَا أُوْلِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلالَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْداً مَّفْعُولاً (5))

وهاهو الإفساد الثاني فد تحقق في جميع الأرض التي سكنوها وجاء الله بهم لفيفا

(وَقُلْنَا مِنْ بَعْدِهِ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ اسْكُنُوا الأَرْضَ فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الآخِرَةِ جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفاً (104))

إذن وبنص القرآن الكريم فإن إقامة دولة إسرائيل ونهايتها حتمية قرآنية ونحن الآن نعيش في منطقة ( ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُم بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيراً  (6))

وهذه المنطقة ـ ونحن العرب والمسلمين قد أمدنا الله I بالأموال والبنين والسلاح ـ تنتهي حين نعود عباداً لله I , فإن شاء المسلمون أن يطيلوها أطالوها وإن شاءوا أن يقصروها, قصروها, فلابد وأن تؤخذ المسألة على أنها أمر ديني .

وحينما نتوقف اليوم أمام قضية فلسطين العربية بعد انقضاء نصف قرن كامل على اغتصابها وإقامة الدولة الصهيونية فوقها على حساب أهلها الأصليين الضاربة جذورهم في أعماق الأرض والحضارة , فإننا في الحقيقة نتوقف أولا وقبل كل شيء أمام تلك الأحلام والآمال العربية والتاريخية المشروعة والتي ترجمت على مدى عقود طويلة بالمشروع العربي لتحرير فلسطين وإقامة الدولة العربية فوقها.

ونتوقف ثانيا أمام الأحداث والتطورات والحقائق التي تراكمت وتبلورت وتحولت على أرض فلسطين على مدى نصف القرن الماضي .

ونتوقف ثالثا أمام الحالة الفلسطينية ـ العربية وما آلت إليه من ملامح ومظاهر وأعراض , أقل ما يقال فيها أنها قد بلغت دركاً هابطاً جداً , ومذهلاً إلى حد كبير بالغ الشؤم , لا يبعث في النفس سوى مشاعر وأحاسيس القهر والاختناق والنقمة على أوضاع الأمة , فهل ينبعث فجر إسلامي جديد متجدد يبعث التفاؤل والآمال أو الأحلام العربية ـ الإسلامية المشروعة من رحم هذا الواقع الرديء في هذا الزمن الصعب ؟؟.

ونتوقف رابعا أمام المشروع الصهيوني الذي تحتفل دولة إسرائيل بمناسبة مرور مائة عام عليه فإلى أين وصل ذلك المشروع ؟ وإلى أين وصلت الأحلام الصهيونية في إقامة الدولة اليهودية التاريخية ؟.

ونتوقف بعد كل ذلك والأهم من ذلك أمام صيرورة التاريخ وأمام محاور ومفاصل الصراع المحتدم هناك على أرض فلسطين المسلمة بين أهلها الأصليين الصامدين المنزرعين في أعماقها من جهة , ومن جهة أخرى بين الدولة الصهيونية التي لم تتوقف عن انتهاجها سياسة التدمير الشامل للوجود العربي الفلسطيني المتمثلة بالهدم والمصادرة والتهويد والتهجير والإحلال واقتراف الإرهاب الرسمي والذي أسفر عن سلسلة طويلة من المذابح والمجازر الجماعية البشعة المروعة ضد الشعب الفلسطيني على مدى الزمن المنصرم من عمر الحركة الصهيونية ودولتها الإسرائيلية .

نأمل أن نقدم في الدراسة التالية جملة قراءات استراتيجية لاحقة لواقع ومستقبل الصراع العربي ـ الصهيوني أكبر كم ممكن من الأرقام والمعطيات والحقائق .

المعادلة الصعبة :

من مجمل الصفحات السابقة ووفقاً للكم الهائل المتراكم والمتوافر , المتزايد يوماً عن يوم من المعطيات والحقائق الموثقة الدامغة الراسخة المتعلقة بمسيرة وقافلة الإرهاب الصهيوني الإسرائيلي التي انطلقت منذ مطلع القرن العشرين بملامحها وأعراضها الواضحة الملموسة .فإنه يمكننا القول بدءاً أن التاريخ البشري لم يشهد إرهاباً سياسياً وفكرياً وعقائدياً وعنصرياً ودموياً ومنهجياً مروعًا مع سبق النوايا والتخطيط والبرمجة والإصرار على التنفيذ بأبشع الصور والأشكال , كالإرهاب الذي مارسته الحركة الصهيونية بمنظماتها وأجهزتها (1) ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1)      كتبت هذه الدراسة العام2000 إلا أنه قد حدثت مستجدات كثيرة العام ‏2001‏مارست فيها الولايات المتحدة الأمريكية أقصى أنواع الإرهاب ضد دولة أفغانستان المسلمة, سوف نتطرق إليها في حينه.  

 

الإرهابية السرية من قبل قيام الكيان الإسرائيلي وكالإرهاب الرسمي وغير الرسمي والعلني والسري الذي مارسته ولا تزال الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة على مدى العقود الخمسة الماضية والتي أعقبت قيام الكيان الإسرائيلي .كذلك وإن شهد التاريخ البشري ظواهر إرهابية ترجمت بمذابح جماعية أدت أحياناً إلى اختفاء أو انتهاء شعوب أو دول , فلم يسجل التاريخ حالات مثل هذه الحالة والتي لها منطلقات سياسية ، فكرية , عقائدية , نفذت بدقة مثلما هو الحال مع الحركة الصهيونية ودولة إسرائيل .

كما لم يشهد التاريخ من جهة أخرى أن تعرض شعب لمثل هذا الإرهاب الممنهج والمنفذ على كل المستويات وبشتى وسائل وأدوات الإرهاب وبأبشع الأشكال والصور على مدى زمني متصل تجاوز النصف قرن من الزمن مثل ما شهد الشعب الفلسطيني على أرض فلسطين .

فالمعادلة القائمة منذ نصف قرن هي كالتالي :

صراع إجلاء وبقاء منذ أكثر من نصف قرن من الزمن , طرفه الأول المنظمات الإرهابية الصهيونية المنظمة جيداً والمسلحة حتى الأسنان وبدعم وغطاء تحالفي مخطط من قبل الاستعمار البريطاني قبل قيام الدولة الصهيونية , ثم هذه الدولة كامتداد لتلك المنظمات وقد أصبحت عبارة عن ترسانة حربية إرهابية مدمرة مساحتها هي مساحة فلسطين وامتدادها يصل إلى الولايات المتحدة الأمريكية , وهى تستخدم كل طاقاتها وأجهزتها وأسلحتها وتمارس كل أشكال الإرهاب والتدمير والإبادة وكل ذلك تحت سمع وبصر وغطاء الولايات المتحدة والمجتمع الدولي .

والطرف الثاني للصراع هو الشعب العربي الفلسطيني الذي تعرض لسلسلة طويلة متصلة من الهجمات والحملات والحروب الصهيونية الإبادية الرامية إلى محوه عن وجه الأرض . ونؤكد أن هذا الصراع .. صراع الإجلاء والبقاء والكيانية والوجود والهوية والمستقبل لا يزال قائما مستمراً يشهد في هذه الأيام تصعيداً مسعوراً تقترفه الحكومة الإسرائيلية حتى في ظل عملية السلام الجارية قسراً وطوعاً .

وإذا كان الرأي العـام العالـمي والغربي مـنه على وجه التحديد قد نسى أو تناسى الحقيقة الراسخة الموثقة وهي أن دولـة إسرائيل قامت على أسنة الـحروب و الإرهاب الدموي وسياسة التهويد والترحيل والإلغاء الشامل للشعب الفلسطيني , وإن كانت ماكينة الإعلام الغربية المتصهينة عملت في السنوات الأخيرة على خلق إرهاب يرتدي ثوباً إسلامياً بعد أن كانت معادية لإرهاب يرتدي ثوباً قومياً , وإن كان الإعلام الغربي لعب ويلعب دوراً مذهلاً في قلب الحقائق والأمور وتحويل المجرم إلى ضحية والضحية إلى مجرم .

وإن كانت دولة إسرائيل وظفت وتوظف عدداً هائلاً من العاملين في قطاعات الإعلام والسياسة والمؤسسات الأكاديمية في العالم من أجل تسويق فكرتها حول الإرهاب ، فإن الحقيقة الراسخة الدامغة الموثقة المدعمة بالمعطيات والحقائق هي أن منطقتنا العربية لم تعرف الإرهاب إلا بعد إنشاء دولة إسرائيل ، فهم وحدهم أساتذة الإرهاب ، وأن الإرهاب قد ارتبط بالحركة الصهيونية وما قامت به في فلسطين . وعلى أرضية تلك الحقيقة الراسخة أعلاه يبرز أكثر من سؤال :

لماذا تآمر العالمان الغربي والشرقي لمصلحة اليهود على حساب الحق العربي ؟.(1)

ألم تطرد بريطانيا اليهود , وتمنع دخولهم أرضها مدة ثلاثة قرون ؟.

ألم يطردهم القديس لويس التاسع عشر من فرنسا , ويحرق تلمودهم ؟.

ألم تطردهم إسبانيا والبرتغال ، وتحرما دخولهم البلاد ؟.

ولقد عبر المفكر اليهودي في جامعة هارفارد ( آلن دار شوز ) في كتابه الأخير عن اليهود في أمريكا : أنه يجب على اليهود أن يخلقوا أزمات سياسية واقتصادية وأخلاقية من أجل أن يبقوا المرجع الوحيد لحل هذه المشاكل والأزمات وبالتالي تقوية نفوذهم في الدولة والمجتمع ـ لاحظ أنه ينفذ ما جاء في بروتوكولات حكماء صهيون ـ ولقد نجح اليهود في السيطرة على صنع القرار , ومن اليهود الذين يعملون بدأب لتشويه سمعة العرب والمسلمين سياسياً روبرت سئلتوف , مايك إيزستاك , أيتن فشر , مارتن بيريز ، بول ولفورز ، ادورد ليبتوك , وغيرهم وغيرهم..

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 

(1)الثلاثاء الحادي عشر من سبتمبر 2001، العالم بعده ليس هو العالم قبله فلقد اعتبرته واشنطن تاريخا لحربها الأولى في مطلع الألفية الثالثة , والعالم من ورائها اعتبر نفسه في حالة حرب معلنة مع عدو منتظر , فالتدمير الذي تعرضت له واشنطن ونيويورك في ذلك اليوم لم يسقط فقط مركز التجارة العالمي وآلاف القتلى والجرحى , ولم يحطم أحد مباني البنتاجون فحسب , ولكنه أسقط هيبة أمريكا القوة العظمى والفريدة في العالم , ونال من كرامتها حتى النخاع . وبالتالي فإن (الجزاء الأمريكي) يجب أن يكون من جنس العمل الإرهابي , وأشد قسوة وعنفاً وتدميراً , لذلك فالعالم في انتظار (تدمير) رهيب ضد أهداف حددتها واشنطن لنفسها من قبل وجاءت الشرارة المناسبة للتنفيذ, فالهدف الأول للإدارة الأمريكية هو تطهير العالم من الدول المارقة مثل أفغانستان (المستهدف الأول) واليمن والسودان والعراق وسوريا ,وكلها دولاً إسلامية وفي الثالث عشر من سبتمبر 2001 ـ أي بعد التدمير بيومين فقط ـ أعلنت وزارة العدل الأمريكية أسماء 19 شخصاً يشتبه أنهم خطفوا الطائرات الأربع التي صدمت ثلاث منها برجي مركز التجارة العالمي ووزارة الدفاع (البنتاجون) وتحطمت الرابعة في ولاية بنسلفانيا. وأفادت الوزارة أن المشتبه فيهم هم : مروان الشهري وفايز أحمد ومهند الشهري وحمزة الغامدي وأحمد الغامدي كانوا يستقلون الرحلة 175 لشركة يونايتد إيرلاينز التي صدمت مركز التجارة العالمي .

وقالت أن وليد الشهري ووائل الشهري ومحمد عطا وعبد العزيز العمري وسطام السقامي كانوا على الرحلة11 لشركة أمريكان إيرلاينز التي صدمت هي الأخرى مركز التجارة العالمي .

وأضافت الوزارة أن خالد المحضار وماجد مقيد ونواف الحمزي وسالم الحمزي وهاني حنجور كانوا على متن الرحلة 77 لشركة أمريكان إيرلاينز التي صدمت البنتاجون .=

ألم يقل بنيامين فرنكلين ـ رئيس الولايات المتحدة الأمريكية ـ في خطبته الشهيرة أمام الكونجرس الأمريكي : ( في أي أرض يحل فيها اليهود يصبح المستوى الخلقي والمعنوي منحطاً والمعاملات التجارية تجري بصورة غير شريفة )...

( وإذا لم يطرد اليهود من الولايات المتحدة الأمريكية

ـ بموجب دستور الدولة ـ فإنهم سيفدون على بلادنا خلال المائة عام القادمة بأعداد كبيرة تؤدي إلى أن يحكموا البلاد , ويغيروا شكل حكومتنا وهي ما بذلنا نحن الأمريكيين في سبيلها

 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

= وقالت أن أحمد الحزناوي وأحمد النعمي وسعيد الغامدي وزياد جراحي كانوا على الرحلة 93 لشركة يونايتيد إيرلاينز التي تحطمت في بنسلفانيا.

 

إذن أشير في بداية التحقيق ـ وقبل العثور على الصندوق الأسود للطائرات وقبل كل شيء ـ إلى العرب والمسلمين على أنهم وراء الزلزال وصانعوه ومدبروه وترتب على هذا الاتهام السهل تصعيد خطير في الاعتداءات على العرب والمسلمين في المدن الأمريكية وبالطبع كان على رأس قائمة الإرهاب أسامة بن لادن والذي رصدت الولايات المتحدة الأمريكية خمسة ملايين دولار لمن يأتي به حياً أو ميتاً ـ هكذا صرح الرئيس جورج دبليو بوش ـ وفوض الكونجرس الأمريكي للرئيس بوش استخدام القوة وتخصيص 40 مليار دولار لمواجهة (التداعيات العسكرية) والمخصصة للضربة المتوقعة لأفغانستان !!!.

 

وفي مقاله الأسبوعي بجريدة الخليج ذكر الدكتور(عبد الهادي بو طالب) تحت عنوان ( نعم لمكافحة الإرهاب .. لا لحرب صهيونية صليبية ) ـ العدد8176 بتاريخ 7 أكتوبر 2001 يقول : منذ أيـام فقط نشرت مجلة عبـرية تحمل اسـم ( إسرائيل من الداخل ) مقالاً وقعه المدير الناشر للمجلة روفن كوريت في عدد يوم 14 سبتمبر/ أيلول ( أي ثلاثة أيام بعد تفجيرات نيويورك وواشنطن ) وجاء فيه في ( ركن آراء ) ما يلي : ( إن على الغرب إيجاد وسائل أخرى لردع المجاهدين المسلمين , فيعاقبهم بتحطيم قدسية ما يؤمنون به ، إذ ماذا يجدي قصف كابول أو قواعد طالبان العسكرية ؟.لقد تم ذلك فيما مضى دون أن يكون له أي أثر عندما تساندت الجهود الغربية لمهاجمة صدام حسين دون أن تجبره على الركوع . وقد فشل (جورج بوش) الأب في ذلك وسيحتقر العالم ابنه (بوش) الأصغر إذا ما اقتصر على تكرار ما فعله أبوه ) .

 

ثم شرحت المجلة رأيها بدقة عندما أضاف المسؤول الأول فيها كاتب المقال قوله:( يوجد في مكة برجان صاعدان في شكل منارتين شامختين تحيطان بقبة سوداء عريضة يعبدها المسلمون ويتوجهون إليها بصلواتهم كل يوم ويحجون إليها فلابد أن ينذر المسلمون بأن هذا المكان سيكون هدفاً إذا ما قاموا باعتداء آخر , بتصويب ضربة عسكرية إليه تدمره هو والمدينة التي يوجد فيها (مكة) ، ولكن علينا أن نتساءل ألا تكون ضربة هذا الرمز المقدس أحسن جواب من الآن على عملية الاعتداء على نيويورك وواشنطن ؟. )

وختم الكاتب مقاله بهذا الاستنتاج الذي جاء فيه : ( لا أحد يشك في أن هدم واحد من رموز الإسلام ـ حتى مع عدم الإضرار بأي مدني ـ سيحول العالم الإسلامي إلى حالة من الجنون والسعار ضد الغرب ، لكن هل يمكننا أن نبقى متساهلين إلى أن يمارس الإسلام في الغرب حالة إرهاب أخرى قد تكون أفظع ؟ لابد إذن أن يتجه الغرب من الآن إلى مكة ويتحدث إلى القتلة باللغة الوحيدة التي يفهمونها ) .

 

إنها دعوة صريحة إلى شن حرب صهيونية صليبية على الإسلام , وهي تفصح عما يختلج في صدر الإسرائيليين من حقد وضغينة على العرب والمسلمين ، سببه الوحيد المفهوم ليس هو الزلزال الذي عصف في نيويورك وواشنطن لكن هو الصمود ضد الاحتلال منذ خمسين عاماً ووقوف المسلمين ـ على ضعفهم ـ صفاً واحداً لحماية القدس الشريف والمسجد الأقصى المبارك من قبضة الصهيونية الآثمة التي لا تبقي على أية حرمة لأي مقدس .              

دماءنا وأرواحنا وممتلكاتنا وحرياتنا الشخصية )..( وإذا لم يطرد اليهود من بلادنا خلال مائتي عام ، فإن أبناءنا سوف يعملون في الحقول لإطعام اليهود ، بينما يقيم اليهود في قصورهم يفركون أيديهم فرحاً وسروراً ).(1)

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1)        كان ذلك في العام1820 فماذا كان الموقف في نهاية عهد الرئيس الأمريكي المتصهين بيل كلنتون

( 1999 ـ 2000 )؟. ـ وقت إعداد هذه الدراسة ـ  نجد سيطرة اليهود على المصالح الأمريكية التالية :

                                     مادلين أولبرايت ، وزيرة الخارجية .

                                     وليم روبرت كوهين ، وزير الدفاع .

                                     روبرت روبن ، وزير المالية .

                                     شارلين بارشيفزكي , ممثل التجارة الدولية ( درجة وزير ) .

                                     ستانلي بيركر ، مستشار الأمن القومي ( درجة وزير ) .

                                     رتشارد هولبروك ، ممثل لدى الأمم المتحدة ( درجة وزير ) .

                                     جيم ستانبروك ، مساعد مستشار الأمن القومي .

                                     ستيوارت إزنرايت ، مساعد وزير الخارجية للشئون الاقتصادية .

                                     بوني كوهين ، مساعد وزير الخارجية للقضايا الإدارية .

                                   مارك كورسمن ، مساعد وزير الخارجية للشئون الأوروبية والكندية .

                                   كاران اندرفورث ، مساعد وزير الخارجية لشئون جنوب أسيا .

                                     مارتن أنديك ، مساعد وزير الخارجية لشئون الشرق الأوسط .

                                     ستانلي روث ، مساعد وزير الخارجية لشئون جنوب شرق أسيا .

                                     جيم روبن ، مساعد وزير الخارجية للشئون العامة .

                                     وندي شيرمن ، مستشلرة وزيرة الخارجية .

                                     دينس روس ، مستشار الرئيس لشئون الشرق الأوسط .

                                     مانوبل ديم ، مستشار الرئيس لشئون التخطيط والشئون الوطنية .

                                     جون كالين ، مساعد وزيرة العدل ,

                                     أسبيل تنزكر ، مساعد وزيرة العدل لشئون الحقوق المدنية .

                                     دوزر ميزلز ، مساعدة وزيرة العدل لشئون الهجرة .

                                     لورنس سر ، مساعد وزير المالية .

                                     مايكل فرومان ، مدير الديوان بوزارة المالية ( رئيس الموظفين ) .

                                     ديفيد لبستن ، مساعد وزير المالية للشئون العالمية .=

                                     ديفيد لبرايك ، مساعد وزير المالية للقضايا المالية .

                                     دانيل زيلكو ، مساعد وزير المالية للشئون الأسيوية والإفريقية .

                                     ديفيد كوهين ، مساعد مدير المخابرات الأمريكية .

                                     شارلز كنزيك ، سفير لدى المغرب .

                                     كريستوفر روس ، سفير لدى سوريا .

                                     دان كيرتز ، سفير لدى مصر .

                                     رافائيل روبن ، سفير لدى تونس .

                                     مونيكا لويسكي عشيقة الرئيس وبطلة الفضيحة العالمية الشهيرة .

وهكذا تطور الفكر السياسي الصهيوني الإرهابي مع الزمن والأحداث وأصبح له أولاً، أنبياء يبشرون ثم أصبح له ثانيا، أذرع وأجهزة ومنظمات إرهابية تنفذه على الأرض، ثم تبنته الدولة اليهودية ثالثاً، فتحول هذا الفكر رابعاً، إلى الفكر الأساسي الذي تعمل به الدولة الإسرائيلية ويقتدي به المجتمع الإسرائيلي .دور الحاخامات :

    وللحاخامات دور مركزي في تعليم ونشر وزرع الفكر الإرهابي سواء كان ذلك عن                  طريق المدارس الدينية المتعصبة داخل فلسطين المحتلة عام 1948 ، أو عن طريق

بالإضافة إلى سيطرة اليهود على وسائل الإعلام والمال بالكامل مثل :مؤسسة واشنطن للسياسة نحو الشرق الأدنى ـالمؤسسة اليهودية لمكافحة العنصرية ( !!! ) . مؤسسة الاتحاد العالمي . المؤسسة الاستراتيجية الاقتصادية .مركز السياسات القومية . مؤسسة المؤسسات الحرة .مؤسسة المصالح القومية . المؤسسة الأمريكية لتكوين الرأسمال المؤسسة الأمريكية للبحوث في السياسة العامة .المؤتمر اليهودي العام مؤسسة هوفر .

المستوطنات اليهودية المنتشرة في أنحاء الأراضي المحتلة ، ففي كل عرس كان للحاخام الدور الأكبر ، وكان في مجمل السياسة الإرهابية الدور المركزي ، وذلك في بث العداء لكل من ليس بيهودي .

وإن عدنا للمناهج التعليمية الرسمية الإسرائيلية ، أو راجعنا المحاضر المختلفة للسياسات الإسرائيلية تجاه الفلسطينيين والعرب نجد أن فتاوى الحاخامات تحتل المركز الأول وتشكل أرضية كبيرة لكل شيء . ويلاحظ أن فتاوى الحاخامات تحرض كلها إما على اقتراف الإرهاب الدموي والمجازر ضد الفلسطينيين ، كما حدث في جملة من المجازر كان أخطرها مجزرة الحرم الإبراهيمي الشريف ، أو إلى ردع الحكومة الإسرائيلية عن تقديم أي تنازل للعرب وذلك كما جاء في الوثيقة التي وقعها 250 حاخاماً في نهاية عام 1997 ـ كما تناقلتها وكالات الأنباء ـ والتي حظرت على الحكومة الإسرائيلية تسليم أي جزء من أرض إسرائيل للفلسطينيين ،أو في مواصلة انتهاج سياسة التمييز العنصري الرسمي ضد المواطنين العرب في فلسطين .

وإن كان الفكر السياسي الإرهابي قد انطلق من مطلع القرن الثاني للميلاد بصورة منهجية ، فإن الفكر الديني اليهودي والفتاوى والتشريعات اليهودية كان لها دائما نصيب بارز ومؤثر .

ومن الناحية الأيدلوجية فإن التمييز ضد غير اليهودي مسألة لا تنكرها إسرائيل وتعترف بها صراحة وتعززها كضمان لشخصية إسرائيل كدولة يهودية يتعين عليها المحافظة على طبيعتها اليهودية , ومن هنا يتحرك أنصار التمييز الإسرائيلي على أساس أن هذا التوجه هو تراث اليهودية التاريخي .

ومن الواضح تماما أن مستنبتات ومفرخات أيديولوجيا التمييز العنصري وبالتالي الإرهاب الدموي والمجازر والعقوبات الجماعية بالضرورة موجودة وحاضرة بقوة في المدارس الدينية التلمودية اليهودية , وفي المستوطنات اليهودية المنتشرة في أنحاء الأرض المحتلة .

ولا يمكننا في سياق هذه الدراسة المكثفة جداً حول المقدمات السياسية والفكرية إلا أن نتوقف أمام ظاهرة ( بنيامين نتينياهو) ـ رئيس وزراء إسرائيل العام1996ـ وأمام كتابه الشهير (مكان تحت الشمس ) ويمثل فكره المترجم في كتابه ،خلاصة الخلاصة للفكر السياسي والديني والإرهاب الصهيوني .

ولقد تصدى الدكتور ( فايز رشيد ) في كتابه ( تزوير التاريخ ) للرد عليه حيث يقول : (يجوز عند نتنياهو لكل يهود العالم أن يحلموا بوطنهم القومي في فلسطين ولا يجوز للفلسطينيين أن يعودوا إلى وطنهم الذي هجروا منه قسراً) .

ويضيف ( يركز الإسرائيليون على محو كل الآثار المرتبطة بالتاريخ العربي للشعب الفلسطيني ومحاولة إيجاد البديل اليهودي قسراً  ) ، ويردف قائلاً ( الحرب النفسية والمذابح الجماعية وتهديم نحو 500 قرية فلسطينية أهم الأساليب التي استخدمتها الحركة الصهيونية في تهجير الفلسطينيين ) ، ويكثف د.رشيد خلاصة كتاب نتنياهو قائلاً ( يمارس نتنياهو في كتابه عملية تزييف التاريخ بل ذبحه وقلب حقائقه ببساطة وتضليل كبيرين ، وفلسطين الكنعانية العربية يجري اغتيال تاريخها الممتد بعيداً في أعماق الزمن ويلغيها نتنياهو ويعتبرها أرض فلسطين الموعودة مع الإشارة والتأكيد إلى أنه لا توجد سوى وسيلة القوة والعنف والإرهاب الدموي بأبشع أشكاله من أجل تحقيق أفكاره ومعتقداته وأهدافه في أرض إسرائيل ، أو الدولة اليهودية ، أو في إسرائيل قوية مهيمنة على المنطقة ) .

وكل من جاء بعد نتنياهو مثل إيهود باراك و آرييل شارون ما هم إلا أدوات حقيقية لنقل النظرية إلى الواقع العملي المشهود ، وإن كان هذا الواقع قد أوجدته أدوات ووسائل الإرهاب الصهيوني ، وذلك قبل قيام الدولة الإسرائيلية وبعد قيامها على النحو التالي :

أولاً : قبل قيام دولة إسرائيل :

ونعود إلى مرحلة ما قبل الاحتلال الإسرائيلي لنجد جملة من التنظيمات الصهيونية عملت تحت الأرض وفوق الأرض واستخدمت كل الوسائل المتاحة في اقتراف أبشع أشكال الإرهاب من أجل تحقيق أهدافها وهي :

الهاجاناة : وهي الاسم المختصر للمنظمة العسكرية اليهودية السرية ، وقد تأسست في طبريا بتاريخ 12/6/1920 وانضم إليها عدد كبير من الصهاينة  ومن أبرز قادتها التاريخيين ، دافيد بن جوريون ، وليفي أشكول ، وموشيه ديان ، واسحق رابين ، وشمعون بيريز ، ونفذت هذه المنظمة سلسلة من الأعمال الإرهـابية خـلال أحداث، 1920، 1929، 1948 وحظيت المنظمة بدعم قوي من قوات الانتداب البريطاني .  ( أي منظمة الجيش الإسرائيلي ) عام 1937 بعد أن انفصلت عن منظمة الهاجاناة ومن أبرز قادتها التاريخيين ، مناحم بيجين ، زئيف جابوتنسكي  ودافيد رازيال ولقد نفذت المنظمة مجموعة أعمال إرهابية مروعة كان لها تأثير بالغ  على مجريات الحرب في فلسطين وأخطرها مذبحة دير ياسين  وكذلك تفجير فندق الملك داود في القدس بتاريخ 22/7/1946 ، وفي عام 1948 حلت المنظمة أفرادها إلى الجيش الإسرائيلي . ليحي : أسس هذه المنظمة الإرهابية إبراهام شتيرن وذلك بعد انشقاقه عن منظمة  ( أتسل ) عام 1940، وتزعم الحركة بعده ( اسحق شامير ) ومن أبز أعمالها اغتيال اللورد موين يوم 6/11/1944 وتفجير مقر السرايا العربية في يافا واغتيال الكونت برنادوت في 17/9/1948 وفي عام 1948 حلت المنظمة وانضم الأغلبية إلى تنظيمات وأحزاب أخرى .

ثانيا : ما بعد قيام إسرائيل

وبعد قيام دولة الاحتلال الإسرائيلي واصلت الحكومات الإسرائيلية ذات الأفكار والبرامج والنهج والممارسات الإرهابية ، ولكن بشكل أوسع وأرسخ وأخطر وأكثر قدرة على التطبيق ، حيث امتلكت هذه الدولة إمكانات هائلة مالية وعسكرية وإعلامية ، فشنت الحروب الإرهابية التدميرية ومارست أبشع أشكال الممارسات العنصرية الغاشمة ضد أهل فلسطين  فاقترفت وما تزال سلسلة بلا نهاية من الجرائم الحربية مستخدمة في ذلك أجهزة وأدوات محترفة للإرهاب وهي بالعناوين : الجيش الإسرائيلي ، جهاز الموساد ، جهاز الشاباك   جهاز المخابرات العامة ، التنظيمات الإرهابية اليهودية ، ثم دولة المستوطنين اليهود        في الأراضي المحتلة .

أما التطبيقات العملية للإرهاب الصهيوني ما قبل قيام دولة الاحتلال الإسرائيلي وما بعد قيامها فهي بالجملة واسعة ودموية ومروعة لم يشهد لها التاريخ مثيلا .