البقرة الحمراء

مقدمة:

هذه الدراسة مستلة من دراستنا حول ( زوال الدولة العبرانية حقيقة قرآنية) رأينا أن نفردها منفصلة حتى تعم بها الفائدة والله ولي التوفيق..

أسطورة لها خوار:

في عام 1920م ، وعندما بدأت المباحثات بين الاتحاد الصهيوني والإنجليز من أجل التوصل إلى صيغة لتسليم فلسطين لليهود بعد انتهاء الانتداب، كان من بين الموضوعات المطروحة للبحث: ( ملكية جبل الهيكل ) . وطرح الجانب الإنجليزي في المباحثات سؤالاً: هل هذا المطلب مطلب عاجل أم آجل ؟ وما مدى اجتماع الشعب اليهودي حول هذا المطلب ؟ فأجابهم الحاخام ( راف كوك ) قائلاً: " يؤمن الشعب اليهودي كله إيماناً لا يتزعزع أن هذا المكان المقدس ، وكل جبل الهيكل هو مكان العبادة الأبدي للشعب اليهودي ، ورغم أنه      في حكم غيرنا الآن ، إلا أنه في النهاية سيقع تحت أيدينا ، ويوم تقع أرض الهيكل في أيدينا ستأتي إشارة من الرب ( البقرة الحمراء ) وبعدها نبدأ فوراً في البناء ؛ حيث تنبأ بذلك أنبياء بني إسرائيل " والنبوءة التي أشار إليها الحاخام ، هي معنى ما ورد في الإصحاح التاسع عشر من سفر العدد بالتوراة ، ونصها : ( وكلم الرب موسى وهارون قائلاً: هذه فريضة الشريعة التي أمر بها الرب قائلاً : كلِّم بني إسرائيل أن يأخذوا إليك بقرة حمراء صحيحة لا عيب فيها  ولم يعْلُ عليها نِيرٌ (2) فتعطوها ( ألعازار ) الكاهن فتخرج خارج المحلة ، وتذبح قدامه  ويأخذ ألعازار الكاهن دمها بإصبعه ، وينضح من دمها في وجه خيمة الاجتماع سبع سنوات ويحرق البقرة أمام عينيه ، يحرق جلدها ولحمها ودمها مع فرثها ، ويأخذ الكاهن خشب أرز وزوفاً وقرمزاً ، ويطرحهن وسط حريق البقرة ، ثم يغسل الكاهن ثيابه ... " ثم بيَّن النص العلة من ممارسة هذا الطقس :

( .. تكون البقرة لبني إسرائيل وللغريب النازل في وسطهم فريضة دهرية ) .

ولكن : لماذا حوَّل اليهود تلك (الفريضة) إلى نبوءة و (إشارة) من الرب؟! في الواقع أنهم يربطون بين تنفيذها وبين إعادة بناء الهيكل ؛ فالفريضة .. أو النبوءة .. أو البقرة الحمراء ستكون دلالة عندهم على أن الزمن الذي ظهرت فيه هو نفسه زمان الهيكل الثالث بعد إعادة بنائه. ولعل هذا يفسر لنا استمرار غياب الكلام عن مثل تلك الطقوس خلال أزمنة اليهود الخالية التي لم يكن لهم فيها تمكين .

ويعتقد اليهود المتدينون أنه قبل ألفي عام مضت، في حقبة المملكتين اليهوديتين ، الأولى والثانية ؛ تم مزج رماد بقرة حمراء صغيرة ذبحت في عامها الثالث ، وخلط دمها بالماء ، واستخدم في (تطهير) الشعب اليهودي ، ليصبح مهيأً للدخول  إلى الهيكل المقدس ، ويعتقدون أيضاً أنه لم تولد طوال التاريخ اليهودي بقرة بتلك الأوصاف منذ دمر الهيكل الثاني عام 70 للميلاد ، وعلى حسب التاريخ الديني اليهودي ، فإنه قد جرت التضحية ببقرة حمراء واحدة في زمن الهيكل الأول ، وبثماني بقرات في زمن الهيكل الثاني.. واليوم ، يستعدون لمرحلة الهيكل (الثالث) وزمان البقرة (العاشرة) .


البحث عن البقرة:

لم يعد سراً تزايد حرص اليهود على المزيد من الخطوات العملية - المتفاعلة الآن - من أجل إعادة بناء الهيكل بعد الانتهاء من هدم مسجدي الأقصى والصخرة ، وبما أن الهيكل لن يعمره بالعبادة إلا أناس (مطهرون) من النجس ، وبما أن هذا النجس لن يزول إلا برماد البقرة ، وبما أن البقرة لم تكن موجودة إلى عهد قريب ، فإن جهود اليهود اتجهت للبحث   عن بقرة تطل بقرنيها على مشارف القرن الجديد.. فلا بد من ظهورها أو إظهارها         ولو اقتضى الأمر استحداث بيئات وظروف تستخرج تلك البقرة استخراجاً من بين ملايين البقر !! وهذا ما كان ؛ فمنذ عدة سنوات ، تعهد كاهن أمريكي يُدعى (كلايد لوت) ينتمي    إلى جماعة (حركة الهيكل الثالث) الإنجيلية الأصولية بأن يوقف جهوده للعثور على بقرة بالمواصفات الدقيقة الواردة في العهد القديم، ونذر نفسه للمساعدة في أي مشروع يتعلق بإعادة تأهيل الهيكل للعبادة، وقد جرت اتصالات ومقابلات عام 1989م بين هذا الكاهن وبين الحاخام الإسرائيلي (حاييم ريتشمان) الذي يعمل في معهد (الهيكل المقدس) حيث اقترح ريتشمان فكرة إنشاء مزرعة لإنتاج وتربية الأبقار من سلالة (ريدنفوس) الضاربة إلى الحمرة فاقتنع الكاهن ، وأنشأ بالفعل تلك المزرعة في ولاية ميسيسيبي الأمريكية وقد أنشأ هذا الكاهن فيما بعد فرعاً لمزرعته في مدينة حيفا، تحسباً ليوم تولد فيه البقرة المنتظرة !

 

إعلان العثور على البقرة.. وماذا يعني؟

أخيراً... وبعد ما يقرب من ألفي عام ، ادعى اليهود أنهم وجدوا ضالتهم! لقد ظهرت البقرة!! ففي شهر أكتوبر من عام 1996م ، تم الإعلان عن ميلاد بقرة حمراء مطابقة للمواصفات الواردة في التوراة، وأعلن أنها ولدت في مزرعة ( كفار حسيديم ) وعلى الفور ذهب وفد من الحاخامات لمعاينة حالة مولود العصر ومقارنته بالأوصاف المذكورة في التوراة ثم أعلنوا وقتها مطابقة المولودة للمواصفات بعد أن باركوها، وأمروا بفرض حراسة مشددة حولها! { جريدة الأخبار المصرية ، 25 إبريل 1997م } .

     لقد كان الإعلان عن العثور على البقرة بداية لمرحلة جديدة ومثيرة من الهوس الألفي عند اليهود وأنصارهم من البروتستانت المتهودين في أمريكا وبريطانيا، وتناولت وسائل الإعلام الحديث بتغطية متلفعة بالتكهنات والتوقعات والحذر؛ فقد نشرت صحيفة الأوبزرفر البريطانية في عددها الصادر في (9-7-1997) أخبار الحدث قائلة: "سيكون الذبح الطقسي للبقرة الحمراء بعد ثلاث سنوات من ميلادها ، بداية العد التنازلي للعودة الكبيرة لليهود     إلى موقع عبادتهم السابق ، وتبشيراً بمجيء المسيح المخلِّص، بيد أن محاولة تحقيق هذه العودة ستؤدي إلى بداية لا تُنسى للألف الثالثة " !

لقد توافد الآلاف من اليهود ( متدينين وغير متدينين ) إلى مزرعة (كفار حسيديم)   في إسرائيل لمشاهدة هذا الكائن (الأسطوري) . ولحسم الفوضى التي يمكن أن تنشأ عن هذا التدافع، لجأت الجهات اليهودية المهتمة بهذا الشأن إلى تنظيم الزيارات والرحلات لزيارة البقرة!! لقد نجح الشيطان ـ لعنه الله ـ  في استثمار ضعف الإنسان حيال الغيب المجهول فأحدث بين اليهود حالة من النشوة ، محفوفة بهالة من الرهبة وممزوجة بالرغبة في اقتحام المزيد من أستار الغيب المجهول ، ورأى كبار زعماء الجماعات الدينية الفرصة سانحة لضخ الدماء في عروق التعصب لمزيد من التأهب لمغامرات المستقبل القريب ونظروا إلى البقرة التي أطلقوا عليها اسم (ميلودي) على أنها أحدث إشارة بدنو العصر الأخير، وتوقع الكثيرون منهم أن تستخدم دماء تلك البقرة عينها في احتفالات (تطهير) الشعب اليهودي ، الذي لا يمكن أن يمارس العبادة في الهيكل إلا بعد أن يتم تطهيره برمادها وفقاً لقول التوراة التي بأيديهم: (كل من لم يتطهر فإنه ينجس مسكن الرب)، ورأى آخرون أن هذه البقرة التي ظهرت هي حلقة الوصل المفقودة والمطلوبة للوصول السريع إلى زمن إعادة الهيكل؛ حتى إن اليهودي الأصولي المتعصب (يهودا اتزيون) الذي كان متهماً رئيساً في محاولة تفجير قبة الصخرة عام 1985م ، أعلن بعد ظهور البقرة ابتهاجه بهذا الحدث (التاريخي) وقال: "إننا ننتظر منذ ألفي سنة ظهور إشارة من الرب، والآن أرسل لنا البقرة الحمراء ، وظهورها يعتبر أحد أهم الدلائل على أننا نعيش في زمن مميز، ولهذا فلا بد من الإسراع بإزالة مسجدي الأقصى والصخرة من جبل الهيكل ، ونقل بقاياهما إلى مكة "! { السياسة الكويتية ، 30-10-97 } .

وبدأ المتعصبون اليهود على الفور في استثمار الحدث، لإنشاء واقع جديد من خلاله فدعا عديد من زعماء الجماعات الدينية (الطليقة) في طول البلاد وعرضها في (إسرائيل) إلى إلغاء الفتوى الحاخامية القديمة التي تحظر على اليهود دخول ساحات المسجد الأقصى ووقعوا توصية بذلك في المؤتمر السابع لحركة (إعادة بناء الهيكل).{الحياة، 16-9-1998م}. وبالفعل، قررت لجنة من 60 حاخاماً في شهر أغسطس من عام 1997م تجاوز الحظر الذي كان معمولاً به، وشجعوا اليهود على الصعود إلى ما يسمونه (جبل الهيكل) حيث يوجد المسجد الأقصى ومسجد الصخرة، واحتج هؤلاء بأن لديهم مسوغات كافية تجعل من حق اليهود أن يصعدوا إلى هناك لكي يتسنى لهم البدء في الاستعدادات الخاصة بإعادة بناء الهيكل وقال المتحدث باسمهم: "إن الحظر العام على الصعود لم يكن يأخذ في اعتباره في السابق الاكتشافات الأخيرة، وأبرزها اكتشاف البقرة الحمراء، ونحن الآن بانتظار الخلاص، وإعادة بناء الهيكل التي يجب أن تبدأ بسرعة في أيامنا هذه". {الأنباء الكويتية، 9-7-1997م}.

وبدأت مجموعة من الحاخامات منذ سنوات في دعوة عائلات الكهان لإرسال أولادهم لكي يتم إعدادهم في حجْر ( العزل الطاهر ) ليكونوا جاهزين للعمل في الطقوس المتعلقة بالبقرة واستجابت أربع عائلات كهنوتية للتبرع بأولادها من أجل هذا الغرض . { الرأي العام ، 5-3-1998م } .

وبدأ الحاخامات منذ فترة - بالاتفاق مع الجهات الحكومية - بتحصيل نسبة 1%  من مجموع الإنتاج داخل إسرائيل ، ليوضع في حساب (خدمات الهيكل) الذي دخلت مهماته مرحلة التنفيذ بظهور البقرة ، وتحصيل هذه النسبة يجري الآن وفقاً لتشريع ديني يقضي بأن يقدم الشعب اليهودي عُشر العشر ليوقَف على الهيكل ، وقد وُضِعَ عنوان خاص لاستقبال تلك الإسهامات وتنظيم إنفاقها على المشاريع المتعلقة بالهيكل .

لقد ظهرت مع ظهور البقرة الحمراء حالة من الحماس الديني بين الجماعات اليهودية التي تنافس الحكومة بأنشطتها (120 جماعة) ، وبدأت في اكتساب أنصار جدد من أولئك الذين لم يكونوا يأبهون بشعارات الجماعات الدينية ، وقد علق ( مناحيم فريندمان ) الخبير  في الشؤون الدينية في جامعة ( بارابلان ) على هذه الظاهرة الجديدة بقوله : ( إن ولادة هذا الحيوان الطارئة ، أوجدت حالة من الحساسية في إسرائيل ؛ إذ أصبح الناس يبحثون في أمر هذه العلامة ويتحدثون عنها بدقة ) . { السياسة ، 30-10-1997م } .

 

 

البُعد السياسي لعهد ( البقرة ) :

لم يكن المتدينون وحدهم المحتفين بضيفة إسرائيل الجديدة، بل اهتبل السياسيون مناسبة حلولها في ذلك التوقيت ، لتحقيق أغراض سياسية وحزبية، مستغلين تصاعد المد الديني في إسرائيل  وربط كثيرون بين ظهور البقرة وظهور نتنياهو ، الذي تُوجت في عهده أنشطة الجناح الديني في السياسة الإسرائيلية .

والمؤسسة الدينية التي اعتبرت فوز نتنياهو انتصاراً للمتدينين وهزيمة للعلمانيين ؛ دأبت على تدعيم موقفه بعد الإعلان عن ظهور البقرة ، وربطت مجيئه بتحقيق نبوءات يؤمنون بها ، مما جعل البعض منهم ينظرون إليه على أنه يتبوأ منزلة ( ملِك ) من ملوك إسرائيل التاريخيين ، وأنه يمكن على هذا أن يتمتع بـ ( العصمة ) الدينية ، التي تجعل مخالفيه في زاوية المخالفين للتوراة ، وقد أثار تفاؤل المتدينين أيضاً وقتها ، أن عهد نتنياهو سيستمر في السلطة حتى العام 2000م على الأقل(1) وهو العام المرتب له أن يكون عام (التطهير) !

لكن هناك فريق من الإسرائيليين لم يشاركوا جمهور اليهود في الابتهاج بالعجل الجديد ، وهم شرائح من العلمانيين الذين شعر كثير منهم بالانزعاج والتخوف من مضاعفات هذا الاكتشاف ونتائجه التي قد يصيبهم شرها وشررها. ورأى بعضهم أن " قضية " البقرة ، قد تفتح باباً لدوامة من العنف لا نهاية لها بين المسلمين واليهود داخل فلسطين ، وأيضاً بين المتدينين وغير المتدينين من اليهود ، وذلك ما أكده الصحفي الإسرائيلي ( ديفيد لانرد ) حيث قال :         " إن الأذى المحتمل من جانب الحديث عن ظهور البقرة الحمراء ، يفوق بكثير ما يمكن     أن ينتج عن الخصائص التدميرية لقنبلة نووية دينية " .

 

خيبة أمل.. عارضة :

بعد أن راحت الأحلام تسبح باليهود المتدينين في سواحل الخيال.. والخبال طرأ ما يعكر أجواء هؤلاء الحالمين، فقد شكك بعض الحاخامات في أن تكون (ميلودي) هي البقرة الحمراء المنتظرة، وأوردت صحيفة معاريف الإسرائيلية الصادرة في (29-10-1997م) عن الحاخام ( شمار ياشوف ) تصريحاً أدلى به من المزرعة التي تقيم فيها ( ميلودي ) قال فيه : " قد لا تكون هذه البقرة هي الحقيقية بسبب بعض الشوائب " ! وأخرج الحاخام عدسة مكبرة، ولاطف البقرة ، وصوَّب العدسة نحو ذيلها وقال: " انظروا.. هنا تجدون بعض الشعيرات البيضاء " ! ثم اتجه إلى رأسها ، وصوَّب النظر نحو عينيها وقال: " لاحظوا..  إن رموشها ـ تبدأ حمراء ـ وتنتهي سوداء " !، وقد شكك آخرون في هذا التشكيك ، كما نقلت ذلك الأوبرزفر في 9-7-1997م فهوَّن ( يهودا اتزيون ) الناشط الصهيوني من شأن تلك التحفظات التي أبداها الحاخام المذكور، وسارع إلى طمأنة القلقين وقال: " هذه الشعيرات التي شوهدت ستختفي بمضي الوقت ، وحتى إذا لم تختفِ فإن الكتاب المقدس يقول : إن شعرات قليلة لا تنفي الطبيعة المقدسة للبقرة إذا كانت كلها حمراء " . إن مشاعر التعجل لدى متعصبة اليهود، لا تريد أن يخرج الناس من أجواء الأوهام الألفية الخلاصية ، فهم يجنون أنضج الثمرات من تأجيج أحاسيس الدنو القريب لعصر النهاية ( السعيد ) ولا يدري هؤلاء البؤساء، أنهم سيخرِّبون بيوتهم بأيديهم وبأيدي المؤمنين في نهاية المطاف ، ولكنهم مصروفون عن هذا ومصرون على النفخ في كير الحرب الدينية القادمة  حتى إن ( اتزيون ) المذكـور آنفـــاً وغيره من المتعصبين، يعتقدون - كما نقل عنه   في التصريح السابق - أن رماد البقرة الحمراء سيحول مجموعات اليهود المتدينين القلائل  إلى حركة جماهيرية واسعة الانتشار! .

هل لنا موقف من ( البقرة ) ؟

نحن بطبيعة الحال ، لا يعنينا من شأن تلك البقرة شيء ، سواء في شكلها أو وصفها أو سنها ، أو زمان ومكان خروجها ، ولكن الذي يعنينا هو ما تمثله تلك البقرة من كابوس يمكن أن يثير من الأحداث ما يتعاظم على السيطرة ، وقد عودنا اليهود ـ خلال الخمسين عاماً الأخيرة ـ أنهم أكفأ البشر في تسويق الأحلام واستثمار المصائب لصالحهم. قد يتشبث اليهود بتلك البقرة بالذات ليكملوا نسج بقية الأسطورة بين يديها أو قرنيها ، وقد يستبدلونها بعد حين بأخرى أكثر مطابقة للمواصفات التي تليق بأمة متنطعة تريد أن تكرر حديث الصفات النادرة عن البقرة الصفراء الفاقع لونها، مع البقرة الحمراء الخالص حَمَارها .

أما المعتقد الأصلي في البقرة ، والموجــود الآن في نسخ التــوراة المتداولة فلا نصدقــه ولا نكذبه ـ فقد يكون من الشرائع المنسوخة ـ وذلك تسليماً بالهدي النبوي المذكور في الحديث الشريف : " لا تصدقوا أهــل الكتاب ولا تكذبوهم ، وقولوا : آمنا بما أنزل إلينا وما أنزل إليكم ".

ولكن المقطــوع به أن تلك ( الفريضـة الدهريــة )كما وصفوها.. لا تمت إلى الديــن المقبول بصلة ، بعد بطلان الشرائع بشريعــة النبي الخـاتـم e .

وهنا أمر أود الإشارة إليه، وهو أنني لا أستبعد أن يكون ظهور بقرة حمراء مطابقة لما يتطلع إليه اليهود، من تلاعب الشيطان، فيكون هذا من قبيل الاستدراج لهم، فقد تأتي الأقدار لهم بالبقرة التي يريدون، إمداداً لهم في الغي، فيظنون أنهم قد وصلوا إلى عتبة عصر (الطهارة) وينتهي الأمر بهم إلى مزيد من الانصراف عن الحق، كما قال - سبحانه - : سأصرف عن آياتي الذين يتكبرون في الأرض بغير الحق وإن يروا كل آية لا يؤمنوا بها وإن يروا سبيل الرشد لا يتخذوه سبيلا وإن يروا سبيل الغي يتخذوه سبيلا {الأعراف: 146}.

ويمكن أن يكون هذا التلاعب الشيطاني بهم مثيلاً لتلاعبه بهم في شأن انتظار نبي خاص بهم من نسل داود، جعلهم يكفرون بعيسى ويكفرون بمحمد e مصرين على انتظار هذا النبي الموعود. قال ابن القيم ـ رحمه الله ـ: (ومن تلاعبه بهم ـ يعني اليهود ـ أنهم ينتظرون قائماً من ولد داود النبي ، إذا حرك شفتيه بالدعاء ، مات جميع الأمم ، وأن هذا المنتظر بزعمهم هو المسيح الذي وُعِدوا به ، وهـم في الحقيقة إنما ينتظرون مسيح الضلالة الدجال، فهم أكثر أتباعه  .

 

البقرة.. ونجاسة الشعب (المختار) :

من أعجب أمور اليهود، أنهم لا يزالون يؤمنون عن يقين بأنهم (شعب الله المختار) حتى تقوم الساعة! والأعجب من ذلك أنهم يعتقدون بالقدر نفسه من اليقين بأنهم شعب (نجس) منذ عشرات القرون، لماذا ؟ لأنهم قارفوا نجاسات عديدة لا يمكن التطهر منها حسب شريعتهم إلا برماد البقر الأحمر، ضمن طقوس لا تمارس إلا في الهيكل، وبما أن الهيكل غائب  منذ ألفي عام ، وعقمت معه الأبقار أن يلدن واحدة حمراء خالصة، فإن (النجاسة) ظلت ملازمة للشعب اليهودي بكامله.

جاء في توراتهم : في سفر العدد ـ الإصحاح 19: "هذه هي الشريعة.. إذا مات إنسان في خيمة، فكل من دخل الخيمة وكل من كان في الخيمة يكون نجساً... كل إناء مفتوح ليس عليه سداد بعصابة فإنه نجس، وكل من مس على وجه الصحراء قتيلاً بالسيف أو ميتاً أو عظم إنسان أو قبراً يكون نجساً.." "والذي مس ماء النجاسة يكون نجساً.. وكل ما مسه النجس يتنجس، والنفس التي تُمس تكون نجسة"!! فَمَنْ إذن من الشعب (المختار) بقي طاهراً؟! المشكلة هنا ليست في النجاسة ـ فكل الكفار والمشركين نجس ـ ولكن المشكلة أنهم يعتقدون أن هذا النوع من النجاسة لا يزول إلا برماد البقرة المحظية في نهاية الألفية ، جاء في الموسوعة الدينية اليهودية: "إن البقرة الحمراء يجب سحبها خارج القدس وبعد ذبحها يجب حرقها بكاملها بعد إضافة خشب الأرز وأعشاب أخرى، ويشرف  على هذه الطقوس حاخام أو كاهن، ويستخدم الرماد في التطهر وطرد الأرواح الشريرة التي يمكن أن تنتقل إلى اليهود من الموتى لو مسوا جثمانهم". والظاهر أن نجاسة اليهود من أكثر ما يؤرقهم ، حتى إن التلمود الذي وضعه الحاخامات تفسيراً للتوراة يدور سدسه تقريباً حول كيفية التطهر من النجاسات ، وجاءت البقرة ـ أو هكذا ظنوا ـ لتكون فاتحة لعهد من الطهارة يستقبلون به عصراً من الأمجاد ، والله يعلم أن جميع البقر الأحمر والأبيض والأسود ، لو صُيِّر رماداً ، ثم خلط بماء البحر الأحمر والأبيض والأسود ، ثم أغرقت فيه أمة اليهود كلها، لما تطهر واحد منهم من نجاسة الكفر ، إلا إذا دخل في دين التوحيد وآمن برسالة خاتم الرسل وسيدهم محمد e قال تعالى :[ يََاأَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيراً مِّمَّا كُنتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ قَدْ جَاءكُم مِّنَ اللّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ ](المائدة : 15 ) .

أما هؤلاء ، فإنهم لا يزالون في أسر الآصار التي كانت عليهم، لا يبغون عنها فكاكاً وقد نقلت صحيفة الرأي العام الكويتية عن إحدى الصحف الإسرائيلية في (5 -3-1998م ) أن حواراً أجري مع واحد من أبرز الحاخامات الإسرائيليين ويدعى (البويم) حول العديد من الأسئلة الحائرة الدائرة حول البقرة ، فكان من ضمن الأسئلة: هل تكفي بقرة واحدة لخمسة ملايين يهودي ملوثين بالنجاسة ؟ فأجاب: " أجل ، ولسنوات كثيرة أيضاً، لقد دُوِّن في التوراة أن البقرة الحمراء الأولى أعدت على عهد موسى ، أما الأبقار التالية فقد أعدها عزرا ، فخلال فترة الهيكل الثاني أعدوا ثماني بقرات ، إذن فالعدد كله تسع بقرات ، ونحن الآن في زمان البقرة العاشرة" إذن، فأمر البقرة ـ سواء كانت هي تلك التي أعلنوا عنها أو غيرها مما يمكن      أن يعلنوا عنه ، ليس بالأمر الهامشي في حياة اليهود في هذه الأيام؛ خاصة أنهم يرون أنفسهم قد قطعوا من الطريق أطوله نحو عهد الهيكل الثالث، وعلماً بأن ما يقرب من 95%        من الطقوس العبادية اليهودية التي تؤدى في الهيكل ، يحول بين اليهود وبين ممارستها      ما يسمونه بـ (نجاسة الموتى) ، بل إن بعض الحاخامات يتحدثون عن استحالة افتتاح الهيكل للعبادة بأيدي (أنجاس) واستحالة تمكُّن هؤلاء من القيام بشؤونه وطقوسه قبل تطهُّرهم برماد البقرة!! ولله في خلقه شؤون! كيف إذن سيبنون وكيف يجهزون وهم أنجاس ؟  الله أعلم!

أما عن كيفية التخطيط العملي لهذه (الطهارة) الجماعية، فهذا سؤال توجهت به صحيفة (هآرتس) الإسرائيلية في (2-3-1998م) إلى أحد الحاخامات الكبار فقال: "سنحرق البقرة قبالة موقع الهيكل من جهة الشرق، وبالإمكان أن نضيف إليها بعض الأشجار، وبعد ذلك نخلط الرماد بعضه ببعض، ومن ثم يتم وضع الرماد في أنابيب، وتوزع في أرجاء البلاد"!! شيء قريب من توزيع مياه الشرب أو (الغاز).. إنها ألغاز!! فماذا إذن عن الملايين العشرة الباقين من اليهود خارج البلاد؟! الظاهر أن الرماد سيصدَّر إليهم في مغلفات معقمة من قوارير، أو أنه سيكون مدعاة قوية لهجرات جديدة إلى أرض الميعاد... والرماد!

 

 

 

 

 

موعد الميلاد.. وموعد الذبح:

الموعد الذي ولدت فيه البقرة سيحدد بدقة الموعد الذي ستذبح فيه ، فعلى حسب المفاهيم اليهودية لا بد أن تذبح البقرة بعد أن تتم ثلاث سنوات ، وهناك اختلاف معلن في تحديد الموعد الذي ولدت فيه، فالبعض داخل (إسرائيل) يقول إنها ولدت في شهر أغسطس من عام 1997م ، وهناك من يقول إنها ولدت في يناير من العام نفسه ، وعلى هذا ،فهي ستتم عامها الثالث إما في يناير من عام 2000م ، أو في أغسطس من العام نفسه  وعلى هذا يكون العام 2000م عاماً مصيرياً في عمر البقرة وفي عمر اليهود ، حيث تتوقع جماعاتهم الدينية أن عصراً جديداً سيحل في الأرض المقدسة بعد ذبح البقرة في بيت المقدس أو في (أورشليم) كما يسمونها ! .

ومع ( أورشليم ) التي يجري إعدادها أيضاً لعهدها الجديد قبل العام 2000م سيكون انتظارنا وإنّا لمنتظرون فنحن الآن في نهاية العام 2001م .

في كتابهما (نهاية الأيام.. في القدس) يكشف المؤلفان اليهوديان ( جيرشوم جورنبرج وبرناردو ويسرشتاين ) أن أساطير التوراة والتلمود تحفز إسرائيل على الحرب أو انتظار الحرب الأخيرة مع نهاية2000,ويبقى حاخامات التطرف في أقصى اليمين الديني في إسرائيل - مثل جنرالات جيش الحرب - أكثر الناس رفضاً للسلام ، وإصراراً على استمرار    احتلال القدس ولا يخفي هؤلاء الحاخامات تطلعاتهم القذرة إلى يوم يأتي ، يقومون فيه بتدمير المسجد الأقصى وإقامة (الهيكل الثالث) المزعوم مكانه . ورغم أن ساحة المسجد الأقصى والمنطقة الموجود فيها الحرم الشريف كلها ليست على شكل جبل إلا أن دعاة الضلال والتطرف الديني في إسرائيل وتكساس يقولون أنها منطقة ( جبل الرب ) أو جبل المعبد !.

وهذا يعني أن أساطيرهم تخالف تماماً الواقع الجغرافي للمكان ، لكنها حماقات الأطماع التي أطاشت بالعقول !.

وتتحدث أساطير التوراة عن بقرة حمراء لابد أن تظهر لتبشر اليهود بنهاية الأيام ونهاية التاريخ حين تقوم مملكة الرب فوق الأرض وتشتعل نيران الحرب الشاملة في الشرق الأوسط ، وفي إسرائيل تختلط دائماً أساطير الضلال بالواقع السياسي ، أو تساهم في تغيير الواقع السياسي ، ودولة إسرائيل ذاتها أسطورة دينية , حولتها الصهيونية العالمية إلى واقع جغرافي وسياسي في فلسطين في إطار مؤامرة كبرى على العرب .

 

 

البقرة ميلودي :

يقول (جيرشوم جورنبرج) في كتابه (نهاية الأيام) أن إسرائيل خرجت على العالم في عام 1997 فجأة بإعلان ميلاد (البقرة الحمراء) في وادي جير زيل في الشمال وبالتحديد في مدرسة (كفار سديم) الزراعـية القريـبة من جبل الكرمل , حيث قـام (الجاه) بقتل أنبياء (بعال) ،وتقع المنـطقة كلها قرب أطـلال مديـنة (مجدو) ،حيث تمكن فرعون مصر تحتمس الثالث من هزيمة الحيثيين، ومن اسم هذه المدينة جاءت كلمة (هر مجيدون) في كتاب النبوءات اليهودية ، واستمد منها الغرب تعبير (المعركة الأخيرة) على الأرض، أي التي تنهي الحياة على الأرض،تقول الأساطير أن لون (البقرة الحمراء) هو الذي يبشر بإزالة خط التقسيم الهش ، الفاصل بين شطري القدس..المدينة الشرقية القديمة-العربية - والشطر الغربي الذي استولت عليه إسرائيل في عام1949 بالقليل من الحرب والكثير من التواطؤ،وحين يحدث ذلك تشتعل الحرب الأخيرة..حرب النهاية بين المسلمين واليهود،ومن الغريب أن موقع الإنترنت لتبشير الكنيسة الإنجيلية الأمريكية ـ التطرف المسيحي الصهيوني - يؤكد أن البقرة الحمراء جزء من الجدول الزمني الذي يتحرك في اتجاه النهاية..نهاية الزمن..وعودة المسيح..

وادعى الإسرائيليون فعلاً أن ، (بقرة حمراء) تسمى (ميلودي) أو أطـلقوا عليها اسم (ميلودي) ظهرت في شمال إسرائيل عام 1996 في تحد واضح لقوانين الوراثة الطبيعية  لأن لون البقر الأم كان خليطا بين الأبيض والسود , وقال صاحبها أنه كان يجد صعوبة شديدة  في إطعام هذه البقرة وتربيتها واضطر لاستيراد حيوانات منوية من سويسرا لتلقيحها ، وكانت النتيجة ميلاد ( بقرة الإفك الحمراء ) ! .

 

وتقول التوراة أن التاريخ لم يشهد سوى ميلاد ( تسعة ) أبقار حمراء فقط تتماشى مع المتطلبات والمقاييس الواردة في كتاب الأرقام الذي يقضي بضرورة التضحية بهذه   البقرة .. ذبحها وحرقها تماماً حتى تتحول إلى رماد . وحين تظهر البقرة الحمراء ( العاشرة ) تكـون الأرض على مـوعد مع قدوم المسيح (!). وتمضي أساطير اليهود لتؤكد أن ذلك لن يحدث إلا حين يقوم اليهود بإقامة الهيكل الثالث ( المزعوم ) فوق جبل المعبد ، أو جبل الرب ، الذي لا مكان له إلا فوق أطلال الحرم الشريف في المسجد الأقصى وقبة الصخرة المشرفة .

ونكتشف أن مدرسة (هاسيديم) ليست مجرد مدرسة زراعية وإنما هي مدرسة للتطرف الديني الصهيوني البغيض , وكتبوا فوق مخزن كبير يوجد أمام حظيرة الماشية عبارة من ثلاث كلمات (ميدان نهاية العالم) وبجوارها لوحة لذئب نائم وبجواره حَمَل ، وأسد يحتضن ظبياً، وكتبوا على الباب الخارجي قائمة بالمواد الدراسية الثلاث وهي ..الملك المسيح .. مملـكة إسرائيل .. التي ستأتي في (نهاية الأيام )..

 

 

الشرط المسبق :

يؤكد ( شمار ياشور ) أنه فوجئ بابنه الصغير يصيح ويقول :

( بقرة حمراء يا أبي .. بقرة حمراء ) وهنا شعر ( ياشور ) بأن ابنه يبلغه في الواقع بقدوم المسيح ، لكنه مع كل ذلك لم يلتفت إلى ما يقوله ابنه إلا بعد أسبوعين , حين طلب مشورة الحاخام الرسمي المعين من قبل الدولة , لكنه تجاهله وتجاهل كل ما يقول ، فقام بالاتـصال بحاخام أخـر من المـتطرفـين يدعى ( يـسرائيل آريـيل ) وهو مؤسس ( معهد الهيكل ) وينتمي لحركة دينية من غلاة التطرف مهمتها إقامة الهيكل الثالث وهم يؤمنون أن ظهور البقرة الحمراء شرط مسبق وضروري للبدء , في إقامة الهيكل .. ويوضح ( جورنبرج )   أن كل ذلك له معنى واحد هو إزالة قبة الصخرة من ساحة الحرم الشريف الذي يطلقون   عليه اسم جبل المعبد ، وفوجئ صاحب البقرة بالحاخام المتطرف يأتي إليه مع عشرين      من أمثاله لمشاهدة البقرة الحمراء (ميلودي) , وجميعهم أعضاء في حركة صهيونية تسمى (حركة أمناء الهيكل) - والتي منها مجرم الحرب آرييل شارون رئيس وزراء إسرائيل - والتي تضم مجموعة إرهابية من المستوطنين , تأسست في الثمانينات, ولهذه الحركة فيلسوف يسمى ( يـهوذا أتـزيـون ) .

وقام الحاخام المتطرف بفحص البقرة المزعومة مع رفاقه من غلاة الحقد والتطرف .. ثم قالوا إنها فعلاً البقرة الحمراء التي تحدثت عنها التوراة .. لكن السؤال هو.. هل تحتفظ هذه البقرة بلونها الأحمر طوال السنوات الأولى من عمرها لتكون بقرة الأضحية المطلوبة ؟.

ورفع المتطرفون اليهود كؤوس النشوة والخمر في صحة البقرة الحمراء .. واصطف الحاخامات في دائرة راقصة , وكأنهم في حفل زفاف ، وحين نشرت إحدى الصحف الإسرائيلية قصة البقرة المزعومة , تدفق المصورون الصحفيون من كل مكان لالـتقاط الـصور التاريـخية النـادرة للبـقرة المزعومة، وطلب المسؤولون في التلفزيون الإسرائيلي السماح لهم باصطحاب البقرة إلى الاستديو للتصوير ، وانتهزت شبكات التلفزيون الأمريكية الكبرى الفرصة و وجاءت لتصوير بقرة إسرائيل الحمراء , وبالفعل جاء مراسلو شبكات ألسي إنْ.إنْ.. و آيه.بي سي .. وسي. بي .إسْ , ومن بعدهم جاءت بعثات تليفزيونية  من اليابان وهولندا وفرنسا .

ورغم أن البعض رأى في قصة البقرة الحمراء مجرد نكتة يهودية سخيفة إلا أن الأسطورة حققت أهدافها  وأشعلت مشاعر الجنون لدى اليهود في إسرائيل والعالم .

 

قنبلة على أربع :

وحذر الكاتب الصحفي الإسرائيلي (ديفيد لاندو) في صحيفة ( هاأرتس) أجهزة الأمن الإسرائيلية مما قد يترتب على قصة البقرة الحمراء من خطر رهيب وقال لهم إنها ليست بقرة عادية , بل هي قنبلة موقوتة تمشي على أربع , وهي تتفوق في ذلك على أي إرهابي لأنها تستطيع أن تشعل نيران حريق هائل في الشرق الأوسط كله , ببساطة لأنها سلاح يعادل    في قوته أي سلاح أو قنبلة غير تقليدية ، ويقولون أن (ديفيد لاندو) من دعاة السلام , ولذلك أدرك بسرعة أن ظهور ما يسمى بالبقرة الحمراء يمكن أن يثير في اليهود الرغبات القديمة المكبوتة لبناء الهيكل في مكان الحرم الشريف ,مما يؤدي إلى إشعال الحرب بين إسرائيل والعالم الإسلامي كله حتى إندونيسيا ، ووضع اليهود البقرة الحمراء في مكان منفصل وتركوها في حراسة كلب فشل حمايتها من تسلل الشعر الأبيض إلى فروة جسدها الحمراء .. بعد أن قالوا إنها حمراء ولابد من ذبحها وحرق جسدها خارج المعبد حتى يتفحم ويتحول   إلى رماد ، ويدعي اليهود أن الهيكل المزعوم تعرض للدمار منذ 1900 سنة , لكن موقعه موجود فوق جبل الرب على مسافة 35 فداناً في القدس القديمة وهو مكان الحرم الشريف الذي لم يعد يشبه الجبل لأن الملك (هيروت) العظيم ملك (جوديا) في القرن الأول قبل ميلاد المسيح هو الذي قام بتوسيع فناء الهيكل فوق قمة تل يسمى جبل (مورياة) , وحسب أساطيرهم لم يبق من الهيكل القديم سوى الحائط الغربي والذي يطلقون عليه حائط المبكى حيث يقف اليهود عنده ليذرفوا دموع البكاء الكاذب على دمار المعبد المقدس .

و حتى لا نطيل الكلام ... إليك هذه الصور .

هذا أول شمعدان ذهبي يصنع منذ دمار الهيكل الثاني قبل حوالي 2000 سنة ... و يسمى بالعبرية ) منوره ...( و هو الآن محفوظ على بعد أمتار من الأقصى في مكتب يهودي يسمى  معهد جبل الهيكل ... و الذي يزوره الآلاف من اليهود يوميا ليطلعوا على ما تم الفراغ منه في التجهيز لبناء الهيكل و المعهد هو مؤسسة حكومية أنشأتها الحكومة الصهيونية

هذه هي البقرة الحمراء ( ميلودي ...( و التي ولدت في شمال فلسطين ويعتقد اليهود أن ميلادها هو علامة من الرب  - بأنه قد حان الوقت لبناء الهيكل و أن رماد هذه البقرة سيطهر شعب إسرائيل تمهيدا لهم لدخول الهيكل.

هذه الأقداح الذهبية تم صنعها لتستعمل في عيد طهارة الماء

 

هذا ما سيرتديه رهبان و كهنة المعبد الصغار

قرون ثور , واحد منهم ذهبي ينفخ الكهنة فيه في أعيادهم ... و الثاني فضي ينفخون فيه ليعلنوا وقت صيامهم

المعول الفضي ... و هو ما سيستخدمه الكهنة في إزالة رماد القرابين من المذبح

قيثارة تم صنعها للمعبد حسب الوصف التوراتي لها22 وتر على عدد الحروف العبرية الأبجدية

إناء الطهارة ... و حق أن نقول إناء النجاسة .

الأختام المقدسة ... و التي تميز أي القرابين سوف تذبح .

 

 

             

 صورة للمذبح الذهبي محاط بالأبواق الفضية و التي يعزفونها في عدة مواسم

 

 

 

هذين السكينين الذهبي و الفضي هما الذين سيستعملهما الكهنة لذبح القرابين

 

  

 

هذا مجسم لما سيكون عليه بناء الهيكل لا سمح الله ولا قدر

ويقول (جورنبرج) إن ما يسميه اليهود جبل المعبد هو الآن الحرم الشريف عند المسلمين ثالث الحرمين الشريفين , وبالقرب من مركزه توجد (قبة الصخرة) التي صعد منها الرسول  e إلى السماء في ليلة الإسراء والمعراج .

 

في حياة بن جوريون :

ويعود - جورنبرج - بالذاكرة إلى الوراء , ويقول : إن القوات الإسرائيلية تمكنت من دخول واحتلال القدس في التاسعة من صباح يوم 7 يونيو 1967 في ثالث أيام حرب الأيام الستة ومنذ هذا التاريخ أصبح الحرم الشريف في القدس تحت حكم اليهود لأول مرة منذ عام 70 ميلادية .

ومع ذلك قـرر زعـماء إسـرائيل ( أشـكول وديـان) في حـياة (بن جـوريون) أن يبقى المسجد الأقصى والحرم الشريف في أيدي المسلـمين العرب في القدس .     

ووقف ( بن جوريون) وراء هذا القرار رغبة منه في تجنب إسرائيل التعرض لخطر الحرب المقدسة ، وحرص اليهود دائماً على أداء الحج فقط إلى الحائط الغربي ورفض حاخامات إسرائيل بالإجماع السماح لأي يهودي بدخول بوابات الحرم الشريف ,لأن قوانين الدين اليهودي تؤكد أنه لا يمكن لليهود التطهر من الاتصال بالموتى في غياب رماد البقرة الحمراء ولذلك لا يمكنهم دخول الميدان المقدس , ونظر قادة إسرائيل إلى غياب البقرة الحمراء باعتباره من حُسن الحظ ، وقال حاخام إسرائيل الأكبر : إنه لا يمكن بناء الهيكل قبل أن يبعث الرب بالمسيح في يوم قادم في المستقبل , وحتى يحدث ذلك لابد أن يصلي كل يهودي مؤمن ويدعو الرب , وينتظر ،وأكد الحاخامات أيضًا أن نجاح الجيش الإسرائيلي في احتلال القدس لا يكفي لبناء الهيكل .

ويؤكد (جورنبج) :

( أنه في نهاية العام2000 إذا لم يأت المستقبل الآن وإذا لم تنته فترة انتظار اليهود , وإذا لم يتجه التاريخ نحو ذروة النهاية , فإن نبوءات التوراة تتحقق أمام أعيننا ) .

مكان الأحداث الأخيرة ، ويذكر (جورنبرج) أن فكـرة نـهاية الأيـام موجودة في الإسـلام والمسـيحية واليهودية , ومن المسلمين من يؤمن بأن احتلال إسرائيل للقدس هو إعلان     من السماء بأن الساعة قريب , ويؤكد المؤمنون بالنصوص الحرفية للتوراة والتلمود بأن القدس , أو أورشليم هي مكان الأحداث الكبرى الأخيرة فوق الأرض , وأن الحرم الشريف هو موقع جبل الرب ومركز هذه الأحداث ومركز نهاية العالم .

ويؤكد أنصار اليمين الديني الإسرائيلي المتطرف أن كل يوم يمر منذ  يونيو 1967 ليس إلا فرصة ضائعة لبناء الهيكل من جديد ، مكان الحرم الشريف في حين يؤمن المسيحيون في اليمين الديني المتطرف الأمريكي بأن قيام اليهود ببناء الهيكل شرط ضروري لعودة المسيح أو المجيء الثاني للمسيح , وفي المقابل كما يقول جورنبرج : يرى المسلمون أن قيام اليهود بأية محاولة لتدمير المسجد الأقصى هي من علامات الساعة .(ا)

ولسوف نكتشف أن محاولة المتطرفين اليهود , أعضاء جماعة أمناء الهيكل التي استهدفت وضع حجر الأساس للهيكل الثالث المزعوم عند حائط البراق في 25 يوليو عام 2001 بعد أن أصدرت المحكمة الإسرائيلية العليا موافقتها للمجموعـة اليهوديـة المتطرفـة ليسـت إلا جـزءاً مـن مؤامرة كبرى بدأت فصولها الأولى في كنائس المتطرفين المسيحيين الأمريكيين في كاليفورنيا وامتدت حتى وصلت إلى القدس المحطة الأخيرة للمؤامرة , والجائزة الكبرى في الصراع العربي الإسرائيلي .

ففي الأول من يناير 2001م أشرق فجر الألفية الثالثة فوق كوكب الأرض واستمرت دورة الزمن بلا انقطاع حسب إرادة الله سبحانه وحافظت الشمس على موعدها مع البشر واستمرت في أداء مهمتها حين تشرق كل صباح , ولم تحدث (نهاية العالم) ولم (تنته الأيام) ولم (تقم القيامة) بعد , كما تحدثت النبوءات الكاذبة لأنبياء الضلال والتطرف الديني في كاليفورنيا ، فقد سيطرت على عقولهم الأساطير الكاذبة الزائفة , واشتعلت في صدورهم الأوهام والخيالات الضالة وقالوا أن نهاية العالم قد اقتربت , وأن البشر على موعد مع    (يوم القيامة) مع انتهاء الليلة الأخيرة للقرن العشرين في الحادي والثلاثين من ديسمبر 2000 وبدء اليوم الأول من يناير العام 2001 وقالوا إن مفتاح النجاة من الجحيم عند جبل الرب  أو جبل المعبد في القدس , وادعوا أن مكانه يقع عند المسجد الأقصى ومسجد قبة الصخرة بالضبط، ومن العجيب أن يتحول شباب الهيبيز في الستينيات بكل ما فيهم من مجون وخلاعة إلى مؤمنين في نهاية القرن وقاموا بتحويل كنائس كاليفورنيا في الولايات المتحدة إلى قلاع للتطرف الديني المسيحي , ويقومون الآن بجمع الأموال والتبرعات والمساعدات لتقديمها للمتطرفين اليهود في المستوطنات المحيطة بالقدس ونابلس والخليل على أمل أن تتحقق نبوءة غربية جداً يتوقعون فيها أن يموت اليهود أو أن يتركوا اليهودية ويتحولون للمسيحية في نهاية العالم التي كان يجب أن تحدث في نهاية عام2000 .

 

ولمزيد من التفاصيل يراجع كتاب (نهاية الأيام ..في القدس ) تأليف : جريشوم جورنبرج و برنارد ويسرشتاين  ترجمة أحمد البرديسي.

 

أعداد

المهندس زهدي جمال الدين محمد