أضواء على المسيحية

أ. متولي يوسف شلبي


من أجل أن نقدم للمسيحية نورا ؟ إنها رسالة تصور الديانة المسيحية كما ألفها علماء المسيحية أنفسهم ، تتحرى كلمات المؤلفين من علماء النصرانية سواء منهم من أسلم ، أو ما زال على ملته ، وسواء كان من علماء الشرق أو الغرب ؟ ومن كلمات العلماء يظهر النور واضحا للمسيحية لتعرف أين مكانتها ، وأين مكانها ؟ ثم : نعرض آيات القرآن الكريم كما تنص عليها ألفاظها الكريمة من غير شرح من عندنا ، وإن كنا سنستضيف بعض علماء الإسلام ليقدموا لنا عرضا موجزا لأخبارها ، وذلك ليقوم البحث في المستقبل على أسس الحيدة العلمية التي نادى بها علماء الغرب ثم تجاهلوها واعتدوا به على حرية البحث وكرامة العلم .

وإذن فهدف هذه الرسالة أمران :
1 - تقديم نور للمسيحية من خلال كتابة علمائها .
2 - تقديم قواعد البحث لدراسة المسيحية على أسس علمية تنزه النتائج من الطعن ( وتبرز ) الدليل لمن كان له قلب !
2 - ومنهجنا في هذه الرسالة :
2. 1 - دراسة المسيحية كما جاء بها سيدنا عيسى عليه السلام ، وسوف لا نجد لها مصدرا غير القرآن الكريم .
3. 2 - دراسة المسيحية بعد سيدنا عيسى ، وفيها ندرس :
• 1 - الاضطهاد الديني الذي منيت به الأمة المسيحية .
• 2 - اتصال الفلسفة اليونانية بالديانة المسيحية وأثرها فيها .
• 3 - مصادر المسيحية : ونقصد بها : 1 - التوراة ،• وتسمى : ( العهد القديم ) . 2 - الرسائل والأناجيل ،• وتسمى : ( العهد الجديد ) . ويتعلق بهذا العهد الجديد عدة موضوعات ،• منها : - علاقة الأناجيل بالسيد المسيح . - تاريخ تدوينها . - وأقوال علماء النصارى في إنجيل عيسى . - وأقوال بعض المسيحيين الذين أسلموا في الأناجيل . - لماذا لم تعترف الكنيسة بإنجيل برنابا ؟ - عدد الرسائل ،• ومن كاتبوها ؟ الخ . . . 4 - المجامع المسيحية : أهمية دراستها ،• عددها ،• نشاطها ،• وقراراتها 5 - الفرق المسيحية قديما ،• وحديثا . 6 - رأينا الشخصي في المراد ب‍• ( أهل الكتاب ) . 7 - عرض لآيات القرآن الكريم التي تحدد موقف الأمة الإسلامية من المسيحيين ،• ومن أهل الكتاب عامة . يتلخص من هذا : أن هذه الرسالة تقوم على سبع مقالات ،• كأسس لدراسة المسيحية ،• لا أنها دراسة للمسيحية ،• ولكنها مدخل وقواعد ثابتة لمن أراد أن يدرس شيئا في المسيحية ،• من المسلمين ومن غيرهم على السواء ،• ابتغاء الحق وابتغاء كرامة العلم ،• وحتى يرى النور من شاء أن يستقيم ،• ولله در الدكتور نظمي لوقا - مسيحي مصري - إذ يقول في مطلع كتابه ( محمد الرسالة والرسول ) ( 1 ) ،• ( من يغلق عينيه دون النور ،• يضر عينيه ولا يضر النور . ومن يغلق عقله وضميره دون الحق ،• يضر عقله وضميره ولا يضر الحق ) . نسأل الله تعالى أن يفتح لنا باب المعرفة والحق ،• وأن يعيننا على إبراز معالم الحقيقة وأن يهدينا سواء السبيل ،• والحمد لله رب العالمين ،• والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه والداعين بدعوته إلى يوم الدين . 28 شوال 1387 ه‍• متولي يوسف شلبي 28 يناير 1968 م مبعوث الأزهر في إندونيسيا . * ( هامش ) * ( 1 ) في الصفحة 11 منه .

( * ) المقالة الأولى المسيحية كما جاء بها السيد المسيح عليه السلام لماذا كان القرآن الكريم هو المصدر ؟

المسيحية كما جاء بها المسيح عيسى عليه السلام رسالة سيدنا عيسى عليه السلام هي واحدة من رسالات الأنبياء التي جاءوا بها إلى الناس ليعبدوا الله ربهم الذي خلقهم وعافاهم ورزقهم ، ولا يشركوا به أحدا ، فهو وحده الأحد الفرد الصمد ، وأن يقيموا الصلاة ، ويؤتوا الزكاة ، ويتعاونوا على البر والتقوى ( قال إني عبد الله آتاني الكتاب وجعلني نبيا ، وجعلني مباركا أينما كنت وأوصاني بالصلاة والزكاة ما دمت حيا ، وبرا بوالدتي ولم يجعلني جبار شقيا . سورة مريم 30 - 32 ) .

وتمضي آيات القرآن الكريم وهي تحترم وتلتزم هذه الصورة في إبراز معالم المسيحية التي جاء بها السيد المسيح عليه السلام ، فتتلو في سورة المائدة : ( وإذ قال الله يا عيسى بن مريم أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله ؟ قال : سبحانك ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق ، إن كنت قلته فقد علمته تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك إنك أنت علام الغيوب ، ما قلت لهم إلا ما أمرتني به : أن اعبدوا الله ربي وربكم وكنت عليهم شهيدا ما دمت فيهم ، فلما توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم وأنت على كل شئ شهيد - المائدة 116 - 117 ) فتحكي الآيات مقالة سيدنا عيسى في الآخرة يوم يجمع الله الرسل ، وأنه ما جاء إلا بالشرع الذي أوحاه الله إليه وأنه برئ مما فعله الناس من بعده وصيروه لهم دينا .

والدين الذي جاء به عيسى عليه السلام تصوره سورة الشورى في قوله تعالى : ( شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا ، والذي أوحينا إليك ، وما وصينا به إبراهيم ، وموسى وعيسى ، أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه ، كبر على المشركين ما تدعوهم إليه ، الله يجتبي إليه من يشاء ويهدي إليه من ينيب ، وما تفرقوا إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم ، ولولا كلمة سبقت من ربك إلى أجل مسمى لقضي بينهم ، وإن الذين أورثوا الكتاب من بعدهم لفي شك منه مريب - الشورى 13 - 14 ) . وإذا كان الدين أوصى الله به أنبياءه واحدا فإن غايتهم كذلك واحدة ، يقول الله تعالى : ( وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون - الأنبياء 25 ) ، ( ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت ) ( واسأل من أرسلنا قبلك من رسلنا أجعلنا من دون الرحمن آلهة يعبدون - الزخرف 44 ) ، فالأنبياء جميعا متفقون في الهدف والغاية ، ألا وهو دعوة الناس الذين أرسلوا إليهم ليفردوا الله وحده بالعبادة والطاعة والتقوى . ولهذا فإن القرآن يحدد مهمة رسالة المسيح عليه السلام بأنها تكملة لما جاء به موسى والأنبياء من قبله ، يقول الله تعالى : ( وقفينا على آثارهم بعيسى بن مريم مصدقا لما بين يديه من التوراة ، وآتيناه الإنجيل فيه هدى ونورا ، ومصدقا لما بين يديه من التوراة وهدى وموعظة للمتقين - المائدة 46 ) .

فرسالة عيسى عليه السلام استمرار للرسالة الموسوية التي جاء بها سيدنا موسى إلى بني إسرائيل ، ولهذا فإن القرآن يصف كتاب الله إلى سيدنا موسى بأنه إمام ، لأنه أساس للتعامل في الديانات التي خصها الله لشعب بني إسرائيل ، يقول الله تعالى : ( ومن قبله كتاب موسى إماما ورحمة ، وهذا كتاب مصدق لسانا عربيا لينذر الذين ظلموا وبشرى للمحسنين - الأحقاف 12 ) .

وحول تفسير رسالة سيدنا عيسى يقول الله تعالى : ( ولما جاء عيسى بالبينات قال قد جئتكم بالحكمة ولأبين لكم بعض الذي تختلفون فيه فاتقوا الله وأطيعون ، إن الله ربي وربكم فاعبدوه هذا صراط مستقيم - الزخرف 63 - 64 ) . ( ومصدقا لما بين يدي من التوراة ولأحل لكم بعض الذي حرم عليكم وجئتكم بآية من ربكم فاتقوا الله وأطيعون ، إن الله ربي وربكم فاعبدوه هذا صراط مستقيم - آل عمران 50 - 51 ) . وإذن : فالمسيحية التي جاء بها عيسى عليه السلام ، إحدى مراحل الرسالة الإلهية إلى الناس ليعبدوا الله ويطيعوه ، ويتقوه ، فهي تدعو إلى : - توحيد الله وتنزيهه عن كل معاني الشرك . - وإفراده وحده جل شأنه بالعبادة والطاعة . - وتنفيذ أوامره وتحقيق شرعه . - والتحلي بجميل الخلق ورفيع الشيم ومكارم الأخلاق . والزيادة على هذا غلو وكفر ، ولهذا فإن القرآن يحكي نصيحة عيسى لقومه ودعوته إياهم لعبادة الله وحده وعدم الاشراك به : ( لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح بن مريم ، وقال المسيح يا بني إسرائيل اعبدوا الله ربي وربكم ، إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة ومأواه النار وما للظالمين من أنصار - المائدة 72 ) .

هذه الرسالة التي حملها سيدنا عيسى ليست رسالة عامة ، ولكنها خاصة ببني إسرائيل ، يقول الله تعالى : ( ورسولا إلى نبي إسرائيل أني قد جئتكم بآية من ربكم - آل عمران 49 ) . ( وإذ قال عيسى بن مريم يا نبي إسرائيل أني رسول الله إليكم مصدقا لما بين يدي من التوراة ومبشرا برسول يأتي من بعدي أسمه أحمد ، فلما جاءهم بالبينات قالوا هذا سحر مبين - الصف 6 ) .

وفي إنجيل برنابا في الفصل 43 - 44 - مزيد من تفسيرات هذه الخاصية ، كما أن في إنجيل متي 15 / 24 ما نصه : لم أرسل إلا إلى خراف بني إسرائيل الضالة ( 1 ) ) . إذن فلا مفر من النتيجة التالية : أن المسيحية دعوة إلهية مكملة لما جاء به سيدنا موسى لبني إسرائيل خاصة وأنها الدعوة للتوحيد ، وإفراد الله سبحان وتعالى بالعبادة والوحدانية ، وتربية البشر على الأخلاق الفاضلة ، وما وراء ذلك - مما اخترعه الناس - إن هو إلا إفك وضلال مبين . وبهذا تحدد المسيحية نفسها بأنها :

1 - رسالة إلهية لتوحيد الله وعبادته .
2 - وأن رسالة عيسى عليه السلام مكملة لرسالة موسى في بني إسرائيل فقط .
3 - وأنه لا يجوز الخروج على المنهج الإلهي الذي جاءت به رسالة عيسى بالزيادة والنقص ، ولهذا يناديهم القرآن الكريم محذرا من الغلو والانحراف في تصور الذات الإلهية ومبينا حقيقة المسيح عليه السلام فيقول : ( يا أهل الكتاب لا تغلو في دينكم ولا تقولوا على الله إلا الحق ، إنما المسيح عيسى بن مريم رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه فآمنوا بالله ورسله ، ولا تقولوا ثلاثة انتهوا خيرا لكم إنما الله إله واحد سبحانه أن يكون له ولد ، له ما في السماوات وما في الأرض وكفى بالله وكيلا - النساء 171 ) . ذلك هو الحق في المسيحية التي جاء بها سيدنا عيسى كما تصورها آيات القرآن لكريم ذلك المصدر الإلهي المعصوم نزاهة ، وكما يصورها البحث العلمي المجرد من الهوى ، ولله عاقبة الأمور . * ( هامش ) * ( 1 ) متيوس ص 24 لغة إندونيسيا .

( * ) لماذا كان القرآن هو المصدر ؟ ولكن قد يبدو هناك اعتراض ملخصه : أن عرضي السابق ارتكز على القرآن كمصدر في تصوير المسيحية التي جاء بها عيسى عليه السلام ؟ والحق أن القرآن وحده وهو المصدر العلمي والتاريخي ، الذي يصور لنا تاريخ الرسالات الإلهية منذ آدم عليه السلام حتى خاتم الأنبياء والمرسلين محمد ( ص ) ، فليس في الوجود كله كتاب إلهي أو بشري له من الاحترام العلمي القائم على التواتر والحفظ والصيانة لرسمه وطريقة قراءته وأصوله كلها غير القرآن الكريم . والاستناد إلى القرآن في عرض مسيحية سيدنا عيسى ليس تعصبا في البحث ولكنه منهج نزيه ، وهو عمل علمي حقيق بالاحترام ، ذلك :

1 - لأن الأناجيل نفسها لم تأخذ حظها من الثقة التاريخية ولم تنل احتراما علميا ، لما نابها من الاختلاف والتباين ، حتى لقد أوقف كثير من المتعصبين أنفسهم للدفاع عن تضاربها كما فعل القس بوطر في رسالته ( الأصول والفروع ) والقس إبراهيم سعيد ، في ( شرح بشارة لوقا ) . . . الخ .

2 - كما أنها تعرضت لنقد شديد من العلماء المسيحيين الذين أسلموا عن بحث ورغبة في التوصل لمعرفة الحق ، مثل المسيو ايتين دينيه الفرنسي الرسام الذي هدته عبقريته الفنية إلى حقيقة الألوهية ، فأعلن إسلامه في عام 1927 م ، بعد دراسات تاريخية ونفسية ودينية لكتب الأديان ، وفيها يقول عن الأناجيل ( أما إن الله سبحانه قد أوحى الإنجيل إلى عيسى بلغته ولغة قومه ، فالذي لا شك فيه أن هذا الإنجيل قد ضاع واندثر ولم يبق له أثر ، أو أنه قد أبيد ( 1 ) ) . * ( هامش ) * ( 1 ) أشعة خاصة بنور الإيمان ص 41 - 42 . ( * ) 3 - كما أنها تعرضت لنقد شديد من العلماء والباحثين المسيحيين الذين لم يسلموا ، مثل : الدكتور نظمي لوقا إذ يقول : ( وأعني بالمسيحية هنا ما جاء به المسيح من نصوص كلامه ، لا ما ألحق بكلامه وسيرته من التأويل ) ( 1 ) . 4 - وفي مقابل هذا نجد القرآن قد اتخذ مكانته العلمية بين الأوساط المسيحية نفسها ، فلا نجد غالبيتهم العاقلة إلا محترمة لمصدرية القرآن وتاريخيته وسنده ، ومعترفة بتواتره المنقطع النظير ، يقول المستشرق الفرنسي الأستاذ ( ديمومبين ) في كتابه عن الاسلام : ( إن المنصف لا مناص له من أن يقر بأن القرآن الحاضر هو القرآن الذي كان يتلوه محمد ( ص ) ( 2 ) ) .

ويقول السير وليم موير في كتابه ( حياة محمد ) ( كان الوحي المقدس أساس أركان الإسلام ، فكانت تلاوة ما تيسر منه جزءا جوهريا من الصلوات اليومية عامة أو خاصة ، وكان القيام بهذه التلاوة فرضا وسنة يجزى من يؤديهما جزاء دينيا صالحا ، ذلك كان جماع الرأي في السنة الأولى ، وهو ما يستفاد كذلك من الوحي نفسه ، لذلك وعت القرآن ذاكرة كثرة المسلمين الأولين إن لم يكونوا جميعا ( 3 ) .

لهذا : فإن الاستناد إلى القرآن الكريم كمصدر في تصوير المسيحية التي جاء بها عيسى هو عمل عملي موثوق به ، وليس غيره مصدرا يرتضيه العلم والعلماء العارفون لحقيقة الأبحاث والدراسات التي تتجه إلى الحق القائم على المصدر الأصيل الموثوق فيه ، ومن أصدق من الله حديثا ؟ * ( هامش ) * ( 1 ) الرسالة والرسول ص 58 . ( 2 ) التفكير الفلسفي في الإسلام : الدكتور عبد الحليم محمود ص 44 . ( 3 ) حياة محمد : محمد حسين هيكل ، ص 31 . ( * )

المقالة الثانية حياة المسيحية بعد سيدنا عيسى عليه السلام

أولا - الاضطهاد الديني :
أ - اضطهاد اليهود والرومان لعيسى عليه السلام .
ب - عهود الاضطهاد بعد عيسى عليه السلام .
ثانيا - المزج الفلسفي بمبادئ المسيحية :

( أولا ) : الاضطهاد الديني اضطهاد اليهود والرومان لعيسى عليه السلام : أيد الله سبحانه وتعالى نبيه عيسى عليه السلام بمعجزات مادية : فكلم الناس في المهد ، وقال لهم : إني عبد الله آتاني الكتاب وجعلني نبيا ، ويخلق من الطين كهيئة الطير فينفخ فيه فيكون طائرا بإذن الله ، ويبرئ الأكمه ، والأبرص ، ويحيي الموتى بإذن الله ، وينبئ الناس - اليهود - بما يأكلون وما يدخرون في بيوتهم بإذن الله ( راجع الآيات 49 آل عمران ، 110 المائدة ) . وحكمة ذلك : أن في هذه المعجزات المادية إعلانا علميا للسلطان الإلهي في مواجهة الإلحاد الفكري الذي ساد العقلية اليهودية المادية ، التي اشتهرت بإنكار الروح بالقول والفعل ، وتفسير كل شئ في الوجود تفسيرا ماديا بالسبب والعلة والغاية ، واتخذ ذلك عندهم شكلا نظريا وسلوكيا ، فكانت معجزات الله إلى سيدنا عيسى قهرا ماديا للفكر المادي حتى يرجعوا إلى عالم الفكر والروح الصافي من غواشي المادة الملحدة الضالة ، وليطلع الجانب الروحاني في البشر على سلطان الله الأحد المهيمن العزيز الجبار ، ذلك : لأن اليهود قد قست قلوبهم فهي كالحجارة أو أشد قسوة ، فجاء سيدنا عيسى بما يلين قلوب اليهود المتحجرة ، وكان من تعاليمه إعلان المساواة بين طوائف اليهود المتكبرين ، وطائفة السامرة التي يعاملها اليهود معاملة الرق ، والانتباذ ، والاحتقار .
فلهذين السببين : - أي عدم الاتفاق المزاجي بين اليهود ، ورسالة السيد المسيح عليه السلام . - والمساواة التي أعلنها السيد المسيح بين اليهود ، والسامرة - ناوأ اليهود الذين لعنهم الله على لسان داوود من قبل ، رسالة عيسى عليه السلام ، وهو سلوك طبيعي فيهم يصفه القرآن الكريم بقوله : ( كلما جاءهم رسول بما لا تهوى أنفسهم فريقا كذبوا وفريقا يقتلون - المائدة 70 ) .
لذلك أعلن أرستقراطيو اليهود عداءهم لعيسى نبي الله ورسوله إليهم ، وحاولوا الايقاع به عند الحكومة الرومانية .

إلا أن الذي أطال حبل الحيلة وجعل الدولة الرومانية لا تسمع لليهود ، أن سياسة الدولة الرومانية كانت قائمة على عدم التدخل في الشؤون اليهودية ، والاختلافات بين عيسى واليهود إن هي في نظر الدولة الرومانية إلا خلافات للأسرة اليهودية ، ولا إهتمام للدولة به ، فكل ما يهم الدولة هو استقرار الأمن ، وأن تخضع الهيئات كلها لنظام الحكم في الدولة .

يضاف إلى هذا ، أن سيدنا عيسى عليه السلام ، لم يكن يعلن أن رسالته عامة ، وإنما هي خاصة بخراف بني إسرائيل الضالة ، وأنه لم يسلك في دعوته أسلوب التنظيم الدولي والسياسة الإدارية ، لأنه لم يفرغ بعد من الخطوة الأولى ، وهي استقرار العقيدة ، ووجود الجماعة التي تدافع عنها ، فكل الذي يدعو إليه السيد المسيح هو الاصلاح الوجداني ، والنظافة النفسية والطهارة الروحية ، والدعوة نفسها تتحرك في منهج رباني ، الله وحده هو الذي يرسم خطاها ، ويقدر لها ظروفها وملابساتها ، وما سيدنا عيسى إلا واحد من الأنبياء الذين يبلغون رسالات الله ويخشونه ، ولا يشخون أحدا إلا الله ، فلذلك لم تجد الدولة الرومانية في دعوته خطرا عليها ، فلم تتدخل لحسم الخلاف بين الأسرة اليهودية .

لذلك طال حبل الحيل اليهودية في الايقاع بعيسى عليه السلام لدى الدولة الرومانية ، حتى شاء الله وقدر ولا راد لقضائه وقدره ، فكذب اليهود وفتنوا نبي الله لهم فقامت الدولة الرومانية بمعاداة السيد المسيح ، وحكموا عليه بالإعدام صلبا ، وهنا نترك البحث في الشوط الذي وصل إليه حكام الرومان في تنفيذ حكمهم على سيدنا عيسى ، ذلك لأنني كمسلم مرتبط بقواعد الإسلام التي تحددها آيات القرآن الكريم : ( وما قتلوه ، وما صلبوه ، ولكن شبه لهم ، وإن الذين اختلفوا فيه لفي شك منه ، ما لهم به من علم ، إلا ابتاع الظن ، وما قتلوه يقينا ، بل رفعه الله إليه ، وكان الله عزيزا حكيما - النساء 157 - 158 ) وفي مثل هذه الأخبار التاريخية يقف العلم نفسه والتاريخ ذاته إجلالا وتقديسا لنصوص القرآن الكريم لأنه وحده المصدر الأوثق والفريد ، الذي يعتمد عليه العلم والتاريخ في معرفة الأخبار للأديان السابقة ، والأحداث الماضية ، وما سواه - كما يقرر العلم - حدس وظن وتخمين وخبط عشواء ؟ فالاضطهاد الديني - من هذا التمهيد - تبرز أنيابه ضد المسيحية منذ اللحظة الأولى لدعوتها في عهد السيد المسيح عليه السلام .

هذا الاضطهاد بدأه : - اليهود بما زرعوه من الكذب والفتن والحيل والاغراء. - وكذلك الدولة الرومانية بما قامت به - حسب النظرية القرآنية - من محاولة صلب المسيح ، ولكنه نجا ورفعه الله إليه ، أو بما حققته الدولة الرومانية من صلب المسيح كإستجابة لغش اليهود وفتنهم حسب التفسير المسيحي وكان ذلك في عهد طيباروس الذي عاصر السيد المسيح عيسى بن مريم عليه السلام . - ثم استمرت عملية التعذيب والاضطهاد بعد عيسى عليه السلام ، وتتلخص في أربعة عهود رئيسية ، كان الاضطهاد فيها فوق ما يتصور الشعور ، ويتحمل البشر.

عهود الاضطهاد كانت عهود الاضطهاد بعد عيسى أربعة : 1 - في عهد نيرون 64 م . 2 - في عهد تراجان 106 م . 3 - في عهد ديسيوس 249 - 251 م . 4 - في عهد دقلديانوس 284 م . وهذه العهود الأربعة هي أشد العهود ظلاما ، وأكثرها ظلما ، وأعنفها قسوة ، في عملية الاضطهاد الديني الذي منيت به المسيحية منذ فجرها الأول ، وسوف أعرض ما حديث بإيجاز ، إذ أنه يسوؤنا ما حل بالمسيحية ، فالعواطف الإسلامية التي ترسمها سورة الروم ، هي تدريب المسلم على احترام البشر الذين هم في جانب الله والذين يؤمنون بأحد أديانه السماوية ، ولولا أن تلك مرحلة هامة في عرضها لقواعد البحث لدراسة المسيحية لتجنبتها تماما ، ولكن بما أن البحث في المسيحية يحتاج إلى هذه المرحلة ليتعرف الدارس على ما أصاب المسيحية من ظلم منذ عهد رسولها عيسى عليه السلام ، وبذلك يمكنه معرفة مكان المسيحية في التاريخ ، ومكانتها الاجتماعية ، من هنا فقط سوف أعرض بإيجاز حلكة هذا الاضطهاد كأساس للبحث في المسيحية لمن شاء . أ - في عهد نيرون 64 م : 1 - اتهم نيرون المسيحيين بإحراق روما .

فأخذهم بهذه التهمة ، وتفنن هو وحكومته في تعذيب المسيحيين بشتى ألوان التعذيب . 2 - من ألوان هذا التعذيب : 1 - أنه أدخل المسيحيين في جلود الحيوانات ، ثم قدمهم أطعمة للكلاب . 2 - ألبسهم جلابيب مطلية بالقار ( المادة السوداء التي تستخدم في الإسفلت ) ثم أوقدهم كمشاعل على الطريق يستضاء بها في الليلة الظلماء . 3 - اتخذ هو لنفسه من تلك المشاعل البشرية شموعا كان يسير على ضوئها في وسط اللهيب المتصاعد من أبدان المسيحيين .

وفي هذه الظروف النفسية العصيبة ، والجو الكالح ، والظلم المتعجف دونت بعض الأناجيل : إنجيل مرقس عام 61 م ، وإنجيل لوقا . ب - في عهد تراجان 106 م . خلف نيرون حاكما أقل قسوة ، وأخف وطأة ، ووجد المسيحيون لدينهم متنفسا فترة من الزمن ، ولكن القدر هيأ لهم امتحانا من جديد ، فكان عهد تراجان القاسي العنيف الذي ألجأهم إلى الهرب وإلى الاستخفاء بالصلاة ، فتعقبهم في عقر بيوتهم ، وأصدر أحكامه بمنع التجمعات السرية ، واعتبر الصلاة المنفردة إحدى التجمعات السرية التي تعاقب عليها الدولة .

وذلك كله لأن المسيحيين لا يدينون بدين الدولة الوثنية . يقول صاحب كتاب الحضارة : ( كتب ( بلين ) - وقد كان واليا في آسيا للإمبراطورية الرومانية في عهد تراجان يصور منهجه في معاملة المسيحيين وتعذيبهم ) : . . .

أني أسألهم إذا كانوا مسيحيين فإذا أقروا ، أعيد عليهم السؤال ثانية وثالثة مهددا بالقتل ، فإن أصروا أنفذ عقوبة الإعدام فيهم ، مقتنعا بأن غلطهم الشنيع وعنادهم الشديد يستحقان هذه العقوبة ، وقد وجهت التهمة إلى كثيرين بكتب لم تذيل بأسماء أصحابها فأنكروا أنهم نصارى ، وكرروا الصلاة على الأرباب الذين ذكرت أسماءهم إمامهم ، وقدموا الخمور والبخور لتمثال أتيت به عمدا مع تماثيل الأرباب ، بل إنهم شتموا المسيح ) . ج - في عهد ديسيوس 249 - 251 م : يقول بطريرك الإسكندرية ، وهو يصف ما فعله ديسيوس : ( لم نكد نتنفس الصعداء ، حتى حاق بنا الخوف ، وحفنا الخطر ، عندما راح الملك الذي كان أرق جانبا ، وأقل شرا من غيره ، وجاء مكانه ملك آخر ، لم يكد يجلس على كرسي المملكة حتى وجه أنظاره نحونا ، وأخذ يعمل على اضطهادنا ، وقد تحقق حدسنا ، عندما أصدر أمرا شديد الوطأة فعم الخوف الجميع ، وفر بعضهم بدينهم ، وقد أبعد كل مسيحي من خدمة الدولة ، مهما كان ذكاؤه ، وكل مسيحي يرشد عنه يؤتي به على عجل ، ويقدم إلى الهيكل الوثني ، ويطلب منه تقديم ذبيحة للصنم ، وعقاب من يرفض تقديم ذبيحة أن يكون هو الذبيحة ، هذا بعد أن يجتهدوا في إرهابه ، ومن ضعاف الإيمان من أنكر مسيحيته ، واضطر الكثيرون إلى التعلق بأذيال الفرار ، ومنهم من زج به في غياهب السجون ( 1 ) ) . د - في عهد دقلديانوس 284 م : لما اتجهت مصر اتجاه بعض الأقاليم التي أرادت أن تتحرر من الإستعمار الروماني سطا على حريتها وحرية زعماء الحركة التحررية فيها دقلديانوس الممثل للحكم الروماني في مصر فقطف رؤوس الألوف من البشر لقمع الحركة التحررية التي أرادها الشعب ويروي التاريخ أن جملة الرؤوس المسيحية التي أطاح بها الارهاب الدقلديانوسي ( 000 / 140 ) أربعين ومائة الف قتيل من أبناء المسيحية ، ولهذا فإن أحداث المسيحية في هذا العهد تتخذ مبدأ التقويم القبطي عند أقباط مصر ، إحياء للمأساة التي عاشها الشعب تحت حكم دقلديانوس الروماني .

* ( هامش ) * ( 1 ) راجع تاريخ الأمة القبطية ج 1 ص 104 - 107 . ( * ) في هذا الجو من الاضطهاد يجدر بالباحث في المسيحية ، تاريخا ونظاما ، وطقوسا ، أن يتحرى آثار هذا الاضطهاد ويتساءل : 1 - هل يمكن إثبات سند متصل للديانة المسيحية ؟ 2 - هل الديانة المسيحية - كنظام وتعاليم من عند الله - استطاعت أن تأخذ نصيبها من الوجود في عهد سيدنا عيسى أو بعده ؟ 3 - هل الأناجيل التي كتبت في عهود الاضطهاد المستمر منذ اللحظة الأولى تحمل صفة الكتاب المنزل من عند الله ؟ 4 - هل في ظل هذا الاضطهاد الديني يمكن لكاتبي الإنجيل أن يتحلوا بصفة الحيدة العلمية التي ينادي بها علماء الغرب المسيحيون في العصر الحديث ؟ 5 - ما مدى الثقة التي يعطيها التاريخ لما كتب في هذه العهود من الأناجيل ، وما مدى احترام التاريخ والعلم للرجال الذين كتبوا هذه الكتب ؟ لا سيما في ظل هذه الأحوال النفسية التي تجعل من العسير أن يقوم البحث العلمي على أسس محايدة نظيفة ؟ لذلك يجب أن يتنبه الباحثون المنصفون ، من المسلمين وغيرهم على السواء ، إن كانوا حقا علماء باحثين . ! ! ( ثانيا ) المزج الفلسفي بمبادئ المسيحية ؟ أولا : في الغرب :

في الحروب التي كانت تدور بين الفرس المجوس ، والرومان الوثنيين ، بدت ظاهرة لملوك الدولة الرومانية ، وهي محاولة التميز عن الأمة الفارسية في الظهور بمظهر ديني شعبي ولم تجد الدولة الرومانية آنذاك إلا الديانة المسيحية التي وقف عديد من ملوكها ضدها أحقابا غير قليلة من الزمن ، وشاء الله أن تتبدل الأحوال فدخل حكام الرومان في المسيحية سياسيا فهدأت عهود الاضطهاد بل انتهت ، وكان عهد قسطنطين عهد خير على المسيحين أنفسهم .

وبذلك خطت التعاليم المسيحية خطوة جديدة ، وهي أنها دخلت معركة فكرية مع ثقافة الدولة الرومانية الوثنية من جانب والفلسفية من جانب آخر ، وحول هذا يقول فندلند : ( إن الفلسفة استخدمت نظريات علوم اليونان لتهذيب الآراء الدينية ، وترتيبها ولتقدم إلى الشعور الديني اللجوج فكرة في العالم تقنعه ، فأوجدت نظما دينية من قبيل ما وراء الطبيعة والمادة تتفق مع الأديان المتضادة اتفاقا يختلف قلة وكثرة ) .



ومعناه أن الأديان في الدولة الرومانية قبل أن تصير مسيحية كانت ثلاثة : 1 - الديانة الرسمية للدولة ، وهي الوثنية . 2 - الديانة اليهودية العنصرية الخاصة باليهود ، ولا تتدخل الدولة في شؤونها 3 - الديانة التي جاء بها عيسى ووقفت الدولة منها موقف العداء ، وناهضها اليهود ثم أخذت بها الدولة مؤخرا . وفي ظلال الاضطهاد حدثت عمليتان متباينتان : أولاهما : دخول نفر من المسيحيين إلى الديانة الرسمية الوثنية ، ولكنهم ظلوا بعقولهم وقلوبهم وعواطفهم مع الديانة المسيحية . ثانيتهما : دخول نفر من الوثنيين - وخاصة بعد انتهاء عصر الاضطهاد - إلى المسيحية ، ولكنهم ظلوا بعقل وقلب وعاطفة وثنية . يضاف إلى هذا : أن الأحوال المعيشية والاجتماعية في بلاد الرومان لم تساعد على أن يأخذ السلطان الديني محله من النفوس ، فقد كانت البلاد تعاني من طبقية جذرية الأضلاع حادة الزوايا - بالتعبير الهندسي - فبينما نجد الرخاء والترف والنعيم من حظ الطبقة الحاكمة ، نجد على العكس ، عامة الشعب يتلوى من الجوع ، ولا يجد عملا يتحصل منه على شئ يسد رمقه ، أو يشفي تشقق الشفاه الظامئة من لهيب كبدها الجائعة العطشى ؟



ولم يكن هناك شئ يخفف من آلام العامة إلا السلطان الديني ، ولكنه على مر الأيام وتزايد سقم الجوع ، وتخم الأغنياء ، واستفحال ظلم الحكومة ، وانحراف رجال الدين ، لا بد وأن يضمحل ، فالجوع مخرب للرؤوس ، مشوش للعقائد ، لا سيما عند الذين يعبدون الله على حرف ، وبالأخص في العقائد الضالة التي لا تستند إلى حقيقة إلهية صحيحة ، فإنها أحرى أن تتلاشى ، وأن تذوب أمام هذا الظلم الاجتماعي ، والانحراف الإداري ، والضياع الديني .

لذلك فقد خبا لهيب السلطان الديني ، وباتت الصدور خاوية منه ، فأراد الفلاسفة أن يملأوا هذا الفراغ في عملية ارتقاء وجداني تسمو فيه العواطف بالعقل إلى أعلى ، وتلتذ بحلاوة التفكير لتذهب مسغبة البطن ، وتأخذ الفلسفة محلها في مراقبة السلوك محل السلطان الديني فقامت التعاليم الفلسفية بشذى ديني ، والتحم الشعور الديني بالتذوق الفلسفي ، أو التقت المشاعر الدينية التي هي طبيعية في الانسان من ناحية كونه إنسانا ، بالضوء الفلسفي الخلاب ، واستطال هذا الامتزاج حتى صنع من الأديان التي تؤمن بها الدولة الرومانية وحدة طقوس وشعائر ، فالتقت المسيحية مع الفلسفة ، مع الطقوس الوثنية القديمة ، وكان الشعب خليطا في أفراده يضم يهودا ومسيحيين ووثنيين وخليطا في ثقافته يجمع المسيحية والوثنية واليهودية فوجدت الفلسفة المتدينة ، أو الدين المتفلسف جوا بشريا بعناصره البيولوجية والسيكولوجية يتلائم معها ، فكانت المسيحية التي امتزجت بالفلسفة ، والأفكار الوثنية ، أو الوثنية التي صارت مسيحية وانصهرتا معا في بوتقة تسمى الفلسفة ، لك أن تسمي هذه الاخلاط ما تشاء ، فقد ولدت على كل حال ديانة جديدة هي خليط من مجموعة أشياء وكان قصرها العظيم هو الفلسفة ، فانطبعت فيما بعد الأفكار الدينية في ظل الكنيسة المسيحية بتلك الألوان ، وحاول أصحابها تفسيرها والتقنين لها فكريا على نحو ما ستراه من كلامهم في الأناجيل.



ثانيا : في الشرق : كانت مدرسة الإسكندرية الفلسفية إحدى منارات الفكر والعلم والحكمة الانسانية على الشاطئ الجنوبي للبحر الأبيض المتوسط ، وكانت المدرسة تبعث بإشعاعاتها الفكرية والفلسفية والمعرفية في العالم ، كما هو مشهور في تاريخ الحضارة العالمية القديمة ، وساعد على قدرتها في تبليغ العلم هجرة أساتذة من علماء اليونان إليها ، وكان شيخ هذه المدرسة : أولا : أمنيوس المتوفى في عام 242 م ، الذي اعتنق المسيحية ثم ارتد عنها إلى وثنية الدولة الرومانية. ثانيا : أفلوطين المتوفى في عام 270 م الذي تتلمذ في مدرسة الإسكندرية ، ثم رحل إلى فارس والهند ، فاطلع على المعارف الصوفية الهندية ، والتعاليم

البوذية ، والبرهمية . . .

الخ ثم عاد إلى الإسكندرية ، وفي جعبته خليط من ألوان الثقافات ، فراح يدرسها وكان أساس تعاليمه أمور ثلاثة :

1 - الكون نشأ عن ( الخالق الأزلي الأول ) الذي لا تحده الأفكار . 2 - الأرواح شعب ( لروح واحدة ) تتصل بالخالق الأزلي عن طريق ( العقل ) المنبثق عن الخالق الأزلي الأول . 3 - العالم كله في تدبيره وتكوينه وتحركه يخضع لهذه الثلاثة : - المنشئ الأزلي الأول .

- العقل المنبثق عنه . - الروح التي هي مصدر تتشعب منها الأرواح جميعا . ويشرح أفلوطين نظريته الثلاثية ، فيقول : 1 - عن المنشئ الأول صدر العقل ، وليس صدوره كالولادة ، ولكنه انبثاق . 2 - ومن العقل انبثقت الروح التي هي وحدة وأساس الأرواح كلها . 3 - وهذه الثلاثة : المنشئ الأول ، والعقل ، والروح ، أساس لتوالد العالم وتواجده وتكوينه .



هذه الدراسات أساسها الأفكار والثقافات التي حملها أفلوطين من العالم الفارسي والهندي ، وحملتها مدرسة الإسكندرية الأفلوطونية الحديثة في العقد السابع من القرن الثالث الميلادي ( 270 ) م ، وفكرة التثليث المسيحية لم تنتشر قبل مجمع ( نيقية ) أي قبل العقد الثالث من القرن الرابع الميلادي ( 325 ) م وإذن ، فالمسيحية وأقانيمها الثلاثة ، إنعكاس لدراسات الافلوطونية الحديثة ، ولهذا فإن جانبا من علماء الفلسفة الغربية يشكون في حقيقة المسيح ويعتبرونه شخصية رمزية لفلسفة أفلوطين أريد منها تغطية الفلسفية الأفلوطونية بثياب دينية ليعتنقها العامة .



وهو فرض وتفسير فلسفي لا يعترف به الفكر الاسلامي في أبحاثه مطلقا لأن المسلم مرتبط بالنصوص الدينية في القرآن الكريم التي تقرر أن المسيح عيسى ابن مريم نبي الله وكلمته ورسوله إلى بني إسرائيل ، يقول الله تعالى : ( إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون ) آل عمران 59 ، ( إذ قالت الملائكة يا مريم إن الله يبشرك بكلمة منه اسمه المسيح عيسى بن مريم وجيها في الدنيا والآخرة ومن المقربين ) آل عمران 45 . وإذن فالتثليث في المسيحية صدى لأبحاث فلسفية تولدت من : 1 - الحياة في الدولة الرومانية التي دخلت بخليطها الشعبي والثقافي ، في المسيحية . ب - الأفكار الفلسفية في الشرق التي أشعتها الأفلوطونية الحديثة كمزيج من الثقافات البشرية ، وتمركزت كلها حول اسم الديانة المسيحية ، وساعد عليها الجو المختلط الذي لم يسمح للمسيحية بتحقيق وجودها كفكرة أو كحركة عملية سلوكية .



وهنا قد يشعر القارئ أنني أحكم ، مع أنني اتخذت منهج العرض لرؤوس المسائل دون حكم على الأشياء ، وهنا أقول : إن قضية التثليث ، قضية فلسفية لا دينية ، وإن كانت تعد عند أصحابها كفكرة دينية ، إلا أنها من حيث التاريخ والترتيب الزمني لا يكن القول بأن التثليث قضية دينية ، ولهذا كان في أسلوبي شئ من رائحة الحكم ، ومع هذا فإنني أريد أن يكون عرضي هذا أساسا للبحث في المستقبل من السادة الباحثين ؟ ولنعرج معا على وثيقة فلسفية شرحها المستشرق المعروف ( ليون جوتيه ) في كتابه ( المدخل لدراسة الفلسفة ) الذي طبع بالفرنسية في باريس عام 1923 م ، وترجمة إلينا المرحوم الدكتور محمد يوسف موسى ، يقول ليون جوتيه : ( . . . وهكذا كان التزاوج بين العقيدة اليهودية ، والفلسفية الإغريقية لم ينتج فلسفة فقط ، بل أنتج معها دينا أيضا ، أعني المسيحية التي تشربت كثيرا من الآراء والأفكار الفلسفية عن اليونان ، ذلك أن اللاهوت المسيحي مقتبس من نفس المعين الذي كانت فيه الأفلوطونية الحديثة - وهي فلسفة أفلاطون التي كانت معينا لفلسفة أفلوطين - ولذا نجد بينهما ( أي اللاهوت المسيحي ، والأفلوطونية الحديثة ) مشابهات كثيرة ، وإن افترقا أحيانا في بعض التفاصيل ، فإنهما يرتكزان على عقيدة التثليث ، والأقانيم الثلاثة واحدة فيهما . أول هذه الأقانيم : هو مصدر كل كمال ، والذي يحوي في وحدته كل الكمالات ، وهو الذي دعاه المسيحيون ( الأب ) ، والثاني : هو ( الابن ) هو الكلمة ،والثالث : هو دائما ( الروح المقدس ) على أنه يجب أن يلاحظ أن هذه الأقانيم الثلاثة ليست في نظر الأفلوطينية متساوية في الجوهر والرتبة - بينما هي متساوية عند المسيحية : فالابن الذي يتولد من الأب لا يمكن أن يكون أدنى منه كمالا ، وإلا صار من طبيعة الكامل أن يصدر اضطرارا عنه غير الكامل ، وهذا حط من رتبته ، وكذلك الروح القدس مساو للأب والابن ( 1 ) وإذن فالمسيحية في دعواها الأقانيم الثلاثة إنما تتمسك بفكرة فلسفية هي خليط من تعاليم المدارس الفلسفية ، وخاصة : ( الأفلوطونية ) ، و ( الأفلوطونية الحديثة ) ، الأولى : مدرسة غربية في الأمة الإغريقية اليونانية ، والثانية : مدرسة في الشرق بالإسكندرية ، هيئ لها جو من أساتذة الفكر الروماني اليوناني ، كما هيئ لشيخها أن ينقل عديدا من ثقافات الهند وفارس ويصهرها كلها في

بوتقة واحدة قيل لها فيما بعد المسيحية ، واعتبرها الناس دينا . وإذن فالذي يجب أن يتنبه إليه الباحث دائما هو : علاقة الفهم والتنظيم في المسيحية بكل من : 1 - الفلسفة الإفلاطونية الإغريقية . 2 - الفلسفة الإفلاطونية الشرقية . 3 - التنظيم الثالوثي في الوثنية القديمة لدولة الرومان . والسابق أستاذ اللاحق ، وصاحب السلطان أقوى في التأثير على الأضعف المنقاد ، وقد كانت فلسفة أفلوطين في الإسكندرية سابقة لأنها في عام 270 م ، ومجمع ( نيقية ) الذي قرر الثالوث والأقانيم الثلاثة كان في عام 325 م ، والمسيحية عاشت مضطهدة مرؤوسة مغلوبة ، والوثنية الرومانية عاشت فوقها متسلطة غالبة قاهرة ، فمن هو المتأثر ، ومن هو المؤثر ؟ ، ذلك عمل جدير بالبحث والانتباه من الفاهمين المخلصين للعلم ، والتاريخ ، والدين على السواء . * ( هامش ) * ( 1 ) راجع ص 93 - 95 . ( * )



المقالة الثالثة مصادر المسيحية :

1 - التوراة .

2 - الأناجيل .

3 - رسائل الرسل .



تمهيد تعتمد المسيحية - وخاصة المعاصرة

- في حياتها الدينية على ثلاثة مصادر : الأول : التوراة : ويسمونها كتب العهد القديم ، وتستوعب في الحجم - باللغة الإندونيسية - 991 صفحة ، بينما تستوعب الأناجيل الأخرى 349 صفحة . والمسيحيون لا يأخذون بالتوراة ككل ، فهناك بعض الأسفار لا تأخذ بها المسيحية لعدم اعتقادهم صحة وحيها ، مع أنها أسفار جد معتبرة في نظر اليهود . الثاني : الأناجيل : وتسمى الأسفار التاريخية ، لأنها تعنى بشرح الظروف التاريخية لحياة المسيح عليه السلام .



والأناجيل المحترمة عند المسيحيين أربعة وهي : - إنجيل متى . - إنجيل مرقص . - إنجيل لوقا . - إنجيل يوحنا . وهذه الأناجيل الأربعة هي التي اعترفت بها الكنائس المسيحية في القرن الثالث بعد المسيح عليه السلام ، دون غيرها ، وهي التي أثبتها من قبل إعلانها في المجمع الأول ، مجمع نيقية ، أرينيوس عام 209 م ، ثم جاء من بعده كليمنس اسكندريانوس عام 216 م وقرر أن هذه الأناجيل الأربعة ، واجب التسليم بها ، ثم كان مجمع نيقية عام 325 م فارتقى بالأناجيل إلى درجة وجوب تقديسها هي الأربعة فقط دون غيرها ، وبذلك فقد تجاهلت الكنيسة الأناجيل الكثيرة التي أجمع على كثرتها مؤرخو المسيحية أنفسهم مثل : إنجيل ماني ، مرقيون ، ديصان ، إنجيل السبعين تلانس ، إنجيل التذكرة ، سرن تهس ، ثم إنجيل برنابا .



الثالث : الرسائل : ويسمونها ، الأسفار التعليمية لأنها توضح وتفسر المسيحية المعاصرة أكثر من الأناجيل ، وقد دونت باللغة اليونانية ، بأقلام رجال مشهورين في عالم المسيحية . وإذن : فالمصادر التي تعتمد عليها المسيحية ككل إنما هي : 1 - الأناجيل . 2 - رسائل الرسل . فالأناجيل كأسفار تاريخية تعرض حياة السيد المسيح عليه السلام ، والرسائل كتفسيرات للسلوك والطقوس الدينية في الحياة المسيحية .

ولئن شاء ربنا العلي القدير ، فسوف نعرضها كرؤوس لموضوعات أبحاث ، ونترك للقارئ ، جانبا واسعا ليشاهد منه وبه وفيه كيف أن المسيحية ، والمسيحيين معا في أمس الحاجة إلى إشعاع من النور ، ولو كان بسيطا ، بسيطا جدا ، ليروا حقيقة الله الأحد الذي لم يلد ولم يولد ، ولم يكن له كفوا أحدا .

المصدر الأول الأناجيل : 1 - إنجيل متى : أ - من كاتبه ؟ كاتبه ( متى ) أحد التلاميذ الاثني عشر ، ويسميهم العرف المسيحي رسلا ، وكان عمله قبل إتصاله بالسيد المسيح عشارا - جامعا للضرائب - لحساب الدولة الرومانية بفلسطين وهي وظيفة يمقتها اليهود ، وينظرون إلى صاحبها على أنه ظالم أو على الأقل ، عنيف الطبع ، وقد اختاره السيد المسيح ليكون له تلميذا ، وقد جاء في الإصحاح التاسع من الإنجيل ما يفيد إختيار متى تلميذا للسيد المسيح إذ يقول : ( وفيما يسوع يجتاز من هناك ، رأى إنسانا جالسا عند مكان الجباية ، واسمه متى ، فقال له اتبعني ، فقام وتبعه ، وبينما هو متكئ ، في البيت إذا عشارون وخطاة كثيرون قد جاءوا واتكأوا مع يسوع وتلاميذه ، فلما نظر الفريسيون قالوا لتلاميذه : لماذا يأكل معلمكم مع العشارين والخطاة ؟

فلما سمع يسوع قال لهم : لا يحتاج الأصحاء إلى طبيب ، بل المرضى ، فاذهبوا وتعلموا ما هو ، إني أريد رحمة لا ذبيحة ، لأني لم آت لأدعو أبرارا ، بل خطاة إلى التوبة ) ( 1 ) . ب - لغة تدوينه : يقول الكاتبون المسيحيون ، وكأنهم متفقون على هذا ، * ( هامش ) * ( 1 ) راجع إصحاح : 9 ، رقم 9 ص 13 إنجيل متى ، لغة إندونيسية .



( * ) إن لغة إنجيل متى : إما العبرية ، أو السريانية ، كما أنهم يتفقون كذلك على أن أقدم نسخة لهذا الإنجيل كانت باللغة اليونانية وقد ضاعت . يقول جيروم ( إن متى كتب الإنجيل باللسان العبري ، وهو في أرض يهودية للمؤمنين في اليهود ) . ج - تاريخ تدوينه وترجمته : يختلف المسيحيون كثيرا في تحديد تاريخ تدوين إنجيل متى ، كما يختلفون في من ترجمه ؟ 1 - رأي ابن البطريق : يقول : إن متى دون إنجيله في عهد قلديوس ولكنه لم يعين السنة التي تم فيها أو بدئ فيها بتدوين هذا الإنجيل ، ويقول عن مترجمه إنه يوحنا . 2 - رأي جرجس زوين ( لبناني ) : يقول : إن متى كتب بشارته في أورشليم سنة 39 م ، لأنه كتبه إجابة لمطلب اليهود الذين آمنوا بالمسيح ، أو كتبه استجابة للرسل ، وكانت لغة تدوينه بالعبرانية لا باليونانية كما ذكر ذلك أو سيبيدس في تاريخه .



فالسيد جرجس زوين اللبناني ، يحدد سنة التدوين 39 م ، ويحدد لغة التدوين ، ولكنه لم يحدد من هو المترجم . 3 - رأي الدكتور بوست : يقول : كتب متى إنجيله قبل خراب أورشليم ، وكانت لغة تدوينه باليونانية . وبهذا يخالف الدكتور بوست إجماع المؤرخين المسيحيين في الاتفاق على أن لغة التدوين التي كتب بها متى إنجيله هي أما العبرية ، أو السريانية ؟ 4 - رأي صاحب ( ذخيرة الألباب ) : يحدد سنة التدوين بعام 41 م ، ويقول في لغة تدوينه ، أنها باللغة المتعارفة بين الشعب الفلسطيني آنذاك وهي : أما العبرية ، أو السيرو كلدانية ، ثم ترجم إلى اليونانية ، ثم لعبت به أيدي النساخ الأيوبيين فضاع . وإذن فإنجيل متى يلاحظ فيه أثناء الدراسة للمسيحية ما يلي : 1 - أنه مجهول التاريخ بوجه عام يكاد يكون إجماعا من المسيحيين أنفسهم . 2 - وفي لغة تدوينه اختلاف لا يحد . 3 - والنسخة الأصلية معترف بضياعها أو على الأقل عدم إمكان وجودها . 4 - وأن مترجمه مجهول . 5 - وأن هذا الإنجيل كتب خاصة لليهود الذين آمنوا بالسيد المسيح أو استجابة لطلب الرسل ، ومن هم هؤلاء الرسل ؟ كذلك لم يتضح ذلك تاريخيا ؟

ولذا نرى هورن : يقول - وكأنه يشكك ، أو يضحك - ألف الإنجيل الأول سنة : 37 ، أو 38 ، أو 41 ، أو 43 ، أو 48 ، أو 61 ، أو 62 ، أو 63 ، أو 64 ! فيحكي عدة سنوات دون أن يذكر دليلا أو سندا ، أو حجة أو برهانا ! هذا إنجيل الرجل الأول في المسيحية ، فهو أحد الحواريين ، يجد الباحث حوله عدة نقاط غامضة ، في مقدمتها : أن هذا الإنجيل كتب بدافع شخصي .



وهنا يتساءل الباحث : متى يكون لكتاب الدين حرمة ككتاب مقدس من عند الله ؟ إذا نزل من عند الله بطريق الوحي المعصوم يحمله نبي معروف نسبه ونقل للأجيال بطريق متواتر تاريخي صحيح ؟ أو الكتاب الذي يطلبه بعض من الناس فيكتب لهم من الفكر البشري العادي ؟ وإذا كتبه واحد من الناس الأتباع ، أو التلاميذ ، أو الأصحاب ، فهل يسمى / صفحة 42 / في العرف العلمي أو التاريخي كتابا مقدسا ، له حرمة الكتاب السماوي الذي جاء من عند الله ؟ أو الأجدر به أن يسمى كتاب تراجم ، أو قصة حياة ؟ ذلك أمر جدير بالبحث والاستقصاء عند الباحثين المنصفين من المسلمين وغيرهم على السواء ، إن كانوا يريدون شعاعا من النور ؟ 2 - إنجيل مرقص : أ - من كتابه ؟ 1 - يقولون إن كاتبه يوحنا ، ويلقب بمرقص ولم يكن تلميذا مع الحواريين وينتسب إلى أصل يهودي من أسرة في أورشليم بفلسطين اتبع المسيح في بدء ظهوره فاختار من السبعين الذين نزل عليهم روح القدس كما يقولون في كتبهم ، ذكر تاريخ الأمة القبطية أن الطوائف المسيحية أجمعت على أن الرب يسوع كان يتردد على بيته ، وأنه في هذا البيت أكل الفصح مع تلاميذه ، وفي إحدى غرفه حل الروح القدس على التلاميذ ، يقول سفر الأعمال ( إن الرسل بعد صعود السيد المسيح كانوا يجتمعون في بيته ) ! وكان له نشاط حي في نشر المسيحية بانطاكيا - الآن تتبع لدولة تركيا - ذهب إليها مع بولس الرسول ، وخاله هو برنابا ثم عاد إلى أورشليم ، والتقى بخاله برنابا وسافر معا إلى قبرص ، ثم افترقا فذهب مرقص إلى شمال إفريقيا في منتصف القرن الأول من ميلاد المسيح ، فوجد في مصر أرضا خصبة لدعوته فاتخذها مركزا للتبشير ثم انطلق منها إلى روما وإفريقيا لنشر ديانته ، وظل بمصر حتى قبض عليه الوثنيون الرومانيون ، وقتلوه عام 62 م .

ويذكر المؤرخون منهم ، أنه كتب إنجيله بناء على طلب من أهالي رومية ذلك لأنه كان ينكر ألوهية المسيح كما يذكر لنا كتاب مروج الأخبار في تراجم الأبرار : ( أن مرقص كان ينكر ألوهية المسيح هو وأستاذ بطرس الحواري ، وأنه صنف كتابه بطلب من أهالي رومية وكان ينكر ألوهية المسيح ) . 2 - غير أن ابن البطريق ، يقول كلاما متناقضا في قضية من ألف كتاب مرقص ، فيروي أن بطرس رئيس الحواريين كتب إنجيل مرقص عن مرقص في مدينة رومية ، ثم نسبه إلى مرقص ، وهنا يجد الباحث سؤالا : كيف يأخذ رئيس الحواريين إنجيلا عن أحد الأتباع الذين لم يصلوا إلى مرتبة الحواريين ؟ وكيف برئيس الحواريين يكتب عن مرقص أحد الأتباع إنجيلا في المسيحية ؟ ولم نسبه بطرس إلى مرقص ؟ 3 - وفي مرشد الطالبين يقول : إن إنجيل مرقص كتب بتدبير من بطرس عام 61 م من أجل أن يستخدمه بطرس في تبشيره بدينه .



ولكن أرينيوس يقول : إن مرقص كتب إنجيله بعد موت بطرس وبولس ومن هنا يظهر في البحث سؤال من هو المؤلف ؟ ب - لغة التدوين : يتفق المؤرخون على أن لغة التدوين لهذا الإنجيل كانت اليونانية ، ويذكر الدكتور بوست في كتابه قاموس الكتاب المقدس ، أن مرقص كتب الإنجيل باللغة اليونانية . ج - تاريخ تدوينه : يختلف المؤرخون المسيحيون كثيرا في الزمن الذي كتب فيه الإنجيل الثاني ، فيقول هورن : ألف الانجيل الثاني سنة 56 م وما بعدها إلى سنة 65 م ، ويغلب عام 60 م أن يكون سنة التدوين له أو سنة 63 م وهي دائما عادة هورن في حديثه عن التاريخ لتدوين الإنجيل !ويقول صاحب كتاب مرشد الطالبين أنه كتب في عام 61 م . ومن هذا العرض لأقوال علماء التاريخ المسيحي يظهر للباحث نقطتان جديرتان بالاهتمام عند البحث والدراسة ، وهما : ( 1 ) من هو كاتب إنجيل مرقص أو من هو كاتب الإنجيل الثاني ، هل هو مرقص أو بطرس ؟ ( 2 ) متى كان تدوينه ؟

ذلك لأن ضياع أو اختفاء شخصية الكتاب ، وسنة التدوين ، يسقطان حرمة الكتاب ، في نظرة العلم المحايد ، من درجة الكتب المقدسة إلى كتاب عادي فقط ، قد لا يحترمه واحد من محضري رسالة الماجستير في أية مادة علمية تحترم أصول البحث ، وقيمة المراجع العلمية . 3 - إنجيل لوقا ؟ أ - من كاتبه ؟ يقولون : إن كاتب الإنجيل الثالث هو ( لوقا ) ولكن شخصيته يحوطها ضباب كثيف ، فمن هو لوقا ؟ 1 - يقولون : إنه كان طبيبا من أصل يهودي رافق بولس في حله وترحاله وأعماله ، وجاء في رسائل بولس ما يشير إلى هذا ، ففي الإصحاح الثاني من رسالته إلى أهل تيموثاوس يقول : لوقا وحده معي وفي رسالته إلى أهل فليمون يقول : مرقص وأرسترخس وديماس ، ولوقا العاملون معي ، وفي الإصحاح الرابع من رسالته إلى كولوسي يقول : ( ويسلم عليكم لوقا الطبيب الحبيب ). فمن هذه النصوص يظهر لنا : أن لوقا طبيب : وأنه أنطاكي . 2 - ولكن الدكتور بوست يرى أنه لم يكن أنطاكيا بل كان رومانيا ، ويقول إن الذين يدعون إن لوقا أنطاكيا قد اشتبه عليهم أمره بلوكيوس الأنطاكي ويزعم الدكتور بوست أن لوقا روماني نشأ في إيطاليا . ( 3 ) وجانب آخر من علماء التاريخ المسيحي يرون أنه كان مصورا .

وإذن فمن هو لوقا ؟ وهل هو أنطاكي النسب أو رومانيه ؟ ، وهل هو طبيب أو مصور ؟ كل ذلك يسوده الغموض ، ويجدر بالباحث مطلقا أن يولي أهميته هذه الأسئلة عن من هو لوقا ؟ وما هي صنعته ؟ ب - لغة تدوينه : يتفق المؤرخون على أن لغة التدوين لهذا الإنجيل هي اللغة اليونانية . ج - تاريخ تدوينه : تلك نقطة خلاف حاد بين المؤرخين ، ذلك لأن القوم الذين كتب لهم هذا الإنجيل مثار خلاف كذلك بين علماء النصارى ؟ 1 - فالدكتور القس إبراهيم سعيد ( مصري ) يرى أنه كتب لليونان ، وأن إنجيل متى كتب لليهود ، وأن إنجيل مرقص كتب للرومان ، وإنجيل يوحنا كتب للكنيسة العامة . 2 - ولكن إنجيل لوقا يبدأ بهذه الجملة : ( إذا كان كثيرون قد أخذوا بتأليف قصة في الأمور المتيقنة عندنا ، كما سلمها إلينا الذين كانوا منذ البدء معاينين رأيت أيضا - إذ قد تتبعت كل شئ من الأول بتدقيق - أن أكتب على التوالي إليك أيها العزيز ثاوفيلس لتعرف صحة الكلام الذي علمت به ( 1 ) ) .



وثاوفيلس هذا يقول عنه ابن البطريق ( إنه من عظماء الروم ، ونجد كذلك من يقول أن ثاوفيلس هذا مصري الجنسية ، ولهذا فان سنة التدوين كانت مثار خلاف لأن القوم الذين كتب لهم الإنجيل لما يعرفوا بعد . * ( هامش ) * ( 1 ) راجع إنجيل لوقا المقدمة ص 76 لغة إندونيسية .


( * ) 3 - ويرى الدكتور بوست أن هذا الإنجيل كتب قبل خراب أورشليم ويرجح أنه كان في فترة القبض على بولس بين عامي 58 - 60 م . 4 - ويقول الأستاذ لارون إن إنجيل لوقا قد تحرر بعد موت بطرس وبولس . 5 - ويقول هورن : ألف الإنجيل الثالث سنة 53 ، أو سنة 63 ، أو 64 م فهو على عادته يذكر فقط دون تحديد أو ترجيح أو تدليل . وإذن فمن هذا العرض الذي يكاد يشبه النقل فقط عن أخبار المعنيين من علماء النصارى يبرز للباحث في هذا الإنجيل عدة نقاط لها أهميتها عند الدراسة للتعرف عليها ، منها : 1 - اتفق العلماء المسيحيون على أن لوقا كتب إنجيله باليونانية ، وعلى أنه ليس من تلاميذ السيد المسيح . 2 - اختلف العلماء في : شخصية الكاتب ، وجنسيته ، وصنعته ، والقوم الذين كتب لهم هذا الإنجيل ، وتاريخ تدوينه . ويتلخص من هذا إنصافا للبحث العلمي دراسة ما يلي : ( 1 ) من هو كاتب الإنجيل الثالث . ( 2 ) ما هي جنسيته ، وما هي صنعته . ( 3 ) القوم الذين كتب لهم هذا الإنجيل . ( 4 ) الزمن الذي وقع فيه التأليف والتدوين . 4 - الإنجيل الرابع : إنجيل يوحنا : أ - من هو يوحنا ؟ هل هو يوحنا الحواري ابن الصياد الذي كان يحبه السيد المسيح ؟ أو هو يوحنا آخر ؟



1 - أما علماء المسيحية في القرن الثاني فقد أنكروا نسبة هذا الإنجيل إلى يوحنا الحواري الذي كان يحبه السيد المسيح .

والجدير بالذكر أن هذا الإنكار كان في ظلال أرينيوس الذي تتلمذ على بوليكارب التلميذ المباشر ليوحنا الحواري تلميذ السيد المسيح ، ولم يرد نفي لهذا الانكار من ارينيوس الحفيد العلمي ليوحنا الحوراي ، مما يفيد أن إنجيل يوحنا ليس نسبة إلى يوحنا الحواري تلميذ السيد المسيح ، ولكنه يوحنا آخر . 2 - ويقول استادلن ( أن كافة إنجيل يوحنا تصنيف طالب من طلبة مدرسة الإسكندرية ، ويقول كذلك : كانت فرقة الوجين في القرن الثاني تنكر هذا الإنجيل وجميع ما أسند إلى يوحنا ) . 3 - في دائرة المعارف الانجليزية : أما إنجيل يوحنا فإنه لا مرية ولا شك كتاب مزور أراد صاحبه مضادة اثنين من الحواريين بعضهما بعضا ، وهما القديسان : يوحنا ومتى ، وقد ادعى هذا الكاتب المزور في متن الكتاب أنه هو الحواري الذي يحبه المسيح ، فأخذت الكنيسة هذه الجملة على علاتها ، وجزمت بأن الكاتب هو يوحنا الحواري يقينا ، ولا يخرج هذا الكتاب عن كونه مثل بعض كتب التوراة التي لا رابطة بينها وبين من نسبت إليه ، وإنا لنرأف ونشفق على الذين يبذلون منتهى جهدهم ، ليربطوا - ولو بأوهى رابطة - ذلك الرجل الفلسفي الذي ألف هذا الكتاب في الجيل الثاني ، بالحواري يوحنا الصياد الجليل ، فإن أعمالهم تضيع عليهم سدى لخبطهم على غير هدى ( 1 ) .



وإذن من هو يوحنا كاتب الإنجيل الرابع ؟ المؤرخون المسيحيون أنفسهم لا يدرون . * ( هامش ) * ( 1 ) انتهى عن دائرة المعارف البريطانية ، من كتاب محاضرات في النصرانية لفضيلة الأستاذ الشيخ محمد أبو زهرة ، عضو مجمع البحوث الإسلامية ، وهو أستاذ مشهور بالدقة العلمية ، والحيدة والنصفة ، والحرص على كرامة العلم وموازين البحث والدراسة . ( * ) وهنا أحب أن ألفت النظر إلى أن دراسة شخصية يوحنا هذه مهمة جدا للغاية ذلك لأن هذا أول الأناجيل التي صرحت بالتثليث ، والقول بألوهية المسيح . ومن قبل لم يصرح واحد من الأناجيل الثلاثة : متى ، ومرقص ، ولوقا ، بألوهية المسيح أو بالقول بالتثليث ، وإن بدا أخيرا في ترجمة هذه الأناجيل القول بألوهية المسيح ، وبالتثليث فهو اختراع جديد ؟ يقول جرجس زوين اللبناني ( أن شير بنطوس وأبيسون وجماعتهما لما كانوا يعلمون المسيحية بأن المسيح ليس إلا إنسانا ، وأنه لم يكن قبل أمه مريم اجتمع عموم أساقفة آسيا وغيرهم في سنة 196 عند يوحنا ، والتمسوا منه أن يكتب عن المسيح ، وينادي بإنجيل ما لم يكتبه الإنجيليون الآخرون ، وأن يكتب بنوع خاص لاهوت المسيح . ويقول يوسف الخوري ( 1 ) : إن يوحنا صنف إنجيله في آخر حياه بطلب من أساقفة آسيا وغيرها ، والسبب أنه كانت هناك طوائف تنكر لاهوت المسيح ، فطلبوا منه إثباته ، وذكر ما أهمله متى ، ومرقص ، ولوقا في أناجيلهم .

ويقول صاحب مرشد الطالبين : فالمقصد بكتابته إبقاء بعض مسامرات المسيح ذات التروي مما يذكره باقي الإنجيليين وإفناء لبعض هرطقات مفسدة أشهرها معلمون كذبة في شأن ناسوت المسبح وموته ، وخاصة ترسيخ النصارى الأوائل في الاعتقاد بحقانية لاهوت وناسوت ربهم وفاديهم ومخلصهم . ومن هنا ندرك : 1 - إن القول بالتثليث سبق تأليف هذا الإنجيل . * ( هامش ) * ( 1 ) في كتابه ( من تحفة الجيل ) . ( * ) 2 - وإن يوحنا مجهول الشخصية قد كتب يزور بعض المسائل كما تقول دائرة المعارف الإنجيلزية المسيحية . 3 - وأن جانبا من المسيحيين ينكرون نسبة هذا الإنجيل إلى يوحنا الحواري تلميذ السيد المسيح . وإذن : فالبحث عن شخصية يوحنا مهم جدا للوصول إلى الحق في قضية التثليث من زاوية تاريخية علمية ، وإن كانت الدراسات الفلسفية قد قالت كلمتها في القضية ، وأنها مزيج بين الفلسفة ، والبوذية الرومانية ، والبرهمة الهندية : أو بين الإفلاطونية ، والإفلاطونية الحديثة ، والمبادئ المسيحية التي ولدت ذلك الثالوث ، إلا أننا نريدها من زاوية تاريخية لمن له قلب ويحب الحق لذاته ، إن شاء أن يستقيم ! ب - تاريخ التدوين : يختلف المؤرخون كثيرا في زمن تدوين هذا الإنجيل ، وهو أمر طبيعي ما دامت شخصية كاتبه غامضة مجهولة : 1 - فالدكتور بوست : يرى أنه ألف في الفترة بين : 95 ، 96 ، 98 . 2 - وهورن يقول : ألف الإنجيل الرابع سنة 68 ، أو 69 ، أو 70 ، أو 89 ، أو 98 . 3 - ويقول جرجس زوين ، أنه ألف في عام 96 . 4 - ويقول صاحب مرشد الطالبين : أنه لا يوجد اتفاق بين العلماء على ضبط السنة التي كتب فيها يوحنا إنجيله ، فيزعم بعضهم أنه كتب سنة 65 ، قبل خراب أورشليم ، وجانب آخر يرى أنه كتب عام 98 م بعد رجوعه من المنفى .

وهكذا يبدو للعلم والتاريخ والباحث قضيتان خطيرتان : 1 - من هو يوحنا الذي دون الإنجيل الرابع ، ومتى دونه ، ولمن كان

هذا التدوين ؟ 2 - مخالفة يوحنا المجهول هذا للتعاليم التي جاءت في الأناجيل الثلاثة قبله ، وانفراده بالقول بالتثليث ، وألوهية عيسى استجابة لقساوسة آسيا كما يحكي جرجس زوين ؟ وإذن فالقضايا التي يمر بها البحث مستقبلا هي : ( 1 ) من يوحنا . ( 2 ) متى دون هذا الإنجيل . ( 3 ) لماذا قال يوحنا بالتثليث مخالفا الأناجيل الثلاثة السابقة . ( 4 ) علاقة القول بالتثليث في إنجيل يوحنا بالنظريات الفلسفية من حيث الأولية ، والتأثير يعني السابقة ، واللاحقة ، والبواعث والمزج بينهما .

حول الأناجيل الأربعة ؟ تلك الأناجيل الأربعة هي المصدر الأول التاريخي للديانة المسيحية ، يلاحظ عليها وفيها عند البحث ما يلي : 1 - أنها ليست من إملاء السيد المسيح ، بل أن السيد المسيح لم يشاهدها . 2 - كاتبوها ليسوا على مستوى الأهلية ليكونوا علماء دين لأنهم مجهولون : إما مجهولو النسب أو الصنعة ، أو العلاقة بالكتاب المدون . 3 - إنها لرغبات خاصة أملتها عدة بيئات مختلفة ، وهذه الرغبات الخاصة مجهولة الأفراد والهيئات ؟ 4 - أن أصولها معترف بضياعها من أهلها ، وأن ترجمة بعضها غير موثوق فيه لضياع الأصل أو لجهل المترجم . 5 - أنها لا تحمل صفة الرواية حتى في أقل صورها التي يجب أن تتوفر لكتاب سماوي أو تعاليم ديني ؟ ومن هنا يبرز لنا سؤال ، هو : أين إنجيل السيد المسيح ؟ حول إنجيل عيسى الأصلي ، والأناجيل الأخرى ؟ يقول نارتن ناقلا عن كتاب لعالم يسمى كهارن : ( أنه كان في ابتداء الملة المسيحية رسالة مختصرة يجوز أن تكون هي الإنجيل الأصلي ، والغالب أن هذا الإنجيل كان للمريدين الذين كانوا لم يسمعوا أقوال المسيح بآذانهم ، ولم يشاهدوا أحواله بأعينهم ، وكان هذا الإنجيل بمنزلة القلب ، ولم تكن أحوال المسيحية مكتوبة فيه على الترتيب ) .



وحول هذه المعاني التي تفيد أن إنجيلا أصليا كان موجودا ثم فقد ، يقول بولس في رسالته إلى أهل رومية في الإصحاح الأول منها : فإن الله الذي أعبده بروحي في إنجيل ابنه شاهد لي كيف - بلا إنقطاع - أذكركم ) . وفي إنجيل متى الإصحاح الرابع يقول : ( وكان يسوع يطوف أنحاء أرض جاليليا ( الجليل ) يعلم الناس الصلاة ، وينقل إليهم بشارة إنجيل ملكوت الله ( 1 ) . وإذن فإنجيل عيسى عليه السلام معترف به ، ولكنه اندثر ، وانتهى خبره ولم يعد له ذكر ، وهنا يظهر للباحث سؤال : أين هو الكتاب المقدس في المسيحية ؟ * ( هامش ) * ( 1 ) راجع إنجيل متى ص 6 لغة إندونيسية . ( * ) وللجواب الذي ينبغي أن يطالعنا به الباحث أستضيف عالمين من علماء المسيحية أحدهما من الغرب والثاني من مصر العربية من الشرق : ليكون في آرائهما نور نقدمه للباحثين في المسيحية بروح العدل والعلم القائم على الأدلة ، والبرهان المحايد . هذان العالمان هما : 1 - المسيو إيتين دينيه الرسام الفرنسي : الذي أسلم بعد بحوثه الفنية في صورة تقاسيم وجه الله ، فتوصل فيها إلى أن الإسلام وحده هو الذي أعطاه الفكرة المستقيمة عن إدراك الوجود الإلهي : أحدا صمدا لم يلد ولم يولد ، ولم يكن له كفوا أحد . 2 - والدكتور نظمي لوقا : مصري مسيحي ، وما زال مسيحيا ، ولكنه كتب من الزاوية العلمية رسالة سماها ( محمد الرسالة والرسول ) وفيها قارن بين الأديان الثلاثة ، وأثبت أن الديانة اليهودية ديانة شعب وجنس ، وأن المسيحية ديانة قلب وروح ، وأن الإسلام دين البشرية قاطبة جاء ليصحح أخطاء أهل الكتاب ويرسم للانسان معالم الحياة الفاضلة للدنيا وللآخرة ولكنه مع الوصول لهذه النتيجة ما زال مسيحيا ( 1 ) . أولا : رأي المسيو إيتين دينيه الفرنسي : يقول : ( أما أن الله سبحانه قد أوحى الإنجيل إلى عيسى بلغته ولغة قومه ، فالذي لا شك فيه إن هذا الإنجيل قد ضاع ، واندثر ، ولم يبق له أثر ، أو أنه أبيد ؟ * ( هامش ) * ( 1 ) راجع ص 17 من الكتاب المذكور .

( * ) ولهذا قد جعلوا مكانه ( تأليفات ) أربع مشكوكا في صحتها ، وفي نسبتها التاريخية ، كما أنها مكتوبة باللغة اليونانية ، وهي لغة لا تتفق طبيعتها مع لغة عيسى الأصلية التي هي لغة سامية ، لذلك كانت صلة السماء بهذه الأناجيل اليونانية أضعف بكثير من صلتها بتوراة اليهود ، وقرآن العرب ( 1 ) . ويقول كذلك في نفس الرسالة : ( ثم الأناجيل : ألم يدخل عليها التنقيح والتهذيب في كثير من المواضيع ؟ التي لم تعرف بعد ، ولماذا أغفل رجال الأناجيل ثلاثين عاما من حياة المسيح ؟ دون أن يذكروا لنا فيها شيئا إلا ما اختص بالسنين الثلاث الأخيرة .



وإذا أخذنا بما قيل أن اثنين من الرسل الأربعة قد ذكروا أشياء عن عهد الطفولة الأولى للمسيح ، فإن هذا الحذف من السنين بعد ذلك يدعو إلى فداحة الأمر لأنه يترك المجال فسيحا لجميع أنواع التأويلات والشبهات التي قد يكون أقلها خطرا ما يقال من أن المسيح طول سني حياته الناضجة لم يكن شيئا مذكورا ، وأن تصرفاته لم تكن تدل على حياة خارقة للعادة مما قد تنسب إلى ( ابن ) الله ( 2 ) ! . ويقول أيضا : ( وأمر آخر فات رجال الأناجيل ، ذلك أنه مع عظيم خطر هذه الثلمة في سني حياة المسيح فإن الأناجيل لم ينلها التنقيح الواجب الدال على المهارة والذكاء ذلك لأن واضعيها - وهم قليلو الخبرة بعلم النفس لم يدركوا أن ما يصح ذكره على لسان نبي لا يصح أن يقال على لسان ابن الله ! وإلا كان الأمر غريبا شاذا نابيا ، على أن هذا هو ما قد حصل ، فقد جاءت في أناجليهم كلمات كثيرة على لسان المسيح يعجب لها المرء لصدورها من شخص في منزلته : 1 - فمن أقوال المسيح التي فيها حطة واحتقار لأمه العذراء ما صدر منه في * ( هامش ) * ( 1 ) أشعة خاصة بنور الإسلام ص 41 - 42 . ( 2 ) ص 44 . ( * ) عرس ( قانا ) : ( وفي اليوم الثالث كان عرس في قانا الجليل ، وكانت أم يسوع هناك ودعا أيضا يسوع تلاميذه إلى العرس ، ولما فرغت الخمر قالت أم يسوع له : ليس لهم الخمر ، قال يسوع : ما لي ومالك يا امرأة ( 1 ) ) .



2 - كذلك من أقواله التي تحمل في طياتها اللعنة على شجرة تين لم تحمل ثمرها لأنه لم يكن موسم التين : فنظر إلى شجرة تين من بعيد عليها ورق وجاء لعله يجد فيها شيئا فلما جاء إليها لم يجد شيئا إلا ورقا ، لأنه لم يكن وقت التين فأجاب يسوع وقال لها : لا يأكل أحد منك ثمرا بعد إلى الأبد ، وكان تلاميذه يسمعون ( 2 ) ) . 3 - كذلك من أقواله الدالة على كره الغريب : ( وإذا امرأة كنعانية خارجة من تلك التخوم صرخت إليه قائلة : ارحمني يا سيد يا ابن داود ، ابنتي مجنونة جدا ، فلم يجبها بكلمة ، فتقدم تلاميذه وطلبوا إليه قائلين : اصرفها لأنها تصيح وراءنا ، فأجاب وقال : لم أرسل إلا إلى خراف بني إسرائيل الضالة ( 3 ) . 4 - كذلك من أقواله الدالة على الزهو والتكبر : ( لو لم أكن قد عملت بينهم أعمالا لم يعملها أحد غيري لم تكن لهم خطية ، وأما الآن فقد رأوا ، وأبغضوني أنا وأبي ) ( 4 ) . 5 - كذلك من أقواله التي تنم عن التفريق والبغض : ( جئت لألقي نارا على الأرض ، فماذا أريد لو اضطرمت ولي صبغة أصطبغها ، وكيف انحصر حتى تكمل ، أتظنون أني جئت لأعطي سلاما على الأرض ؟ كلا ، * ( هامش ) * ( 1 ) راجع يوحنا ، الإصحاح الثاني 1 - 3 . ( 2 ) راجع مرقص ، الإصحاح الحادي عشر 14 ، لغة إندونيسية . ( 3 ) راجع متى ، الإصحاح الخامس عشر 22 ص 24 ، لغة إندونيسية . ( 4 ) راجع متى ، الإصحاح الخامس عشر 22 - 24 ص 149 ، لغة إندونيسية . ( * ) أقول لكم بل انقساما ، لأنه يكون من الآن خمسة في بيت واحد منقسمون ثلاثة على اثنين ، واثنين على ثلاثة ، ينقسم الأب على الابن ، والابن على الأب ، والأم على البنت ، والبنت على الأم ( 1 ) .

( أن كان أحد يأتي إلي ولا يبغض أباه ، وأمه ، وامرأته ، وأولاده ، وإخوته وأخواته حتى نفسه أيضا فلا يقدر أن يكون لي تلميذا ( 2 ) ) . 6 - ومن أقواله التي فيها اعتراف بالجهل : ( وأما ذلك اليوم وتلك الساعة فلا يعلم بها أحد ولا الملائكة الذين في السماء ، ولا الابن ، ولا الأب ( 3 ) ) . 7 - ومن أقواله الدالة على الخوف والغم : ( نفسي حزينة جدا حتى الموت امكثوا ها هنا واسهروا معي ، ثم تقدم قليلا وخر على وجهه ، وكان يصلي قائلا : يا أبتاه إن أمكن فلتبعد عني هذه الكأس ( 4 ) ) . وله غير ذلك من الأقوال في الخوف مما دعا بسكال الفيلسوف الفرنسي إلى أن يقول : إن يسوع يخاف الموت . 8 - ومن أقواله التي تعبر عن اليأس بالموت من عذاب الجسم وذلك وهو مصلوب : ( صرخ يسوع بصوت عظيم قائلا : أبي أبي لم شبقتني ) أي إلهي إلهي ، لماذا تركتني ( 5 ) . أما ونحن المسلمون نعظم المسيح ونحترمه ، ونرفعه مكانا عليا فلا نسمح لأنفسنا بالاعتقاد بصحة هذه الأقوال وأمثالها ، وهي لا تصح * ( هامش ) * ( 1 ) راجع لوقا الإصحاح الثاني عشر 49 - 50 ص 102 ، وراجع متى 35 - 36 ص 16 ، لغة إندونيسية . ( 2 ) راجع لوقا ، الإصحاح الرابع عشر 25 - 26 ص 105 . ( 3 ) راجع مرقص ، الإصحاح الثالث عشر 32 ص 70 ، لغة إندونيسية . ( 4 ) راجع متى ، الإصحاح السادس والعشرون ، 46 ص 43 لغة إندونيسية . ( 5 ) راجع متى الإصحاح السابع والعشرون ، 46 ص 46 لغة إندونيسية .



( * ) نسبتها إلى أحد الأنبياء فما بالك بنسبتها إلى ( رب ) ، ولكن بما أن المسيحيين ذكروها على لسان يسوع ( الغربي ) فقد وضعوا بين أيدينا أكبر حجة على أن عيسى ليس ابنا لله وأنه هو نفسه لم يدع هذه الدعوى الإلهية ، والواقع أنه في حالة يأسه الأخير لم يتوجه إلى ( أبيه ) وإنما إلى إلهه وربه كي لا يتركه ، على أن هذه الجملة بذاتها - وهي من الجمل النادرة التي ترجمت بنصها الذي نطق بها يسوع ذاته - لا تبيح بأي حال اقتراف الغلطات المتكررة الموجودة في ترجمة الأناجيل اليونانية . ويظهر أن الغربيين جعلوا من المسيح الحقيقي مسيحا آخر ، وبينما يقاوم مسيح الغرب قوانين الطبيعة التي أملاها ( أبوه ) ، يقوم مسيح الشرق بالخضوع إلى أحكام الطبيعة التي سنها الله . ا ه‍. ( 1 ) ) . هذا هو رأي أحد المسيحيين الغربيين الذين أسلموا بعد البحث ، وهو رجل غني لا يطلب من الدخول في الإسلام شكرا أو إحسانا ، كما أعلن ذلك بنفسه في الاحتفال الذي أقيم في الجامع الجديد بالجزائر عام 1972 م .



بمناسبة إعلان إسلامه إذ قال إنه ليشهد الناس جميعا على أنه يدين بالاسلام من عشرات السنين ، وأنه لم يجهر به إلا اليوم ، ويريد منهم أن يدفنوه في قبره مسلما حنيفا ، ولم يكن له من مأرب وراء إسلامه ولا مطمع ولا مغنم اللهم إلا إرضاء يقينه وإثبات صحة دينه ، وأنه لم يتخذه إلا بعد بحث وتدقيق ، وأنه ناقش الناصرين والطاعنين حتى علم علم اليقين أن الدين عند الله الإسلام فخرج من ( دينيه ) إلى ناصر الدين ( 2 ) .

ومن هنا يبدو للباحث كيف يكون الجواب عن السؤال السابق : أين هو * ( هامش ) * ( 1 ) راجع أشعة خاصة بنور الإسلام للمسيو إيتين دينيه ص 44 - 48 لغة عربية . ( 2 ) أشعة خاصة بنور الإسلام ص 7 - 8 . ( * )الكتاب المقدس في المسيحية ؟ وقد قدمت النص من غير تدخل في عباراته مطلقا ، اللهم إلا أنني أعطيت توجيها بالمراجع في الأناجيل ورقم الإصحاحات من الإنجيل المترجم إلى الإندونيسية فقط . ثانيا :



رأي الدكتور نظمي لوقا العربي المصري المعاصر : تحت عنوان ( دين قلب ) في كتاب : محمد الرسالة والرسول ، يقول الدكتور نظمي لوقا : ( وبهذا كان الطور الطبيعي للانسانية ، أن تطلب الهداية في رسالة المسيحية التي لا تدعو إلى التوحيد والتنزيه فحسب ، بل تجعل الله المعشوق الأسمى الذي يتجه إليه وجدان كل إنسان فيتلاشى من قلبه حب كل معشوق سواه ، ولا يبقى للحس وجاهه سلطان على قلب ذلك المحب ، ولا للطقوس قيمة ، لأنه إذا حضر المحبوب لم يكن لتملي رسمه على الورق أو مناجاة طيفه معنى . وأعني بالمسيحية هنا ، ما جاء به المسيح من نصوص كلامه لا ما ألحق بكلامه وسيرته من التأويل ( 1 ) . ويقول تحت عنوان ( الله ) : ( لا يدع القرآن شائبة من ريب في مسألة وحدانية الله فجاء في ( سورة الاخلاص ) : ( قل هو الله أحد ، الله الصمد ) ولا في تنزيهه عن الشرك والتعدد : ( لم يلد ، ولم يولد ، ولم يكن له كفوا أحد . ) وفي ذلك نقض لعقائد الشرك ، وتصحيح لعقائد أهل الكتاب أيضا . . . فقد صار أتباع المسيح إلى القول بألوهيته ، وأنه ابن الله ، وأن الإله الواحد ، * ( هامش ) * ( 1 ) ص 57 - 58 .



( * ) جوهر واحد ، له ثلاثة أقانيم ، هي : الله الأب ، والله الابن - وهو المسيح - والروح القدس . وشبهوا ذلك السر الايماني المسيحي بالشمس ، وكيف أنها حقيقة واحدة ، تقع على الحواس قرصا ونورا وحرارة . . . ولم يرد على لسان المسيح في أقواله الواردة في بشارات حوارييه إشارة إلى شئ من ذلك ، بل كان يدعو نفسه على الدوام ب‍( ابن الإنسان ( 1 ) ) . هذان هما الضيفان اللذين استضفتهما ليقدما للباحثين مستقبلا نصوص مادة البحث عن السؤال : أين هو الكتاب المقدس في المسيحية ، بعد أن شك التاريخ في الأناجيل .



برنابا - وإنجيله أ - من هو برنابا ؟ أ - شخصيته : 1 - في رسالة الأعمال المنسوب تدوينها إلى لوقا يقول في الإصحاح الرابع : ( ويوسف الذي يلقبه الرسل ببرنابا والذي يترجم بإبن الوعظ ، وهو لاوي قبرصي الجنس ، إذ كان له حقل فباعه وأتى بالدراهم ، ووضعها عند أرجل الرسل ( 2 ) . 2 - وفي الإصحاح التاسع من الرسالة يقول : ( ولما جاء شاول إلى أورشليم حاول أن يلتصق بالتلاميذ ، وكان الجميع يخافونه غير مصدقين أنه تلميذ ، فأخذه * ( هامش ) * ( 1 ) راجع ص 65 - 66 محمد الرسالة والرسول . ( 2 ) 36 - 37 ص 164 لغة إندونيسية .



( * ) برنابا ، وأحضره إلى الرسل وحدثهم كيف أبصر الرب في الطريق ( 1 ) . وفي الإصحاح الحادي عشر يقول في نفس الرسالة : ( فسمع الخبر عنهم في آذان الكنيسة التي في أورشليم فأرسلوا برنابا لكي يجتاز إلى أنطاكية . . . لأنه كان رجلا صالحا ، وممتلئا من الروح القدس والإيمان ( 2 ) . 4 - وفي الإصحاح الثالث عشر من الرسالة نفسها يقول : ( وكان في أنطاكيا في مجلس يوم الجمعة لعدد من الأنبياء منهم : برنابا ، وسمعان الذي يدعى نيجر ولوكيوس القيرواني . . . وبينما يخدمون الرب ، ويصومون قال الروح القدس : أفرزوا لي برنابا ، وشاول للعمل الذي دعوتهما إليه ( 3 ) . ويقول : وكان معهما يوحنا خادما ( 4 ) . ويقول بولس في رسالته إلى أهل كولوسي ، الإصحاح الرابع منها ( يسلم عليكم ارسترخص المسجون معي ، ومرقص ابن أخت برنابا الذي أخذتم لأجله وصايا ( 5 ) من هذه النصوص الدينية - لا سيما التي في سفر الأعمال ، وهي الرسائل التي يعتمد عليها في شرح ماهية التعاليم المسيحية أكثر من الأناجيل . . .

من هذه النصوص تظهر للباحث شخصية برنابا بأنه : 1 - سخي اليد متبرع بماله للرسل من أجل الدعوة . 2 - طاهر نقي ممتلئ بالروح القدس ، وفاضل كريم شفاف . 3 - اختاره الروح القدس مع شاول ( بولس ) للنشر الدعوة . * ( هامش ) * ( 1 ) 26 - 27 ص 172 لغة إندونيسية . ( 2 ) 23 - 30 ص 176 لغة إندونيسية . ( 3 ) 1 - 3 ص 177 لغة إندونيسية . ( 4 ) آيات 5 ص 177 الإصحاح الثالث عشر . ( 5 ) آيات 10 ص 272 ، لغة إندونيسية . ( * ) 4 - اختارته الكنيسة مبعوثا لها إلى أنطاكية وطرطوس . . . 5 - أنه خال مرقص صاحب الإنجيل الثاني . 6 - أنه الذي سعى في هداية شاول ( بولس ) الذي كان يعتدي بالقتل والتشريد على التلاميذ كما ينص الإصحاح التاسع من رسالة الأعمال ( 1 ) . والذي يجدر بالبحث بعد هذا هو نقطتان ، وهما : الأولى : اتفاق مرقص - الذي كان يتبع برنابا كخادم - في الرأي مع خاله برنابا في عدم القول بألوهية عيسى كما نقل لنا ذلك صاحب كتاب ( مروج الأخبار في تراجم الأبرار ) من أن مرقص كان ينكر ألوهية المسيح هو وأستاذه بطرس . ) .



الثانية : لماذا رفضت الكنيسة الاعتراف بإنجيل برنابا ؟ مع أنه أكرم من مرقص ، ولوقا ، ويوحنا ، وأستاذ لمرقص ، وإمام لبولس حسب النصوص التي رويناها عن أناجليهم ورسائلهم ؟ ذلك ما ينبغي للباحث على السواء مسلما كان أو غير مسلم أن يراعيه في البحث احتراما لكرامة العلم ، وتنزيها للفكر عن التعصب والجمود واتباع الهوى . 2 - منزلة برنابا الدينية : 1 - في النصوص التي نقلناها جانب كبير يظهر للبحث والتاريخ منزلة برنابا الدينية ، وفي الإصحاح الحادي عشر من رسالة الأعمال يقول : فأرسلوا برنابا لكي يجتاز إلى أنطاكيا . . . لأنه كان رجلا صالحا * ( هامش ) * ( 1 ) ص 171 - 173 . ( * ) وممتلئا من الروح القدس ( 1 ) . وفي الإصحاح الثالث من الرسالة ذاتها يقول : ( قال الروح القدس أفرزوا لي برنابا وشاول للعمل الذي دعوتهما إليه ( 2 ) ) . 2 - فهو ركن من أركان المسيحية الأولى ، وعماد من عمدها ، وركيزة من ركائزها ، ولهذا يجمع المسيحيون على أنه قديس من القديسين ورسول من الرسل الذين حلت عليهم بركات الروح القدس ، غير أنهم لا يعدونه حواريا من الحواريين ، وإن كان إنجيله شخصيا يعتبره حواريا . وعلى كل حال فهو أستاذ مرقص ، بل مرقص خادم له ، وهو إمام بولس ( شاول ) بل شاول مدين له بالفضل في تقريبه من التلاميذ الذين أبغضوه وخافوا إجرامه ( 3 ) .



وإذن منزلة برنابا : 1 - حواري من الحواريين :



إذا اتبع الباحث إنجيل برنابا . 2 - أو هو قديس من الرسل الذين لهم سهم كبير في العمل الديني ، وذلك إذا اتبعنا آراء المتعصبين . ومن هنا فإن منزلة برنابا الدينية لا يمكن أن تقل في نظر البحث العلمي ، ولا يمكن أن يغمطها الباحث عن درجة رسول من الرسل وقديس من القديسين ، ومجاهد كبير ، وداعية مختار ، ممتلئ بالبركة من الروح القدس ، فهو من الملهمين المجاهدين الأبرار . * ( هامش ) * ( 1 ) ص 176 . ( 2 ) ص 177 . ( 3 ) كما يقول الإصحاح رقم 9 من رسالة أعمال الرسل ص 171 - 173 لغة إندونيسية . ( * ) ب - حول إنجيل برنابا : بدء لخيط صغير ؟ 1 - يقول الراهب اللاتيني فرامينوا أنه اطلع على رسالة لاريانوس استنكر فيها ما كتبه بولس مستشهدا بما كتبه برنابا فدفعه حب الحقيقة إلى البحث عن إنجيل برنابا ، فعمل وجد ، وجاهد ، حتى وصلى إلى مرتبة سامية من نفس البابا سكتس الخامس فوجد إنجيل برنابا في مكتب سكتس الخامس نحو آخر القرن السادس عشر الميلادي . 2 - ثم إلى راهب آخر ؟ ويتفق مؤرخو المسيحية على أن أقدم نسخة عثروا عليها لهذا الإنجيل - إنجيل برنابا - هي النسخة المكتوبة باللغة الإيطالية التي عثر عليها الراهب كريم أحد المستشارين في بلاط ملك بروسيا عام 1709 . 3 - ثم إلى عرش مسيحي ؟ ثم انتقلت هذه النسخة التي عثر عليها الراهب كريمر إلى البلاط الملكي في فينا عاصمة النمسا وهي النسخة التي تعتبر مرجعا لكل الأناجيل الأخرى في نظر التاريخ . 4 - ثم مع مستشرق مسيحي ؟ وإلى جوار النسخة الإيطالية وجدت نسخة باللغة الإسبانية مترجمة عن اللغة الإيطالية غير أنه لم يعرف بعد من الذي نقلها إلى هذه اللغة ، وأما النسخة باللغة الإسبانية فقد نقلها إلى الانجليزية المستشرق سايل ، وترجمته هذه لم يعرف عنها إلا شذرات رددها في خطبة الدكتور هوايت . 5 - ثم من البابا جلاسيوس الأول ؟ يقول الدكتور سعادة بك : أصدر البابا جلاسيوس الأول أوامره أول أن جلس على أريكة البابوية عام 492 م بعدد أسماء الكتب المحرمة الممنوع مطالعتها ، ومنها كتاب يسمى إنجيل برنابا من هذه النصوص يدرك الباحث إدراكا جازما - أن إنجيل برنابا حقيقة علمية :



1 - اتخذت طريقها التاريخي في الاختفاء والظهور والترجمة كما وضحنا أسسه في النقاط الأربع السالفة . 2 - وأنها أغاظت كبار رجال الكنيسة فحرمتها ضمن التحاريم التي تخترعها البابوية الغربية ولا يحرم إلا ما كان له ذات تكون محلا للتحريم ؟ وموجز أمر إنجيل برنابا كما يقصه التاريخ . 1 - يتفق المؤرخون على أن النسخة الأولى التي عثر عليها كانت باللغة الإيطالية ، وهي التي عثر عليها الراهب كريمر عام 1709 . 2 - انتقلت هذه النسخة من يد راهب مسيحي إلى البلاط الملكي في فينا فكانت النسخة في رحاب دولة مسيحية عام 1738 م . 3 - النسخة الإسبانية التي وجدت : كانت في ظلال دولة مسيحية متعصبة قامت على أنقاض دولة إسلامية منهارة وهي الأندلس التي صارت إسبانيا . 4 - هذه النسخة ترجمها من الإسبانية إلى الانجيلزية مستشرق مسيحي ، والمستشرقون المسيحيون مشهورون بعاطفتهم تجاه مسيحيتهم . 5 - ثم جاء دور الراهب فرامينو فبحث عنها لأنه وجد له ذكرا فيما كتبه اريانوس يستنكر مخترعات بولس ويستند في كتباته إلى إنجيل برنابا . 6 - وصل به البحث إلى أن الراهب فرامينو وجد الإنجيل في مكتب البابا سكتس الخامس فطالعه ثم أسلم .

هذا بإيجاز هو تاريخ إنجيل برنابا ، وإذن : أ - فكاتب إنجيل برنابا : هو أحد الحواريين ، أو أحد الرسل القديسين الممتلئين بروح القدس ، المجاهدين حق الجهاد في سبيل الدين الذي جاء به عيسى عليه السلام . ب - ولغة التدوين : إيطالية أو إسبانية ، والإيطالية أساس للإسبانية . ج - مترجمه : المستشرق سايل ، وهذه الترجمة شذرات أثناء خطبة الدكتور هوايت . د - زمنه يرجح المؤرخون عمر النسخة الأولى في وجودها ما بين منتصف القرن الخامس عشر ، والسادس عشر ، ويرجحون كذلك أن النسخة الإيطالية المكتشفة في عام 1709 م هي النسخة التي حصل عليها الراهب فرامينو في مكتب البابا سكتس الخامس . ومن هذا العرض يفهم الباحث : أن إنجيل برنابا قد عاش مختفيا ، وظهر بلغتيه ، وترجم في جو مسيحي ، كامل المسيحية ، بل في جو قمة المسيحية رهبنة ، وملكا ، وترجمة ، فالمكتشف الأول راهب لاتيني ( فرامينو ) بدافع علمي هي إشارة من كتاب لاريانوس ، والمكتشف الثاني راهب يسمى كريمر يعمل في البلاط الملكي بروسيا وهي دولة مسيحية ، ثم آل هذا الإنجيل إلى حضانة الدولة في فينا ، وهي دولة مسيحية ، ولما ظهرت النسخة الإسبانية ، ظهرت في دولة مسيحية ، ولما ترجمت ترجمها مستشرق مسيحي ( سايل ) .

وإذن : فلماذا يشك جانب من المسيحيين في صحة إنجيل برنابا ؟
ولماذا تحرم الكنيسة والمجامع المسيحية والبابا منذ القرن الخامس إنجيل برنابا ؟ ذلك أمر خطير وجد خطير بالبحث والدراسة والتمحيص ، حتى نقدم للحق نوره الذي يراد له الانطفاء ؟ خطورة إنجيل برنابا : من أجل أن أقدم للبحث في المستقبل مادة ، أحب أن أشير إلى خطورة إنجيل برنابا ، فلعلها تكون هي الرؤوس للمسائل العلمية والدينية التي حملت المجامع البابوية والكنيسة على إتخاذ قرار بتحريم إنجيل برنابا ، ذلك : 1 - أن برنابا قديس وهو قديس ومجاهد بلا منازع ، ثم هو أستاذ مرقص ، وسيد بولس . 2 - ومتفق مع بطرس في الرأي بعدم القول بألوهية المسيح . 3 - وهو يرى أن الذبيح من أبناء إبراهيم عليه السلام إسماعيل ، لا إسحاق . 4 - ويبشر بمحمد ( ص ) بالنص . 5 - ولا يتفق مع الأناجيل الأخرى في القول بصلب المسيح ، بل إنه يجهل القائلين بذلك . 6 - ولا يقول بالتثليث ، ولا يرى الطرق الجديدة في المسيحية إلا اختراعا من عمل الناس فيها . وحول ذلك تقول النصوص من إنجيل برنابا : حول نفي المسيح كابن لله : يقول : ( أيها الأعزاء ، إن الله العظيم العجيب قد افتقدنا في هذه الأيام بنبيه يسوع المسيح برحمة عظيمة ، للتعليم والآيات التي اتخذها الشيطان ذريعة لتضليل كثيرين بدعوى التقوى ، مبشرين بتعليم شديد الكفر ، داعين المسيح ابن الله ، ورافضين الختان الذي أمر الله به دائما ، مجوزين كل لحم نجس الذين ضل في عدادهم أيضا بولس الذي لا أتكلم عنه إلا مع الأسى وهو السبب الذي لأجله أسطر ذلك الحق الذي رأيته ( 1 ) ) .

وحول نفي التثليث : يقول في آخر الفصل الثالث والتسعين : ( أجاب الكاهن : إن اليهودية قد اضطربت لآياتك ، وتعليمك حتى إنهم يجاهرون بأنك أنت الله ، فاضطررت بسبب الشعب إلي أن آتي إلى هنا مع الوالي الروماني والملك هيردوس فنرجوك من كل قلبنا أن ترضى بإزالة الفتنة التي ثارت بسببك ، لأن فريقا يقول أنك الله ، وآخر يقول أنك ابن الله ، ويقول فريق أنك نبي ، أجاب يسوع : وأنت يا رئيس الكهنة لماذا لا تخمد الفتنة ، وهل جننت أنت أيضا ، وهل أمست النبوات وشريعة الله نسيا منسيا ، أيتها اليهودية الشقية التي ضللها الشيطان ، ولما قال يسوع هذا عاد فقال : إني أشهد أمام السماء وأشهد كل ساكن على الأرض أني برئ من كل ما قال الناس عني من أني أعظم من بشر لأني بشر مولود من امرأة ، وعرضة لحكم الله ، أعيش كسائر البشر عرضة للشقاء العام ) .



ويقول كذلك حول نفي الإبنية في الفصل السبعين : ( أجاب يسوع : وما قولكم أنتم ؟ أجاب بطرس : إنك المسيح ابن الله ، فغضب حينئذ يسوع ، وانتهره بغضب قائلا : إذهب وانصرف عني لأنك أنت الشيطان ، وتريد أن تسئ إلي ) . وحول إثبات أن الذبيح هو إسماعيل عليه السلام يقول برنابا : ( الحق أقول لكم ، إنكم إذا أمعنتم النظر في كلام الملاك جبريل تعلمون خبث كتبنا ، وفقهائنا لأن الملاك قال : يا إبراهيم : سيعلم العالم كله كيف يحبك الله ، ولكن كيف يعلم العالم محبتك لله ، حقا يجب عليك أن تفعل شيئا لأجل محبة الله ، أجاب إبراهيم ها هوذا عبد الله مستعدا أن يفعل كل ما يريد الله ، فكلم الله حينئذ إبراهيم قائلا : خذ ابنك البكر ) ، واصعد الجبل لتقدمه ذبيحة ، فيكف يكون * ( هامش ) * ( 1 ) مقدمة إنجيل برنابا . ( * ) إسحاق البكر ، وهو لما ولد كان إسماعيل ابن سبع سنين ) .



وحول نفيه للقول بصلب المسيح يقول : الحق أقول إن صوت يهوذا ووجهه وشخصه بلغت من الشبه بيسوع أن اعتقد تلاميذه والمؤمنون به كافة أنه يسوع ، كذلك خرج بعضهم من تعاليم يسوع ، معتقدين أن يسوع كان نبيا كاذبا ، وإنما الآيات التي فعلها بصناعة السحر لأن يسوع قال إنه لا يموت إلى وشك انقضاء العالم ، لأنه سيؤخذ في ذلك الوقت من العالم ) .

ويقول برنابا أيضا في عودة عيسى بعد رفعه ليؤدب تلاميذه ( أتحسبونني أنا والله كاذبين لأن الله وهبني أن أعيش حتى قبيل انقضاء العالم ، كما قد قلت لكم ، الحق أقول لكم إني لم أمت ، بل يهوذا الخائن ، احذروا ، لأن الشيطان سيحاول جهده أن يخدعكم ولكن كونوا شهودي في كل بني إسرائيل ، وفي العالم كله - لكل الأشياء التي رأيتموها وسمعتموها ) . وحول الاعتراف بالنبوة المحمدية يقول برنابا ( إن الآيات التي يفعلها الله على يدي تظهر أني أتكلم بما يريد الله ، ولست أحسب نفسي نظير الذي تقولون عنه ، لأني لست أهلا لأن أحل رباطات أو سيور حذاء رسول الله الذي تسمونه مسيا الذي خلق قبلي ، وسيأتي بعدي كلام الحق ، ولا يكون لدينه نهاية ) . يقول الدكتور سعادة بك إن المراد من مسيا محمد ، ويقول : إن برنابا ذكر محمدا باللفظ الصريح في عدة فصول ، ووصفه بأنه رسول الله ، وذكر أن آدم لما طرد من الجنة رأى سطورا كتبت فوق بابها بأحرف من النور ( لا إله إلا الله محمد رسول الله ) .

لعل هذه النصوص التي قدمتها تساعد الباحثين على السواء ، من المسلمين أو غيرهم ، ليحددوا لنا الإجابة عن الأسئلة السالفة التي ملخصها : لماذا حرمت المجامع والبابوية والكنيسة إنجيل برنابا ، مع ملاحظة ، أن منزلته في المسيحية إن من حيث المكانة أو الزمن ، أو الثقافة أكبر ، وأقدم من مرقص ولوقا ويوحنا ؟ لعلهم يهتدون ، أو لعلهم لا يغلقون قلوبهم وضمائرهم ، وعيونهم عن أنوار الحقيقة ، وإن لم يسلموا فالحق في ذاته شئ ، والهداية أمرها أولا وأخيرا إلى الله رب العالمين . تعقيب مهم : وهنا - وقبل أن نستمر في تقديم أصول هذه التخطيطات عن المسيحية كمقدمة لدراستها ، أشعر أن الديانة المسيحية التي قدمناها أولا في المقالة الأولى من القرآن الكريم ، ينبغي أن تعرض هنا كما هي في كتب القوم ، وأعني بهم أصحابها من المسيحيين ، وذلك يحتاج إلى مقارنة أو شبه مقارنة بين : 1 - الأناجيل الأربعة : إنجيل متى ، ومرقص ، ولوقا ، ويوحنا . 2 - ثم إنجيل برنابا . حتى يمكن لنا تقديم الخطوط الرئيسية لدراسة المسيحية على وجه أوسع بسطا . ثم أراني كذلك في حاجة إلى عرض آراء جانب من علماء المسيحية حول مشاعرهم في قبول تعاليم تلك الأناجيل ، وهنا أستضيف صاحبينا : إيتين دينيه الفرنسي ، والدكتور نظمي لوقا المصري ، على العادة ليقدموا لإخوانهم المسيحيين قبسا من النور . الديانة المسيحية بين الأناجيل الأربعة وإنجيل برنابا ، وآراء رجلين من أبنائها ؟ أولا : العقيدة في الأناجيل :

1 - يقول نوفل بن نعمة الله بن جرجس النصراني ، في كتابه ( سوسنة سليمان ) : ( إن عقيدة النصارى التي لا تختلف بالنسبة الكنيسة ، والتي هي أصل الدستور الذي بينه المجمع النيقاوي ، هي : الإيمان بإله واحد ، أب واحد ضابط الكل : خالق السماء والأرض كل ما يرى وما لا يرى ، وبرب واحد يسوع الابن الوحيد المولود من الأب قبل الدهور من نور الله ، إله حق من إله حق ، مولود من غير مخلوق ، مساو للأب في الجوهر ، الذي به كل شئ ، والذي من أجلنا - نحن البشر - ومن أجل خطايانا نزل من السماء ، وتجسد من الروح القدس ، ومن مريم العذراء ، وصلب عنا على عهد بيلاطس ) . 2 - ويقول الدكتور بوست في كتابه ( تاريخ الكتاب المقدس ) : ( طبيعة الله عبارة عن ثلاثة أقانيم متساوية : الله الأب ، والله الابن ، والله الروح القدس ، فإلى الأب ينتمي الخلق بواسطة الابن ، وإلى الابن الفداء ، وإلى الروح القدس التطهير ) . 3 - ويشرح هذا الكلام القس بوطر في رسالة له سماها ( الأصول والفروع ) فيقول : ( بعدما خلق الله العالم وتوج خليقته بالانسان لبث حينا من الدهر لا يعلن له سوى ما يصرح بوحدانيته ، كما يتبين ذلك من التوراة . يلاحظ في هذه النصوص من أقوال علماء المسيحية أنها تحتوي على : 1 - القول بالتثليث . 2 - والقول بأن عيسى ابن الله . 3 - والقول بتساوي الأقانيم في الجوهر . 4 - وبأن عيسى ابن إله نزل من السماء ليقبل الصلب فداء للبشر المخطئين . 5 - ولكن القس إبراهيم سعيد ( المصري ) يحاول في رسالته ( بشارة لوقا ) أن يقول بالتوحيد بين الأقانيم ، وأن الولادة ليس المراد منها الولادة الطبيعية بل المحبة فيقول : ( موجز المعنى المراد ) بابن العلي ، أو ( ابن الله ) ليس مقصودا بها ولادة طبيعية ذاتية من الله ، وإلا لقيل ولد الله ، ولم يقصد بها ما يقال عادة عن المؤمنين جميعا أنهم أبناء الله ، لأن نسبة المسيح لله هي غير نسبة المؤمنين عامة لله ، ولم يقصد بها تفرقة في المقام من حيث الكبر والصغر ، ولا الزمنية ، ولا في الجوهر ، لكنه تعبير يكشف لنا عمق المحبة السرية بين الله والمسيح وهي محبة متبادلة ، وما المحبة بين الأب والابن الطبيعيين سوى أثر من آثارها وشعاع ضئيل من بهاء أنوارها ، ويراد بها إظهار المسيح لنا أنه الشخص الوحيد الذي حاز رضا الله ، وأطاع وصاياه فقبل الموت ، موت الصليب ، لذلك يقول فيه هو إبني الحبيب الذي به سررت ) .

والذي يدعو القس إبراهيم سعيد إلى أن يفلسف النصوص الدينية الصريحة عندهم إلى هذه المعاني أن الأقوال التي ينقلها كتاب الأناجيل عن المسيح حول التوراة ما زالت تعتبر التوراة مصدرا دينيا عندهم ، والتوراة تصرح بالتوحيد ، وتدعو له ، وتحث عليه ، وتلعن الاشراك بكل مادته وجميع ألوانه وصنوفه ، فحتى تلتقي نصوص الأناجيل القائلة بالتثليث ، ونصوص التوراة القائلة بالتوحيد كان لا بد لفلاسفة المسيحية من القساوسة أن يقولوا بمثل ما يدافع به القس إبراهيم سعيد . وحول النصوص الخاصة بهذه المادة : أعني مادة التثليث ، راجع الآيات التالية في أناجليها : 1 - من يوحنا : 1 / 31 ، 44 ص 123 / الإصحاح 10 / 30 ص 141 ، الإصحاح 20 / 28 ص 157 لغة إندونيسية . 2 - من متى : الإصحاح 5 / 17 ص 7 ، الإصحاح 3 / 17 ص 5 ، الإصحاح 26 / 63 ص 44 ، الإصحاح 8 / 24 - 27 ص 12 ، الإصحاح 28 / 19 ص 468 . ( * ) 3 - من مرقص : الإصحاح 14 / 61 - 62 ص 73 . 4 - كتاب أشعياء : 9 / 5 - 6 ص 735 ، 7 / 14 ص 733 ، 6 / 11 ص 733 .



ثانيا : الصلب والصليب : في إنجيل لوقا ( وإن ابن الإنسان قد جاء لكي يصلب ويخلص ما قد هلك ، فبمحبته ورحمته قد صنع طريقا للخلاص ) . وفي إنجيل يوحنا : ( وفي الغد نظر يوحنا يسوع مقبلا إليه فقال هوذا حمل الله الذي يرفع خطية العالم ( 1 ) . وفي إنجيل لوقا : ( وقال للجميع إن أراد أحد أن يأتي ورائي ، فلينكر نفسه ويحمل صليبه كل يوم ويتبعني ) . وفي إنجيل يوحنا : فخرج وهو حامل صليبه إلى الموضع الذي يقال له موضع الجمجمة ويقال بالعبرانية جلجلة . ويشرح هذه النصوص القس إبراهيم سعيد ( المصري ) فيقول : ( إن آثار قدمي المعلم تعين طريق خطوات التلاميذ ، لأنه وإن كان المسيح قد صلب عنا ، فقال في صلبه ( قد أكمل ) لكنا قد أصبحنا بحكم صلبه عنا تحت التزام شرعي لا لأننا نكون شركاء المسيح المتألم ، إن شراكتنا الشرعية مع المسيح المصلوب ينبغي أن ترافقها وتدعمها شركة اختيارية فعلية معه ، إن صلب المسيح معناه مات عنا ، ولكن صليب كل مؤمن معناه : موت النفس عن الأنانية وحب الذات ) . * ( هامش ) * ( 1 ) 1 / 29 / ص 124 . ( 2 ) 19 / 1 ص 154 . ( * ) وإذن فحمل الصليب عندهم هو : تأس بالخطوات التي سنها للفداء سيدهم المسيح : وهنا يبرز للفكر عدة ملاحظات ، منها : 1 - هل الصليب عمل من أعمال المسيح ، وهل هو يصور خليقة دينية علمهم إياه المسيح ؟ 2 - هل المسيح استغفر للرجل الذي سلمه للدولة الرومانية ، أو هل المسيح قبل الحكم عليه بالصلب دون ضجر ، وبغض للقابضين عليه ؟ أما نص إنجيل يوحنا فيقول : ( أجاب يسوع لم يكن لك علي سلطان البتة لو لم تكن قد أعطيت من فوق ، لذلك الذي أسلمني إليك له خطية أعظم ( 1 ) .

وإذن فكيف يقال : أن المسيح صلب فداء لخطيئة البشر ، وهو يحمل الرجل الذي سلمه الذنب العظيم ؟ ثالثا : مشاعر المسيو إيتين دينيه الفرنسي : 1 - حول العقيدة المسيحية : يقول : أما في المسيحية فإن لفظ ( الله ) تحوطه تلك الصورة الآدمية لرجل شيخ طاعن في السن قد بانت عليه جميع دلائل الكبر والشيخوخة ، والإنحلال ، فمن تجاعيد بالوجه غائرة إلى لحية بيضاء مرسلة مهملة تثير في النفس ذكرى الموت والفناء ، ونسمع لقوم يصيحون : ( ليحي الله ) فلا نرى للغرابة محلا ، ولا نعجب لصيحاتهم وهم ينظرون إلى رمز الأبدية وقد تمثل أمامهم شيخا هرما قد بلغ أرذل العمر فيكف لا يخشون عليه من الهلاك والفناء ، وكيف لا يطلبون له الحياة ؟ * ( هامش ) * ( 1 ) 19 / 11 ص 154 . ( * ) وأما الابن والأم وزوج الأم والصليب وقلب يسوع المقدس فلها كل الصلوات ، ولها آلاف الصور التماثيل ذات الاحترام والاجلال ، وكلها مقدسة عندهم مثل تقديس الوثنيين لأصنامهم التي تمثل معبوداتهم . كذلك : ( ياهو ) الذي يمثلون به طهارة التوحيد اليهودي فهم يجعلونه في مثل تلك المظاهر المتهالكة ، وكذلك تراه في متحف الفاتيكان ، وفي نسخ الأناجيل المصورة القديمة ( 1 ) . 2 - ويقول كذلك حول الوساطة وصكوك الغفران :

أن هؤلاء الوسطاء هم شر البلايا على الأديان ، وأنهم لكذلك مهما كانت عقيدتهم ومهما كان إخلاصهم وحسن نيتهم ، وقد أدرك المسيح نفسه ذلك : ألم يطرد ( بائعي الهيكل ) ؟ غير أن أتباعه لم يفعلوا مثل ما فعل اليوم إذا عاد عيسى فكم يطرد من أمثال بائعي الهيكل ؟ كذلك ما أكثر البلايا والمصائب بل ما أكثر المذابح التي يكون سببها هؤلاء الوسطاء سواء كانت بين العائلات وبعضها أو بين الشعوب والشعوب ، وهم في ذلك كله يصيحون : ( باسم مجد الله ؟ ) . 3 - ويقول حول تصرف الكنيسة : ( ثم إنهم عكسوا الآية ، وبدلوا النيات وغيروا الأوامر والنواهي ولم يدركوا قصد عيسى ولا مرماه النبيل العالي ولا فهموا معناه الحقيقي حيث يقول : ( جئت لألقي نارا على الأرض ، فماذا أريد لو اضطرمت ؟ أتظنون أني جئت لأعطي سلاما على الأرض ؟ كلا ، أقول لكم بل انقساما لأنه يكون من الآن خمسة في بيت واحد منقسمين ثلاثة على اثنين ، واثنين على ثلاثة ، ينقسم الأب على الابن ، والابن على الأب ، والأم على البنت والبنت على الأم ( 2 ) . * ( هامش ) * ( 1 ) النص من كتاب ( أشعة خاصة بنور الإسلام ) ص 25 - 26 . ( 2 ) راجع ص 23 - 34 . ( * )

رابعا : مشاعر الدكتور نظمي لوقا : 1 - حول العقيدة المسيحية ؟ ( لم يلد ، ولم يولد ، ولم يكن له كفوا أحد ) وفي ذلك نقض لعقائد الشرك ، وتصحيح لعقائد أهل الكتاب أيضا فقد صار أتباع المسيح يقولون بألوهيته ، وأنه ابن الله ، وأن الإله واحد ، جوهر واحد ، له ثلاثة أقانيم هي : الأب ، والله الابن ، وهو المسيح - والروح القدس . . . ، ولم يرد على لسان المسيح في أقواله الواردة في بشارات حوارييه إشارة إلى شئ من ذلك ، بل كان يدعو نفسه على الدوام ب‍( ابن الإنسان ) بل أن المسيح وعظ الناس فضرب لهم المثل في رعاية الله وعنايته ، بما يتيحه من الرزق لطيور السماء ووحش الفلاة ، وما يتيحه من الزنية لرنابق الحقل ، فلا ينبغي أن يكون حرصهم كله على مال الدنيا وقوتها وجاهها وزخرفتها ) .

لا بد من رد الناس إلى بساطة الاعتقاد ، ولا بد من نفي اللبس وشوائب الريب عن جوهر هذه العقيدة وهو التوحيد ، مطلق التوحيد ، إذن تعين أن يأتي الدين الجديد بحسم هذا الخلاف الوبيل ( قل هو الله أحد ، الله الصمد ، لم يلد ، ولم يولد ، ولم يكن له كفوا أحد ) . لم يلد فأقرب إلى العقل أن من يلد أحرى بأن يولد ، وما كان سبحانه فردا في جنس ، ولا واحدا في سلالة من نوعه ، حاشا ، بل جل عن النظراء والأكفاء ، فمن ذا الكف لله ( 1 ) ؟ 2 - ويقول كذلك عن الخطيئة والفداء والصلب : ( وإن أنس لا أنسى ما ركبني صغيرا من الفزع والهول من جراء تلك الخطيئة الأولى ، وما سيقت فيه من سياق مروع ، يقترن بوصف جهنم ، ذلك الوصف المثير لمخيلة الأطفال ، وكيف تتجدد فيها الجلود كلما أكلتها النيران ، جزاء * ( هامش ) * ( 1 ) راجع ص 65 - 67 من كتاب محمد الرسالة والرسول . ( * ) وفاقا على خطيئة آدم ، بإيعاز من حواء ، وأنه لولا النجاة على يد المسيح الذي فدى البشر بدمه الطهور ، لكان مصير البشرية كلها الهلاك المبين . وإن أنس لا أنسى الفلق الذي ساورني وشغل خاطري عن ملايين البشر قبل المسيح ، أين هم ؟ وما ذنبهم حتى يهلكوا بغير فرصة للنجاة ؟ فكان لا بد من عقيدة ترفع عن كاهل البشر هذه اللعنة ، وتطمئنهم إلى العدالة التي لا تأخذ البرئ بالمجرم ، أو تزر الولد بوزر الوالد ، وتجعل للبشرية كرامة مضمونة ، ويحسم القرآن هذا الأمر ، حين يتعرض لقصة آدم ، وما يروي فيها من أكل الثمرة المحرمة فيقول في سورة طه : ( وعصى آدم ربه فغوى ، ثم اجتباه ربه فتاب عليه وهدى ( 1 ) ) . 3 - ويقول الدكتور نظمي لوقا حول الاحساس بقيم الدين الصحيح للانسان المنصف : ( والحق أنه لا يمكن أن يقدر قيمة عقيدة خالية من الخطيئة الأولى الموروثة إلا من نشأ في ظل تلك الفكرة القاتمة التي تصبغ بصبغة الخجل والتأثم كل أفعال المرء ، فيمضي في حياته مضي المريب المتردد ، ولا يقبل عليها إقبال الواثق بسبب ما أنقض ظهره من الوزر الموروث .

أن تلك الفكرة القاسية - الخطيئة الأولى وفداؤها - تسمم ينابيع الحياة كلها ، ورفعها عن كاهل الإنسان منه عظمى ، بمثابة نفخ نسمة حياة جديدة فيه ، بل هو ولادة جديدة حقا ، ورد اعتبار لا شك فيه ، إنه تمزيق صحيفة السوابق ، ووضع زمام كل إنسان بيد نفسه ، والناس في كرامة البشرية أمة واحدة بغير تفريق ، فقد جاء في سورة الأنبياء : ( إن هذه أمتكم واحدة ، وأنا ربكم فاعبدون ( 2 ) ) . * ( هامش ) * ( 1 ) راجع ص 75 - 76 محمد الرسالة والرسول . ( 2 ) راجع ص 78 . ( * )

خامسا : المسيحية في إنجيل برنابا : 1 - العقيدة : يقول برنابا في مقدمة إنجيله : ( والآيات التي اتخذها الشيطان ذريعة لتضليل كثيرين بدعوى التقوى مبشرين بتعليم شديد الكفر ، داعين المسيح ابن الله ، ورافضين الختان الذي أمر الله به . ) فمن النص يظهر رأي برنابا في تصوير عقيدة المسيحية ، وأنه يرفض القول بأن المسيح ابن الله . ويؤكد برنابا هذه العقيدة في الفصل السبعين من إنجيله ، فيقول : ( أجاب يسوع : ما قولكم أنتم في ؟ ، فأجاب بطرس ( إنك المسيح ابن الله ، فغضب حينئذ يسوع وانتهره بغضب قائلا : إذهب وانصرف عني لأنك أنت الشيطان ، وتريد أن تسئ إلي . ) .

ويقول في آخر الفصل الثالث والتسعين : ( حتى أنهم يجاهرون بأنك أنت الله ، فاضطررت بسبب الشعب إلى أن آتي إلى هنا مع الوالي الروماني ، والملك هيردوس فنرجوك من كل قلبينا أن ترضي بإزالة الفتنة التي ثارت بسببك ، لأن فريقا يقول إنك الله ، وآخر يقول إنك ابن الله ، ويقول فريق إنك نبي ، أجاب يسوع : وأنت يا رئيس الكهنة ، لماذا لم تخمد الفتنة ، وهل جننت أنت أيضا ، وهل أمست النبوات ، وشريعة الله نسيا منسيا ؟ أيتها اليهودية الشقية التي ضللها الشيطان . ولما قال يسوع هذا عاد فقال : إني أشهد أمام السماء وأشهد كل ساكن على الأرض أني برئ من كل ما قال الناس عني من أني أعظم من بشر ، لأني بشر مولود من امرأة ، وعرضة لحكم الله ، وأعيش كسائر البشر عرضة للشقاء العام ) . 2 - حول الصلب : يقول برنابا : ( فألقى الله شبهه على يهوذا الاسخريوطي ) ونص حديثه : الحق أقول لكم : إن صوت يهوذا ، ووجهه وشخصه بلغت من الشبه بيسوع أن اعتقد تلاميذه والمؤمنون به كافة أنه يسوع ، كذلك خرج بعضهم من تعاليم يسوع معتقدين أن يسوع كان نبيا كاذبا ، وإنما الآيات التي فعلها بصناعة السحر لأن يسوع لا يموت إلى وشك انقضاء العالم لأنه سيؤخذ في ذلك الوقت من العالم .



ويقول : فنزل ثلاثة أيام ، ثم يقول برنابا ( ووبخ كثيرين ممن اعتقدوا أنه مات ، وقام قائلا : أتحسبونني أنا والله كاذبين ، لأن الله وهبني أن أعيش ، حتى قبيل انقضاء العالم كما قلت لكم ، الحق أقول لكم ، أني لم أمت بل يهوذا الخائن ، إحذروا ، لأن الشيطان سيحاول جهده أن يخدعكم ، ولكن كونوا شهودي في كل بني إسرائيل ، وفي العالم كله لكل الأشياء التي رأيتموها ، وسمعتموها ) . ذلك هو فهم ، ونص ما قال به برنابا ، وحتى أقدم للباحث مادة شبه كاملة حول هذه النقطة فإنني أقدم هنا نصين : الأول : من إنجيل يوحنا ، حول اعتراف المسيح بأنه ذاهب إلى ربه ، أو إلى إلهه ، وإله الناس . الثاني : من رسالة الأعمال ، إذ يحكي كاتبها نصائح برنابا وبولس إلى أهل قبرص حول عبادة الله الحي الذي خلق السماء والأرض . إذ في النصين كبير شبه للمعاني التي ذكرها برنابا حول المسيحية التي تلقاها هو من معينها الأول أيام المسيح عليه السلام . ثم أقدم كذلك نصا من إنجيل ( يوحنا ) مما يفيد كلامه ، إن عقيدة التثليث ما هي إلا دعوة من كاتب إنجيل يوحنا ، وليست نصا من كلام المسيح ، فلربما تساعد هذه النصوص على تقديم نور المسيحية في مستقبل العمر ، لمن شاء أن يستقيم .



النص الأول : يقول : ( ولكن إذهبي إلى أخوتي ، وقولي لهم إني أصعد إلى أبي وأبيكم ، وإلهي ، وإلهكم ( 1 ) ) . النص الثاني : يقول لوقا في رسالة الأعمال : ( ولما سارا في سلاميس ، ناديا بكلمة الله في مجامع اليهود ، وكان معهما يوحنا خادما ، وقد استمرا برنابا وبولس متصاحبين في التبشير بالديانة المسيحية في قبرص ، وحدث على أيديهما المعجزات ، حتى زعم الناس أنهما إلهان ، . . . فلما سمع الرسولان برنابا وبولس مزقا ثيابهما واندفعا إلى الجميع صارخين ، وقائلين : أيها الرجال لماذا تفعلون هذا ؟ نحن بشر تحت آلام مثلكم : نبشركم ترجعون من هذه الأباطيل إلى الإله الحي الذي خلق السماء والأرض والبحر وكل ما فيها ، الذي في الأجيال الماضية ترك جميع الأمم ، مع أنه لم يترك نفسه بلا شاهد ) .

إذن في النصين دلالة أو شبه دلالة على أن الحق ، كل الحق ، في الشرح والبيان الذي قدمه إنجيل برنابا ، ذلك أمر يحتاج إلى كثير من الاهتمام والعناية ليظهر كحقيقة علمية مؤكدة ثم بعدها من شاء فليؤمن ، ومن شاء فيكفر ، فقد تبين الرشد من الغي ! النص الثالث ( الملحق بالنصين السابقين ) : يوحنا هو المخترع لعقيدة التثليث : يقول يوحنا في إنجيله : ( . . . وآيات أخرى كثيرة صنع يسوع قدام تلاميذه لم تكتب في هذا الكتاب ، وأما هذه فقد كتبت لتؤمنوا أن يسوع هو المسيح ابن الله ، ولكي تكون لكم إذا آمنتم حياة باسمة ( 2 ) . * ( هامش ) * ( 1 ) الإصحاح 20 / 18 ص 156 لغة إندونيسية . ( 2 ) راجع الإصحاح 20 / 30 ، 31 ص 157 لغة إندونيسية . ( * ) ولهذا السبب وأمثاله ألف برنابا إنجيله حيث يقول في مقدمته : ( الذين ضل في عدادهم أيضا بولس الذي لا أتكلم عنه إلا مع الأسى ، وهو السبب الذي لأجله أسطر ذلك الحق الذي رأيته ) . وإذن فبين الأناجيل الأربعة وإنجيل برنابا شون شاسع في تصوير العقيدة والديانة المسيحية : 1 - ففي الأناجيل الأربعة تصور العقيدة تصويرا أقنوميا ( ثلاثة أقانيم ) بينما هي في برنابا ، عقيدة سهلة واضحة : الله رب العالمين خالق السماوات والأرض .



2 - تصور الأناجيل الأربعة عيسى على أنه ابن الله ، ويصوره إنجيل برنابا على أنه نبي الله ، ويؤكد ذلك ، ويأسى ويتأذى لما نشره بولس من أعمال ويكتب إنجيله ردا وتصحيحا للحق الذي أريد به التضليل . 3 - وفي الأناجيل الأربعة عيسى صلب ، وفي برنابا عيسى لم يصلب ولم يمت بل رفع لأنه من قبل وعد بذلك ، وإن جانبا من الناس لما سمع مقالة الصلب اعتقد أن المسيح نبي كاذب لأنه وعد بأنه لم يموت إلا قرب قيام الساعة . وإذن : فلماذا تحرم البابوية والمجامع والكنيسة إنجيل برنابا ؟ هل لهذه الفروق ؟ أو لشئ آخر ؟ ذلك ما نرجو من الباحثين أن يقدموه للتاريخ حتى نقدم للمسيحية نورا .

المصدر الثاني الرسائل المصدر الثاني بعد الأناجيل الأربعة - غير إنجيل برنابا - الذي تعتمده الكنيسة كمصدر للديانة المسيحية هو رسائل الرسل ، وتعتبر المصدر الناطق بالتعاليم المسيحية التي تصور الفكرة ، وتحدد الواجبات ، والشعائر والمراسيم والطقوس الدينية . وموجز تخطيطنا لها كمقدمات لدراسة المسيحية يتلخص في : 1 - معناها . 2 - عددها . 3 - لغة تدوينها . 4 - من هم كاتبوها . 5 - وظيفتها الدينية . وأعني بهذه الخطوط الملامح الرئيسية التي ينهجها أو يستضئ بها الباحث إن شاء في عملية البحث العلمي في تقديمنا للمسيحية نورا ، لعلهم يرشدون ؟ أولا - معنى الرسائل : تسمى ( رسائل أعمال الرسل ) في الاصطلاح الكنسي : ( الأسفار التعليمية ) لأنها تشرح وتوضح وتبين وتفسر حياة السيد المسيح وحكاية أحواله ومواعظه من الناحية التطبيقية التفصيلية . أما الأناجيل فهي قصة الماضي من حكاية المسيح ، فهي تصور الحركة التي انتهت والتي دخلت في الأخبار الماضية إلا أنها مقدسة ، أما الرسائل فهي تصور الحركة العلمية السلوكية ، وتحدد الواجبات والالتزامات ، إنها الحركة اليومية للديانة المسيحية ، للفرد المسيحي في يومه وغده ومستقبله ، لهذا فهي عندهم تمثل الجانب الأكبر من المصادر المسيحية . ثانيا : عددها : وعدد هذه الرسائل ثلاث وعشرون ( 23 ) وبيانها : الأولى : أعمال الرسل : وكاتبها لوقا صاحب الإنجيل الثالث . والثانية إلى الرابعة عشرة : كتبها بولس إلى عديد من البلاد بيانها كالآتي : ( رسالة إلى أهل رومية .

رسالتان إلى كورنثوث . ورسالة إلى غلاطيه . ورسالة إلى إفسس . ورسالة إلى فيلي . ورسالتان إلى كولوسي . ورسالتان إلى تيموثاوس . ورسالة إلى تيطس . ورسالة إلى فيلمون . ورسالة إلى العبرانيين ) . فيكون كل ما كتبه بولس أربعة عشرة رسالة ، فيكون المجموع حتى الآن خمس عشرة رسالة . السادسة عشرة : كتبها يعقوب . والسابعة عشرة والثامنة عشرة : كتبهما بطرس . والتاسعة عشرة إلى الواحد العشرين : كتبها يوحنا .

والثانية والعشرون : كتبها يهوذا . والثالثة والعشرون : وتسمى ( السفر النبوي ) وهي عبارة عن رؤيا يوحنا . وهي تخالف في المنهج والهدف الرسائل السابقة لأنها تعني ببيان ألوهية عيسى ، وسلطانه ، بينما الرسائل الأخرى تعتبر مادة وعظ ، وقصص عبادة ، ودروس دين . فرسالة يوحنا تهتم ببيان ألوهية المسيح وعلمه بالكنيسة وأحوال رجالها والقوانين التي تسير عليها من بعده ، وهي تارة تصور الله في عليائه كشيخ أشيب يشبه المسيح متمنطقا عند ثدييه بمنطقة من الذهب ، وعيناه كلهب النار ، ويمسك بيده سبعة كواكب ، وسيفا حادا له حدان ، وتارة تصور المسيح خروفا قائما كأنه مذبوح له سبعة قرون وسبع أعين . . . الخ ( راجع الإصحاح الأول ، والخامس من الرؤيا ) .

ثالثا - لغة تدوينها : يقول الواثقون في تاريخ الرسائل ، أن اللغة التي كتبت بها هذه الرسائل هي

اللغة اليونانية . رابعا - من هم كاتبو هذه الرسائل : أو بعبارة أخرى : ضوء على تاريخ كاتبيها : وكاتبو هذه الرسائل ستة رجال ، هم : 1 - لوقا ، 2 - يوحنا ، 3 - بطرس ، 4 - يعقوب ، 5 - يهوذا ، 6 - بولس . 1 ، 2 - أما الأولان : لوقا ، ويوحنا : فقد مضى الحديث عنهما في الحديث عن الأناجيل ( راجع صفحة 22 إلى صفحة 26 من هذه الرسالة ) . 3 - وأما بطرس : فقد كان من الحواريين ، واسمه ، الأصلي سمعان ، وكانت وظيفته صياد سمك ، انتقل بعد المسيح إلى أنطاكية ورومية ليبشر بالدين ، وكانت عاقبته : أن ناله أذى ( نيرون ) في حملات الاضطهاد ، فحكم عليه بالإعدام صلبا ، فطلب أن يصلب منكسا حتى لا يكون صلبه شبيها بصلب السيد المسيح . الناحية التي يلاحظها الباحث : هي ما يقولها صاحب كتاب ( مروج الأخبار في تراجم الأبرار ) ، أن بطرس هذا ومعه تلميذه مرقص كانا ينكران ألوهية المسيح ؟ 4 - وأما يعقوب : فهو أخو يوحنا بن زبدى الصياد الحواري ، ويقول الكاتبون المسيحيون عن يعقوب أنه كان حواريا مثل أخيه ، وهو أول من عمل في أورشليم كأسقف .

وحول منزلته يقول صاحب كتاب تاريخ الأمة القبطية : إنه اشتهر بالطهارة حتى أنه ليقال له : يعقوب البار ، وكانت عاقبته أن حكم عليه اليهود بالإعدام رجما ، ونفذ ذلك الحكم في عام 61 وقيل في عام 62 م . 5 - وأما يهوذا : ففيه خلاف : فهل هو يهوذا الاسخريوطي الذي خان المسيح أو هو يهوذا آخر ؟ أما إنجيل متى فإنه يذكر يهوذا باسم تداوس ، أما برنابا فإنه يقرر أنه ليس هو يهوذا الاسخريوطي ، بل هو شخص آخر ، وهناك من يقول أنه أخو يعقوب الصغير ، فيكون لزبدى الصياد ثلاثة أولادهم : يوحنا الحواري ، ويعقوب الحواري ، ويهوذا . غير أن رواية متى تذكر يوحنا ويعقوب بالتثنية ، وتنص على أنهما ولذا زبدى الصياد ولم يذكر تداوس ( يهوذا ) ، وعاقبته فيما يقولون أنه مات ببلاد العجم . والنقطة المهمة التي يجدر بها البحث هي شخصية يهوذا : من هو ؟ 6 - وأما بولس : فهو أخطر رجل في حياة المسيحية ، إذ أن بدء حياته لا ينبئ بمستقبل طيب مع المسيحية ، هذا من جانب ، ومن جانب آخر فهو الأستاذ الأكبر للتفسيرات المسيحية ، والمعين المبجل للعبادة والطقوس والبروتوكولات الكنائسية ، وعليه وحده يعتمد في تفسير شعائر ومراسيم الإحتفالات الدينية ، يقول في سفر الأعمال من الإصحاح الثاني والعشرين ما نصه : ( أنا رجل يهودي ولدت في طرسوس كيليكة ، ولكني ربيت في هذه المدينة ( أورشليم ) .

ولكنه يذكر في الإصحاح الثالث والعشرين ( ولما علم بولس أن قسما منهم صدقيون والآخرون فريسيون ، صرخ في المجمع : ( أيها الرجال الأخوة : أنا فريسي ابن فريسي على رجاء قيامة الأموات ، أنا أخوكم ) . ويذكر في الإصحاح الثاني والعشرين ( فلما مدوه للسياط قال بولس لقائد المائة الواقف ، أيجوز لكم أن تجلدوا إنسانا رومانيا مقضى عليه ) ؟ وإذن فما هي جنسيته ؟ هل هو روماني ؟ هل هو فريسي ؟

هو هو يهودي ؟ ذلك أمر جد خطير في تحديد جنسيته ، ثم لماذا تتضارب كلماته هو في تحديد جنسيته ؟ فمرة يقول إنه روماني ، ومرة يقول إنه فريسي ؟ ومرة يدعي أنه ولد في أورشليم ، فهو يهودي ؟ لماذا هذا التضارب منه هو في تحديد هويته وجنسيته ؟ موقفه من المسيحية : أولا - لقد بدأ حياته عدوا قاسيا في عداوته للديانة المسيحية ، وأنه في بدء حياته ليعد من أكبر الأعداء خصومة ، وقسوة ، وأغناهم كرها لها ، وأبلغهم أذى لمعتنقيها ، وقد جاء هذا في رسالة ( أعمال الرسل ) في عديد من أجزائها ، وفي مطلعها يقول ما نصه : ( شاول الذي ما يزال يخصب الخوف ، ويفشي القتل في تلاميذ الرب قد توجه إلى الإمام الكبير ( 1 ) ) . * ( هامش ) * ( 1 ) الإصحاح التاسع آيات 1 ص 171 لغة إندونيسية . ( * ) ويقول في نفس الإصحاح التاسع ما نصه : ( ولما وصل إلى دير سالم ، وحاول أن يقترب من التلاميذ خافوا منه لأنهم غير مصدقين به أنه تلميذ ( 1 ) ) .

ثانيا - تنص الآيات الانجيلية أن بولس الذي يسمى شاول قد صار قديسا ، فيقول في الإصحاح التاسع من رسالة ( الأعمال ) : ( في ذهابه حدث أنه اقترب إلى دمشق فبغتة أبرق حوله نور من السماء ، فسقط على الأرض ، وسمع صوتا قائلا : له شاول ، شاول : لماذا تضطهدني ؟ فقال من أنت يا سيد ؟ فقال : أنا يسوع الذي أنت تضطهده ، صعب عليك أن ترفس مناخس ! فقال وهو مرتعد متحير : يا رب ماذا تريد أن أفعل ، فقال له الرب : قم وادخل المدينة ، فيقال لك ماذا ينبغي أن تفعل ( 2 ) ) .



وهنا يجد القارئ فجوة ، ذلك أن بولس انتقل فجأة من عدو إلى نبي ، ومن مبغض إلى مصدر لما أبغضه ، فهل الله يختار أنبياءه من الأشرار أو الخصوم لدينه ؟ وهل يمكن من الناحية النفسية أن ينتقل رجل من حالة عداوة شئ إلى حالة الإيمان به طفرة واحدة ، فضلا عن أن يكون أحد أعمدة وأسس العقيدة التي كان يكفر بها ويقتل أصحابها ويزرع الفزع في قلوب معتنقيها ؟ ذلك أمر جدير بالدراسة من الناحيتين : النفسية السيكولوجية ، ومن الناحية التاريخية العلمية ، لنعلم مدى صحة وصدق تعاليم بولس العدو للمسيحية تلك التعاليم التي جعلت في العصر الحديث المرجع الأول والأخير في تفسير كل ما يتعلق بالديانة المسيحية ، حتى نقدم لهم نورا لمن شاء أن يستقيم ؟ ثم كانت عاقبة بولس هذا : أن أذيق من اضطهاد نيرون ، فقتل في عام 66 م وقيل في عام 67 . * ( هامش ) * ( 1 ) آيات 26 ص 172 لغة إندونيسية . ( 2 ) آيات 3 - 6 الإصحاح التاسع من رسالة الأعمال ص 171 لغة إندونيسية . ( * ) ملاحظات عامة على الرسائل : في هذه الرسائل نقاط ينبغي أن تدرس ، وهي : 1 - ممن تلقى كاتبوها هذا الكلام المقدس ؟ وما سندهم الذي يثبت صحة وحيها ؟ 2 - هل الرسائل وحي أو تفسيرات للوحي ؟ 3 - وهل هناك وحي أنزل على المسيح ، مع ملاحظة أنه ابن الله ، والوحي صلة بين الأنبياء وربهم ، وأسرة الألوهية لا ينبغي أن يكون بينها وسيط وموصل ، لأن صلة الألوهية أعلى وأقدس . 4 - رسالة الأعمال لم تذكر أسماء المائة والعشرين الذين ملئوا من الروح القدس ؟ 5 - أسماء الحواريين الأحد عشر لم تشتمل على كل كاتبي الرسائل : معناه : 1 - أن جانبا من الحواريين لم يكتب رسائل ؟ فلماذا ؟ لا سيما إذا اتبعنا الادعاء القائل عندهم أن الرسائل إلهام.

2 - أن جانبا من غير الحواريين قد كتب رسائل ، فكيف كتبها ، وهل هذا الكتاب ملهم أو غير ملهم ؟ وإذا كان ملهما ، فما هو الالهام ؟ وهل هو عام لجميع البشر ؟ أو خاص بالحواريين ، وإذا كان خاصا بالحواريين فيكف حق لغير الحواريين أن يكتب رسائل ، وهل لا بد من الالهام في كتابة الرسائل أو ليس بلازم ؟ وإذا لم يكن لازما فما هي منزلة هذه الرسائل من العصمة ككتاب ديني ، وإذا كان الالهام لازما فكيف يكتب الرسائل من لم يكن ملهما . 6 - وحتى أقدم مادة علمية لبحث الأسئلة السالفة أنقل هنا آراء بعض المسيحيين حول :

الالهام ، وإلهام بعض كتاب الرسائل . 1 - يقول ريس المسيحي إن الناس تكلموا في الكتب المقدسة ، وقالوا إنها إلهامية ، وقالوا إنه يوجد في أفعال مؤلفي هذه الكتب وأقوالهم أغلاط واختلافات ، فمثلا : أ - إذا قارنت بين آيات 19 ، 20 من الإصحاح العاشر من إنجيل متى ، وآية 11 من الإصحاح الثالث عشر من إنجيل مرقص ، ثم قابلتها بالآيات الست التي في سفر الأعمال في الإصحاح الثالث والعشرين يظهر لك الاختلاف جليا . ب - ويقال أيضا أن بعض الحواريين لم يكن صاحب وحي كما يظهر في هذا في مباحثتهم في حفل أورشليم . 2 - ويرى المسيحيون القدماء أن إنجيل متى ليس بإلهام . 3 - ويقول استادلن : إن إنجيل يوحنا ليس بإلهام ، وجميع رسائل الرسل ليست بإلهام . 4 - وأكثر المسيحيين حتى عام 363 م لم يعتبروا رسالة يعقوب ، والرسالة الثانية والأولى ليوحنا ورؤياه من الالهام في شئ . 5 - التضارب بين الأناجيل ينفي القول بالإلهام ، وأمثلة ذلك : 1 - الاختلاف في نسب عيسى ، يقول في متى إنه من آباء سلاطين وهو ينتمي إلى داود ويقول في لوقا : إنه ليس من سلالة السلاطين بل إن داود وناثان فقط هما السلاطين ! 2 - الاختلاف في وصف المرأة التي تطلب منه شفاء ابنتها المجنونة . : يقول متى في الإصحاح الخامس عشر إنها كنعانية . ويقول مرقص في الإصحاح الثامن إنها فينيقية سورية ! 6 - مجمع نيقية المنعقد عام 325 م لم يعترف بعديد من هذه الرسائل مثل : رسالة بولس إلى العبرانيين ، رسالة بطرس الثانية ، رسالة يوحنا الثانية والثالثة ، رسالة يعقوب ، رسالة يهوذا ، رؤيا يوحنا التي تسمى الكتاب النبوي .

كل هذه الرسائل - التي تعتبر أساس التدين المسيحي - لم يعترف بها مجمع نيقية ولم تحصل على اعتراف إلا في مجمع لوديسيا عام 364 م . 7 - ليس لهذه الرسائل سند متصل أبدا فهي لم تعرف إلا على لسان أرينوس عام 200 م ، وكليمنس عام 216 م . 8 - أصدرت الحكومة الرومانية في عهد الاضطهاد عام 303 م أمرها بهدم الكنائس ، وإحراق الكتب ، وحظر اجتماع المسيحيين لأداء عباداتهم . ونفذ هذا ، بل إن بعض القديسين مثل بولس ( شاول ) كان من الهاوين لهذه الحرفة ، وغص الإصحاح التاسع من رسالة الأعمال بتاريخ حوادثه . وإذن فهل يمكن إثبات السند المتصل ، وإثبات الالهام ؟ ذلك ما نرجو للبحث أن يظهره كحقيقة تاريخية وعلمية لنقدم للمسيحية نورا . فليس من التعصب أن نبحثها لنقدم لها الضوء الذي تسير عليه مطلقا وإنما من الظلم أن نتركها فإن الانسانية هي القدر المشترك بين بني الإنسان ، وتحقيقها تحقيق للانسان ، وعصب ذلك النصيحة القائمة على أسس البحث النزيه المجرد من الهوى ، وفي تركها إهدار لحقيقة جزء من البشر وأنانية لا تليق بكرامة الإنسان كإنسان ، وبالبحث نرفع عنا عار الأنانية ، وبالعلم يرتفع الإنسان فوق قيم الحيوان الأنانية ، فللعدل والحق والإنسانية ابحثوا ، لتقدموا لها نورا . . .

المقالة الرابعة المجامع المسيحية : 1 - أهمية دراستها . 2 - أنواعها . 3 - أسباب الانعقاد ، جملة الحاضرين . القرارات ، الملاحظات . المجامع المسيحية 1 - أهمية دراستها : أهمية دراسة المجامع المسيحية تتصل بقضية التثليث في العقيدة المسيحية ، وذلك : لأن عقيدة التثليث على النظام الموجود حاليا الذي تتصف به الديانة المسيحية حاضرا لم يكن من التعاليم التي جاء بها السيد المسيح ، بل ولا من تعاليم الإنجيل في حدود نصوصه الدينية ، ولكنه كان من تفسيرات القساوسة والأساقفة في المجامع التي انعقدت خاصة لمثل هذه التأويلات في العقيدة الدينية المسيحية ، ومجمعا بعد مجمع ، وطائفة بعد طائفة ، ولد ذلك الذي يسميه المسيحيون اليوم بالأقانيم . فأهمية دراسة المجامع المسيحية من زاوية أنها أضفت على وجودها مسحة من الأحقية في التشريع الديني بما لا يوجد له ، ولا به ، ولا فيه ، نص واحد من نصوص الأناجيل ، بل إن الرسائل التي تعتبر المصدر الوحيد للطقوس ، والبروتوكول الديني لم يعترف بها إلا في بدء القرن الرابع الميلادي ، وما قبله من الزمن فهي إما مجهولة ، أو غير معترف بصحتها . وإذن فأهمية الدراسة لهذه المجامع من ناحية هامة وهي ، تحديد بدء الاتفاق على القول بالتثليث ، وتحديد بدء إدخاله في الديانة المسيحية كنظام ديني .

كذلك تحديد الفاعلين ، والقائلين والمتمذهبين بهذا التثليث ، وأدلتهم ومراجعهم الدينية ، أو التاريخية . 2 - معنى المجمع : بعد أن ترك السيد المسيح عليه السلام تلاميذه ، يروى أنهم عقدوا مجمعا في أورشليم بعد السيد المسيح بإثنين وعشرين سنة ، وفي هذا المجمع قرر التلاميذ : 1 - عدم التمسك بالختان . 2 - عدم التمسك بشريعة التوراة ، وما بعدها من الأسفار الخاصة بالعهد القديم ، وحول هذا يقول سفر الأعمال الإصحاح الخامس عشر : أنهم سنوا للمسيحيين طريقة جمع المجامع لدراسة ما يتصل بمسائل العقيدة والشريعة . وإذن : فمعنى المجمع على هذا هو : المشاورة التي ينعقد لها جمع من علماء الدين المسيحي للنظر في المسائل المتعلقة بالعقيدة أو بالشريعة على السواء فهو بالعبارة الموجزة هيئة تشريعية في الدين . وعلى هذا فينبغي أن يلاحظ في دراسة المجامع مستقبلا - هل في الدين نصوص تبيح للعلماء أن يتحدثوا في : 1 - مسائل العقيدة . 2 - مسائل الشريعة المقررة بالنصوص . وإذا جاز ففي أي مسألة يبيحها الدين ، وما هو المصدر الذي يرتكز عليه الباحث . 3 - عدد المجامع - وأنواعها : أولا : أنواعها : تنقسم المجامع المسيحية إلى قسمين ، وتحتهما أنواع ثلاثة . القسم الأول : المجامع العامة ، الشاملة لكل الكنائس والطوائف والمذاهب .



القسم الثاني : المجامع الخاصة ، وهي تنقسم إلى قسمين : أ - المجامع الملية : الخاصة بملة واحدة . ب - المجامع الأقلية التي تجمع مذاهب وملل موضع محدد . كالمجمع الإقليمي الذي انعقد في جاكرتا قبيل انعقاد مجلس الشورى الديني في نوفمبر عام 1967 م لتوقيع ميثاق بين كل الطوائف للتحالف على مواجهة المسلمين بكلمة واحدة في الاجتماعات التي عقدتها الحكومة الإندونيسية لإنهاء حالة الاعتداء التي يشنها جانب من علماء الدين على الأديان المسالمة .

ومن هذا التقسيم يظهر لنا أن حاجة الدراسة إنما تختص بالمجامع العامة لأنها هي المختصة بتقرير القواعد والقرارات الدينية العامة التي ينبغي أن تلتزم بها كل الطوائف والكنائس والقسيسين ، والرهبان ، والأساقفة ، والبطريركيات . . . الخ . ومن هنا فإن الخطوط التي سأقدمها في هذه الرسالة إنما هي عن المجامع العامة التي لها سلطان التشريع العام ، لنرى إلى أي حد كانت ، وتكون ، مسؤوليتها الدينية والتاريخية . ثانيا : عددها ؟ يقول المؤرخون : إن الاحصائيات التي أجريت لمعرفة عدد المجامع التي انعقدت بين المدة من القرن الأول المسيحي إلى عام 1869 م تساوي عشرين مجمعا ، هكذا يروي نوفل بن نعمة الله بن جرجس في كتابه ( سوسنة سليمان ) ، مع الاختلاف والانكار لعمومية بعضها أو لصحة قرارتها . وأخطر المجامع التي لها صلة بقضايا التثليث أربعة وهي : 1 - مجمع نيقية الاول المنعقد في 325 م . 2 - مجمع قسطنطينية الأول المنعقد في 381 م . 3 - مجمع افسس المنعقد في 431 م . 4 - مجمع خليكدونية المنعقد في 451 م. وسوف نقدم في هذه الرسالة كمقدمة للبحث في هذه المجامع درس أربع نقاط هي :

أسباب انعقاد المجامع : جملة الحاضرين : أهم القرارات : الملاحظات التي ينبغي أن تأخذ إهتماما في الدراسة . الأول - مجمع نيقية 325 م هذا هو المجمع الأول الذي له أثر بعيد في حياة التدين المسيحي ، وهو أخطر في شأنه من كل مجمع ، لأنه بدء التخطيط لعقيدة التثليث . 1 - سبب انعقاده ؟ اختلفت الطوائف المسيحية في شخص المسيح ، هل هو رسول نبي من عند الله فقط ؟ أو هل هو يملك منزلة أعلى من الرسالة فهو بمنزلة الابن ، وإن لم يكن ابنا حقيقيا ؟ أو : هل هو حقيقة ابن الله ؟ أما الكنيسة المصرية في الإسكندرية فكانت تقول بألوهية المسيح ، وأما أريوس وهو مصري فقد جحد رأي الكنيسة ونشر مبدأه الذي يقول إن المسيح ليس ابنا لله .

وحول هذا ينقل ابن البطريق رأي اريوس فيقول : كان يقول إن الأب وحده هو الله والابن مخلوق مصنوع . ( وقد كان الاب إذ لم يكن الابن ) . وعلى الجانب الآخر تقول كاتبة كتاب ( تاريخ الأمة القبطية ) : الذنب ليس ذنب أريوس ، بل يقع على فئات أخرى سبقته في إيجاد هذه البدع ، فأخذ هو عنها ، ولكن تأثير تلك الفئات لم يكن شديدا ، كما كان تأثير أريوس الذي جعل الكثيرين يذكرون سر الألوهية حتى انتشر هذا التعليم وعم . إذن : الأسرة المسيحية فيها شغب وفوضى عقائدية حول من هو المسيح ، وكانت الدولة الرومانية قد خففت اضطهادها عن النشاط المسيحي ، بل إنها شاءت أن تحتضن المسيحين ، فعطف قسطنطين الملك على المسيحيين ، وأراد أن يحسم النزاع فدعا هو إلى عقد مجمع نيقية 325 م ، وأرسل بذاته رسائل إلى الفرق المتخاصمة وهي : أريوس نفسه وبطريرك الإسكندرية . وجمع قسطنطين بينهما ، ولكن الاجتماع أسفر عن خيبة أمل وإخفاق في المحادثات ، فانتقل الموقف إلى قمة أعلى ، وهو عقد مجمع نيقية ، لفض النزاع القائم بين : الموحدين المائلين إلى فكرة أريوس وغيرهم . وفي هذا يقول ابن البطريق : ( بعث الملك قسطنطين إلى جميع البلدان ، فجمع البطاركة والأسقافة ، فاجتمع في مدينة نيقية ثمانية وأربعون وألفان من الأساقفة ( 2048 ) وكانوا مختلفين في الآراء والأديان : فمنهم من كان يقول إن المسيح وأمه إلهان من دون الله وهما البرابرانية ، ويسمون الريميتين . ومنهم من كان يقول إن المسيح من الابن بمنزلة شعلة نار انفصلت من شعلة نار ، فلم تنقص الأولى بانفصال الثانية منها ، وهي مقالة سابليوس وشيعته . ومنهم من كان يقول : لم تحمل به مريم تسعة أشهر ، وإنما مر في بطنها كما يمر الماء في الميزاب ، لأن كلمة الله دخلت في أذنها ، وخرجت من حيث يخرج الولد من ساعتها ، وهي مقالة اليان وأشياعه .



ومنهم من كان يقول إن المسيح إنسان مخلوق من اللاهوت كواحد منا في جوهره ، وإن ابتداء الابن من مريم ، وأنه اصطفي ليكون مخلصا للجوهر الأسمى ، صحبته النعمة الإلهية ، وحلت فيه المحبة والمشيئة ! ولذلك سمي ابن الله ، ويقولون : إن الله جوهر قديم واحد ، وأقنوم واحد ، ويسمونه بثلاثة أسماء ولا يؤمنون بالكلمة ، ولا بالروح القدس ، وهي مقالة بولس الشمشاطي بطريرك أنطاكية وأشياعه وهم البولقانيون .

ومنهم من كان يقول : إنهم ثلاثة آلهة لم تزل : صالح وطالح وعدل بينهما ، وهي مقالة مرقيون اللعين وأصحابه ، وزعموا أن مرقيون هو رئيس الحواريين ، وأنكروا بطرس . ومنهم من كان يقول بألوهية المسيح ، وهي مقالة بولس الرسول ، ومقالة الثلاثمائة وثمانية عشرا أسقفا . ) ذلك هو سبب الانعقاد : خلاف غير محدود ، وآراء غير متلاقية ، ولا متحدة بوجه ما ! 2 - عدد المجتمعين : يروي ابن البطريق : أن عدد الحاضرين في مجتمع نيقية ( 318 ) أسقفا فيقول : ( وضع الملك للثلاثمائة وثمانية عشر أسقفا مجلسا خاصا عظيما ، وجلس في وسطه وأخذ خاتمه وسيفه وقضيبه فدفعه إليهم ، وقال لهم : قد سلطتكم اليوم على مملكتي لتصنعوا ما ينبغي لكم أن تصنعوه مما فيه قوام الدين ، وصلاح المؤمنين ) .

فمن هذه الرواية يتضح أن عدد الحاضرين ( 318 ) أسقفا من التابعين لرأي قسطنطين . 3 - القرارات : كان المجتمعون عامة قبل المجلس الخاص الذي عقده قسطنطين ( 2048 ) وكان النقاش بينهم حادا وعنيفا وقاسيا ، مما أدهش الملك قسطنطين ، فأمرهم بالتناظر ليدرك هو من خلال التناظر الرأي الصحيح ، وأخيرا اعتقد قسطنطين في صحة الرأي الذي يذهب إليه بولس الرسول القائل بألوهية المسيح ، وعندئذ اختلف الناس إلى قسمين ، الفريق الملكي الذي شكل مجمع نيقية فيما بعد وعدده ( 318 ) أسقفا ، والفريق المعارض وهم شتى في الرأي والمذهب وعددهم ( 2030 ) أسقفا .

بهذه الأقلية صدرت القرارات التالية : 1 - الكنيسة الرسولية تحرم القول بأن الزمن قد خلا من ابن الله بتاتا . 2 - طرد كل من يخرج على هذه العقيدة . 4 - الملاحظات : 1 - اتخذ المجمع قراره بأقلية مغلوبة على أمرها . 2 - كان للملك قسطنطين اليد الأولى في ترجيح مذهب بولس الرسول الذي انتهى إليه المجمع . 3 - كيف يؤخذ برأي قسطنطين في ترجيح مسألة في العقيدة مع ملاحظة أنه ليس قديسا ، ولا قسيسا ، بل ولا مسيحيا ، فما زال حتى انعقاد المجمع محايدا يعطف فقط على المسيحيين ؟ 4 - ما هي سلطة المجمع الدينية في الأناجيل لتحل أو تحرم من غير الرجوع إلى النصوص في الأناجيل ؟ 5 - كيف يمكن تفسير موقف أحد الأساقفة الذين اتبعوا الملك في القول بألوهية عيسى ثم عندما سنحت له الفرصة عارضها وندد بها ، وراح يدعو إلى مذهب أريوس ؟ ذلك هو الأسقف : أوسابيوس ، الذي تقرب إلى قسطنطين حتى عينه بطريركا للقسطنطينية فانقلب وراح يدعو ويروج مذهب أريوس ، وأظهر ذلك في مجمع ( صورن ) الذي انتهت المناقشات فيه إلى الملاكمات بالأيدي ، وضربوا بطريرك الإسكندرية على رأسه ليخرج منه الوثنية لأنه كان مخالفا لرأي أوسابيوس ؟ كيف يمكن تفسير هذا الموقف ، مع أن الرجل كان واحدا من الموافقين على ألوهية المسيح ؟ على الأقل ألا يعطينا هذا الحدث دليلا على أن المجمع الأول في ( نيقية ) قد قرر قرارات رغم أنف جانب من الحاضرين ؟ إذن فيكف يوثق في مجمع قرر أقليته قرارات ظهر فيما بعد أن جانبا من الحاضرين قد أرغم على قبولها ، والذي تمثله قصة ( أوسابيوس ) ؟ ؟ الثاني - المجمع القسطنطيني الأول 381 م 1 - سبب انعقاده ؟ أسفر مجمع نيقية 325 م عن القول بألوهية المسيح ، وأنه ابن الله ، ولكنه لم يبحث علاقة الألوهية بالروح القدس ، ولما كان المجتمع المسيحي ما يزال يحمل أفكارا متلونة ومتغايرة ولهذا الفكر أساليبه في التعبير عن عقيدته فقد صعدت في آفاق الفكرة الثقافية المسيحية فكرة يحملها القسيس ( مكدرنيوس ) ملخصها :

( أن الروح القدس ليس بإله ، وإنما هو مخلوق مصنوع ، وروجت هذه المقالة وشاعت فلقيت في المجتمع نوعين من الناس : 1 - الموحدين أصحاب أريوس ، وأوسابيوس ، فتقبلوها بقبول حسن ، ونشروها وروجوها . 2 - الوثنيين المؤلهين فخالفوها وحاربوها ، وعلى رأس هذا الفريق بطريرك الإسكندرية ، فاجتمع هذا الفريق بما له من سلطة دينية عند الملك ، وأوعز إليه بعقد مجمع يقرر فيه أن الروح القدس إله . 2 - عدد المجتمعين : فاجتمع لذلك ( 150 ) خمسون ومائة أسقف في القسطنطينية ، وهو عدد لا يمثل فكرة المجامع المسكونية العامة ، ولهذا فإن الكاتب المسيحي ( نوفل بن نعمة الله بن جرجس ) يروي عن الرهبان البند كينيون : أن المجمع الذي لم يكن أربابه إلا مائة وخمسين أسقفا لا ينضم في سلك المجامع المسكونية إلا بعد أن يقره جميع الكنائس . 3 - القرارات : 1 - إثبات أن الروح القدس هي روح الله وهي حياته ، فهي من اللاهوت الإلهي . 2 - لعنة مكدونيوس وأشياعه ، وكل من يخالف هذا القرار من البطاركة وغيرهم . . . الخ . 4 - الملاحظات : 1 - بهذا المجمع القسطنطيني في عام 381 م . أي في أواخر القرن الرابع الميلادي اكتملت فكرة التثليث كعقيدة للمسيحية ، بعد جدال عنيف بين الطوائف . 2 - هذه الفكرة التي اتخذتها المجامع بالترتيب وعلى التوالي ، لم تقرر بأغلبية عامة مطلقة كما هو الشأن في المجامع والمؤتمرات العامة ، ولكنها اتخذت بالأغلبية المغلوبة على أمرها ، بل بالمخالفة للقرارات التي إنتهى إليها . 3 - في قرارات هذا المجمع خروج على ما قرره مجمع نيقية بالزيادة وحول هذا يقول مؤرخ المسيحية ابن البطريق : ( زادوا في الأمانة التي وضعها الثلاثمائة وثمانية عشر أسقفا الذين اجتمعوا في نيقية : الإيمان بروح القدس ، الرب المحيي المنبثق من الأب الذي هو مع الأب والابن مسجود له ، وممجد ، وثبتوا أن الأب والابن وروح القدس ثلاثة أقانيم ، وثلاثة وجوه ، وثلاثة خواص ، توحيد في تثليث ، وتثليث في توحيد ، كيان واحد في ثلاثة أقانيم ، إله واحد ، جوهر واحد ، طبيعة واحدة ) .

السؤال الذي ينبغي أن يكون جوابه شافيا : من أين لهم هذا ؟ ! الثالث - مجمع أفسس الاول 431 م . 1 - سبب انعقاده : في الشكل العام حدد مجمع قسطنطينية الأول 381 م عقيدة التثليث : الله الأب ، الله الروح القدس ، الله الابن ، وبقيت حقيقة هذه العقيدة غامضة التفسير ، فيكف تلتقي هذه الأقانيم الثلاثة ؟ وما هو طريق التقائها ، وما هي العلاقة بينها ؟ هنا - وعلى العادة - عج المجتمع بالنظريات التي تفسر علاقات الأقانيم بعضها ببعض ، ومن ذلك العجيج : 1 - مذهب نسطور : يقرر بطريرك القسطنطينية ( نسطور ) أن هناك : أقنوما وطبيعة ، فأقنوم الألوهية من الأب ، ونسبة الألوهية تكون إلى الأب ، وطبيعة الإنسان وهو مولود من مريم ، وإذن فمريم أم الإنسان وليست بأم الله ، والمسيح الذي ظهر بين الناس متحد بالمحبة مع الابن ، والعلاقة بين الله وبين ابنه المحبة ، والمسيح الظاهر ليس إلها ولكنه مبارك بما وهبه الله من الآيات والتقديس ، وحول هذا يقول كتاب ( تاريخ الأمة القبطية ) : ( أما هرطقة نسطور هذه فلم تكن كغيرها نشأت عن إختلاف في عقائد وضعها الآباء والأحبار ، بل هي جوهرية تختص بأعظم موضوعات الإيمان والأركان في الدين المسيحي ذلك ، أن نسطور ذهب إلى أن ربنا يسوع المسيح لم يكن إلها في حد ذاته بل هو إنسان مملوء من البركة والنعمة ، أو هو ملهم من الله ، فلم يرتكب خطيئة ، وما أتى أمرا إدا . وينقل إلينا ابن البطريق رأي نسطور فيقول : ( إن هذا الإنسان الذي يقول إنه المسيح بالمحبة متحد مع الابن ، ويقال إنه الله وابن الله ليس بالحقيقة ولكن بالموهبة ، وإذن فنسطور لا يقول بألوهية المسيح ، ولا يقول إنه هو ابن الله . 2 - مذهب أسقف رومية وبطريرك الإسنكدرية ، على العادة خرجت جموع الأساقفة الوثنيين يعارضون فكرة نسطور في تفسيره للأقانيم ، وقوله ببشرية المسيح ، وفي مطلعهم أسقف رومية ، وبطريرك الإسكندرية ، ودارت بينهم مكاتبات بشأن عقد مجمع للنظر في بدعة نسطور ، فاتفقوا على عقد مجمع في أفسس لبحث هذا الموضوع . 2 - عدد المجتمعين : جرت مراسلات بين : ( 1 ) أسقف رومية ، ( 2 ) بطريرك الإسكندرية ، ( 3 ) أساقفة أنطاكية ، ( 4 ) أساقفة بيت المقدس .

غير أن نسطور امتنع عن الحضور لما علمه من النية حول لعنه وطرده ، واتخاذ قرار ضد مذهبه ، وكذلك تبعه أساقفة أنطاكية ، فبقي من المتراسلين لعقد الاجتماع بطريرك الإسكندرية ، وأساقفة رومية ، وبيت المقدس . وفي أفسس عام 431 م انعقد المجمع بقوة ( 200 ) مئتي أسقف لا غير . 3 - القرارات : 1 - مريم العذراء أم الله كما يقول في ذلك كتابهم الذي وقعوه ، أن مريم القديسة العذراء ولدت إلهنا يسوع المسيح الذي مع أبيه في الطبيعة ، ومع الناس في الناسوت والطبيعة . 2 - أقروا بطبيعتين للمسيح : واحدة لاهوتية ، والأخرى ناسوتية بشرية . 3 - لعن نسطور ونفيه إلى مصر .



الملاحظات : 1 - إن المجمع ذاته لم يكن شاملا لكل أطراف النزاع لغياب أساقفة أنطاكيا ونسطور نفسه . 2 - إن المجمع زاد في تفسير مفهوم الأب الذي وضعته المجامع السابقة ، حيث قال : إن الابن ، وهو الله ، له طبيعتان : واحدة لاهوتية إلهية ، والأخرى ناسوتية بشرية . 3 - إن المناقشات في موضوع العقيدة لم ينل حظها من التأييد بالنصوص من الأناجيل . الرابع - مجمع خلقيدونية 451 م 1 - سبب الانعقاد : من نتائج المجمع السالف ، إعتبار أن للمسيح طبيعتين : لاهوتية ، وناسوتية ، وهذا القرار لم يحسم النزاع بين الطوائف المسيحية المتخاصمة ، لا سيما والفريق المعارض أخذ ينشر مذهبه حتى سافرت مبادئه إلى الموصل والفرات . وعلى الجهة المقابلة نرى بطريرك الإسكندرية يخرج بمذهب جديد في تفسير طبيعة المسيح ، فيقول : إنهما طبيعتان في طبيعة واحدة ، إنهما اللاهوت والناسوت التقيا في المسيح ، ولهذا عقد بطريرك الإسكندرية مجمع أفسس الثاني وقرر فيه مذهبه إلى أن للمسيح طبيعة واحدة اجتمع فيها اللاهوت ، والناسوت . فغضبت الكنيسة الكاثوليكية وسمت هذا المجمع بمجمع اللصوص ، وعارضه بطريرك القسطنطينية معارضة شديدة وانسحب من المجلس وأعلن عدم احترامه لقرارات المجمع ، فأمر رئيس المجمع بحرمانه وطرده ، وحدث لذلك شغب وصخب وعراك شديد وعنيف ، وبرزت أفكار دينية حول : 1 - صحة انعقاد مجمع أفسس الثاني .

2 - مدى سلطانه التشريعي ، ومدى الاحترام الذي تناله قراراته . 3 - وقيمة القرارات الحرمانية التي يصدرها : هل تحترم وتعتبر نافذة المفعول ، أو ملغاة ؟ لكل هذا عم البيئة المسيحية نزاع وعراك وفوضى فكرية ودينية فأرادت ملكة الرومان وزوجها إنهاء ذلك الشغب ، فدعت حكومتها إلى عقد مجمع في مدينة خليقيدونية في عام 451 م . 2 - عدد المجتمعين : يقول الكاتبون المسيحيون : إن مجمع خلقيدونية المنعقد في أكتوبر عام 451 م حضره ( 520 ) عشرون وخمسمائة أسقف ، تحت إشراف زوج الملكة . وقد ساد اجتماع هذا المجمع صخب وفوضى ولدته مشكلة اقتراح إخراج ديسكورس بطريرك الإسكندرية بتهمة أنه عقد مجمع أفسس الثاني بغير إذن من الكرسي الرسولي المقصود به ( بابا روما ) ، ولكن مندوبي الحكومة رفضوا هذا الاقتراح ، فوقع بسبب ذلك ألوان عديدة من المشاجرات والمنازعات . 3 - القرارات : 1 - إن المسيح فيه طبيعتان منفصلتان لا طبيعة واحدة ، وإن الألوهية طبيعة وحدها ، والناسوت طبيعة وحده ، التقتا في المسيح ، وحول هذا ينقل ابن البطريق : ( قالوا ، إن مريم العذراء ولدت إلها ، ربنا يسوع المسيح الذي هو مع أبيه في الطبيعة الإلهية ، ومع الناس في الطبيعة الانسانية ، وشهدوا أن المسيح طبيعتان وأقنوم واحد ، ووجه واحد ) . 2 - لعن نسطور ، ولعن ديسكورس ، وكل ما يشايعهم في مقالتهم .



3 - لعن وإبطال قرارات مجمع أفسس الثاني الذي كان قد عقده ديسكورس بطريرك الإسكندرية ، والذي قرر فيه أن للمسيح طبيعة واحدة التقى فيها اللاهوت والناسوت . 4 - نفي بطريرك الإسكندرية ديسكورس إلى فلسطين . 4 - الملاحظات : 1 - الجو الذي ساد اجتماعات المجمع كان عنيف الخصومة غير مهذب البروتوكول ، إلى درجة أن رجال الحكومة وجهوا إنذارا إلى الأساقفة : ( إنه لا يجدر بالأساقفة وأئمة الدين أن يأتوا مثل هذه الأعمال الشائنة من صياح ، وصراخ ، وسب ، وقذف ، وضرب ، ولكم ، بل يجب أن يكونوا قدوة للشعب في الهدوء وتسيير الأمور على محور الحكمة والسداد ، ولذلك نرجوكم أن تستعملوا البرهان بدل المهاترة ، والدليل عوضا عن القول الهراء ، وأميلوا آذانكم إلى سماع ما سيتلى عليكم ) . 3 - تمسك كل فريق برأيه ، وهدم آراء الآخر ، فقد تمسكت الكنيسة المصرية بالإسكندرية ببطريركها ، وبمذهبه ، ورفضوا قرار المجمع الذي ينص على نفيه وطرده ، ورفضوا : كل رئاسة دينية تبعث بها الحكومة الرومانية ، وحول هذا يقول كتاب الأمة القبطية : ( ولما طرق مسامع المصريين ما لحق ببطريركهم من الحرمان والعزل ، هاجوا وغضبوا واتفقوا على عدم الاعتراف بقرار المجمع ، وأعلنوا رضاهم ببقاء بطريركهم رئيسا عليهم ، ولو أنه محروم مشجوب ، وأن إيمانه ومعتقده هو عين إيمانهم ومعتقدهم ، ولو خالفه فيهما جميع أباطرة القسطنطينية وبطاركة رومية ، ولقد اعتبر المصريون أن الحكم الذي صدر ضد بطريركهم ماس بحريتهم الوطنية مجحف بحقوقهم السياسية ، ولو أنه حكم ديني صرف ) . 3 - ظهور مذهب جديد ، وهو مذهب يعقوب البراذعي وفيه يدعو إلى مذهب الكنيسة المصرية التي ترى أن المسيح له طبيعة واحدة على خلاف ما قرره المجمع الرابع الذي انعقد في خلقيدونية عام 451 م ، وذلك في خلال القرن السادس الميلادي .

وبهذا فقد بدأ انفصال الكنيسة المصرية عن الكنيسة الغربية ، ويوجز لنا هذا الحال كتاب ( تاريخ المسيحية في مصر ) فيقول : ( كنيستنا المستقيمة الرأي التي تسلمت إيمانها من كيرلس ، وديسكورس ، ومعها الكنائس الحبشية ، والسريانية والارثوذكسية ، تعتقد بأن الله ذات واحدة ، مثلثة الأقانيم ، أقنوم الأب ، وأقنوم الابن ، وأقنوم الروح القدس ، وأن الأقنوم الثاني أي أقنوم الابن تجسد من الروح القدس ومن مريم العذراء ، فصير هذا الجسد معه جسدا واحدا ، وحدة ذاتية جوهرية منزهة عن الاختلاط ، والامتزاج ، والاستحالة ، بريئة من الانفصال ، وبهذا الاتحاد صار الابن المتجسد طبيعة واحدة من طبيعتين ، ومشيئة واحدة ) . تعقيب : هذه هي أهم المجامع التي لها الخطر الأكبر في حياة المسيحية كعقيدة ونظام ودين وخلق ، وأننا نقدم للباحث أربع نقاط هامة جدا ليلاحظها عند البحث في دراساته عن المسيحية وسواء كان الباحث مسلما أو غير مسلم ، وتلك الملاحظات الأربع هي :

1 - أن المجامع المسيحية مطلقا سواء كانت مسكونية عامة ، أو ملية مذهبية خاصة أو إقليمية محددة ، فإنها لم تجمتع إلا تحت ظروف الشقاق الذي أحدثته المناقشات حول تفسيرات خاصة بالعقيدة التي لم تفسر بعد ! 2 - أن المجامع لم تنه خلافات ، لا حول العقيدة ولا حول الوحدة المسيحية البشرية ، ولكنها ولدت خلافات جديدة ، وعمقتها بقرارات الحرمان والطرد . 3 - أن المناقشات والقرارات لم تعتمد على نصوص من الأناجيل ، ولا من رسائل الرسل بل إن الرسائل لم تأخذ نصيبها من الصحة إلا بقرار من بعض المجامع التي انعقدت بعد مجمع نيقية عام 325 م . 4 - في خلال هذا العراك الذي تاهت فيه حقيقة الاعتقاد ، وحقيقة العقيدة ، وتاهت فيه معالم المسيحية التي جاء بها عيسى عليه السلام ، ولما تتبين الطوائف المسيحية ديانتها كانت البعثة الإسلامية بالنبي الخاتم محمد ( ص ) في عام 610 م . ولذا يجدر بالباحث مطلقا سواء كان مسلما أو غير مسلم أن يعرج في بحثه عن المسيحية على تفسير قول الله تعالى : ( وإن الذين أورثوا الكتاب من بعدهم لفي شك منه مريب ، فلذلك فادع ، واستقم كما أمرت ، ولا تتبع أهواءهم ، وقل آمنت بما أنزل الله من كتاب ، وأمرت لأعدل بينكم ، الله ربنا وربكم ، لنا أعمالنا ولكم أعمالكم ، لا حجة بيننا وبينكم ، الله يجمع بيننا وإليه المصير ) 14 - 15 الشورى .



ولتكتمل للباحث عناصر الموضوع أرشح له قراءة صفحات من الجزء الخامس والعشرين من تفسير ( في ظلال القرآن ) 15 - 26 و 90 - 98 من تفسير سورة الزخرف . موجز واستطراد : وإذن فعقيدة التثليث أخذت الأدوار التالية : 1 - في المجمع الأول المنعقد في نيقية عام 325 م . تقرر فيه أن المسيح إله فقد ، وباقي المسائل المتعلقة بالروح القدس ، وطبيعة المسيح لما تبحث بعد ذلك لأنها بعد لما تتولد من عراك أو مشاجرة . 2 - في المجمع القسطنطيني الأول عام 381 م . تقرر أن الروح القدس إله في مواجهة مقالة مكدونيوس أن الروح القدس ليس بإله ، ولكنه مصنوع ومخلوق لله . 3 - في المجمع الثالث المنعقد بأفسس عام 431 م . تقرر أن للمسيح طبيعتين : إحداهما لاهوتية ، والاخرى ناسوتية في مواجهة مقالة نسطور بأن المسيح ليس إلها ولكنه مبارك وملهم من الله وأنه ليس الابن ولكنه متحد مع الابن بالموهبة والتقديس . 4 - في المجمع الرابع بخلقيدونية عام 431 م . تقرر أن الطبيعتين منفصلتين : إحداهما لاهوتية والأخرى ناسوتية يلتقي بهما المسيح مع الله ، ومع الناس ، وذلك في مواجهة رأي ديسكورس بطريرك الإسكندرية القائل بالطبيعة الواحدة ، وأن اللاهوت والناسوت اجتمعا في السيد المسيح ، عند هذا اجتمعت عقيدة التثليث بقرارات تواجه وتعارض ، وتحارب ، فهل انتهى العراك عند تحديد العقيدة المسيحية بهذا الثالوث ، أو ما زال مستمرا ؟ لقد استمرت المجامع في الانعقاد ، وفي إصدار القرارات ، فهل كانت تسعى لبحث علمي نزيه قائم على أصول المسيحية الغراء الحقيقية التي جاء بها السيد المسيح ؟ أو أنها كانت تتخذ فكرة قومية وطنية ذاتية ؟

الخامس - مجمع قسطنطينية الثاني عام 553 م . 1 - سبب انعقاده : إن جانبا من الأساقفة اعتنق فكرة تناسخ الأرواح حتى زعم أن المسيح ليس حقيقة بل هو نموذج خيالي . 2 - عدد المجتمعين : فاجتمع لذلك ( 140 ) أربعون ومائة أسقف . 3 - القرارات : قرروا حرمان كل الأساقفة القائلين بأن المسيح رمز خيالي ، وكل من يعتقد بفكرة تناسخ الأوراح ، كما قرروا احترام جميع قرارات المجامع السابقة ومنها قرارات مجمع خلقيدونية السالف ، وأنكروا القول بالطبيعة الواحدة للمسيح . 4 - الملاحظات : إن فكرة ألوهية المسيح لم تستقر بل أخذت في النقاش حتى توصل بعض القساوسة إلى اعتقاد أن السيد المسيح رمز خيالي وليس بحقيقة ، مما جعل المجمع الخامس يقرر صحة قرارات المجمع الرابع القائل بالطبيعتين وفي ذلك يلاحظ التعصب الذي يتحدى قول الأساقفة الذين يقولون بأن المسيح ليس حقيقة وإنما هو خيال فقط .

السادس - مجمع قسطنطينية الثالث 680 م . 1 - سبب انعقاده : في القرن السابع الميلادي ظهر رجل يسمى يوحنا مارون 667 م . كان يدعي بأن المسيح له طبيعتان ، ولكن له مشيئة واحدة ، فانزعج لذلك القساوسة والأساقفة والحكام ، خاصة الملك يوغانا قوس ، فدعا إلى مجمع قسطنطينة الثالث عام 680 خ . 2 - عدد المجتمعين : واجتمع لهذا المجمع في مدينة قسطنطينية عام 680 م ( 289 ) أسقفا . 3 - القرارات : 1 - إن المسيح له طبيعتان ، وله مشيئتان . 2 - لعن وطرد كل من يقول بالطبيعة الواحدة أو يقول بالمشيئة الواحدة ( 1 ) . السابع - مجمع نيقية الثاني عام 787 م . 1 - سبب انعقاده : في عام 754 م انعقد مجمع بأمر الملك قسطنطين الخامس وقرر هذا المجمع : 1 - تحريم إتخاذ الصور والتماثيل في العبادة . 2 - تحريم طلب الشفاعة من مريم العذراء . * ( هامش ) ( 1 ) يراجع في هذا تاريخ ابن البطريق .



فأمرت الملكة ايريني بعقد مجمع في نيقية عام 787 م للنظر في قرارات مجمع الملك قسطنطين الخامس الذي انعقد في عام 754 م . 2 - عدد المجتمعين : واجتمع لهذا المجمع ( 377 ) أسقفا . 3 - القرارات : 1 - تقديس صور المسيح والقديسين . 2 - وضعها في الكنائس ، والأبنية المقدسة ، والبيوت ، والطرقات ، لأن النظر إلى ربنا يسوع المسيح ووالدته ، والقديسين يشعرنا بالميل إلى التفكير فيهم . الثامن - مجمع القسطنطينية الرابع 869 م 1 - سبب انعقاده : ذهب بطريرك القسطنطينية فوسيوس إلى أن الروح القدس منبثق من الأب وحده ، فعارضه بطريرك روما وقال إنه منبثق من الاب والابن معا ، وقامت المعركة ، وانعزل بطريرك القسطنطينية وجاء خلفه بطريرك آخر فعقد مجمعا في قسطنطينية عام 869 م - ويسميه المؤرخون المجمع الغربي اللاتيني للنظر في قضية انبثاق الروح القدس من الأب والابن . 2 - عدد المجتمعين : يعتبر هذا المجمع مليا خاصا ، ولم أحظ بالتعرف على عدد المجتمعين وعلى كل حال فهو مجمع يمثل فكرة واحدة هي التي جاءت في قراراته . 3 - القرارات : 1 - انبثاق الروح القدس من الأب والابن معا . 2 - كل ما يتعلق بالديانة المسيحية ينبغي أن يرفع إلى الكنيسة بروما . 3 - كل المسيحيين في العالم يخضعون لكل المراسيم والطقوس التي يقول بها رئيس كنيسة روما . 4 - لعن وطرد البطريرك فوسيوس وحرمانه هو وأتباعه . الثامن مرة أخرى - مجمع قسطنطينية الخامس : 879 م 1 - سبب انعقاده : استطاع البطريرك فوسيوس أن يعود إلى مركزه ، فعمد إلى ما كان قرره مجمع القسطنطينية الرابع عام 869 م ليبطله ، وليقرر مذهبه هو مكانه ، فلذلك عقد هو مجمعا يسمى تاريخيا : المجمع الشرقي اليوناني . 2 - القرارات : 1 - رفض كل ما قرره المجمع القسطنطيني الرابع المنعقد عام 869 م . 2 - انبثاق الروح القدس عن الأب فقط . وهنا يلاحظ الباحث أن الصراع الفكري والقومي في الكنيسة قد ظهر ، فلم تعد المسألة مسألة دين ولكنها مسألة سلطة وقومية .

1 - فعن المجمع الرابع المنعقد في خلقيدونية انفصلت الكنيسة المصرية بالإسكندرية انتصارا لبطريركها وانتصارا لشعورها الوطني الذي تراه قد أهين بما نسب إلى بطريركها ، وما حكم عليه به من الحرمان ، فتعصبت لمذهبه ورأته أنه هو الصحيح ، وإن خالفه كل بطاركة العالم . 2 - ومن المجمعين الشرقي اليوناني ، والغربي اللاتيني ، المنعقدين في مدينة القسطنطينية انقسمت الكنيسة اليونانية على كنيسة روما وصارتا كنيستين : إحداهما تسمى الكنيسة الغربية البطرسية ، التي تدعى أنها من أعمال بطرس الرسول كبير الحواريين ، وأن جماعات البابا خلفاء عنه ، كما تدعي أنها صاحبة ن الديني ، وأن سلطانها يمتد إلى بلجيكا ، وإيطاليا ، وإسبانيا ، وفرنسا والبرتغال .

والأخرى تسمى الكنيسة الشرقية اليونانية الارثوذكسية : فلا تعترف إلا بالمجامع السبعة التي سبقت مجامع القسطنطينية التي حدث فيها الخلاف والافتراق ، كما لا تعترف لبابا روما بالسيادة ، أو الرياسة ( وإن كان موقفها الآن قد تغير لعوامل الزمن ، ومحاولة التقرب ، فترى له الأسبقية بالتقدم لا بالسلطان ، وترى أن بطريرك القسطنطينية هو الذي يليه في الرتبة مباشرة . وسلطانها في بلاد روسيا ، واليونان ، والصرب ، وجانب من جزر البحر الأبيض . وإلى هنا فقد تقرر تاريخيا الانفصال بين الكنائس : 1 - الكنيسة المصرية بالإسكندرية وحدها . ومقر رياستها القاهرة . 2 - الكنيسة الشرقية اليونانية الأرثوذكسية وحدها : ومقر رياستها القسطنطينية . 3 - الكنيسة الغربية البطرسية البابوية وحدها : ومقر رئاستها روما . الاستنتاج : كل المجامع الآتية بعد هذا لا يمكن أن تدعي أنها مجامع مسكونية عامة ، بل هي : ( 1 ) إما مجامع ملية مذهبية خاصة ، ( 2 ) أو مجامع إقليمية محددة ذات غرض شخصي محدد .

التاسع - انعقد في روما عام 1123 م وأهم قراراته : أن تعيين الأساقفة من شأن البابا لا من شأن الحكام . العاشر - انعقد في روما عام 1139 م وأهم أحداثه أنه فشل في التوصل إلى إزالة الخلافات بين الكنيستين الشرقية اليونانية والغربية اللاتينية البطرسية البابوية ، وكان أعضاؤه ( 1000 ) ألف أسقف . الحادي عشر - انعقد في روما عام 1179 م وأهم ما جاء في قراراته : 1 - انتخاب الباب بثلثي عدد الكرادلة . السكوت عما شاع عن : استحالة الخبز والخمر ، في العشاء الرباني ، إلى جسد ودم المسيح . الثاني عشر - في روما 1215 م وأهم ما جاء في قراراته : 1 - الكنيسة البابوية تملك الغفران وتمنحه لمن تشاء . 2 - إقرار ما شاع سابقا من أن الخبز والخمر في العشاء الرباني يتحول إلى جسد ودم السيد المسيح وجعله مبدأ دينيا .



ثم تتوالى المجامع على شكل هذه المجتمعات إلى أن احتدت المنازعات بسبب ظهور البروتوستانت فكان أهم المجامع بعد ذلك المجمعين التاسع عشر والعشرين . التاسع عشر من عام 1542 إلى عام 1563 م تم انعقاد هذا المؤتمر المتواصل انعقاده من عام 1542 م إلى عام 1563 م للرد على الأفكار التقدمية التي طالعت بها الجماهير المسيحية فرقة البروتوستانت ، وكان مكان الانعقاد في مدينة ( تريدنتوا ) وكل ما فيه الرد على أفكار الفرقة البروتوستانتية . العشرون - المنعقد في روما عام 1869 م وأهم ما جاء في قرارات هذا المجمع هو : ( إقرار أن البابا معصوم ) . . وحول هذا يقول نوفل بن نعمة الله بن جرجس : ( قد نشأ في ذلك انقسام في الطوائف الكاثوليكية ببلاد أوربا والشرق ، والذين خالفوا في هذه العقيدة من أهالي أوربا سموا أنفسهم الكاثوليك القدماء ) . تلك هي مقالات علماء المسيحية حول مجامعهم ، والذي ينبغي أن يلاحظ كما أشرت إليه كثيرا أربع نقاط : 1 - انعقاد المجامع سببه الخلاف بين علماء المسيحية . 2 - أن المجامع انتهت بحدة الخلافات وزيادتها في المجتمع ، ولم تستطع إنهاءها . 3 - أن القرارات التي اتخذت لم يعتمد فيها على نصوص الكتب المقدسة . 4 - أن هذه المعارك أخفت معالم المسيحية إلى درجة أن رجالها وعلمائها ما زالوا في خلافات يعقدون لها المجامع لتأييد آراء جانب منهم ، وأن البعثة الإسلامية المحمدية كانت غوثا لهم من الانتحار الفكري والاجتماعي الذي عاشوا ويعيشون فيه . وإذن : فلا بد عند البحث من توضيح الإجابة عن هذه الأسئلة :



1 - أليس الإنجيل بكاف في تفسير وتفصيل العقيدة المسيحية ؟ 2 - إذا لم يكن الإنجيل كافيا فأي مصدر موثوق به يمكن الاعتماد عليه ؟ 3 - وهل المجامع حاولت أن تبحث قضايا العقيدة على ضوء من النصوص الدينية أو على ضوء العصبية الذاتية ، والمعضلات العقلية ؟ 4 - وهل يكفي في مسائل العقيدة الرجوع إلى الفكر البشري وحده ؟ وإذن فما هو الفرق بين الفلسفة والديانة المسيحية إذا كان الكل مرجعه الفكر والعقل ؟ 5 - وهل الانقسام الحاضر أو الماضي في الأسرة المسيحية أساسه نصوص من الدين أو أساسه النظر في أسس الدين ؟ أو أساسه التناظر لإثبات الرأي الشخصي ؟ وكيف نفسر انفصال كنيسة الإسكندرية بعد مجمع خلقيدونية عام 451 م ، وكنيسة القسطنطينية بعد عام 869 م ، وانقسام الكاثوليكية بعد عام 1869 م ، عقب المجمع العشرين ؟ ألم يكن الانقسام بسبب التناظر في آراء الذات لا بسبب النظر في أسس الدين ولا بسبب نصوص الدين نفسه ؟ ذلك ما ينبغي أن يبحث ويجاب عنه لشئ واحد حتى نقدم للمسيحية نورا ؟ المقالة الخامسة الفرق المسيحية : أولا : مرحلة التوحيد ، في ظلال التفكير الذاتي للكنيسة . ثانيا : مرحلة شبه التوحيد ، وبدء القول بالتثليث تحت سلطان الدولة . ثالثا : مرحلة العودة إلى الاستقلال الذاتي بعيدا عن الدولة . رابعا : الاصلاح الديني : أ - من رجال الكنيسة . ب - من غير رجالها .

الفرق المسيحية : قديما - وحديثا منهجنا هنا في توضيح بيان الفرق المسيحية سوف تكون له ذاتية خاصة نابعة من العرض السالف للمجامع ، وأحداثها ، ذلك أن الفرق لم تنشأ إلا من الحمل الذي ناءت به مجامع المسيحية منذ القرن الرابع إلى اليوم ، ومنهجنا هذا نعرضه كما يلي : 1 - مرحلة التوحيد ، في ظل الاستقلال للفكر الديني المسيحي من سيطرة الدولة وتنتهي تقريبا بانعقاد مجمع نيقية الاول عام 325 م . 2 - مرحلة التطور للقول بالأقانيم في العقيدة ، تحت سلطان الإدارة الحكومية للدولة الرومانية ، وتبدأ من عهد قسطنطين بانعقاد مجمع نيقية عام 325 م ، وتنتهي تقريبا بالمجمع السابع الذي عقده الملك قسطنطين الخامس عام 787 م . 3 - مرحلة التعبير عن الذات للكنائس المنفصلة شرقا وغربا ، في ظل الاستقلال عن إدارة وسلطان الدولة ، وتبدأ بانعقاد المجمع الثامن ذوي الشطرين : ( 1 ) المجمع الثامن الغربي اللاتيني المنعقد في عام 869 م . ( 2 ) المجمع الثامن الشرقي اليوناني المنعقد في عام 879 م .



واللذين تولد منهما الانقسام الأبدي للكنيسة إلى : كنيسة شرقية ، وأخرى غربية . ملاحظات : 1 - يعتبر المجمع التاسع المنعقد في روما عام 1123 م القدمين الأولين اللذين تحركت بهما الذات المسيحية للتعبير عن كيانها مستقلا عن سلطان الدولة ، وذلك حين قرر المجمع أن تعيين الأساقفة إنما يكون بسلطة البابا لا بسلطة الحكومة . 2 - ويعتبر المجمع العشرون المنعقد في عام 1869 م هو الذروة لهذا الاستقلال ، حيث قرر هذا المجمع أن للعصمة للبابا ، وأعطاه سلطة مطلقة فوق الوجود المسيحي للفرد والأسرة . 3 - بناء على هذا العرض فإن الحديث عن الفرق المسيحية قديما وحديثا سوف يتخذ هذه الخطوات : أ - مرحلة التوحيد ، في ظل الاستقلال الفكري لرجال الكنيسة بعيدا عن سلطة الدولة . ب - مرحلة القول بالتثليث تحت كنف الدولة وسلطانها . ج - مرحلة العودة إلى الاستقلال ، في ظل التعبير عن الوجود الذاتي للكنيسة المنفصلة عن الدولة والمنقسمة على نفسها هي ! المرحلة الأولى عهد التوحيد ، والاستقلال الفكري لرجال الكنيسة عن سلطان الدولة : أولا : الموحدون : 1 - أريوس وأتباعه : كان يقول : إن الأب وحده هو الله والابن مخلوق له ، وقد كان الأب إذ لم يكن الابن ( 1 ) . 2 - بولس الشمشاطي ، وأصحابه البولقانيون ، كان بطريركا لأنطاكية وكان يقول : إن عيسى عبد الله ورسوله كأحد الأنبياء عليهم السلام ( 2 ) . * ( هامش ) * ( 1 ) راجع من هذه الرسالة ص 96 - 97 . ( 2 ) راجع الفصل في الملل والنحل لابن حزم ، ومحاضرات في النصرانية لفضيلة الأستاذ الشيخ محمد أبو زهرة ، والملل والنحل للشهرستاني . ( * ) ثانيا : المؤلهون : 1 - مرقيون ، وأتباعه ، كان يقول : أن الآلهة ثلاثة ، صالح ، وطالح ، وعدل بينهما ( 1 ) . 2 - البربرانية ، فرقة كانت تعتقد أن المسيح وأمه إلهان من دون الله ( 2 ) . المرحلة الثانية تطور القول بالأقانيم ، تحت سلطان الدولة . أولا : حول فكرة التوحيد مع المزج بالتثليث .



1 - مقدونيوس . أنكر أن يكون روح القدس إلها ، وقال إنه مصنوع لله مخلوق له ( 3 ) . 2 - النسطوريون . أصحاب نسطور بطريرك القسطنطينية الذي عارض القول بأن مريم ولدت الله ، وقال إن مريم لم تلد إلا الإنسان ، فهي أم الإنسان وليست أما لله ( 4 ) . . . . 3 - اليعقوبيون . نسبة إلى يعقوب البراذعي ، الذي انتحل مذهب بطريرك الإسكندرية القائل بأن للمسيح طبيعة واحدة وهي التقاء اللاهوت والناسوت في المسيح ، وهي الفكرة التي رفضها مجمع خليقدونية عام 451 ، وتسبب عنها تمسك الكنيسة المصرية برأي بطريركها ، والانفصال عن الكنيسة الرومانية ( 5 ) . 4 - المارونية أتباع يوحنا مارون . الذي قال بالمشيئة الواحدة لله مع القول * ( هامش ) * ( 1 ) راجع من هذه الرسالة ص 98 . ( 2 ) راجع الصفحة رقم 97 من هذه الرسالة . ( 3 ) راجع من هذه الرسالة ص 100 ، وكتاب تاريخ الكنيسة ترجمة يوسف البستاني . ( 4 ) راجع من هذه الرسالة ص 60 - 102 . ( 5 ) راجع من هذه الرسالة ص 107 . ( * ) بالطبيعتين وذلك هو السبب في انعقاد المجمع السادس عام 680 م . والذي قرر نفي يوحنا ولعنه ، وإقرار مشيئتين لله ( 1 ) . المرحلة الثالثة الاستقلال عن التعبير عن الذات وتنازع السلطة . ولد المجمع الثامن ذو الشطرين : ( 1 ) الشطر الغربي اللاتيني المنعقد في 869 م ( 2 ) الشطر الشرقي اليوناني المنعقد في 879 م ، ولد هذا المجمع الانفصال في الكنيسة المسيحية ، فصارت كنيستين : 1 - الكنيسة الغربية اللاتينية ، وتسمى الكنيسة البطرسية ورئيسها البابا بروما . 2 - الكنيسة الشرقية اليونانية وتسمى كنيسة الروم الأرثوذكسية ، ورئيسها بطريرك القسطنطينية ، وتتبعها جميع الكنائس الشرقية اليونانية . أسباب الانقسام :



ويرجع السر في هذا الانقسام إلى عاملين رئيسيين . العامل الأول ويتصل بالعقيدة هو موضوع المجادلة في المجمع الثامن ، حول قضية انبثاق الروح القدس ، هل انبثاقها من الأب فقط ؟ كما هو رأي الكنيسة الشرقية ، أو هو من الأب والابن معا ؟ كما هو رأي الكنيسة الغربية اللاتينية . ذلك هو محل الصراع الأول في العقيدة والذي امتلأت به المجادلات في المجمع الثامن بشطريه الغربي المنعقد في عام 869 م ، والشرقي المنعقد عام 879 م برئاسة بطريرك القسطنطينية فوسيوس الذي استطاع أن يعود إلى مركزه بعد أن فصل وطرد بقرارات المجمع الثامن الشطر الأول عام 869 م . * ( هامش ) * ( 1 ) راجع من هذه الرسالة ص 111 . ( * )العامل الثاني - تنازع السلطة : فإلى أي كنيسة يخضع العالم المسيحي ؟ أما الكنيسة الغربية البطرسية فقد قررت أن جميع المسيحيين يجب أن يخضعوا لقراراتها وسلطانها . وأما الكنيسة الشرقية الأرثوذكسية فقد قررت أن لا سلطة للبابا ولا تعترف بسيادته ولا برئاسته ، كما أنها لا تعترف إلا بالمجامع السبعة قبل الانفصال ، ولا تلتزم بقرارات مجمع آخر بعد هذا ( 1 ) .



ملاحظة تاريخية هامة : استمر النزاع بين الكنيستين مع وجود الجهود التي بذلت لتحاول التوفيق بينهما ، ولكن كلما زادت جهود التوفيق زادت كثرة الخلافات ، حتى توجت بالتسلط العسكري في الحروب الصليبية التي شنتها الكنيسة الغربية اللاتينية البطرسية على بلاد الشرق الإسلامي ، فاستخدم البابا ( أنوسنت الثالث ) سلطانه وحث زعماء الحرب الصليبية على انتزاع المملكة الشرقية من بلاد اليونان ، وهنا أترك القول لكتاب مسيحيين متعصبين ليشرحوا كيف عامل المسيحيون الغربيون بني دينهم من المسيحيين الشرقيين : يقول الأستاذ نوفل بن نعمة الله بن جرجس في كتابه ( سوسنة سليمان ) : ( حرك البابا ( أنوسنت الثالث ) قواد الصليبيين لنزع المملكة الشرقية من يد اليونان فاقتحموا القسطنطينية سنة 1204 ، وظلوا متسلطين عليها إلى سنة 1261 م فاستعملوا ما أمكنهم من ( الهمجية ) في الأرض التي امتلكوها من بلاد سورية وفلسطين ليخضعوا بطاركة أورشليم ، وجميع الاكليروس اليوناني بواسطة الحبس ، وإقفال الكنائس حتى أحوجوهم إلى أن يفضلوا موادة العرب حكام البلاد الأصليين على موادتهم ويختاروا حكم شعب يتقاضى منهم جزية على أن يتسلط عليهم ملك روحي طمعه وطمع قواده لا يشبعان ) . * ( هامش ) * ( 1 ) راجع من هذه الرسالة ص 114 . ( * ) ويقول جورج سيل : وهو من كبار المتعصبين للمسيحية : يقول في مقدمته لترجمة القرآن الكريم : ( إنه من المحقق أن ما ألم بالكنيسة الشرقية من الاضطهاد واختلال الأحوال في صدر المائة الثالثة عشرة للميلاد قد أجبر كثيرين من نصاراها أن يلجئوا إلى بلاد العرب طلبا للحرية ) .



ولعله يبدو واضحا جدا إتحاد النصين في : ( 1 ) وقوع اضطهاد للكنيسة الشرقية في المائة الثالثة عشرة ( وهي عصر حروب الصليب ) . ( 2 ) وأن حالة الاضطهاد أجبرت المسيحيين على قبول الحياة مع العرب لينالوا حريتهم بدل الحياة مع المسيحيين اللاتينيين الغربيين الطماعين . وهنا يبدو سؤال عريض وهو : 1 - هل في التاريخ حقيقة لما يسميه المسيحيون اليوم بالتسامح الديني بين طوائف الديانة المسيحية ؟ بل هل في التاريخ ظل ولو بسيط جدا لما يسميه المسيحيون اليوم بالتسامح الديني بين أساقفة وبطاركة وقساوسة وعلماء المسيحية أنفسهم ؟ بل هل قرارات المجامع بالحرمان والطرد لجانب من الموحدين أو المختلفين في الرأي تصور معاني التسامح الديني بين علماء المسيحية ؟ بل هل قرار البابا في 2 أيار سنة 1949 م الذي يحرم زواج الكاثوليكية من الارثوذكسي أو البروتستنتي يصور شيئا ما من معاني التسامح الديني ( 1 ) . وإذن : فلماذا يدعو المسيحيون في العصر الحديث إلى التسامح الديني ، وهم لم يعرفوا ، لا في التاريخ ، ولا في الواقع شيئا ما من معنى التسامح الديني ؟ وهل المسيحيون يريدون حقا إقامة تسامح ديني من أجل الحق والسلام ؟ هاتان نقطتان أراهما جديرتين بالبحث ، لمن شاء أن يقدم ببحثه نورا للمسيحيين إن شاؤا أن يستقيموا ؟ * ( هامش ) * ( 1 ) راجع دليل الزواج المسيحي ص 32 قرارات الأب بولس كوسا لسنة 1949 م . ( * ) حركة الاصلاح الديني حالة المسيحية في الغرب لم تقنع العقل الإنساني بصدق تعاليمها ، فشعر الشباب الواعي ببعد تعاليم الكنيسة عن طبيعته الانسانية ، فقامت عدة إصلاحات تريد أن تعدل تعاليم الكنيسة لتكون الغذاء الشهي للعقل والروح . واتخذت حركة الاصلاح هذه موجتين : 1 - موجة من رجال الكنيسة نفسها . 2 - وموجة من خارج رجال الكنيسة . ولكي نقدم للباحث مادة يتعرف بها على ضرورة حالة الاصلاح التي ألح بها الشباب في الغرب يجدر بنا أن نمهد لذلك بحديث قصير عن حالة الكنيسة في ذلك الحين . والحديث عن حالة الكنيسة يستلزم مل ء هذه النقاط ولو بسرعة : 1 - علاقة الكنيسة بالمجتمع ، وتشمل : أ - علاقتها بالرعية والعلماء . ب - علاقتها بالحكام والملوك . 2 - سلوك الكنيسة ذاتها ، ويشمل : أ - الأتاوات . ب - التحكم في تفسير الإنجيل .

ج - مسألة العشاء الرباني . / صفحة 128 / د - سلوك رجال الكنيسة أنفسهم . ولنعرض ذلك بسرعة كخطوط نقدمها لمادة البحث مستقبلا دون إطالة في التفسيرات : أولا - علاقة الكنيسة بالرعية والعلماء : بالغت الكنيسة في فرض تعاليمها على الشعب والعلماء ، فلم تسلك لذلك طريق الوعظ والارشاد بل سلكت سبيل القهر والعنف والتسلط ، فحرمت كل رأي يخالف رأيها واستتبع ذلك تحريم الأبحاث الطبيعية العلمية ، وأصدرت فتاوى التكفير لكل عالم يبحث في مسائل الطبيعة والمعرفة ، بل تجاوزت ذلك إلى الحكم بإحراق من يأتي فعلا من الأفعال التي حرمتها . فالمجمع الثاني عشر المسمى بالمجمع اللاتيراني الرابع المنعقد عام 1215 م يقرر : استئصال كل من يرى رأيا يخالف رأي الكنيسة ولو كان في العلوم الطبيعية ، بل أن الكنيسة راحت تفتش عن العلماء الذين يبحثون في هذه المسائل وتتجسس عليهم ، وشكلت لذلك نظام محاكمة عرف في التاريخ بمحاكم التفتيش . وإلى ذلك يشير المسيو إيتين دينيه فيقول : ( بل أن منهم من حاربتهم المسيحية واضطهدتهم : خذ مثلا ( جاليلو ) الفلكي الإيطالي ( وإتين دوليه ) الكتاب الناشر الفرنسي ، وغيرهما كثير ممن ذهبوا ضحية التعصب الذميم ( 1 ).

ثانيا - علاقتها بالحكام والملوك : فرضت الكنيسة أوامرها على الملوك والأمراء - كما فرضتها على سائر الناس - فأصدرت قرارات الحرمان واللعن والطرد لهم ، يقول الأستاذ نوفل بن جرجس : ( المجمع الثالث عشر انعقد في ليون من أعمال فرنسا سنة 1245 بأمر البابا أينوسنت الرابع لأجل عزل فردريك ملك فرنسا وحرمه ) . * ( هامش ) * ( 1 ) أشعة خاصة بنور الإسلام ص 13 . ( * ) ثالثا : سلوك الكنيسة ذاتها : أ - فرضت الكنيسة إتاوات على كل فرد مسيحي طيب السلوك أو سئ السلوك ، وقد استخدموا أساليب غير مهذبة في جمع هذا المال ، وأنه ليقال أن ورما عاصمة البابا كان فيها ( 16000 ) ستة عشر ألفا من النساء العاهرات اللاتي يستخدمن أعراضهن في الحصول على المعيشة قد اعتبرتهن الكنيسة موردا ماليا لخزانة الدولة وفرضت عليهن إتاوات ، وضرائب ! ! ب - استحوذت الكنيسة على أحقية تفسير الأناجيل ، وإصدار الفتاوى ، ومنعت العقل وحجرت عليه من التفكير ، بل طالبت بإلغائه إن عنت له قضية لهم يفهمها ، ودعت العوام والمثقفين إلى ترويض عقولهم بأن يقبلوا كل شئ غير معقول ، وفي هذا يوري المسيو إيتين دينيه الفرنساوي فيقول : ( وما كان أصدق سان اغسطين ، وهو أخبث رجال الكنيسة ، عندما يريد أن يقطع أي مناقة في عقيدته ، ما كان أصدقه وهو يصيح : ( أنني مؤمن لأن ذلك لا يتفق والعقل ) ( 1 ) . ج - يقولون في تعاليمهم : إن العشاء الرباني الذي يتكون من خمر وخبز يستحيل إلى جسد ودم السيد المسيح - نعم هناك خلاف طويل بين الكنائس ولكننا نصور الكنيسة الغربية - فمن أكل من الخبز وشرب من الخمر فقد أدخل المسيح في جسده بلحمه ودمه ، وتلك مسألة لم تجد له زاوية في عقول الشباب الغربي فثار عليها . د - سلوك رجال الكنيسة : صكوك الغفران : قرر المجمع الثاني عشر الماضي : أن المسيح قلد كنيسة روما حق منح * ( هامش ) * ( 1 ) أشعة خاصة بنور الإسلام ص 55 . ( * ) الغفران لمن تشاء ، وتطور هذا القرار إلى وثائق تباع ، وإليك صورة المكتوب فيه : ( ربنا يسوع المسيح يرحمك يا فلان ، ويحلك باستحقاقات آلامه الكلية القداسة وأنا بالسلطان الرسولي المعطي لي أحلك من جميع القصاصات والأحكام والطائلات الكنسية التي استوجبتها ، وأيضا من جميع الإفراط والخطايا والذنوب التي ارتكبتها ، مهما كانت عظيمة وفظيعة ، ومن كل علة ، وإن كانت محفوظة لأبينا الأقدس البابا ، والكرسي الرسولي ، وأمحو جميع أقذار المذنب وكل علامات الملامة التي ربما جلبتها على نفسك في هذه الفرصة وأرفع القصاصات التي كنت تلتزم بمكابدتها في المطهر وأردك حديثا إلى الشركة في أسرار الكنيسة ، وأقرنك شركة القديسين ، أردك ثانية إلى الطهارة والبر اللذين كانا لك عند معموديتك حتى أنه في ساعة الموت يغلق أمامك الباب الذي يدخل منه الخطاة إلى محل العذاب والعقاب ، ويفتح الباب الذي يؤدي إلى فردوس الفرح ، وإن لم تمت سنين مستطيلة فهذه النعمة تبقى غير متغيرة ، حتى تأتي ساعتك الأخيرة ، باسم الأب والابن ، والروح القدس ) .

السلوك الأخلاقي : الذي يتصوره الشعب في رجل الرهبانية النزوع إلى جلال القدس الأعلى ، والتطهر الروحي من كل شين وشهوة ، ليكون قدوة حسنة للأخلاق ، ولكن الذي حدث أن رجال الكنيسة الذين يزعمون أنهم بلغوا الغاية في الطهارة الروحية قد انغمسوا في الشهوات وارتكبوا الموبقات واستغلوا سلطانهم الديني . وحول ذلك يقول المسيو إيتين دينيه : ( إن هؤلاء الوسطاء شر البلايا على الأديان ، وأنهم لكذلك مهما كانت عقيدتهم ومهما كان إخلاصهم وحسن نيتهم ، وقد أدرك المسيح نفسه ذلك ، ألم يطرد بائعي الهيكل ؟ غير أن أتباعه لم يفعلوا مثل ما فعل ، واليوم إذا عاد عيسى ، فكم يطرد من أمثال بائعي الهيكل ؟ ! كذلك ما أكثر البلايا والمصائب ! بل ما أكثر المذابح والمجازر التي يكون سببها هؤلاء الوسطاء ! سواء كانت بين العائلات أو بين الشعوب ، وهم في ذلك كله يصيحون : باسم الرب ( 1 ) . ذلك جانب نقدمه بسرعة لنكشف للباحث مقدمات هامة يجب أن تستقصى عند الحديث عن الاصلاح الديني للمسيحية . الجولة الأولى من الاصلاح : صوت قسيس من الطبيعي أن يرفض البطن أي طعام لا يستسيغه ؟ كذلك العقل - إن كان سليما - فإنه يرفض الأفكار التي لا يستيغها ، والكنيسة لم تعش في عزلة عن نور الحق ، فإنها بالحروب الصليبية قد فتحت للعقل المسيحي آفاقا شهد فيها نور الحقيقة من الإسلام ، فانجذبت الأرواح التي جندها ربها لحب الحق إلى أنواره ، فاصطلت الكنيسة بالنار التي خلفتها آثار حربه الصليبية ، فقد اندلعت ثورات داخلية على حق الكنيسة في الغفران ، وما يسمى سر الاعتراف ، وابتدأت فئات الشعب العامة تحصي على رجال الكنيسة أخطاءهم ، وتتحسس بمشاعرها فساد تعاليمهم فيشعرون بأن الله قريب منهم ، وأنه يجيب دعوة الداعي إذا دعاه .

وإذن : فليس بلازم أن يكون هناك وسيط أو صك للغفران يمنحه أسقف هو أكثر ذنبا من العامة ، فكانت الثورة الدينية التي نادى بها يوحنا هوس ، وتلميذه جيروم ، وملخصها : أن الكنيسة ليس لها سلطان في محو الذنوب ، وأن التوبة مع رحمة الله فقط هي الطريق الطبيعي لمحو الآثام وتطهير النفوس من الخطايا والأدران ، وأن ما يسمى بسر الاعتراف خرافة . . . الخ . ولكن الكنيسة رأت أن ذلك هدم لكيانها وجبروتها ، فانعقد لذلك ( مجمع كونستانس ) مدة أربعة أعوام ( 1414 - 1418 ) للنظر في ثورة يوحنا * ( هامش ) * ( 1 ) أشعة خاصة بنور الإسلام ص 23 . ( * ) هوس ، ومعه تلميذه جيروم ، وقرر المجتمع قتل العالمين الثائرين حرقا بالنار لما يقولانه من هرطقة ، وسرعان ما نفذت السلطات في الدولة قرار الكنيسة وقتل الرجلان أشنع قتلة . وأحب أن أسأل قبل أن أغادر هذا المكان ، وأوجه سؤالي إلى كل من المسيحيين في إندونيسيا خاصة ، وعلماء المسلمين هنا بالذات الذين خنعوا وانخدعوا بتشدق المسيحيين في إندونيسيا بالتسامح الديني : هل يمكن تاريخيا إثبات حقيقة التسامح الديني بين علماء الكنيسة المسيحية على مدار التاريخ ؟ ! يعني هل الصياح الذي نسمعه الآن من المسيحيين في إندونيسيا بالتسامح الديني ثبت أنه حققه الخلق المسيحي تجاه علماء الكنيسة أنفسهم ؟ ! ذلك ما أحب أن ينتبه إليه الباحث مستقبلا . الجولة الثانية من الاصلاح : محاولة فكر ؟ أنت انكلترا من تدخل البابا في شؤونها ، وذاقت فرنسا مرارة تحكم الكنيسة في ملوكها بالحرمان والطرد ، ومع هذا : فإن شمال أوروبا يعتقد أن حضارته مرتبطة بقيم الدين ولا مفر من التوجه إلى الكنيسة ، وكيف والآثار الاجتماعية تمقت رجالها ، وتلعن سلوكها وتفر من تعاليمها ؟ فكانت هنالك محاولات الاصلاح ، وكان فجر تلك الجولة أو الموجة في القرن السادس عشر ، فجرا مقترنا بالحركة العلمية والاستكشافات الجغرافية ، وتقدم الاتصال الاجتماعي على المستوى العالمي بعد أن انتهت عمليات الحروب الصليبية ، واشتهر في هذه المحاولة الإصلاحية عدة رجال بارزين ، منهم : 1 - أرزم 1465 - 1536 م .

وجه دعوته بالاصلاح الديني إلى الحكام المستنيرين كما دعاهم إلى قراءة الكتب المقدسة لتهذيب عقولهم ، وتنمية مداركهم وتوسيعها حتى يستطيعوا فهم عقيدتهم من مصادرها الأولى ، وقد كان أرزم صديقا للبابا ( ليو ) العاشر ، وكان البابا يقدر آراءه ، ويعجب بعبقريته ، ومنطق تفكيره ، ويوافق على وجهات نظره . ولهذا كان أرزم شديد المحافظة على مركز البابا وقداسته ، فتجنب الخلط بين الاصلاح ومركز البابا وقداسته ، وحرمة رجال الكنيسة ، ونادى بأن الاصلاح ينبغي أن يقوم به رجال من الكنيسة نفسها ، ولكن احترام البابا لهذه الآراء قد ألغاه صوت لوثر المعاصر لأرزم فما أن سمع البابا بإصلاحات لوثر حتى رفض مقالات أرزم . 2 - تومس مور : 1478 - 1535 م . ظهر بإنجلترا واتخذ منهج الهدوة في إصلاح الكنيسة فأعلن أن سيادة البابا واجبة ، وأن سلطانه الديني يجب أن يكون شاملا للجميع . 3 - لوثر : ملخص حياته : 1 - ولد عام 1482 م من أسرة فقيرة ، ومع ذلك فقد أجهد والده نفسه ليواصل لوثر دراساته العليا في القانون فأرسله إلى الجامعة . 2 - كانت ميول لوثر دينية أكثر منها قانونية فعكف على دراسة اللاهوت .

3 - كانت له مشاعر دينية مرهفة جعلته محل عناية من الكنيسة فأوصوا به خيرا فعين مدرسا للفلسفة . 4 - ظل يعكف على دراسة الفلسفة حتى شك في صلاحيتها ، وكان يرى أن أرسطو واحد من عبدة الأوثان . 5 - دفعته عواطفه الدينية إلى أن يحج إلى روما لتحل عليه بركات من البابا وما أن وطئت قدماه أرض روما حتى اصطدمت مشاعره وآماله بخيبة كبرى ، فقد كان قبل ذلك يحلم بأنه سوف يقابل خشوعا وورعا وتنسكا وطهرا ووقارا ، فإذا به يجد مدينة ماجنة خليعة ، ونفوسا مدنسة ، وطرقا محاطة بالريب ، واستهانة بالدين ، وجرأة على ارتكاب الخطايا ، ووجد الملائكة الذين تخيلهم قديسين ورهبانا قد انغمسوا في شهوات بهيمية شيطانية ، فانفعلت مشاعره التهب وجدانه ، وصاحت نفسه اللوامة دائما بأن هذا ليس هو الدين ! 6 - فأخذ يدعو إلى الإصلاح بعد أن عاد إلى ألمانيا ، ولكن فساد الكنيسة ما زال يسير من خلفه ، ذلك أن البابا ( ليو ) أراد أن يعيد بناء كنيسة بطرس في روما ، وشاء أن يكون تمويلها من صكوك الغفران ، فأرسل أحد الرهبان إلى ألمانيا ومعه أوراق الغفران ليبيعها ، وهنا ثار لوثر ، وقال : لا يغفر الذنب إلا بالأقلاع والندم ورجاء رحمة الله الغفار وكتب منشورات يلعن فيها بيع صكوك الغفران ، وعلقها على أبواب الكنيسة ، فتهيج الرأي العام وتنبه ، فغضبت البابوية .

7 - أرسلت البابوية إليه للمحاكمة أمام محكام التفتيش فأوصاه بعض الأمراء بعدم الذهاب ، فأصدر البابا قرارا بحرمان لوثر ، فثارت ثائرته ، واستهان بذلك القرار ، واشتد في عدائه ، فاجتمع مجمع ( ورمز ) عام 1521 م لمحاكمة لوثر ولكن المجمع انفض من غير نتيجة ، كل ما هنالك أن الإمبراطور أعلن حرمانه من الحقوق المدنية بناء على قرار البابا بالحرمان ، ولكن أمير سكسونية قدر على حماية لوثر . 8 - تعلقت قضية لوثر بالظروف السياسية ، فقد استطاع أمير سكسونية أن يحميه ، ولكن في عام 1529 م حاول الإمبراطور أن ينفذ قراره فمنعته القوة الشعبية لأفكار لوثر ، واحتجوا فسموا بعدها بالبروتيستنت ، حتى مات لوثر . 9 - وبعد موته ، وانتهاء الإمبراطور من الحروب التي كانت تشغله ، أنزل بالبروتستانت أشد العذاب والنكير . وهنا أسأل كذلك : متى كان هنالك تسامح ديني بين المسيحيين أنفسهم سواء كانوا حكاما أو أساقفة ، أو بطاركة ، أو شعبا ؟ ! 10 - مبادئ لوثر التي كان يدعو إليها : 1 - البابا ما هو إلا كبير المرشدين ، وليس خليفة للسيد المسيح . 2 - عزل رجل الدين إذا لم يؤد واجباته كاملة . 3 - من أجل إصلاح نفسية رجل الدين يرى لوثر زواج الأساقفة ورجال الدين . 4 - لكل مسيحي الحق في فهم الكتاب المقدس من غير رجوع إلى رجل الكنيسة . 5 - العشاء الرباني رمز تذكاري لما قام به المسيح من فداء للخليقة ، أما ما يقال من إستحالة جسمه ودمه في جسم آكل الخبز وشارب الخمر فهو أضحوكة ! . 4 - زونجلي : ملخص حياته : 1 - مولده : سويسري الأصل ولد عام 1484 م . 2 - ابتدأ ثورته على الكنيسة بسبب صكوك الغفران ، مثلما ابتدأها لوثر في ألمانيا . 3 - كان يقول : العشاء الرباني مناولة تذكارية لموت المسيح وفدائه للخطيئة البشرية . 4 - مات عام 1531 م . في أثناء صراع بين أنصاره وأنصار الكاثوليكية ؟

وهنا أسأل : متى كان بين المسيحيين تسامح ديني حتى يطالبونا به اليوم هنا في إندونيسيا ؟ وما رأي علماء الإسلام الذين ضيعوا الحركة الإسلامية في إندونيسيا بسبب خضوعهم لسياسة التسامح الديني ؟ بل ما رأي العلماء الذين ذهب أولادهم الذكور ضحية خداع التسامح الديني ؟ وأخص بذلك أحداث جو جاكرتا ! ملاحظة : دعوة لوثر كانت في ألمانيا ، ودعوة زونجلي كانت في سويسرا ، ولكن لم يحدث بينهما لقاء في النشاط ، بل هو مصادفة واتفاق نفسي في الاحساس بالحاجة الماسة لإصلاح الكنيسة ؟ 5 - كلفن : ملخص حياته : 1 - فرنسي ، ولد عام 1509 م . 2 - تشابه حياته الثقافية حياة لوثر ، فقد التحق بالدراسات القانونية ، ثم تركها لشغفه بدراسة اللاهوت . 3 - عندما شاعت تعاليم لوثر أخذ كلفن الفرنسي في مساعدتها والدعوة إليها . 4 - سافر إلى جنيف بسويسرا خاصة للتأليف ونصرة مبادئ لوثر . 5 - كتاباته تعتبر الأصل الأساسي في تنظيمات الكنيسة البروتستنتية . 6 - يرى أن المسيح لا يحضر العشاء الرباني ، لا بشخصه ، ولا بروحه ، وتناول العشاء رمز إلى مجئ المسيح لا أنه يجئ حقيقة أو مجازا ؟ هذا هو ملخص سريع عن علماء الكنيسة ، وعلماء الاصلاح المسيحيين في حركة الاصلاح الديني التي رآها الشعب المسيحي أمرا لازما بعد أن تفتح النور أمام عينيه في حروب الصليب .

من آثار هذا الاصلاح 1 - إنشاء كنائس منفصلة عن سلطان البابا في روما ، وتسمى في الاصطلاح البروتستنتي : ( الكنيسة الانجيلية ) لأنها تأخذ تعاليمها من الكتاب المقدس عندهم ( الإنجيل ) . 2 - ليس لرئيس هذه الكنيسة قداسة تجعل كلامه مقدسا مثل آيات الكتاب المقدس . 3 - سلطان الكنيسة في الوعظ والارشاد والهداية فقط . 4 - منع الصلاة للموتى وشفاعة القديسين ، فإن غافر الذنوب هو الله فقط . 5 - لا يجوز استعمال لغة غير مفهومة في الصلاة . 6 - لا رهبنة ، لأنها تعين على المعصية ، وتفسد رجل الدين . 7 - لا يجوز استعمال الصور في الكنائس ، ولا يجوز الصلاة لها . ملاحظة هامة جدا : في الإصلاحات التي قررتها الكنيسة الانجيلية البروتستنتية جانب من آراء علماء المسيحية الذين طردتهم المجامع وحرمتهم ونفتهم ، وإذن : فمن أجل الاصلاح كان لا بد للكنيسة الانجيلية البروتستنتية من : 1 - أن تراجع جميع قرارات المجامع السابقة وتقرر رأيها فيها وفي قرارات الحرمان والطرد . 2 - أن تبحث عن العلل والأسباب التي جعلت علماء المسيحية منذ غياب السيد المسيح يخترعون طرق العبادة وينشئون أسس العقيدة بغير رجوع إلى نصوص الكتاب المقدس . 3 - أن يحددوا الدين الحق الذي جاء به السيد المسيح . 4 - أن يحددوا حقيقة الأناجيل ونسبتها تاريخيا إلى مؤلفيها . ولكنهم لم يفعلوا .

وهنا سؤال لماذا لم يفعلوا ؟ الجواب : هو كما بحث الدكتور نظمي لوقا المصري المسيحي المعاصر الذي يحاول الآن أن يصدر موسوعة إسلامية ، وقد ابتدأها بكتاب عن ( محمد الرسالة والرسول ) وقرر فيها أن الإسلام ضرورة لإصلاح العقيدة ، ولكفاية البشر بالشرع المستقيم ، ولكنه مع هذا لم يسلم ، ولماذا لم يسلم ؟ ولماذا كان يبحث ؟ وما قيمة بحثه إذن إن لم ينتج آثاره الطبيعية ؟ ! وكذلك تولستوي أنكر ألوهية المسيح ، وقال إن بولس لم يفهم تعاليم السيد المسيح بل طمسها وحرفها ، واتهم الكنيسة بأنها زادت في التعاليم حتى أفسدتها ، ولكنه مع ذلك لم يسلم ، فلماذا كان هو يبحث إذن ؟ وحتى مثل هذا القدر كنا نوده من الكنيسة الانجيلية الثائرة ، ولو أنها لم تسلم ، ولكن من أجل الحق ، وحتى لا تغلق عينيها وقلبها وضميرها دون الحق .

أما المسيو ايتين دينيه الفرنسي الرسام ، فقد توصل بعقليته وإحساسه المرهف إلى أن الإسلام هو الدين الحق ، وذلك : عندما توصل الرجل إلى قمة الفن ، وصارت له لوحات في جميع متاحف العالم أرادت عبقريته الفنية أن تختتم فنها برسم وجه الله ، فأخذ الرجل لهذا يقرأ الكتب المقدسة ، وبما أنه مسيحي فقد قرأ أولا الإنجيل فما أعجبه وجه الله فيه ، لأنه رجل عجوز عاجز قد علت وجهه تجاعيد الهرم والفناء ، فترك الإنجيل إلى التوراة فوجد الله فيها أفعى تحب أن تؤذي العالم دائما ، فتركها إلى القرآن ، ولكنه لم يقرأ العربية فارتحل خاصة إلى الجزائر ، فتعلم العربية حتى جودها ثم ابتدأ يقرأ القرآن فوصل إلى قوله تعالى : قل : هو الله أحد ، الله الصمد ، لم يلد ولم يولد ، ولم يكن له كفوا أحد . فأحست عبقريته الفنية بأنها وصلت إلى الحقيقة في الله فأعلن الرجل إسلامه في الجامع الكبير بمدينة الجزائر عام 1927 م ، وذكر أنه دخل في الإسلام بعد بحث ودراسة ، لا من أجل مغنم أو مطمع . ذلك هو البحث الصحيح ، والدراسة السليمة ، وعلى كل فما كنا نطمع من لوثر ، ولا من كلفن ، أن يكونوا مثل المسيو إيتين دينيه ، ولكن كنا نطمع - من ناحية عظيمة بحتة - أن يكونوا مثل الدكتور نظمي لوقا المسيحي ، أو مثل تولستوي ، أو رينان ، مثل أولئكم الذين بحثوا عن الحقيقة فوجدوها وإن لم يدخلوا فيها ، لذلك فأنا أسمي إصلاح لوثر وأصحابه بالاصلاح المبتور ، لأنه لم يصل إلى نهايته العلمية كما كان يجب أن يكون ذلك ، من أجل العلم والحق فقط ، والهادي وحده هو الله رب العالمين .

المقالة السادسة من المراد بأهل الكتاب ؟ أولا : في القرآن الكريم آيات كثيرة تنادي أهل الكتاب ، منها قوله تعالى : 1 - ( يا أهل الكتاب لستم على شئ حتى تقيموا التوراة والإنجيل وما أنزل إليكم من ربكم - المائدة 68 ) . وقوله تعالى : 2 - ( يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبين لكم كثيرا مما كنتم تخفون من الكتاب ويعفو عن كثير ، قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين - المائدة 15 ) . وقوله تعالى : 3 - ( يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبين لكم على فترة من الرسل أن تقولوا ما جاءنا من بشير ولا نذير - المائدة 19 ) . وقوله تعالى : 4 - ( يا أهل الكتاب لم تحاجون في إبراهيم ، وما أنزلت التوراة والإنجيل إلا من بعد أفلا تعقلون - آل عمران 65 ) . وقوله تعالى : 5 - ( يا أهل الكتاب لم تكفرون بآيات الله وأنتم تشهدون - آل عمران 70 ) 6 - ( يا أهل الكتاب لم تلبسون الحق بالباطل وتكتمون الحق وأنتم تعلمون - آل عمران 71 ) . 7 - ( يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم ولا تقولوا على الله إلا الحق إنما المسيح عيسى بن مريم رسول الله - النساء 171 ) . 8 - ( ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن إلا الذين ظلموا منهم - العنكبوت 45 ) . 9 - ( يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله ، فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون - آل عمران 64 ) .

فمن هم أهل الكتاب الذين يوجه القرآن النداء إليهم ؟ ثانيا : وقبل أن نجيب على هذا السؤال نلاحظ كذلك أن القرآن الكريم قد حكم على أهل الكتاب بأحكام ، منها : الشرك ، قال تعالى : 1 - ( اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله والمسيح بن مريم ، وما أمروا إلا ليعبدوا إلها واحدا لا إله إلا هو سبحانه عما يشركون ، يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم ، ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون ، هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ، ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون - التوبة 31 - 33 ) . ومنها الكفر والخسران قال تعالى : 2 - ( ولن ترضى عنك اليهود والنصارى حتى تتبع ملتهم ، قل إن هدى الله هو الهدى ، ولئن اتبعت أهواءهم بعد الذي جاءك من العلم ما لك من الله من ولي ولا نصير ، الذين آتيناهم الكتاب يتلونه حق تلاوته أولئك يؤمنون به ومن يكفر به فأولئك هم الخاسرون - البقرة 120 - 121 ) .

ففي هذه الآيات نجد النصوص القرآنية تسقط عدة أحكام فوق رؤوس أهل الكتاب : تحكم على أهل الكتاب تارة بأنهم مشركون ، وتارة بأنهم كافرون ، وتارة بأنهم خاسرون . وإذن فمعنا الآن : 1 - الوصف بأهل الكتاب . 2 - والحكم عليهم بأنهم : مشركون ، كافرون ، خاسرون . وعليه : فمن هم أهل الكتاب المرادون في الاصطلاح القرآني ؟ ومسألة أخرى هي : إننا إذا أردنا تطبيق علم مقارنة الأديان على المسيحية والاسلام ، فما هي المسيحية التي سنقارنها بالاسلام ؟ أما الأمر البديهي في هذه المسألة فهي المسيحية التي ظهرت في الشرق ، في أورشليم وإنطاكية ، لا في روما وقسطنطينية ، وحول هذا يقول الأستاذ الجليل المرحوم عباس محمود العقاد : ( ومن البديهي أن الباحث الذي يريد تطبيق علم المقارنة بين الأديان على المسيحية والاسلام مطالب بالرجوع إلى حالة الديانة المسيحية حيث ظهرت دعوة الإسلام في الجزيرة العربية ، فلا يجوز لأحد من هؤلاء الباحثين أن يزعم أن الإسلام نسخة محرفة من المسيحية . . . ) ويقول كذلك : ( ومهما يكن من تطور العقائد المسيحية في سائر البيئات ومختلف العصور ، فالعقيدة المسيحية التي يجوز لصاحب المقارنة بين الأديان أن يجعلها قدوة للاسلام إنما هي عقيدة المسيحيين في الجزيرة العربية وما حولها ( 1 ) . . . ) .

وإذن فمعنا الآن ثلاث قضايا : 1 - أن القرآن استعمل اصطلاح أهل الكتاب للجماعات التي لها نبي خاص . 2 - أن المعاندين من أهل الكتاب أوقع القرآن عليهم عدة أحكام ، منها أنهم مشركون ، وكافرون ، وخاسرون . 3 - أن الأمر البديهي في تطبيق علم المقارنة بين الأديان للباحث أن يتخذ من عقيدة المسيحيين في الشرق العربي أساس هذه المقارنة ، ويلاحظ فيها أنها العقيدة التي صاحبت ظهور الإسلام . ومسألة أخرى أيضا وهي : أن المسيحية ليست دينا مستقلا بذاته ، بل * ( هامش ) * ( 1 ) راجع ص 49 - 50 حقائق الإسلام . ( * ) هي استمرار لدين موسى عليه السلام ، ذلك أن عيسى أعطى التوراة وأعطي الإنجيل ، ليحلل لهم بعض ما حرم عليهم ، وفي كلتا الرسالتين ، في التوراة أو في الإنجيل ، هي ديانة خاصة بشعب اليهود .

وهذه القضية محل اتفاق بين نصوص القرآن ونصوص الأناجيل : أما القرآن فيتلو علينا : ( ورسولا إلى بني إسرائيل - آل عمران 49 ) ، ( وإذ قال عيسى بن مريم : يا بني إسرائيل إني رسول الله إليكم مصدقا لما بين يدي من التوراة ومبشرا برسول يأتي من بعدي أسمه أحمد - الصف 9 ) . وأما الإنجيل فإنه يقول : ( إنما بعثت إلى خراف بني إسرائيل الضالة ) ( راجع متى 15 / 22 ص 24 لغة إندونيسية ) . وأيضا : فإن مدلول الكلمتين ( أهل ) ( الكتاب ) يعطي الباحث معنى هو : أهل : صاحب ، كتاب : الكتاب المعين . فيتكون لدينا الآن عدة معان : 1 - الاصطلاح القرآني : ( أهل الكتاب ) . 2 - الحكم القرآني عليهم بالاشراك ، والكفر ، والخسارة . 3 - أن البديهي في المقارنة بين الإسلام والمسيحية أن نأخذ بالعقيدة المسيحية التي صاحبت بدء الإسلام في الجزيرة العربية لأنها مهد كليهما . 4 - أن المسيحية ديانة شعب خاص بحكم النصوص الدينية . 5 - أن المعنى الذي يعطيه تركيب الجملة يفيد أن جماعة خاصة تملك كتابا خاصا .

وإذن : فمن هم أهل الكتاب ؟ ومن المراد بهذا الاصطلاح ؟ ومسألة أخرى قبل الجواب وهي : أن النصوص القرآنية تفيد إلغاء كل الكتب السماوية التي سبقت نزول القرآن ، وأن القرآن قد حل محلها في شرح العقيدة ، وفي تقرير الشريعة : قال تعالى : ( هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله وكفى بالله شهيدا - الفتح 28 ) ، ( تبارك الذي نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيرا - الفرقان 1 ) ، ( الذين يتعبون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ، ويحل لهم الطيبات ، ويحرم عليهم الخبائث ، ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم ، فالذين آمنوا به وعزروه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه أولئك هم المفلحون ، قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا الذي له ملك السماوات والأرض لا إله إلا هو يحيي ويميت ، فآمنوا بالله ورسوله النبي الأمي الذي يؤمن بالله وكلماته ، واتبعوه لعلكم تهتدون - الأعراف 157 - 158 ) . فبهذا أصبح الناس جميعا مطالبين بالدخول في دين الله - الإسلام : ( والناس ) كلمة تشمل الذين كانت لهم رسل سابقة ومعهم كتب سابقة ( وهم أهل الكتاب ) . والوثنيين الذين ليس لهم دين صحيح . والفلاسفة الذين لما يصلوا بعد إلى حقيقة الألوهية . والشعب العام الذي ليس له فهم مستقل في مسائل العقيدة والشريعة . وتشمل الناس : جميعا من كل لون ولغة وجنس وقطر ، لا بد لهم أن يدخلوا في هذا الدين لأنه دين الله الحق .

وقد صاحبت بداية الإسلام انعقاد عديد من مجامع المسيحية التي ما زالت تبحث عن توضيح وتفسير لمعنى العقيدة التائهة بين شغب المناقشات ، بل كلما زادت المجامع كلما زاد الملعونون ، والمطرودون ، والمحرومون ، وزادت الكراهية والفتن ، والعقيدة كما هي ما زالت غامضة باهتة مبهمة . وإذن : فمن هم ( أهل الكتاب ) المرادون بالاصطلاح القرآني ؟ إنهم في فهمي بعد الشرح السالف : الجماعات السابقة للبعث المحمدي الإسلامي الذين كان لهم رسل وكتب خاصة . ومعنى هذا : 1 - أن الرجل المسيحي قبل الإسلام هو الرجل الذي طالبه عيسى بالدخول في دينه والمرأة الكنعانية لم يحبها الرسول عيسى لأنها ليست من خراف بني إسرائيل . 2 - أن من يدخل المسيحية بعد البعث المحمدي من الذين لم يدخلوها من قبل لا ينطبق عليهم هذا الاصطلاح .

وعلى ذلك فالمقصود من هذا الاصطلاح : هم الجماعات المتدينة بالكتب السماوية السابقة على الرسالة الإسلامية ، والذين أظلهم الإسلام وهم كذلك . أما مسيحيو اليوم فليسوا بأهل الكتاب بل هم : ( أهل حرب ) . ذلك فهم خاص لي ، وهو خلاصة ما استنتجته من هذه الدراسات الرئيسية التي قدمتها كموضوعات بحث لمرحلة التعبئة الثقافية upgroding - course التي سوف ينظمها المجلس الأعلى الإندونيسي للدعوة الإسلامية في مسجد الأزهر بجاكرتا لأصحاب الفضيلة الأساتذة الخطباء والوعاظ والدعاة ، رجائي أن يأخذ فهمي هذا حيزا من البحث ، فلسوف يكون في المستقبل لهذه النظرية من التأثير على حياتنا الاجتماعية والسياسية والثقافية ، وكل فكرة أو نظرية علمية يجب أن تخضع للأدلة والنصوص قبل العواطف والأفكار الذاتية .

وعلى كل حال ، فليس أمامي حتى الآن إلا ما قدمته في الإجابة عن : من هم المقصودون بالاصطلاح القرآني : ( أهل الكتاب ) ؟ - أن من صدقت عليهم قد انتهت بانتهاء الجماعات التي تلقت الكتب من الرسل . - وانتهت بمخاطبة الوجود الإنساني كله أن يسلم لله رب العالمين بالدخول في عقيدة الإسلام التي جاء بها محمد ( ص ) . - وانتهت بالحقيقة التي قررها جم غفير من علماء المسيحية الذين أسلموا ، مثل المسيو إيتين دينيه ، أو الذين لم يسلموا ولكن قالوا الحقيقة ، مثل الدكتور لوقا ، ورينان ، وتولستوي . فليس أمامي اليوم أهل الكتاب والذين أخاطبهم : ( يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء . . ) وإنما الذين أمامي جماعة أصفها بقوله تعالى : ( وهو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون ( التوبة ) .

المقالة السابعة عرض لآيات من القرآن الكريم التي تحدد موقف الإسلام من أهل الكتاب . أ - الاعتراف بالمسيحية : 1 - الاعتراف بفضل من أسلم من أهل الكتاب : يقول الله تعالى : ( الذين آتيناهم الكتاب من قبله هم به مؤمنون ، وإذا يتلى عليهم قالوا آمنا به ، أنه الحق من ربنا ، إنا كنا من قبله مسلمين ، أولئك يؤتون أجرهم مرتين بما صبروا ويدرؤون بالحسنة السيئة ، ومما رزقناهم ينفقون ، وإذا سمعوا اللغو أعرضوا عنه ، وقالوا لنا أعمالنا ولكم أعمالكم سلام عليكم لا نبتغي الجاهلين . القصص 52 - 55 ) . ( وذلك بأن منهم قسيسين ورهبانا وأنهم لا يستكبرون ، وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول ترى أعينهم تفيض من الدمع مما عرفوا من الحق ، يقولون ربنا آمنا فاكتبنا مع الشاهدين ، وما لنا ألا نؤمن بالله وما جاءنا من الحق ، ونطمع أن يدخلنا ربنا مع القوم الصالحين ، فأثابهم الله بما قالوا جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وذلك جزاء المحسنين . المائدة 82 - 84 ) . 2 - تأنيب المعاندين :

يقول الله تعالى : ( قال أرأيتم إن كان من عند الله وكفرتم به ، وشهد شاهد من بني إسرائيل على مثله فآمن واستكبرتم ، إن الله لا يهدي القوم الظالمين . الأحقاف 10 ) . ( الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم ، وإن فريقا منهم ليكتمون الحق وهم يعلمون ، الحق من ربك فلا تكونن من الممترين . البقرة 146 - 147 ) . 3 - تصحيح فكرة الألوهية عند أهل الكتاب : يقول الله تعالى : ( لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح بن مريم ، وقال المسيح يا بني إسرائيل اعبدوا الله ربي وربكم ، إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة ومأواه النار ، وما للظالمين من أنصار ، لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة ، وما من إله إلا إله واحد ، وإن لم ينتهوا عما يقولون ليمسن الذين كفروا منهم عذاب أليم ، أفلا يتوبون إلى الله ويستغفرونه ، والله غفور رحيم ، ما المسيح بن مريم إلا رسول قد خلت من قبله الرسل ، وأمه صديقة كانا يأكلان الطعام .

أنظر كيف نبين لهم الآيات ثم انظر أنى يؤفكون ، قل أفتعبدون من دون الله ما لا يملك لكم ضرا ولا نفعا ، والله هو السميع العليم ، قل يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم غير الحق ، ولا تتبعوا أهواء قوم قد ضلوا من قبل وأضلوا كثيرا وضلوا عن سواء السبيل - المائدة 72 - 77 ) . ( وقالت النصارى المسيح بن الله ذلك قولهم بأفواههم يضاهئون قول الذين كفروا من قبل قاتلهم الله أنى يؤفكون - التوبة 30 ( 1 ) ) . ب - حقيقة عيسى : يقول الله تعالى : ( ما المسيح بن مريم إلا رسول قد خلت من قبله الرسل ، وأمه صديقة كانا يأكلان الطعام ، أنظر كيف نبين لهم الآيات ثم انظر أنى يؤفكون - المائدة 76 ) .

( إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم ، خلقه من تراب ، ثم قال له كن فيكون . آل عمران 59 ) . * ( هامش ) * ( 1 ) راجع في هذا تفسير ( في ظلال القرآن ) عند تفسيره سورة المائدة ، وراجع ص 71 - 75 من كتاب ( التفكير الفلسفي في الإسلام ) لفضيلة الدكتور عبد الحليم محمود . ( * ) ج - عيسى وموقفه من المسيحيين : يقول الله تعالى : ( وإذ قال الله يا عيسى بن مريم أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله ؟ قال : سبحانك ، ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق ، إن كنت قلته فقد علمته تعلم ما في نفسي ، ولا أعلم ما في نفسك ، إنك أنت علام الغيوب ، ما قلت لهم إلا ما أمرتني به أن اعبدوا الله ربي وربكم ، وكنت عليهم شهيدا ما دمت فيهم فلما توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم وأنت على كل شئ شهيد - المائدة 116 - 117 ) . د - القرآن يدافع عن مريم : يقول الله تعالى : ( فتقبلها ربها بقبول حسن وأنبتها نباتا حسنا وكلفها زكريا كلما دخل عليها زكريا المحراب وجد عندها رزقا ، قال يا مريم أنى لك هذا ؟ قالت : هو من عند الله ، إن الله يرزق من يشاء بغير حساب - آل عمران 37 ) .

( وإذ قالت الملائكة : يا مريم إن الله اصطفاك وطهرك واصطفاك على نساء العالمين ، يا مريم اقنتي لربك واسجدي واركعي مع الراكعين . آل عمران 42 - 43 ) . ه‍- إلغاء الشرائع السالفة كلها : يقول الله تعالى : ( هو الذي أرسل بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ، ولو كره المشركون - التوبة 32 ) . ( هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ، وكفى بالله شهيدا - الفتح 28 ) ، ( وأنزلنا عليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنا عليه فاحكم بينهم بما أنزل الله ، ولا تتبع أهواءهم عما جاءك من الحق - المائدة 48 . ) . و - رسالة عيسى مؤقتة خاصة لبني إسرائيل : يقول الله تعالى : ( ورسولا إلى بني إسرائيل إني قد جئتكم بآية من ربكم . / صفحة 154 / آل عمران 49 ) . ز - من جرائم أهل الكتاب : يقول الله تعالى : ( أفتطمعون أن يؤمنوا لكم ، وقد كان فريق منهم يسمعون كلام الله ثم يحرفونه من بعد ما عقلوه وهم يعلمون - البقرة 75 ) . ( ومن الذين هادوا سماعون للكذب سماعون لقوم آخرين ، لم يأتوك ، يحرفون الكلم من بعد مواضعه ، يقولون إن أوتيتم هذا فخذوه ، وإن لم تؤتوه فاحذروا . . . . سماعون للكذب أكالون للسحت فإن جاءوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم - المائدة 41 - 42 ) . ح - القرآن يحدد مدى اللقاء بين أهل الكتاب وبين جماعة المسلمين : يقول الله تعالى : ( ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم - البقرة 120 ) ، ( ولئن أتيت الذين أوتوا الكتاب بكل آية ما تبعوا قبلتك ، وما أنت بتابع قبلتهم ، وما بعضهم بتابع قبلة بعض - البقرة 145 ) ، ( ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفارا ، حسدا من عند أنفسهم ، من بعدما تبين لهم الحق - البقرة 109 ) . ط - القرآن يحدد العلاقات بين المسلمين وأهل الكتاب :

1 - في المجال الفكري : ( ولا تجادلوا أهل الكتاب ، إلا بالتي هي أحسن ، إلا الذين ظلموا منهم ، وقولوا آمنا بالذي أنزل إلينا وأنزل إليكم ، وإلهنا وإلهكم واحد ونحن له مسلمون - العنكبوت 46 - 47 ) . 2 - في العلاقات العامة : ( لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ، ولم يخرجوكم من دياركم ، أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين - الممتحنة 8 ) . فالعلاقات الطيبة معهم مشروطة بشرطين : ( 1 ) ألا يقاتلوننا في الدين ، ( 2 ) ولا يخرجوننا من ديارنا . فإن نكثوا ، وتجرؤوا على الدعوة الإسلامية ، فيكف الحكم ؟ يقول الله تعالى في ذلك : ( إنما ينهاكم الله عن الذين قاتلوكم في الدين ، وأخرجوكم من دياركم ، وظاهروا على إخراجكم أن تولوهم ، ومن يتولهم فأولئك هم الظالمون - الممتحنة 9 ) . 3 - العلاقات السياسية : ( يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا فريقا من الذين أوتوا الكتاب يردوكم بعد إيمانكم كافرين - آل عمران 100 ) ، ( لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين ومن يفعل ذلك فليس من الله في شئ ، إلا أن تتقوا منهم تقاة ، ويحذركم الله نفسه وإلى الله المصير - آل عمران 28 ) ، ( لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم ، أولئك كتب في قلوبهم الإيمان ، وأيدهم بروح منه ، ويدخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها رضي الله عنهم ورضوا عنه ، أولئك حزب الله ألا إن حزب الله هو المفلحون - المجادلة 28 ) ،

( يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا الذين اتخذوا دينكم هزوا ولعبا من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم والكفار أولياء ، واتقوا الله إن كنتم مؤمنين - المائدة 57 ) ، ( والذين كفروا بعضهم أولياء بعض ، إلا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد كبير - الأنفال 74 ) . 4 - العلاقات العسكرية : يقول الله تعالى : ( وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا أن الله لا يحب المعتدين - البقرة 190 ) ، قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله وباليوم الآخر ، ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ، ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون - التوبة 29 ) . ( وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ، ومن رباط الخيل ، ترهبون به عدو الله وعدوكم ، وآخرين من دونهم لا تعلمونهم ، الله يعلمهم ، وما تنفقوا من شئ في سبيل الله يوف إليكم وأنتم لا تظلمون - الأنفال 60 ) . ( وما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض ، تريدون عرض الدنيا والله يريد الآخرة ، والله عزيز حكيم - الأنفال 67 ) ، ( فإما تثقفنهم في الحرب فشرد بهم من خلفهم لعلهم يذكرون ، وإما تخافن من قوم خيانة فانبذ إليهم على سواء ، إن الله لا يحب الخائنين - الأنفال 57 - 58 ) ، ( وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ، ويكون الدين كله لله فإن انتهوا فإن الله بما يعملون بصير ، إن تولوا فاعلموا أن الله مولاكم ، نعم المولى ونعم النصير . الأنفال - 39 - 40 ) .

( ذلك بأن الذين كفروا اتبعوا الباطل ، وأن الذين آمنوا اتبعوا الحق من ربهم كذلك يضرب الله للناس أمثالهم ، فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب حتى إذا أثخنتموهم فشدوا الوثاق ، فإما منا بعد ، وإما فداء ، حتى تضع الحرب أوزارها ، ذلك ولو يشاء الله لانتصر منهم ، ولكن ليبلو بعضكم ببعض ، والذين قتلوا في سبيل الله فلن يضل أعمالهم - محمد 2 - 3 ) . ( قل للذين كفروا : إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف ، وإن يعودوا فقد مضت سنة الأولين - الأنفال 38 ) . ( يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم الذين كفروا زحفا فلا تولوهم الأدبار ، ومن يولهم يومئذ دبره - إلا متحرفا لقتال ، أو متحيزا إلى فئة - فقد باء بغضب من الله ومأواه جهنم وبئس المصير - الأنفال 16 ) . تلك هي نصوص القرآن الكريم حول معاملة المسلمين لأهل الكتاب ، ولو جوزنا أن مسيحيي إندونيسيا من أهل الكتاب ، فإلى أصحاب الفضيلة العلماء الذين سيعقدون ندوة للتوعية الثقافية الإسلامية أرجو أن يتكرموا ببحث قضية الأحكام الجزافية التي أفتى بها جانب من المسلمين في إندونيسيا والتي تجوز العمل مع الشيوعية والمسيحية والاسلام فيما سماه السياسيون المحاكمون اليوم بتهمة الخيانة العظمى ( نساكم ) حتى ننفض عن عقلية الشباب المسلم ذلك الغبار الذي تراكم من صدأ الأحكام الجزافية التي أطلق لها العنان من لا يخافون في السياسة والحكم لومة لائم ! وأختم هذا البحث بما يرويه أبو هريرة عن سيدنا رسول الله ( ص ) : ( والذي نفسي بيده ليوشكن أن ينزل فيكم ابن مريم حكما مقسطا ، فيكسر الصليب ويقتل الخنزير ، ويضع الجزية ( 1 ) ، ويفيض المال حتى لا يقبله أحد ، حتى تكون السجدة الواحدة خيرا من الدنيا وما فيها ( 2 ) .

( وعن جابر - رضي الله تعالى عنه - قال : قال رسول الله ( ص ) : ( لا تزال طائفة من أمتي يقاتلون على الحق ظاهرين إلى يوم القيامة ، فينزل عيسى بن مريم ، فيقول أميرهم : تعال صل بنا ؟ فيقول : لا : إن بعضكم على بعض أمراء تكرمة الله تعالى لهذه الأمة ( 3 ) ) . ( عن أبي هريرة - رضي الله تعالى عنه - قال : قال رسول الله ( ص ) : ( أنا أولى الناس بعيسى بن مريم في الدنيا والآخرة ، والأنبياء أخوة لعلات ( 4 ) ، أمهاتهم شتى ودينهم واحد ( 5 ) ) ( اللهم أحسن عاقبتنا في الأمور كلها وأجرنا من خزي الدنيا وعذاب الآخرة ( 6 ) ) .

( أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات ، وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة ، من أن تنزل علي غضبك أو تحل علي سخطك ، لك العتبى حتى ترضى ، ولا حول ولا قوة إلا بك . * ( هامش ) * ( 1 ) يسقط الجزية فلا يقبلها من أحد لأن الذميين - حينئذ - يخيرون فقط بين الإسلام أو القتل . ( 2 ) رواه مالك والبخاري ومسلم وأبو داود . ( 3 ) رواه مسلم . ( 4 ) الوالدة متعددة والأب واحد . ( 5 ) رواه البخاري . ( 6 ) رواه أحمد بن حنبل ، وابن حبان ، والحاكم . ( * ) / صفحة 159 / خاتمة خاطرات : 1 - حول منهج الحيدة العلمية في البحث . 2 - حول مادة علم المقارنة بين الأديان . 3 - حول أغنية التسامح الديني . 4 - حول الحد الفاصل للعلاقات بين المسلمين ، وأهل الكتاب وغيرهم . حول منهج الحيدة في البحث خطر لي بعد الانتهاء من هذه الرسالة وقف صديق عزيز كريم كان يستعد لكتابة بحث لنيل شهادة العالمية من درجة أستاذ من الأزهر الشريف ، وهي التي يسميها العرف الجامعي العام شهادة الدكتوراه ، خطر لي موقف ذلك الأستاذ وهو متحير جدا لأن رسالته حول الديانة اليهودية على ما أذكره الآن .

وكان سبب الحيرة أن الجامعات العلمانية اليوم تؤمن بما يقال له الحيدة العلمية في البحث ، ومفهوم هذه الحيدة هو التخلي عن المبادئ الشخصية عند عملية القيام بالبحث العلمي ، ومنها الدين : فالحيدة في البحث العلمي ، - تفرض على الباحث كما يقول أساتذة الجامعات العلمانية - تستلزم التفرغ من الفكرة الخاصة ، ومنها دين العالم الباحث . وكان صديقي - ولا أزكيه على الله - شابا متدينا : في قلبه ، وعقله ، ووجدانه ، وذكائه ، وكل شئ فيه ، كان الدين شيئا مسيطرا على أخلاقه وسلوكه وحياته الشخصية والعامة ، فيكف يتفرغ عن إسلامه ، وهو ناضج فيه كل النضوج ، ولم يكن هناك من حيلة إلا أن هذا الأخ الكريم غير رسالته بعد أن سار فيها شوطا ، ونقلها من دراسة اليهودية ، إلى دراسة حياة الحكيم الترمذي المتصوف الإسلامي القديم .

وبعد أن عرضت كلام علماء المسيحية ، ومؤرخيها حول النقاط الرئيسية التي قدمتها هنا لتكون ركائز للبحث مستقبلا ، ورأيت الحدود البعيدة التي أخرجت المسيحية من جوها الإلهي الرباني إلى جو عصبي ذاتي ، قومي ، إقليمي ، ورأيت كيف أن الأناجيل - وهي كذلك مؤلفة - قد داسها القوم ، وأهدروها وتناسوها ، وعاقبوا كل من يفكر في اللجوء إليها ، تذكرت عظمة العقيدة الإسلامية في نفس صاحبي ، وقلت : يا ليت القوم كانت عندهم مثل هذه الخليقة ، وهي بحث المسيحية في مجامعهم بروح الحيدة العلمية التي تؤرق أفكار أصحاب الضمير الحي الذي لا يريد أن يرتكب خطأ ، ولو شبه خطأ قد يحسب أنه انحراف عن منهج العمل الثقافي الأمين . وإلى جوار ذلك خطر لي البعد الذي نفذه علماء أوربا الذين ينادون بالحيدة العلمية عند البحث ، والجرائم العلمية التي ارتكبها شيخ المستشرقين جولد تسهير . ذلك أن علماء أوربا أطلقوا أغنية تسمى الحيدة العلمية ، وغرضهم من ذلك أن يخدعوا الشباب المسلم ليتحلل من دينه - ولو بعضا من الوقت - كتمرين لهم على التعود على خلع ثياب الدين ، ولكنهم - أعني علماء أوربا - عندما يبحثون لا يبحثون بروح علمية عادية ، تحاول أن تتعرف إلى الحق ، ولكنهم يبحثون بروح متلصصة كاذبة . ويحرفون النصوص ليصلوا منها لتحقيق مآربهم من هدم قواعد الإسلام . ومثال ذلك : جولد تسهير ، في كتاب له عن القرآن ومذاهب التفسير ، ينقل نصا يستشهد به على أن السنة الإسلامية قد وضع أكثرها في عصر النضوج فيقول :

( ما يروى عن وكيع قال : عن زياد بن عبد الله ، أنه مع شرفه كان كذوبا ) . ومع أن التركيب العربي لا يمكن أن يقبل هذه الرواية : لأن الشرف كمال خلق الرجل ، والكذب رأس الرذائل كلها لأنه يهدي إلى الفجور ، الذي يهدي إلى النار ، مع هذا فإن النص الذي رواه العلماء ، وحققه فضيلة الأستاذ المرحوم الدكتور مصطفى السباعي في كتابه : ( السنة ومكانتها في التشريع الإسلامي ) قال وكيع : ( وهو - أي زياد بن عبد الله - أشرف من أن يكذب ) . ولكن الخيانة العلمية ، أو الحيدة العلمية لجولد تسهير هي تحريف النص كذبا ليصل إلى إفكه ودعواه .

تلك خاطرة عرضها على فكري دراسات هذه الرسالة التي أعطتنا فكرة سريعة هي أن حرية البحث قد وأدتها المجامع المسيحية ، وشرف العلم قد ضيعه بطاركة الكنائس ، لا سيما بعد أن جعلت روما من البابا خليفة عن السيد المسيح يغفر الذنوب ، ويهب الملك فيغفر لمن يشاء ويعز من يشاء ، فخطر لي موقف أخي المسلم الحريص على أمانة العلم وتلصص جولد تسهير الذي يدعي الحيدة ليسرق ويخذل كما فعل أجداده من قبل ؟ فهل لمثل هؤلاء ثقة تاريخية حتى يكونوا أئمة شبابنا في وضع قيم البحث العلمي ؟ ! حول مقارنة الأديان كذلك تغني القوم في الغرب والشرق عن مادة علمية يسمونها : ( مقارنة الأديان ) ، وجاء في نفسي بعد عرض مادة هذه الرسالة ، أنه ليس هناك ما يسمى بالأديان في نظر القرآن ، ولتقرأ معي قول الله تعالى : ( وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليهم أنه لا إله إلا أنا فاعبدون - الأنبياء 25 ) ( واسأل من أرسلنا قبلك من رسلنا أجعلنا من دون الرحمن آلهة يعبدون - الزخرف 45 ) ( إن الدين عند الله الإسلام ، وما اختلف الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم ، ومن يكفر بآيات الله فإن الله سريع الحساب - آل عمران 119 ) ( وما تفرق الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءتهم البينة ، وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة وذلك دين القيامة - سورة البينة 4 - 5 ) . ( أفغير دين الله يبغون ، وله أسلم من في السماوات والأرض طوعا وكرها وإليه يرجعون .

قل آمنا بالله وما أنزل علينا ، وما أنزل على إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ، ويعقوب والأسباط ، وما أوتي موسى وعيسى والنبيون من ربهم ، لا نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون ، ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين - آل عمران 83 - 85 ) ( شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا ، والذي أوحينا إليك ، وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى : أن أقيموا الدين ، ولا تتفرقوا فيه ، كبر على المشركين ما تدعوهم إليه ، الله يجتبي إليه من يشاء ويهدي إليه من ينيب ، وما تفرقوا إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم ، وإن الذين أورثوا الكتاب من بعدهم لفي شك منه مريب الشورى 7 - 8 ) .

فليس في القرآن إشارة واحدة إلى أن هناك عدة أديان ، فكل الأنبياء أرسلوا ليعبد الناس ربهم ، وقد أفاضت سورة الشعراء في تصوير تلك الوحدة ، وإذن فما هي تلك الأديان التي سنقارن بينها ؟ وهل بعد الحق إلا الضلال ؟ لذلك فإنني غير موافق أبدا على عنوان ذلك العلم مقارنة الأديان ، وإنه لتزوير علمي نادت به فئات خبيثة لتضلل شبابنا الإسلامي ، ولتفسح لثقافة دينها المعوج المنحرف ، الذي صنعته المجامع الضالة مجالا في عقول أبنائنا . ومن جانبي ، ففي كلية أصول الدين بمؤسسة التعليم العالي في سومطرة الجنوبية فالمبانغ ، قد ألغينا المادة التقليدية ، وعوضنا عنها دراسات في أقوال المسيحيين الذين أسلموا ، مثل إيتين دينيه ، أو الذين لما يسلموا ، مثل الدكتور نظمي لوقا ، إذ ليس في الوجود التاريخي والعلمي شئ يسمى أديانا ، فإن الدين واحد هو دين الإسلام ، ( صبغة الله ومن أحسن من الله صبغة لقوم يوقنون ) ؟

حول أغنية التسامح الديني لمجرد القول بالتوحيد طرد أريوس وأصحابه ، واستمرت قرارات الطرد والحرمان سلوكا عاديا ومألوفا للكنيسة ضد كل من يصدع بفكرة تخالف رأي الكنيسة ، وشمل ذلك الملوك والأمراء والعلماء ، وأقامت الكنيسة محاكم للتفتيش ، لتبحث عن الذين لهم أفكار مضادة للكنيسة لتحرقهم أو تحرمهم أو تطردهم ، وفي الحروب الصليبية بيان للعداوة بين الكنيسة الغربية المتسلطة عسكريا على الشرق ، والكنيسة الشرقية التي ترزح تحت نير عنجهية الصليب الغربي . والبروتستانت ، أصلتهم الكنيسة البطرسية البابوية نارا ، وقتل أحد زعمائها في المعارك التي دارت بينهم وبين أنصار الكاثوليكية . وحرم البابا بولس كوسا زواج الكاثوليكية من الإرثوذكسي أو البروتستنتي . ولم يحمل التاريخ شيئا ما من معنى التسامح الديني بين الأسرة المسيحية ذوات المذاهب المتعددة التي صنعتها ( فبارك ) المجامع ، واليوم نسمعه أغنية جديدة من الأقلية في إندونيسيا تسمى التسامح الديني ، ويرددها المسلمون لأن الشؤون السياسية تجبرهم على ذلك ! والذي خطر ببالي بعد هذه الرسالة عدة صور : 1 - هل الكنائس التي تبنى بغير رصيد لها من البشر المسيحي ، تسمى تطبيقا لما يغنى به من نشيد التسامح الديني ؟ 2 - وهل الفتيات المسيحيات اللاتي يغرين الشباب المسلم وتصل الأمور إلى ما هو معروف هنا ، هل تسمى هذه الحالات تسامحا دينيا ؟ 3 - وتلك الفتاة المسلمة التي تعلن أنها تحب شابا مسيحيا وتريد الزواج منه ، وإلا فإنها ستضرب عن الطعام والشراب ، هل هذه واحدة من التسامح الديني ؟ 4 - والأرز ، واللبن ، والتقاوى ، والقروض التي تقدم للتجار والفلاحين في القرى - لا سيما في حالات القحط والأزمات الاقتصادية ، هل هذه ألوان من التسامح الديني ؟ 5 - والكتاب والمدرسة والفيلم والأغنية في الراديو والتلفزيون هل هي كذلك ألوان من التسامح الديني ؟ 6 - ثم يجول خاطري في داخل الجماعة الإسلامية التي قبلت التسامح الديني مع المسيحيين فأجدها ، تلعن أعضاء المحمدية .

يقول واحدهم ، - ويقولون له عالم مسلم - أنه يقبل العمل مع الشيطان ولا يقبل العمل مع المحمدية ؟ فأسأل : ولماذا لا يكون هناك تسامح ديني بين الأمة الإسلامية ، لا سيما وهي تملك فريضة الأخوة الإسلامية . 7 - وأرى من حول اتهامات عديدة ممن يسميهم الناس علماء إسلام ، ذلك لأنني أعمل مع بقايا أعضاء حزب ماشومي ، فيبغضني هؤلاء القوم لذلك ، ولا يبغضون واحدا من القسيسين الأجانب ، ويطالبون بإخراجي ، ولا يجرؤون على اقتراح ذلك بالنسبة إلى الرجل المسيحي من الخارج ، فيخطر ببالي الحديث الشريف : يوشك أن تداعى عليكم الأمم كما تداعى الأكلة على قصعتها ! قالوا : أمن قلة نحن يا رسول الله ؟ قال : لا ، بل أنتم يومئذ كثير ولكنكم غثاء كغثاء السيل ) ، ( المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه ، ومن كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته ، ومن فرج عن مسلم كربة فرج الله عنه كربة من كرب يوم القيامة ، ومن ستر مسلما ستره الله يوم القيامة ) . أن التسامح الديني ليس هو كما يفسره العلماء الموافقون على سياسة ( نساكم ) من قوله تعالى : ( لكم دينكم ولي دين ) ، ومعناه الحرية المطلقة في التدين ، والخروج كل يوم من دين إلى دين ؟ ولكنه إطلاق أصحاب الديانات السماوية يتدينون في دور عبادتهم ما لم يتعرضوا للدعوة الإسلامية بالأذى والصد والحرب ، فعندئذ لن يتركوا آمنين سالمين ( 1 ) .* ( هامش ) *(1 ) راجع حول هذا ص 270 - 274 ج 30 تفسير ظلال القرآن . ( * ) وإذن : فعلماء المسلمين ، كما يسمون هنا ، يعلنون :

1 - أنهم يقبلون العمل مع المسيحية بفلسفة التسامح الديني الذي يسرق معالم الحق ، ومعاني الفضيلة ويعتدى على الأخلاق والكرامة الانسانية والاسلامية ! ! 2 - أنهم استعدوا للوقوف مكتوفي الأيدي في سبيل أن تنشر المسيحية تسامحها الديني بالأرز والمستشفى ، والكتاب ، والمدرسة ، والفتاة ! ! 3 - أنهم تجرؤوا على تفسير القرآن الكريم لمصلحة التسامح الديني المنفذ من جانب أصحاب العزة والسلطان المسيحيين ! 4 - أنهم عدوا إخوانهم المسلمين أعداء لهم لأنهم لا يوافقون على فكرة ( نساكم ) أو التسامح الديني بالمعنى الذي فهموه هم ! والسؤال الآن ؟ لماذا أنتم أيها العلماء المجوزون للتسامح الديني لا تنشرون إسلامكم ، الذي قبله المسيحيون منكم ، بين الأسر المسيحية كما نشر المسيحيون دينهم بين أبنائكم وبناتكم ! أو على الأقل : لماذا تتنحون وتتركوا المجال للعلماء الراسخين في العلم ليدعوا إلى الله على بصيرة ويبينوا الحق من الباطل ؟ تلك خاطرة تمر بكثير من الذكريات المرة حول سلوك جانب من علماء المسلمين الذين يحبون العمل مع الشيطان ، ولا يحبون العمل مع الدكتور همكا مثلا أو مع الشيخ متولي شلبي ! !



حول الحد الفاصل للعلاقات بين المسلمين وغيرهم غير أصحاب الأديان السماوية : وهم المجوس والوثنيون وغيرهم من أشباههم ، وقد عرضنا في المقالة السابعة من هذه الرسالة جانبا من آيات القرآن الكريم التي تحدد العلاقات بين الأمة الإسلامية وغير المسلمين ، وهنا خطر ببالي سؤال كان فضيلة المرشد العام للدعوة الإسلامية في إندونيسيا الأخ محمد ناصر قد سألني عنه ، وهو : ما هو الحد الفاصل في المعاملات بين المسلمين وغيرهم في زمن الحرب والسلم ؟ وقد كتب المرحوم الأستاذ عباس محمود العقاد في هذا الموضوع فصلا في كتابه : ( حقائق الإسلام وأباطيل خصومه ص 227 - 253 ) وكذلك كتب - رحمه الله رحمة واسعة - فصلا في كتابه : ( الفلسفة القرآنية ص 108 - 114 ) . وكتب فضيلة الأستاذ الجليل المرحوم الدكتور محمد عبد الله دراز عضو جماعة كبار العلماء بالأزهر الشريف ، رسالة تسمى ( مبادئ القانون الدولي العام ) .

وكتب الأستاذ ؟ الأكبر شيخ الأزهر الراحل الشيخ محمد شلتوت كتابا أسماه : ( العلاقات الدولية في الإسلام ) وكتب المرحوم الأستاذ ( أحمد نار ) كتابا أسمه : ( القتال في الإسلام ) . وتلك الكتب كلها لجهابذة الفكر الإسلامي ، الموثوق فيهم علميا وخلقيا ونفسيا . والذي خطر لي الآن عن الحد الفاصل الذي سأل عنه فضيلة المرشد العام ليس البحث العلمي الطويل ، فموطنه المراجع المذكورة ، وإنما التعبير عنه بإيجاز بما يلي . أولا : موقفنا ممن ليس لهم دين سماوي بما يلي : الذين ليس لهم دين سماوي تحدد آية المجادلة رقم 28 علاقتنا بهم ، وأنها مقطوعة نهائيا ، إما الإسلام ، وإما السيف . فالشيوعيون على الإطلاق من موسكو إلى بكين إلى تشكوسلوفاكيا إلى يوغسلافيا . . . الخ لا ينبغي أن تكون هناك علاقات معهم مطلقا ، فطعامهم حرام ، ونساؤهم حرام ، وصحبتهم حرام ، والسير معهم في طريق حرام . . . ) .

ثانيا : موقفنا من أهل الكتاب : أما الذين لهم دين سماوي وهم ( أهل الكتاب ) فإن عاشوا في سلام وود مع الدولة الإسلامية ، لا يمنعون الدعوة من تيارها الإنساني الذي يهدي الناس إلى طريق الله فلم يعوقوها ، ولم يعرقلوا خطاها اقتصاديا ، أو فكريا بالكتاب والمجلة ، والفيلم ، والجريدة ، والمدرسة ، فلهم ما لنا وعليهم ما علينا ، ونتركهم في صوامعهم آمنين يعبدون الله على ما هم عليه . أما إن تحرشوا بالإسلام فاعتدوا بالسلاح ، أو بالمستشفى ، والمدرسة ، المجلة ، والأرز ، وقرروا تنصير المسلمين بآلات الخداع ، وتحت ستار السياسة والخبث الاعلامي ، ففيهم يكون السيف واجبا مقدسا على كل مسلم ، وحول هذا تكون تفسيرات الآيتين 8 - 9 من سورة الممتحنة .

إذن : الحد الفاصل في العلاقات هو ترك الدعوة الإسلامية تأخذ طريقها بإقامة الدليل وإقامة الحجة لتهدي الناس إلى طريق الله المستقيم . أما البوذية ، والمجوسية والأديان الصناعية للبشر ، فليس لها قيمة مطلقا في نظر الإسلام ، فلا علاقة البتة بيننا وبينهم ، وقد جاء أبو سفيان وهو مشرك إلى المدينة المنورة ، ودخل على أم حبيبة وهي ابنته ، وهي كذلك زوجة النبي ( ص ) فأراد أن يجلس على حصير رسول الله ( ص ) فطوته ، وقالت له : إنك نجس لأنك مشرك ، وهو أبوها وقد جاء من سفر بعيد في جو حار ورمال ورياح وشمس وسغب . الشيوعية بألوانها أشد حقارة في نظر الإسلام من هذه الوثنية ، لأن الشيوعية انحراف بالفطرة الانسانية عن مزاجها الطبيعي ، وفي إعلانها العداوة * ( هامش ) * ( 1 ) راجع ص 35 - 71 ج 28 تفسير في ظلال القرآن ، وكذلك راجع ص 81 - 270 ج 10 وص 5 - 46 ج 11 من تفسير في ظلال القرآن . ( * ) لله أمر كاف بتحقيرها وازدرائها من عين كل مسلم في قلبه مثقال حبة خردل من الإيمان . أما اليهودية والمسيحية : فهما وإن انحرفتا نهائيا عن المنهج الرباني إلا أن مسحة من التوجه لله ما زالت لم يدعها القوم ، وهم - لا شك - أعداء للاسلام ولكن الآيات والسلوك النبوي الكريم قد حدد لنا منهج العلاقات معهم كما يلي : 1 - إن عاشوا مسالمين غير معتدين كانت الحياة بيننا وبينهم كريمة ، قوامها الأمن والاحترام الإنساني . 2 - وإن أساءوا بأي لون من الإساءات فالحرب واجبة وماضية إلى يوم القيامة .


وعلى هذا : ففشل المجلس الديني الذي عقده فضيلة الوزير بناء على طلب الحكومة الإندونيسية من جانب المسيحيين متعللين بأنهم أمروا من عند الله بتنصير الناس معناه : إعلان حرب من جانب المسيحيين على المسلمين ، لأنهم رفضوا الميثاق الذي قدمته الدولة للتعاون والتعايش السلمي فوق أرض إندونيسيا ، أما نحن المسلمين فنعلنها لأنها في القرآن : تعالوا عيشوا في كنائسكم ، ومدارسكم ، ومستشفياتكم ، لأسركم وأبنائكم من غير اعتداء على الأمة الإسلامية ، وذلك هو المفهوم الصحيح للتسامح الديني . فإن رفضوها - وقد رفضوها رسميا - فليس لواحد من المسلمين مطلقا ، مهما كانت منزلته ووظيفته ، أن يقدم يده للعمل مع المسيحيين في إندونيسيا ، وإن فعل فقد وضع نفسه معهم ، يقول الله تعالى : ( ومن يتولهم منكم فإنه منهم إن

............................................................

- أضواء على المسيحية - متولي يوسف شلبي ص 170 :

الله لا يهدي القوم الظالمين . المائدة 51 ) . ألا هل بلغت ؟ اللهم فاشهد ! ألا هل بلغت ؟ اللهم فاشهد ؟ ألا هل بلغت ؟ اللهم فأشهد ! . والحمد لله رب العالمين . 12 ذي القعدة 1387 11 شباط 1968 متولي شلبي