المسيح


قال تعالى:"إنٌَ مثلَ عيسَى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون"

يتساءل المرء لِمَ لم يتوصٌل النصارى إلى الحقيقة الجلية؟ في الإجابة عن هذا السؤال يرى منصور حسين أن الطريقة الخاطئة و المغلوطة التي يفكر بها النصارى,هي التي حجبت شمس الحقيقة عنهم. وكمثال لطريقتهم في التفكير,ينقل عن الدكتور ر.أ في كتابه:"كيف تدرس الكتاب المقدس" فقد وضع الدكتور النصراني شروطا ينبغي أن يتحلى بها قارىء الكتاب المقدس,ليحصل على أكبر قدر من الفائدة, فمن هذه الشروط: أن يكون القارىء مولودا ولادة ثانية(مسيحيا), وأن يكون محبا للكتاب المقدس, وعنده إستعداد للكد و الجد في دراسته...يتوقف منصور حسين مع شرطين مهمين أولهما:"أن يكون عند الدارس إرادة مسلمة تسليما كاملا" وثانيهما:"أن ندرسه باعتباره كلمة الله". فيرى الأستاذ منصور حسين أن هذين الشرطين يفرضان على قارىء الكتاب المقدس التسليم و الإيمان بأن ما يقرأه هو وحي الله,الذي لا شك فيه ولالبس, مهما ظهر فيه من تناقض او خطأ أو تعارض مع المعتقدات النصرانية. فمثلا: عندما يقرأ النصراني في المزمور قوله"أما أنا فدودة لا إنسان,عار على البشر"المزمور22/6 يجد أنه من غير المنطقي أن يكون هذا عن المسيح, لكنه يسلم لمشيئة مؤلفي العهد الجديد, فيقول بأنه نبوة عن المسيح رغم استحالته بحقه. ويفعل الشيء نفسه وهو يقرأ "الرب مخلص مسيحه"المزمور20/6 . وهكذا فهم يضعون النتائج أولا, ثم يقرأون الكتاب المقدس. وهكذا فإن المتأمل لهذين الشرطين ليكاد يقطع بأن واضعهما يعرف بيقين أن لو أُطلِقت للباحث حرية البحث عن الحقيقة وجدها, فإنه سينتهي من العهد القديم إلى ما يخالف به العهد الجديد من حديث عن صلب المسيح فيصل إلى أن الله خلص المسيح ورفعه اليه من بين أعدائه و أن الذي صلب هو غير المسيح.

هل من المعقول أن يسكت نبيهم ومعلمهم الأول المسيح عليه السلام عن بيان ما هو أساس الدين و ركنه الركين وشرط النجاة فيه,الذي هو- حسب إعتقادهم-الإيمان بألوهية المسيح وبأنه الله المتجسد وبالتثليث, وترك بيان هذه الحقائق الخطيرة لمن بعده؟! ومتى كان من الجائز بالعقل والمنطق أن يكتم النبي أو الرسول أساس الدين والهدف الذي بعث من أجله ويترك بيان ذلك لمن جاؤوا بعده؟! أفلا يدل عدم دعوة المسيح عليه السلام لتلك العقائد أنها ليست من رسالته بل هي تفسيرات بعدية دخيلة؟؟

لقد شهد قوم عيسى عليه السلام وكذلك جماهير الرومان حادثة صلب, ولم يساورهم شك في أن عيسى عليه السلام قتل وصلب, إلا أن الحواريين شاهدوا عيسى عليه السلام بعد حادثة الصلب المزعوم حيا, كما ورد ذلك في إنجيل لوقا(1)"وفيما هم يتكلمون بهذا وقف يسوع نفسه في وسطهم وقال لهم سلام لكم.فجزعوا وخافوا وظنوا أنهم نظروا روحا.فقال لهم ما بالكم مضطربين.ولماذا تخطر أفكار في قلوبكم.انظروا يدي ورجلي إني أنا هو.جسوني وانظروا فإن الروح ليس له لحم وعظام كما ترون لي.وحين قال هذا أراهم يديه ورجليه.وبينما هم غير مصدقين من الفرح ومتعجبون قال لهم أعندكم ههنا طعام؟ فناولوه جزءا من سمك مشوي وشيئا من شهد عسل. فأخذ وأكل قدامهم".وهنا نتساءل: مادا كان المسيح يحاول أن يثبث؟ هل يحاول أن يثبث أنه قد بعث من بين الموتى؟ وأنه كان شبحا؟ وماذا كانت علاقة الرجلين واليدين بالبعث؟, " إنه أنا نفسي وإن أي شبح من الأشباح لا يكون له لحم وعظام كما أنتم ترونه لي" هذه حقيقة مطلقة وواضحة و أنت لا تحتاج جهدا لتقتنع بها. إنه يبيٌن لهم أنه لم يمُت. وقد أصبح الجميع في حيرة من حقيقة الأمر, فالناس يقولون: إنه صُلِبَ وقد رأو ذلك رأي العين, والحواريون يقولون: إنهم قابلوه بعد حادثة الصلب المزعوم بجسده وروحه حيا يرزق. ولم يجدوا تفسيرا لهذا التناقض فظهرت بدعة: إنه صلب ومات ودفن ومات ثم بعث من بين الأموات, ولكن القرآن الكريم جاء ليكشف الغموض فقال تعالى:" وقولهم إنا قتلنا المسيح عيسى ابن مريم رسول الله وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم وإن الذين اختلفوا فيه لفي شك منه ما لهم به من علم إلا اتباع الظن وما قتلوه يقينا(157)بل رفعه الله إليه وكان الله عزيزا حكيما(158)" النساء. فالحقيقة أن الذي صلب هو الشبه, فالذين قالوا: "رأيناه مصلوبا" أُخبِِروا بما رأو إذ ظنوا الشبه هو عيسى عليه السلام نفسه, والذين قالوا:" رأيناه بعد الحادثة" هم على حق لأنه لم يصلب, وأتى القرآن الكريم بالعلم الذي يكشف الحقيقة ويخرج الناس من الإختلاف, والذي جاء على يد نبي أمي ليس في ثقافة قومه شيء من هذه الأخبار, وهذا دليل على أن هذا العلم الذي جاء على يد النبي الأمي لا يمكن أن يكون إلا من عند الله. لقد اعتقدوا بصلب المسيح وكان لابد لهم من البحث عن سبب يبرر الصلب فاستحدث بولس "الخلاص" , وظهرت عندهم مشكلة الخلاص من ماذا؟ فاستحدث "نظرية الخطيئة الموروثة" أو "وراثة الذنب" لتبرير صلب المسيح , وهذا لم يذكره المسيح عليه السلام . ونستطيع أن نلخص القصة من الأناجيل الأربعة كالآتي:
-
أن المسيح خرج إلى البستان برفقة تلاميذه, وأنه أخبرهم بأنه سيتعرض لمؤامرة من أحد التلاميذ مع اليهود الذين يريدون صلبه.
-
أن المسيح دعا في تلك الليلة طويلا, وبإلحاح كبير طالبا من الله أن يصرف عنه كأس الموت.
-
أن المسيح استسلم لقضاء الله و قدره, فقال:"ليس كما أريد أنا بل كما تريد أنت" متى (26/39)
-
وصل يهوذا الإسخريوطي الخائن, ومعه الجند,يحملون مشاعل وسيوفا وعصيا,للقبض على المسيح, وقد جعل يهوذا علامة للجند أن يقبل المسيح.
-
وصلت الجموع,فخرج إليهم المسيح, وقال: من تطلبون؟ فأجابوه: يسوع الناصري. فقال المسيح: أنا هو." فلما قال لهم:إني أنا هو,رجعوا إلى الوراء,وسقطوا على الأرض"(يوحنا18/6).
-
حاول بطرس الدفاع,لكنه كان أعجز من ذلك, فهرب وجميع التلاميذ.
-
اقتيد المأخوذ وهو غير المسيح للمحاكمة عند رئيس الكهنة, ثم بيلاطس, وبطرس يتابعه في بعض ذلك,وقد أنكره تلك الليلة ثلاث مرات.
-
في المحاكمة سأل رئيس الكهنة واستحلف المأخوذ إن كان هو المسيح,فأجابه :"أنت تقول", وأيضا" أقول لكم: من الآن, تبصرون ابن الإنسان جالسا يمين القوة,وآتيا على سحاب السماء" وقال لهم أيضا:"إن قلت لكم لا تصدقونني, وإن سألت لا تجيبونني ولا تطلقونني" فما معنى هذا الجواب, ألا يؤكد أنه ليس هو المسيح ؟- حكمت المحكمة على المأخوذ بالقتل,واقتيد إلى بلاط بيلاطس الذي سأله:إن كان هو ملك اليهود,فأجابه:" أنت تقول" ولم يجد الوالي للمأخوذ علة يستحق عليها القتل,فأراد أن يطلقه,لكن الجموع أصرت على صلبه, وإطلاق باراباس,فأعلن براءته من دم هدا البار,و أسلمه لهم.
-
اقتيد المأخوذ إلى موضع الصلب و صلب وأسلم الروح .و قد جاء في الإنجيل أنه عندما وثب اليهود عليه ليقتلوه ورفعوه على خشبة الصلب صاح صياحا عظيما واستغاث وقال: "إلهي إلهي لما تركتني"!! فمن الإله الدي كان ينادي يا تُرى إن كان المسيح هو الإله المتجسٌد الدي أتى لفداء البشرية؟ويفترق المسلمون عن الأناجيل في مسألة مهمة, وهي من هو المأخوذ من ساحة القبض على المسيح؟ فيراه المسلمون شخص أُلقي عليه الشبه,ويلزمنا إقامة الدليل على ذلك, إذ هي موضع النزاع. ولتصور القول بأن يهوذا هو المأخوذ, وأنه حصل إلتباس عند آخذيه, فإنا نتصور الجموع الكثيرة وهي تسير,تحمل المشاعل و السيوف, وتتكون من جنود يتقدمهم يهوذا. ولما وصل الجمع إلى المسيح كان التلاميذ نياما, وقد حاول المسيح إيقاظهم مرارا فقد كانت عيونهم ثقيلة, واقتربت الجموع من المسيح يتقدمهم يهوذا و التلاميذ نيام" فلما قال لهم:أنا هو,رجعوا إلى الوراء, وسقطوا على الأرض" (يوحنا18/6). وهنا نتوقف مليا لنقرأ ما غقلت عن ذكره السطور. فما فائدة سقوطهم على الأرض؟ وما الذي أسقطهم؟ وماذا أفاد المسيح سقوطهم, إذا كانوا سيقبضون عليه بعدها. ولنحاول أكثر أن نتصور ما حدث في تلك اللحظة,فقد اقترب يهوذا لتقبيل المسيح كعلامة للجند على أنه المطلوب,وفي تلك اللحظة اقترب الجند,حملة المشاعل و السيوف,للقبض على المسيح, فتدخلت قدرة الله العظيم,فسقطوا علىالأرض بعد أن رجعوا للوراء. ولك أن تتخيل ما حصل ,من هرج و تدافع من جراء سقوط مقدمة هذه الجموع التي تحمل المشاعل والتي فقط تنير لها ظلمة الليل.بعد ذلك الإضطراب والفوضى قام الساقطون من الأرض و أفاقوا من ذهولهم لما حصل لهم, ورأو يهوذا وحده مبهوتا أصابه الذهول, وقد رأى المسيح يُرفع للسماء, وقد ألقى الله على الشخص المقبوض الكثير من الشبه للمسيح,و بعدها حُمِل المقبوض للمحاكمة و الشك في حقيقة شخصه يلاحقه في كل هذه الخطوات, فقد شك فيه رئيس الكهنة, وكانت إجاباته لبيلاطس وهيرودس تنبيء عن الذهول الذي أصابه, وعن عجزه عن بيان الحقيقة,التي لن يقتنع أحدا إن ذكرها, فكان يجيبهم:"أنت تقول"(متى27/11). ولما إجتمع في النهار مشيخة الشعب, ورؤساء الكهنة, وأصعدوه إلى مجمهم قائلين: إن كنت أنت المسيح ,فقل لنا .فقال لهم: " إن قلت لكم لا تصدقون, وإن سألت لا تجيبونني ولا تطلقونني. مند الآن يكون ابن الإنسان جالسا عن يمين قوة الله. فقال الجميع: أفأنت ابن الله؟ فقال لهم: أنت تقولون:إني أنا هو."(يوحنا22/66-7) ولا يفسر هذه الإجابات الغريبة, بل وتلك الأسئلة الغريبة من أناس كانوا يرون المسيح في كل يوم, لا يفسره إلا أن نقول بأن المأخوذ هو غير المسيح, وإن أشبهه,وهذا الشبه حيٌر رؤساء الكهنة في حقيقة المأخوذ فحاولوا استجلاء الحقيقة بسؤال المأخوذ, فلم ينكر و لم يثبث.
تناقل النصارى روايات صلب المسيح جيلا بعد جيل,حتى إذا جاء محمد صلى الله عليه و سلم وأعلن بطلان الصلب للمسيح. و يتساءل النصارى كيف له أن يقول ذلك, و أن يكذب الحواريين وشهود العيان الذين سجلوا لنا بشهاداتهم الخطية ما رأوه؟؟إذن الأناجيل هي برهان القوم لو سئلوا وقيل لهم: (قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين)البقرة111, فالكتاب المقدس وفي أكثر من 500 لغة إنسانية يتحدث عن صلب المسيح. و هذا هو البرهان.
ويرى العلامة ديدات أنه يفرض علينا تفحص هذا البرهان, والنظر في حال الشهود الأربعة الذين يشهدون بصلب المسيح.
وهنا يسجل ديدات أول ملاحظاته وهي أن إثنين من الأربع لم يروا المسيح, ولم يكونوا من تلاميذه,فكيف يعتبرون شهودا؟ ويقصد مرقص و لوقا. والملاحظة الثانية: أن شهود الإثباث جميعا لم يحضروا الواقعة التي يشهدون فيها, كما قال مرقص:"فتركه الجميع و هربوا" (مرقص14/50) 24).و يقول لوقا: " وظهر له من السماء ملاك يقويه، وإذ كان في جهاد، كان يصلي بأشد لجاجة، وصار عرقه كقطرات دم نازلة على الأرض " ( لوقا 22/43 - 44 ). ولنا أن نتساءل كيف عرف لوقا بنزول الملاك ؟ وكيف شاهد عرقه وهو يتصبب منه على هذه الكيفية ؛ كيف ذلك والتلاميذ قد وصفهم لوقا بعدها مباشرة بقوله " ثم قام من الصلاة، وجاء إلى تلاميذه فوجدهم نياماً من الحزن "؟ ( لوقا 22/45 ) ؛ كما أنه لم يكن بجوارهم، وهو يصلي فقد " انفصل عنهم نحو رمية حجر، وجثا على ركبتيه و وصلى " ( لوقا 22/41 ).ومثل هذه القضية لو عرضت على أي محكمة متحضرة لسارعت إلى رد شهادة هؤلاء الشهود في دقيقتين. و تُظهر الأناجيل المسيح على الصليب غاية في الضعف والهوان، يستجديهم الماء وهو يرى شماتتهم، ثم يُسمعهم صراخه ولا يتطابق هذا مع ما عُرف عن شخصية المسيح القوية، والتي تحدى فيها اليهود بأنهم سيطلبونه ولا يجدونه. إن خبر تنبؤ المسيح بقتله وصلبه، معارَض بنصوص كثيرة، أخبر المسيح فيها بنجاته، ومنها قوله حسبما جاء في يوحنا: " فأرسل الفريسيون ورؤساء الكهنة خداماً ليمسكوه، فقال لهم يسوع: أنا معكم زمانا يسيراً بعد ثم أمضي إلى الذي أرسلني، ستطلبونني ولا تجدونني وحيث أكون أنا لا تقدرون أنتم أن تأتوا ". وقد فهم منه اليهود أنه أراد نجاته منهم " فقال اليهود فيما بينهم: إلى أين هذا مزمع أن يذهب حتى لا نجده نحن ؛ ألعله مزمع أن يذهب إلى شتات اليونانيين، ويعلٌم اليونانيين؟، ما هذا القول الذي قال: ستطلبونني ولا تجدونني، وحيث أكون أنا لا تقدرون أنتم أن تأتوا" ( يوحنا 7/32 – 36 ). ومرة أخرى، جاهر المسيح بنجاته منهم قائلاً " أعلم من أين أتيت، وإلى أين أذهب، وأما أنتم، فلا تعلمون من أين آتي، ولا إلى أين أذهب …. قال لهم يسوع أيضاً: أنا أمضي، وستطلبونني وتموتون في خطيتكم، حيث أمضى أنا، لا تقدرون أنتم أن تأتوا. فقال اليهود: ألعله يقتل نفسه حتى يقول: حيث أمضي أنا لا تقدرون أنتم أن تأتوا. فقال لهم: أنتم من أسفل. أما أنا فمن فوق. أنتم من هذا العالم … فقال لهم يسوع: متى رفعتم ابن الإنسان، فحينئذ تفهمون إني أنا هو، ولست أفعل شيئاً من نفسي، بل أتكلم بهذا كما علمني أبي، والذي أرسلني هو معي، ولم يتركني الأب وحدي، لأني في كل حين أفعل ما يرضيه " ( يوحنا 8/21 - 29 ). ثم مرة أخرى، لما أعطى يهوذا اللقمة قال لتلاميذه: " يا أولادي أنا معكم زماناً قليلاً بعد، ستطلبونني، وكما قلت لليهود حيث أذهب أنا لا تقدرون أنتم أن تأتوا، أقول لكم أنتم الآن.. قال له سمعان بطرس: يا سيد، إلى أين تذهب؟، أجابه يسوع: حيث أذهب لا تقدر الآن أن تتبعني، ولكنك ستتبعني أخيراً " ( يوحنا 13/32 - 36 ). ومنها أيضا قول المصلوب وهو في المحاكمة: " من الآن يكون ابن الإنسان جالساً عن يمين قوة الله " ( لوقا 22/69 ) فقد رأى المصلوب نجاة المسيح ، وما شاهده من نجاة المسيح لحظة ألقي الشبه عليه، وهو يخبر أنه في تلك اللحظة، المسيح في السماء، وقد رفع بقوة الله. وقد رأى المحققون في هذه النصوص نبوءة واضحة بنجاة المسيح عليه السلام من يد أعدائه، وأنه سيرفع للسماء، فهو المكان الذي لا يقدرون عليه، ولو كان مقصده الموت، فإن ذلك أمر يطيقه كل أحد، كما أن أحداً لا يتحدى بأنه سيموت وهم لن يستطيعوه. لقد كان المسيح يتحدى أعداءه وهو يقول: " هو ذا بيتكم، يترك لكم خراباً، لأني أقول لكم: إنكم لا ترونني من الآن، حتى تقولوا: مبارك الآتي باسم الرب " ( متى 23/28 - 29 ). ومن النصوص التي تحدثت أيضاً عن نجاة المسيح قوله: "هو ذا تأتي ساعة وقد أتت الآن، تتفرقون فيها، كل واحد إلى خاصته، وتتركونني وحدي، وأنا لست وحدي، لأن الآب معي، قد كلمتكم بهذا ليكون لكم في سلام، في العالم سيكون لكم ضيق، ولكن ثقوا أنا قد غلبت العالم " (يوحنا 16/32 - 33) فأين هذا من القول بصفع المسيح وصلبه وضربه ؟؟ ومن النصوص الدالة أيضاً على نجاة المسيح قول يوحنا: " من عند الله خرج، وإلى الله يمضي " ( يوحنا 13/3 ) ولو كان المقصود الموت، فكل الناس إلى الله تمضي، والقول بأن مضيه إنما يكون بعد الدفن ثلاثاً، يحتاج لدليل يثبت ذلك. ومن النصوص الدالة أيضاً على نجاة المسيح ما جاء في متى " فقال لهم يسوع: هل يستطيع بنو العرس أن ينوحوا مادام العريس معهم ؛ ولكن ستأتي أيام، حين يرفع العريس عنهم، فحينئذ يصومون " ( متى 9/15 )، ومقصده رفعه للسماء.
فالمسيح عليه السلام لم يمت و قد رفعه الله إليه وعاد ليظهر للحواريين الذين"جزعوا وخافوا وظنوا أنهم نظروا روحا" والسؤال لماذا الخوف وهو قد أخبرهم أنه سيقوم من بين الأموات, ولماذا لم يصدق"توما" أحد التلاميذ حتى يبصر في يديه أثر المسامير حيث قال:إن لا أبصر في يديه أثر المسامير.. و أضع إصبعي في جنبه لا أؤمن" . لماذا لا تؤمن يا توما وقد أخبركم المسيح صراحة أنه سيقوم من بين الأموات ؟! بل إنه لما علم عيسى بقرب حلول المؤامرة ضده طلب من حوارييه الاستعداد للمقاومة وقال:" من ليس له سيفا فليبع ثوبه ويشتري وسيفا
لسؤال هنا, لماذا المقاومة؟ و لماذا السيوف؟ لو كان ينوي أن يقدم نفسه للصلب فداءا للبشرية لما طلب من تلاميذه المقاومة". و لقد انفرد متى فذكر عجائب حصلت والمسيح على الصليب في اللحظة التي فارق فيها الحياة، فيقول: " وإذا حجاب الهيكل قد انشق إلى اثنين من فوق إلى أسفل، والأرض تزلزلت، والصخور تشققت، والقبور تفتحت، وقام كثير من أجساد القديسين الراقدين، وخرجوا من القبور بعد قيامته، ودخلوا المدينة المقدسة، وظهروا لكثيرين " ( متى 27/51 - 53 )، فهذه الأعاجيب ينفرد بها دون سائر الإنجيليين والمؤرخين ومنهم لوقا المتتبع بالتدقيق لكل شيء. ولو صح مثل هذا لكان من أعظم أعاجيب المسيح، ولحرص الجميع على ذكره، لذا فهو إلى الكذب أقرب، يقول نورتن المسمى " حامي الإنجيل ": "هذه الحكاية كاذبة، والغالب أن أمثال هذه الحكاية كانت رائجة في اليهود، بعدما صارت أورشليم خراباً، فلعل أحداً كتب في حاشية النسخة العبرانية لإنجيل متى، وأدخلها الكُتاب في المتن، وهذا المتن وقع في يد المترجم، فترجمها على حسبه ". وقد نقلت هذه الأخبار عن الأساطير القديمة، يقول المفسر كيرد: " كان الشائع قديماً أن الأحداث الكبيرة المفجعة يصحبها نذر سوء، وكأن الطبيعة تواسي الإنسان بسبب تعاسته ". ومما يدل على كذِب من كتَبَ إنجيل متى أو مترجمه في هذه الزيادة، أن لو ظهرت هذه العجائب لما جرأ اليهود على الرجوع إلى بيلاطس، وطلب حراسة القبر، ولما تجاسر قيافا أن يصف المسيح وقتئذ بالمضل، ولانتقم منهم بيلاطس، بل وعامة اليهود، ولآمن كثيرون بالمسيح، كما آمن كثيرون في أعجوبة أقل من ذلك، إذ لما نزل روح القدس على التلاميذ، آمن ثلاثة آلاف شخص ( أعمال 2/40 - 41)، وما ذكره متى عند موت المسيح أعظم من ذلك. هل يعلم مسيحي اليوم أن صلب المسيح دخيل على الأناجيل لأنه غير مذكور في المخطوطات اليونانية الأصلية!؟ من دسٌَه في الأناجيل!؟ ومن الذي كتب صلاة المسيح ثلاث مرات في الجسمانية ليلة الاعتقال ووصفها بكل دقة والتلاميذ كلهم نيام. ونفس السؤال عن إصحاحات المحاكمة والصلب من الذي كتبها في الأناجيل بينما جميع التلاميذ كانوا مختبئين!!!؟ . قد جاء في إنجيل مرقس الإصحاح 16 : 19 " وجلس عن يمين الله ", وقدأثبت اكتشاف مخطوطة في دير سانت كاثرين في سيناء وتعود إلى القرن الخامس, أن هذا الإنجيل ينتهي عند 16 : 8 أي أن الجمل من 9 - 20 أضيفت فيما بعد. وهل تعلم أن قدماء النصارى كثر منهم منكرو صلب المسيح؟؟ وقد ذكر المؤرخون النصارى أسماء فرق كثيرة أنكرت الصلب. وهذه الفرق هي: الباسيليديون و الكورنثيون و الكاربوكرايتون و الساطرينوسية والماركيونية والبارديسيانية والسيرنثييون و البارسكاليونية والبولسية والماينسية، والتايتانيسيون والدوسيتية والمارسيونية والفلنطانيائية والهرمسيون. وبعض هذه الفرق قريبة العهد بالمسيح، إذ يرجع بعضها للقرن الميلادي الأول ففي كتابه " الأرطقات مع دحضها " ذكر القديس الفونسوس ماريا دي ليكوري أن مِن بِدَع القرن الأول قول فلوري: إن المسيح قوة غير هيولية، وكان يتشح ما شاء من الهيئات، ولذا لما أراد اليهود صلبه؛ أخذ صورة سمعان القروي، وأعطاه صورته، فصلب سمعان، بينما كان يسوع يسخر باليهود، ثم عاد غير منظور، وصعد إلى السماء. ويبدو أن هذا القول استمر في القرن الثاني، حيث يقول فنتون شارح متى: " إن إحدى الطوائف الغنوسطية التي عاشت في القرن الثاني قالت بأن سمعان القيرواني قد صلب بدلاً من يسوع". وقد استمر إنكار صلب المسيح، فكان من المنكرين الراهب تيودورس (560م) والأسقف يوحنا ابن حاكم قبرص (610م) وغيرهم. كما تناقل علماء النصارى ومحققوهم إنكار صلب المسيح في كتبهم، وأهم من قال بذلك الحواري برنابا في إنجيله. ويقول ارنست دي بوش الألماني في كتابه " الإسلام: أي النصرانية الحقة " ما معناه: إن جميع ما يختص بمسائل الصلب والفداء هو من مبتكرات ومخترعات بولس، ومن شابهه من الذين لم يروا المسيح، لا في أصول النصرانية الأصلية. ويقول بولس: " ولكن إن كان المسيح يكرز به أنه قام من الأموات فكيف يقول قوم بينكم أن ليس قيامة أموات ؟ فإن لم تكن قيامة أموات فلا يكون المسيح قد قام، وإن لم يكن المسيح قد قام فباطل كرازتنا، وباطل أيضاً إيمانكم " ( كورنثوس (1) 15/13 )، فالنص يتحدث عن إنكار بعض التلاميذ لصلب المسيح أو على الأقل لقيامته من الأموات.
إن القرآن الكريم لم يكذب حصول حادثة الصلب، والذي ذكره القرآن يفهم منه حصول حادثة الصلب، لكن لغير المسيح عليه السلام، ولم يحدد القرآن شخص المصلوب، لكنه أفاد بوقوع شبه المسيح عليه، فصلب بدلاً عن المسيح عليه السلام.وقد أخبر القرآن الكريم أن الذين يدعون صلب المسيح ليس لهم به علم يقيني، بل هم يشكون في شخص المصلوب على رغم شبهه بالمسيح، لكنه يقيناً ليس بالمسيح عليه السلام. قال الله تعالى: [ وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبّه لهم وإنّ الذين اختلفوا فيه لفي شك منه ما لهم به من علم إلا اتباع الظن وما قتلوه يقيناً ] (النساء: 157).وهذا الذي ذكره القرآن تصدقه النصوص الإنجيلية التي ذكرت شك الجنود واليهود في شخص المصلوب، وقد وقعت يومذاك عدة صور للشك:

أولها: أن من جاءوا للقبض عليه أنكروا وجهه وصوته، ولم يعرفوه حيث خرج إليهم وقال: من تطلبون ؟ فأجابوه: يسوع الناصري، فأخبرهم بأنه هو، بيد أنهم لم يسارعوا للقبض عليه فأعاد عليهم السؤال، فأعادوا الجواب ( انظر يوحنا 18/3 - 8 ).فهذا يدل على شكهم في شخصه، والسؤال المثير للاستغراب: كيف وقعوا بهذا الشك والمسيح قد عاش بين أظهرهم وهو أشهر من علم ؟

ثانيها: شك رئيس الكهنة في شخصية المأخوذ، وهو أمر جِد مستغرب، إذ المسيح كان يجلس في الهيكل، ويتحدث مع الكهنة ورؤسائهم، ورأوه وهو يقلب موائد الصيارفة في الهيكل ( انظر متى 21/12 - 15، 23 - 46 ). ويظهر الشك جلياً في قول رئيس الكهنة له أثناء المحاكمة: " أستحلفك بالله الحي، أن تقول لنا: هل أنت المسيح ابن الله ؟ " ( متى 26/62 – 64 ).فنلاحظ أن الجميع كان منشغلاً بتحقيق شخص المأخوذ، حتى في محاكمته. وهنا قد يتساءل البعض لماذا شك الجند ورئيس الكهنة والكهنة في شخصية المأخوذ ؟وفي الإجابة نقول: لقد كانوا يعهدون في المسيح معالم معنوية، في كلامه، وذكائه وشجاعته، وعلمه، بل وصوته، وهم اليوم لا يرون شيئاً من ذلك، وهو ما حصل مع هيردوس: " وأما هيردوس فلما رأي يسوع فرح جداً، لأنه كان يريد من زمان طويل أن يراه لسماعه عنه أشياء كثيرة، وترجى أن يرى آية تصنع منه، وسأله بكلام كثير، فلم يجبه بشيء … فاحتقره هيرودس مع عسكره، واستهزأ به " ( لوقا 23/8 - 11 )، لقد رآه دون الرجل العظيم الذي كان يسمع عنه، بل لم يجد لديه أياً من معالم العظمة التي كان يسمع عنها. ولقد جاء في إنجيل يوحنا الإصحاح 14 : 28 من أقوال المسيح عليه السلام :"أنا ذاهب ثم آتي إليكم".ألم يتم مهمته فيعود ليتمها ؟ أليس أتمٌ مهمته: فدى البشرية وخلصهم؟ إنه لم يعد بعد, إن المسيح عليه السلام رفعه الله تعالى و لم يمت و سيأتي بآخر الزمان. كما قال تعالى:"ويكلم الناس في المهد وكهلاً" (سورة آل عمران آية: 46) والمعلوم أن المسيح رفع وهو في الثلاثينيات من عمره، والكهولة في اللغة مقترنة بالمشيب، ولما يدركه المسيح حال وجوده الأول، فدل على أنه سيعيش ويبلغ الكهولة، ويكلم الناس حينذاك، ولو صرفت عن هذا المعنى لما بقي لذكر الكهولة - وكلامه فيها - وجه، إذ ذُكِرَت بين معجزات المسيح، والكلام في الكهولة كل أحد يطيقه، ولا معجزة في ذلك. وقد سجل المزمور السابع والعشرون تلك اللحظة العظيمة فقال: "عندما اقترب إليّ الأشرار ليأكلوا لحمي، مضايقي وأعدائي عثروا وسقطوا..لأنه يخبئني في مظلته في يوم الشر، يسترني بستر خيمته" (المزمور 27/2-5).فدلالة هذا المزمور على نجاة المسيح أوضح من الشمس في رابعة النهار. و أيضا في المزمور السابع والخمسين :" أصرخ إلى الله العلي، إلى الله المحامي عني، يرسل من السماء ويخلصني، عيّر الذي يتهموني..هيأوا شبكة لخطواتي، انحنت نفسي، حفروا قدامي حفرة سقطوا في وسطها"(المزمور 57/2-6) وهدا دليل صريح على التنبؤ بنجاة المسيح.

1)
لقد دعا سيدنا إبراهيم وإبنه اسماعيل عليهما السلام وهما بمكة, أن يجعل من ذريتهما أمة مسلمة له و أن يبعث فيهم رسولا منهم, و قد ذكر الله تعالى دعاءهما في قوله" ربنا واجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنا أمة مسلمة لك وأرنا منا سكنا وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم128 ربنا وابعث فيهم رسولا منهم يتلو عليهم آياتك ويعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم إنك أنت العزيز الحكيم"(129 البقرة). وقد جاء في الثوراة ذكر للوعد الإلهي لإبراهيم أن يجعل من ذرية إسماعيل أمة هداية عظيمة, فقد ورد في سفر التكوين(26) ما يلي: "وأما إسماعيل فقد سمعت لك فيه, هاأنا أباركه و أثمره وأكثره كثيرا.اثني عشر رئيسا يلد وأجعله أمة كبيرة" و ورد :"وابن الجارية أيضا سأجعله أمة لأنه نسلك" ولم تكن هناك أمة هداية من نسل إسماعيل إلا أمة محمد صلى الله عليه وسلم. وقد جاء في سفر التثنية على لسان موسى عليه السلام: "قال لي الرب:قد أحسنوا فيما تكلموا أُقيمُ لهم نبيا من وسط إخوتهم مثلك و أجعلُ كلامي في فمه" المقصود هنا : أن الله يتكلم مع موسى حول النبي الذي سيجيء لاحقا, ويقول أنه سوف يبعث نبيا من بين إخوة اليهود يكون مشابها لموسى , و أنه سيضع كلماته في فم ذلك النبي. يُقصد ب"إخوتهم" : أبناء إسماعيل لأنه أخو إسحاق الذي ينسب إليه بنو إسرائيل, حيث هما الإثنان أولاد إبراهيم, فالإبن الأكبر إسماعيل أبو العرب والإبن الأصغر إسحاق أبو اليهود, وبذلك نرى أن لليهود إخوة من نفس الأب هم العرب الذين جاء الوعد في الثوراة بأن الله سيجعلهم أمة عظيمة. و لو كانت البشارة تخص أحدا من بني إسرائيل لقيل : "منهم" , ولقد تنبه المحرفون لهذا فبدلوا العبارة التي تعني "من وسط اخوتهم" في النسخة الانجليزية إلى عبارة "من بين قومهم" ص 30 الإصحاح 34. ولا تنطبق هذه البشارة على عيسى عليه السلام كما يزعم النصارى , فهم يقولون أن موسى يشبه عيسى لأنهما الاثنان نبيان و الاثنان كانا يهوديان, إذن طبقا لهاته المعايير فإن أي نبي يهودي آخر جاء بعد موسى كان يمكن أن يدعى بأنه النبي المذكور في النبوة, مثلا سليمان أو حزقيال أو دانيال , وكلهم أنبياء ويهود وجاؤوا بعد موسى. إن السيد المسيح وموسى مختلفين عن بعضهم إلى حد كبير وإليك وجوه الإختلاف
بهدا الرابط http://arabic.islamicweb.com/christianity/muhammad_deadat.htm
وقد انتقل الرب إلى وصف طريقة تبليغ رسالة ذلك النبي لرسالته فقال: " وسأضع كلماتي في فمه" وهو سيتكلم إليهم كل ما سآمره به...فهل وضع الله كلماته في فم المسيح؟.. لم يحدث,فلا يجرؤ مسيحي أن يقول أن الإنجيل هو كلمات المسيح نفسه, و إنكم تقولون أنه كلمات الكتبة بوحي من الروح القدس بعد رحيل المسيح..إن القرآن الكريم ليس إلا كلمات الله وُضعت في فم محمد صلى الله عليه وسلم فنطق بها كلمة كلمة دون أدنى تغيير..فهل يجرؤ أحد بعد ذلك أن يشكك في أن محمد هو ذات النبي الموعود؟

2)
قال تعالى:"وإذ قال عيسى بن مريم يا بني إسرائيل إني رسول الله إليكم مصدقا لما بين يدي من الثوراة و مبشرا برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد" صدق الله العظيم. نعجب لعناد المسيحي و رؤيته الضيقة, فإنه حتى القرن السادس من التقويم المسيحي حينما كان محمد صلى الله عليه و سلم يرتل كلام الله الذي أوحى به إليه لم يكن الانجيل قد تُرجم بعد إلى اللغة العربية, ولم يكن يستطيع أن يعرف كبشر أنه كان ينجز ويحقق ما تفوه به عيسى عليه السلام عندما بشر بمجيء رسولنا الكريم , حيث جاء في إنجيل يوحنا:" إن كنتم تحبونني فاحفظوا وصاياي، وأنا أطلب من الآب فيعطيكم معزياً آخر، ليمكث معكم إلى الأبد، روح الحق الذي لا يستطيع العالم أن يقبله، لأنه لا يراه ولا يعرفه، وأما أنتم فتعرفونه لأنه ماكث معكم، ويكون فيكم . . . إن أحبني أحد يحفظ كلامي، ويحبه أبي وإليه . نأتي، وعنده نصنع منـزلاً الذي لا يحبني لا يحفظ كلامي، والكلام الذي تسمعونه ليس لي، بل للآب الذي أرسلني، بهذا كلمتكم وأنا عندكم، وأما المعزي الروح القدس الذي سيرسله الآب باسمي فهو يعلمكم كل شيء، ويذكركم بكل ما قلته لكم ..قلت لكم الآن قبل أن يكون، حتى متى كان تؤمنون، لا أتكلم أيضاً معكم كثيراً، لأن رئيس هذا العالم يأتي، وليس له فيّ شيء يوحنا. (30- 14/15). وفي الإصحاح الذي يليه يعظ المسيح تلاميذه طالباً منهم حفظ وصاياه، ثم يقول متى جاء المعزي الذي سأرسله أنا إليكم من الآب، روح الحق الذي من عند الآب . ينبثق، فهو يشهد لي، وتشهدون أنتم أيضاً لأنكم معي في الابتداء قد كلمتكم بهذا لكي لا تعثروا، سيخرجونكم من المجامع، بل تأتي ساعة فيها يظن كل من يقتلكم أنه يقدم خدمة لله.. قد ملأ الحزن قلوبكم، لكني أقول لكم الحق: إنه خير لكم أن أنطلق، لأنه إن لم أنطلق لا يأتيكم المعزي، ولكن إن ذهبت أرسله إليكم ومتى جاء ذاك يبكت العالم على خطية وعلى بر وعلى دينونة، أما على خطية فلأنهم لا يؤمنون بي، وأما على بر فلأني ذاهب إلى أبي ولا ترونني أيضاً، وأما على دينونة فلأن رئيس هذا العالم قد دين إن لي أموراً كثيرة أيضاً لأقول لكم، ولكن لا تستطيعون أن تحتملوا الآن، وأما متى جاء ذاك، روح الحق، فهو يرشدكم إلى جميع الحق، لأنه لا يتكلم من نفسه بل كل ما يسمع يتكلم به، ويخبركم بأمور آتية، ذاك يمجدني، لأنه يأخذ مما لي ويخبركم 16/14) يوحنا)26-15. وبالتأمل في هذه النصوص نجد أنها تشير إلى:أن المسيح عليه السلام يوصي و يبشر بمجيء معز بعده, و أن مجيئه مشروط بذهابه و أن مرسل من قبل الله تعالى و أنه يعلم كل شيء وأنه يذكر بما قاله المسيح عليه السلام و أنه يشهد للمسيح و أن العالم سيتبع دينه وأنه لا يتكلم من نفسه بل يتكلم بما يسمع وأنه سيبقى معهم إلى الأبد. وعندما نراجع هذه الصفات نجدها تنطبق على محمد رسول الله صلى الله عليه و سلم ونزدادا يقينا عندما نعلم أن كلمة المعز هي ترجمة محرفة لكلمة(بريكليتوس) اليونانية التي كُتب بها انجيل يوحنا, وهي تعني في ترجمتها الدقيقة: " أحمد". و قد حرفت الكلمة في الانجيل عند ترجمتها إلى(باراكليتوس) و التي تعني "المعزي" و ذلك ينطبق حرفيا مع ما أثبته القرآن من كلام المسيح إلى بني إسرائيل:" وإذ قال عيسى ابن مريم يا بني إسرائيل إني رسول الله إليكم مصدقا لما بين يدي من الثوراة ومبشرا برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد"(الصف6). و نلاحظ تشابه تام بين الكلمتين حيث جاءت ترجمتها للعربية"المعزي" في بعض النصوص و جاءت في أخرى"الشفيع" بمعنى "المحمود" أو" أحمد" .وقد جاء في حديث المسيح "سوف يعطيكم برقليط آخر" فإذا قلنا أن المقصود من ذلك رسول آخر أصبح كلامنا معقولا و صحيحا ولكن إذا قلنا بأن المقصود هو الروح القدس كما يقول النصارى, سوف لن يكون كلامنا معقولا لأن روح القدس واحد و ليس متعدد. كما قال أيضا"كل شيء قلته لكم سوف يذكركم به" و"وان الروح الحقيقية من طرف الاب سوف تشهد لي بذلك" ونحن نعلم أن روح القدس نزل على الحواريين بعد خمسين يوما من صلب المسيح كما جاء في انجيل متى , فهل يجوز أن يكون هؤلاء قد نسوا الأحكام التي علمها لهم المسيح في هذه المدة القصيرة حتى يعلمهم روح القدس مرة أخرى؟؟ وهل يحتاج المسيح إلى شهادة أصحابه؟ ولكن المقصود بهذه الشهادة هو الرسول الموعود الذي شهد بنبوة المسيح وأن الله كرمه و صرف عنه الصلب و الإهانة و رفعه إليه , حيث قال المسيح"ذاك يمجدني". ومما يدل على أن لفظ البرقليط يعني نبيا آتيا من بعد عيسى عليه السلام أن مونتانوس ادعى النبوة في القرن التاني للميلاد و زعم أنه البرقليط الموعود الذي أخبر عنه المسيح, كما يستفاد من الآثار والتواريخ الإسلامية ما ذكر عن انتظار القادة السياسيين و علماء الدين المسيحي لأيام ارسول الكريم, كانوا ينتظرون موعود الانجيل و يذكر صاحب الطبقات الكبرى موقف ملك الحبشة بعد أن قرأ كتاب النبي محمد الذي أرسله له مع سفيره, بعد انتهائه من القراءة قال له"أنا أشهد على أنه الرسول الذي وعد به أهل الكتاب كما وعد موسى و أخبره بنبوة عيسى في ثوراته و قد وعد عيسى في إنجيله عن نبوة آخر الزمان و أعطى علائم وشواهد الرسول الذي سيأتي من بعده". وكذلك عندما وصل كتاب النبي إلى قيصر الروم وأتم قراءته حقق في أمر الرسول الأكرم و أجاب بكتاب جاء فيه: "قرأتُ كتابك و تعرفت على دعوتك وكنت أعلم أن رسولا سوف يرسل, ولكني كنت أظن بأنه سوف يأتي من الشام" , يستفاد من هذه النصوص التاريخية أنهم كانوا ينتظرون نبيا و من المؤكد أن مثل هذا الانتظار له جذور إنجيلية. وقد قال المسيح"إذا لم أذهب لن يأتي البرقليط" فمجيء البرقليط إذن مشروط بذهاب المسيح, فإذا كان المقصود بروح القدس فإن نزوله على المسيح أو على الحواريين ليس مشروطا بذهاب المسيح, لأن روح القدس كان يساعد المسيح في وظائفه وواجباته الدينية و كان يساعد الحواريين أيضا في مهامهم التبشرية, وإن كان لا يزال لدى النصرانيين شك في مفهوم الروح القدس أرجوا أن يقرأوا هاته الآية: " فقال لهم يسوع أيضا سلام لكم كما أرسلني الاب أرسلكم أنا و لما قال هذا نفخ وقال لهم إقبلوا الروح القدس". كذلك تنبأ المسيح بأن" المعزي" الذي يأتي بعده (يبكت) الناس و يوبخهم على عدم الايمان بالمسيح وذلك معنى قوله" أما على خطية فلأنهم لا يؤمنون بي" و يوبخهم على اعتقادهم الفاسد من أنهم قتلوه و صلبوه وأهانوه و يرشدهم إلى الحقيقة و هي أن الله رفعه إليه و ذلك معنى قوله" و أما على بر فلأني ذاهب إلى أبي و لا ترونني" و ذلك الفهم لابد منه في هذه الجملة على الشكل التالي و إلا كانت لغوا من القول, إذ لا معنى لتوبيخهم على البر إلا هذا, أنه يوبخهم على ما فعلوا من اضطهاده و ما قصدوه من إرادة قتله و يبين لهم أنهم فشلوا في ذلك و باءوا بالخزي و العار بدون أن ينالوا منه شيئا لأنه ذاهب إلى ربه و هم لم يروه. وتنبأ المسيح على تمجيد المعزي له أي يعظم رسالته و يعترف بفضله و يشهد له" سينبئكم بمستقبلكم علاوة على تمجيده لي", وإن الشهادة للمسيح لا يمكن أن يقوم بها روح القدس لأن الحواريين لا يحتاجون إلى من يشهد للمسيح بأنه نبي لكونهم صدقوه من قبل و اتبعوه, وكذا التمجيد و الثناء و لم يمجد المسيح نبي ظهر بعده إلا نبي الإسلام. كما تنبأ المسيح قائلا " فلا يتكلم من نفسه بل كل ما يسمع يتكلم به" وقال أيضا "كما يخبركم عن الأمور الآتية في المستقبل وذلك عن طريق سماعها من قبل الله" وهذا الوصف لا ينطبق إلا على نبي الإسلام محمد, إذ كان لا يقرأ و لا يكتب و كان يبلغ رسالته وكلام الله عن طريق ما يسمعه من الوحي وهذا معنى قوله تعالى في القرآن الكريم:" وما ينطق على الهوى إن هو إلا وحي يُوحى". لقد قال المسيح أنه سيأتيهم "روح الحق" و يكون لهم مرشدا, ولقد بين يوحنا أن "روح الحق" يُطلق على الإنسان الصادق في القول و العقيدة فقال: "أيها الأحباء, لا تصدقوا كل روح بل امتحنوا الأرواح هل هي من الله..نحن من الله فمن يعرف الله يسمع لنا و من ليس من الله لا يسمع لنا, من هذا نعرف روح الحق و روح الضلال". من ذلك يتبين أن اللغة الشاعرية التي كتب بها يوحنا إنجيله ورسائله تعني أن روح الحق هو إنسان صادق, هو من الله وأن روح الضلال هو إنسان كاذب وليس من الله في شيء. فروح الحق إذن ليست روح القدس كما يقول النصارى, وقد أكدت ذلك حاشية كتاب أورشليم الفرنسي(المقدس) فأشارت إلى أن "روح الحق" الذي تكلم عنه يوحنا في رسالته الأولى هنا(4/6) هو ماسبق أن ذكره في إنجيله(14/7). ولقد ذكرت نبوءة المسيح اسم" روح الحق" تلات مرات و ذلك في الفقرات(14/7,15/26,16/13) بينما استبدل كاتب إنجيل يوحنا هذا الإسم ب"الروح القدس" مرة واحدة فقط وذلك في الفقرة3: (14/26) و لقد عالج الدكتور موريس بوكاي هذه الشكلة في كتابه المعروف باسم: "الكتاب المقدس والقرآن و العلم", إذ بينت المقارنة مع مخطوطة سريانية شهيرة اُكتُشفت بدير سيناء عام 1812 أن النص الوارد في (14/26) يخلو من كلمة "القدس" أي أنه يتحدث عن "الروح". وذلك الروح الحق يعلم الناس الدين الكامل كما قال لمسيح"فهو يعلمكم كل شيء ويذكركم بكا ما قلته لكم و هو يرشدكم إلى جميع الحق" كما أن ما جاء به باق إلى الابد"سيبقى معكم و فيكم" ويُعنى به أن ما جاء به روح الحق إلى الأجيال المتلاحقة سيبقى إلى يوم الدين وأحكامه و قوانينه ستبقى إلى الأبد وهديه ورسالته، إذ لا نبي بعده ولا رسالة. وقد أصرٌ المسيح في الجملة29 من الباب 14 قائلا: " أما الآن وقبل الوقوع أخبرتكم لكي يتسنى لكم الإيمان به حين الوقوع " في الوقت الذي لا يحتاج الإيمان بالروح القدس إلى توصية لكن الذي حدث هو إصرار المسيح بالمقدار الذي يدل على أن المقصود ليس روح القدس. - كما أن الروح القدس هو أحد أطراف الثالوث، وينبغي وفق عقيدة النصارى أن يكون التلاميذ مؤمنين به، فلم أوصاهم بالإيمان به؟ وروح القدس وفق كلام النصارى إله مساو للآب في ألوهيته، وعليه فهو يقدر أن يتكلم من عند نفسه، بينما المسيح قال "وروح الحق الآتي لا يتكلم من نفسه، بل كل ما يسمع يتكلم به". كما أن المسيح أخبر أنه قبل أن يأتي البارقليط ستقع أحداث هامة وبارزة سيخرجونكم من المجامع، بل تأتي ساعة فيها يظن كل من يقتلكم أنه يقدم خدمة لله، وهذا الأمر إنما حصل بعد الخمسين، بل بعد قرون من رفع المسيح، فالنص لا يتحدث عن اضطهاد الرومان أو اليهود لأتباع المسيح، وإنما يتحدث عن اضطهاد رجالات الكنيسة لأتباع المسيح الموحدين، وهم - أي رجال الكهنوت - يظنون أنهم بذلك يحسنون صنعاً، ويقدمون خدمة لله ودينه، فقررت مجامعهم طرد آريوس والموحدين، وأخرجوهم من المجامع الكنسية ، وحكموا عليهم بالحرمان والاضطهاد . واستمر الاضطهاد بأتباع المسيح حتى ندر الموحدون قبيل ظهور الإسلام , وذكر يوحنا أن المسيح خبّر تلاميذه بأوصاف البارقليط، والتي لم تتمثل بالروح القدس الحال على التلاميذ يوم الخمسين، فهو شاهد تنضاف شهادته إلى شهادة التلاميذ في المسيح فهو يشهد لي، وتشهدون أنتم أيضاً فأين شهد الروح القدس للمسيح؟ وبم شهد؟ بينا نجد أن رسول الله شهد للمسيح بالبراءة من الكفر وادعاء الألوهية والبنوة لله، كما شهد ببراءة أمه مما رماها به اليهود وبكفرهم "وقولهم على مريم بهتاناً عظيماً { النساء156).


3)
لقد جاء في إنجيل متى (31) ما يلي: "قال لهم يسوع(32) أما قرأتم قط في الكتب. الحجر الذي رفضه البناءون هو قد صار رأس الزاوية. من قبل الرب كان هذا وهو عجيب في أعيننا. لذلك أقول لكم إن ملكوت الله يُنزع منكم و يُعطى لأمة تعمل أثماره" وهذا معناه أن الرسالة تنتقل من بني إسرائيل إلى أمة أخرى ,فيكون الرسول المُبشر به من غير بني إسرائيل. وهنا نهتدي إلى شخصية الرسول الكريم الذي تحدث عنه المسيح عندما قال الحجر الذي رفضه البناءون هو قد صار رأس الزاوية. وقد قال الرسول الكريم:"مثلي ومثل الأنبياء من قبلي كمثل رجل بنى بنيانا,فأحسنه و أجمله, إلا موضع لبنة من زواياه , فجعل الناس يطوفون به ويعجبهم البناء فيقولون: ألا وضعت هنا لبنة فيتم البناء؟ قال صلى الله عليه و سلم: فأنا اللبنة , جئت فختمت الأنبياء" صدق رسول الله والذي يؤيده القدير بقوله:"إنه لقول رسول كريم. وما هو بقول شاعر قليلا ما تؤمنون. ولا بقول كاهن قليلا ما تذكرون.تنزيل من رب العالمين" إذن من هو النبي الذي رفضه بنو قومه: إنه جد الرسول عليه السلام إنه سيدنا إسماعيل بن إبراهيم عليه السلام. فاعتبروا يا نصارى.

4)
لقد جاء في التوراة في سفر التثنية(44) "جاء الرب من سيناء و أشرق لهم من ساعير و تلألأ من جبل فاران, ويرى بعض شراح الثوراة ممن أسلموا أن هذه العبارة الموجودة في الثوراة تشير إلى أماكن نزول الهدي الإلهي إلى الأرض فمجيئه من سيناء إعطاؤه الثوراة لموسى عليه السلام, إشراقه من ساعير إعطاؤه الإنجيل للمسيح عليه السلام, وساعير: سلسلة جبال ممتدة في الجهة الشرقية من وادي عربة في فلسطين, وهي الأرض التي عاش فيها عيسى عليه السلام. تلألأ من جبل فاران: إنزاله القرآن على محمد(ص). وفاران هو الإسم القديم لأرض مكة التي سكنها إسماعيل عليه السلام. كما أنه وُصف في" سفر أشعيا" بأنه راكب الجمل وفي هذا إشارة بأنه من الصحراء وهكذا كان محمد. وذكرت التوراة مكان الوحي إليه ففي سفر أشعيا الإصحاح الواحد والعشرون : وحي من جهة بلاد العرب في الوعر, وقد كان بدء الوحي في بلاد العرب في الوعر في غار حراء.


5)
جاء في إنجيل يوحنا(72) ما يأتي: أن إمرأة سامرية تقول لعيسى عليه السلام:" آباؤنا سجدوا في هذا الجبل وأنتم تقولون إن في أورشليم الموضع الذي ينبغي أن يسجد فيه, قال لها يسوع يا امرأة صدقيني أنه تأتي ساعة لا في هذا الجبل و لا في أورشليم تسجدون " وهذا حدث على يد النبي صلى الله عليه و سلم وفقا لأمر الله القائل "فولٌ وجهك شطر المسجد الحرام وحيث ما كنتم فولٌوا وجوهكم شطره و إن الذين أوتوا الكتاب ليعلمون أنه الحق من ربهم وما الله بغافل عما يعملون" (البقرة144)


6)
إن نبوة المسيح هي معتقد عامة الناس فيه و قد صرحوا بذلك أمامه فلم يخطئهم, فعندما أحيا المسيح ابن الارملة في نايين"أخذ الجميع خوف ومجدوا الله قائلين: قد قام فينا نبي عظيم وافتقد الله شعبه" لوقا(7/13). وقد جاء من الأدلة التي تثبث أن المسيح لم يكن معروفا إلا بالنبوة وسيتضح من هذه الأدلة أن المسيح والمؤمنين به وأعدائه اتفقت كلمتهم على صفة النبوة إثباثا له من نفسه و المؤمنين به أو إنكارا له من جانب أعدائه. جاء في إنجيل لوقا(24/19) أن تلميذين من تلاميذ المسيح وصفوه بالنبوة و هو يخاطبهم و لم ينكر عليهم هذا الوصف, و أيضا" يسوع الناصري الذي كان إنسانا نبيا مقتدرا في الفعل و القول أمام الله و جميع الشعب". وجاء في إنجيل يوحنا (9/17) قول الرجل الأعمى: " قالوا أيضا للأعمى ماذا تقول أنت عنه من حيث أنه فتح عينيك فقال إنه نبي" , كما جاء في رسالة أعمال الرسل(3/22) حمل بطرس قول موسى عليه السلام الوارد في العهد القديم عن المسيح :"إن نبيا مثلي سيُقيمُ لكم الرب إلهكم" فموسى عليه السلام صرح بأن الله سبحانه و تعالى سيُقيم لهم نبيا و لم يقل سينزِل لهم الرب. وقد ورد بإنجيل متى(21/10) أن المسيح لما دخل أورشليم ارتجت المدينة كلها و سألت من هذا؟ فكانت الاجابة من الجموع الغفيرة من المؤمنين و التلاميذ الذين دخلوا مع المسيح مدينة القدس هي: " هذا يسوع النبي من ناصرة الجليل!!". كل الجموع تسأل و كل المؤمنين يجيبون و على رأسهم تلاميذ المسيح قائلين" هذا يسوع النبي" فهل هناك أعظم من هذه الشهادة التي شهد بها كل المؤمنين في أورشليم؟ و تفرق الجمع بعد ذلك على معرفة هذه الحقيقة و هي أن المسيح نبي كريم و ليس إلها. وقد جاء في إنجيل يوحنا أن المسيح بعد أن أحيا "العازر" الذي مات منذ أربعة أيام, رفع بصره إلى السماء وقال:"أيها الاب أشكرك لأنك سمعت لي, وقد علمتُ أنك دوما تسمع لي, ولكني قلت هذا لأجل الجمع الواقف حولي ليؤمنوا أنك أنت أرسلتني" يوحنا(11/42) وهذا النص يوضح أن المسيح كان يُحي الموتى بإذن الله وليس من عند نفسه ولا بقوته و قدرته, وأن الله تعالى أقدره على إحياء الموتى ليكون هذا معجزة له و دليلا على نبوته و رسالته. لأن رد أبناء بلدته الناصرة كان ردا في منتهى السوء و القباحة و الإفك, فبدل أن يعترفوا برسالته و نبوته إذا بهم يسبونه في عرضه و يتهمونه أنه ابن زنا!! حاشاه عليه الصلاة و السلام فيقول له المجرمون" أليس هذا ابن يوسف؟" و هؤلاء المجرمون من اليهود أبناء بلدته الذين جاءوا ليستمعوا إلى مواعظه في الهيكل ردوا عليه هذا الرد عندما قال لهم:" إنه مسيح الرب الذي جاء ليفتح الله به آذانا صما و قلوبا عميا و يفك أسر المأسورين من معاصيهم و الذين قيدهم الشيطان بخطاياهم و يبرهم بمغفرة الذنوب" لقد كان ردهم على هذه الدعوة الكريمة أن اتهموه و أنكروه و لما قالوا قولهم الفاجر ذاك رد عليهم قائلا: "لا كرامة لنبي في بلده" ," وما من نبي يقبل في بلده"," لا يكون النبي بلا كرامة إلا في بلدته و بيته" متى(13/58).ثم بين لهم أن أهله وأولى الناس به من يقبلونه و يؤمنون به, وأخبرهم أن نبي الله إيليا لم يشفع وقت المجاعة إلا إلى أرملة غير إسرائيلية, و أن أليشع لم يشفع في شفاء مريض إلا مريضا سوريا غير إسرائيليا(نعمان السوري) وأخبرهم أن رحمة الله برسالة عيسى قد لا تصيب إلا من هم خارج بني إسرائيل, وأن ما يمكن أن يجريه على يديه من خير, قد لا يحوزه غير أبناء بلدته الناصرة التي أنكرته! ولما سمع أبناء بلدته هذا الكلام كان من شأنهم أن أخرجوه منها و"ساقوه إلى حافة الجبل الذي بنيت عليه مدينتهم ليطرحوه إلى أسفل" وكل هذا النص شواهد أنه لم يقل لهم" إني إله" و إنما قال لهم" إنني نبي و لا كرامة لنبي في بلده" فلماذا لم يقل لهم أنا ربكم و خالقكم؟؟ فالألوهية لم تكن تخطر ببال المسيح عليه السلام مطلقا. و نستنتج من كلام أعداء المسيح في لوقا(7/25) أن المسيح كان مشتهرا بالنبوة و لم يدٌعي الألوهية لذلك فهم ينفون نبوته قائلين:" إنه لم يقم نبي من الجليل" و لما أرادوا قتله كانت جريمته عندهم دعواه النبوة لا الربوبية وقد عجب منه تلاميذه لما رأوا بعض معجزاته و لو كانوا يرونه إلها لما كان في معجزاته أي عجب فقد مر يسوع عليه السلام بالشجرة وقد جاع فقصدها فلم يجد فيها سوى الورق, فقال: لا يخرج منك ثمرة إلى الأبد, فيبست الشجرة لوقتها, فتعجب التلاميذ, قال لها:لا يكون منك ثمر بعد إلى الأبد فيبست التينة في الحال. فلما رأى التلاميذ ذلك تعجبوا قائلين كيف يبست التينة في الحال" متى(21/18) فدلٌ عجبهم على أنهم كانوا لا يدركون شيئا مما تعتقده النصارى اليوم من ألوهية المسيح وإلا فإن إيباس الإله للشجرة ليس فيه ما يدعو لأي عجب. وهذا يوحنا المعمداني لم يظن في المسيح أكثر من النبي المنتظر حيث أرسل رسلا و قال له:" أنت هو الآتي أم ننتظر آخر؟" حيث سأله إن كان النبي الذي تنتظره بنو إسرائيل فأجابه المسيح بإجابة لا تدل بحال على ألوهية المسيح, فقد أخبره بمعجزات نبوته ثم عقب بالتحذير من الغلو فيه كفعل النصارى أو التفريط كفعل اليهود الذين كذبوه" فأجاب يسوع وقال لهما:اذهبا وأخبِرا يوحنا بما تسمعان وتنظران.العمي يبصرون والعرج يمشون والبرص يطهرون والصم يسمعون والموتى يقومون والمساكين يبشرون وطوبى لمن لا يعثر في"(متى11/3). وقال يوحنا مبينا إعتقاده بنبوة المسيح:" طوبى للذي يقرأ وللذين يسمعون أقوال النبوة" الرؤيا(1/3). وكذا لما دخل أورشليم, قالت الجموع"هذا يسوع النبي" متى(21/11), فإذا كان المؤمنون بالمسيح و أعدائه والمسيح نفسه كلامهم لا يتعدى نبوة المسيح فهل يجوز لأحد بعد ذلك أن يرفض تلك الأقوال جميعها في صراحتها ويذهب إلى القول بأنه إله؟؟ وقد جاء في إنجيل متى في الإصحاح 5 قول المسيح:" لا تظنوا أني جئت لألغي الشريعة أو الأنبياء, ما جئت لألغي بل لأكمل" وهذا نص واضح بأن المسيح رسول الله قد مضت من قبله الرسل, و وليس ربا أو إلها, وأنه ما جاء إلا ليعمل بالشريعة التي سبقته وهي شريعة موسى عليه السلام, ويكمل ما بناه الأنبياء قبله. وقد جاء في إنجيل يوحنا(17/3) فإذأن المسيح عليه السلام توجه ببصره نحوى السماء قائلا لله:" وهذه الحياة الأبدية أن يعرفوك أنت اإله الحقيقي وحدك ويسوع المسيح الذي أرسلته" فإدا كان النصارى يقولون أن الله تجسد في جسد المسيح يسوع, فمن هو الإله الذي كان يخاطبه يسوع ؟؟ ومن ناحية أخرى, ألم يلاحظ النصارى تلك الكلمات:"ويسوع المسيح الذي أرسلته" ألا تدل تلك الكلمات على أن يسوع المسيح هو رسول الله تم إرساله من قبل الله؟ ولا شك أن المُرسَل غير الراسِل . وإذا أمعن النصارى التفكير يجدون أن هذا الكلام يتفق مع من أسموه: الهرطوقي أريوس الذي كان يقول أن المسيح ما هو إلا وسط بين الله و البشر. لقد شهد المسيح أن الحياة الأبدية هي:شهادة أن لا إله إلا الله وأن يسوع رسول الله, وهذا مايؤمن به المسلمون جميعا.


7)
كان المسيح يقول:"لم آت من نفسي بل هوالذي ارسلني" و هذا يثبث أن عيسى عليه السلام رسول الله و ليس هو الله المتجسد أو له مشيئة مع الله, وقد تكرر ورود مثل هذا النص كثيرا في الأناجيل:" ولكن الذي ارسلني هو الحق, و ما اقوله للعالم هو ما سمعته منه"يوحنا( 8/27). وجاء ايضا إن الذي ارسلني هو معي و لم يتركني وحدي لاني دوما اعمل ما يرضيه "يوحنا(8/30) وهذا نص واضح في عبودية عيسى عليه السلام وخضوعه لإرادة الله و تعبده بما يرضي الرب تبارك وتعالى, ولو كان إلها مع الله بمشيئة مستقلة كما يدعي النصارى لما كان يقول" ودائما اعمل ما يرضيه", وأما معية الله لعيسى فهي كائنة لكل مؤمن يتقي الله سبحانه وتعالى, ومعية الله للأنبياء عليهم السلام عظيمة لأن الله يرعاهم كما قال تعالى لموسى لما أرسله إلى فرعون:"إنني معكما أسمع وأرى" وقال أيضا"إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون" ومعية الله مع المؤمنين معية تأييد ونصر ورعاية وعيسى عليه السلام كان رسولا بارا تقيا وكان الله معه دائما بالتأييد والرعاية. ولقد جاء في يوحنا(12/49) ما يثبث المغايرة بين الاب والمسيح حيث قال:" لم أتكلم من نفسي لكن الاب الذي أرسلني هو أعطاني وصية ماذا أقول, وبماذا أتكلم" فإذا كان المسيح هو نفسه الاب و المساوي له في كل شيء, فلِم كان المسيح لا يتكلم من تلقاء نفسه بل لابد له من موافقة الاب الذي أرسله و أعطاه و أوصاه بالكلام الذي ينبغي أن يقوله. كما قال:" وأنا إنسان قد كلمكم بالحق الذي سمعه من الله"يوحنا(8/40), أفلا نقبل شهادته عن نفسه؟ فلو كان إلها لِما صحٌ منه أن يُعمي علينا مثل هذه الحقيقة بمثل هذا القول الدٌال على إنسانيته. وقال المسيح في يوحنا(1/51):" الحق أقول لكم من الآن سترون السماء مفتوحة وملائكة الله صاعدين نازلين على ابن الإنسان" ونحن نقول: إذا كان المسيح يصرح بأن ملائكة الله سوف تنزل عليه من السماء بالأوامر الإلهية ولتأييده فأين هو إذن الإله خالق الملائكة الذي حلٌ بالمسيح و المتحد معه؟؟ وقد جاء في إنجيل متى(7/11)قول المسيح:"أبوكم الذي في السموات يهب خيرات للذين يسألونه" وقال في الفقرة 21 من نفس الإصحاح: ما كل من يقول لي:يا رب! يدخل في ملكوت السموات, بل من يعمل بمشيئة أبي الذي في السموات" وجاء أيضا في إنجيل متى(16/17) قول المسيح لبطرس:"طوبى لك يا سمعان فما أعلَنَ لك هذا لحم ودم بل أبي الذي في السموات" تأمل عزيزي القاريء في كلام المسيح لسمعان فإنه لم يقل له طوبى لك فإنني أنا الذي أعلنت لك هذا أو الأب المتجسد هو أعلن لك هذا!! وقد صرٌح المسيح مِرارا وتكرارا من النصوص السابقة بأن الاب موجود في السموات والسؤال الذي نوجهه للمسيحيين هو: كيف يُصرٌِح المسيح بأن الاب موجود في السموات وأنتم تدعون أن الاب متجسد فيه ومتحد معه؟ وبمعنى آخر لو كان المسيح إلها لامتنع أن يشير إلى إلها آخر في السموات. وإذا قلتم أن أقنوم الابن يشيرإلى أقنوم الاب فنقول لكم أن هذا يدل على أنه ليس هناك تجسد ويؤكد انفصالها واستقلالها ويثبث أن المسيح هو رسول الله ونبيه الكريم وكذلك قوله في يوحنا(20/17):"قولي لهم إني سأصعد إلى أبي وأبيكم وإلهي وإلهكم" فالمسيح صرح بأن الله هو إلهنا جميعا و إلهه وهذا أيضا يمنع الوحدة بين الأقانيم, لأن المسيح لو كان هو صورة الله على الأرض فمن هو الإله الذي سوف يصعد إليه؟ فالأقانيم لم يتحدث عليها المسيح كما أنه لم يتحدث عن مسألة الفداء لخلاص البشرية وهاته الأفكار ابتدعتها الكنيسة بعد رفع المسيح, فدعوته هي عبادة الله الواحد, حيث سأله رئيس قائلا:" أيها المعلم ماذا أعمل لأرث الحياة الأبدية؟ فقال له يسوع:لماذا تدعوني صالحا, ليس صالحا إلا واحد, هو الله". فعندما أرسل الله المسيح لليهود قال لهم بأن من يؤمن به له الحياة الأبدية ومن لم يؤمن به فله الجحيم, فالمعصية هي عدم الإيمان به بأن الله أرسله, وكذلك عندما أرسل الله محمد للناس فمن يؤمن به له الحياة الأبدية و من لا يؤمن به فقد عصى الله وليس يؤمن به يعني يؤمن أنه إله.


8)
إن توحيد الله الذي لا إله إلا هو, أعظم وصية جاء بها المسيح"و كان أحد معلمي الشريعة هناك فسمعهم يتجادلون, ورأى أن يسوع أحسن الرد على الصدوقيين, فدنا منه وسأله: ما هي أول الوصايا كلها؟ فأجاب يسوع: الوصية الأولى هي:اسمع يا إسرائيل, الرب إلهنا هو الرب الأحد, فأحِب الرب إلهك بكل قبك وكل نفسك وكل فكرك وكل قدرتك" الوصية الثانية مثلها" أحِب قريبك مثلما تحب نفسك وما من وصية أعظم من هاتين الوصيتين ". إن المسيح كان يؤكد على أهمية العمل الصالح والبر الذي يفوزون به بالحياة الأبدية وليس الفداء الذي سيُخلصون به حيث الذين يعملون الصالحات هم فقط الذين ينجون يوم القيامة من الدينونة, بينما يُحمَل الذين عملوا السيئات إلى الجحيم من غير أن يكون لهم خلاص بالمسيح:"تأتي ساعة فيها يسمع جميع الذين في القبور صوته, فيخرج الذين فعلوا الصالحات إلى قيامة الحياة والذين عملوا السيئات إلى قيامة الدينونة" يوحنا(5/28). ولقد وعد الله التائبين بالقبول:" فإذا رجع الشرير عن جميع خطاياه التي فعلها, وحفظ فرائضي وفعل حقا وعدلا, فحياة يحيا لا يموت, كل معاصيه التي فعلها لا تذكر عليه, برٌه الذي عمل يحيا" حزقيال(18/21) وانظر أشعيا(55/07). إن غفران الذنب بتوبة صاحبه هو اللائق بالله البر الرحيم, لا الذبح والصلب وإراقة الدماء, وهذا ما يقرره كتابكم المقدس:"إني أريد رحمة لا ذبيحة لأني لم آتِ لأدعو أبرارا بل خطاة إلى التوبة" متى(9/13). وجاء في لوقا (15/31)" وهكذا يكون الفرح في السماء بخاطيء واحد يتوب, أكثر من الفرح بتسع وتسعين من الأبرار لا يحتاجون إلى التوبة".

9)
إن المتتبع للأناجيل يجد أن دعوة المسيح عليه السلام قاصرة على شعب اليهودية فقط, بل إن البشارة بمجيئه قبل مولده تشير إلى أن رعايته ستكون لشعب اليهود فقط, فقد ورد في إنجيل متى ما يحكيه على لسان الله:" وأنت يا بيت لحم أرض يهوذا لست الصغرى بين رؤساء يهوذا, لأن منك يخرج مدبر يرعى شعبي إسرائيل"(متى2/6) وقد أعلن المسيح أن دعوته قاصرة على بني إسرائيل ولا تمتد لغيرهم لذلك نراه يقول في متى(15/24) "لم أرسل إلاٌَ إلى خراف بيت إسرائيل الضالة" ولاحظ عزيزي القاريء أن (إلا) هي أداة للحصر, حصر بها المسيح رسالته ضمن الشعب الإسرائيلي. وقد جاء في متى(10/5) أن المسيح عندما أرسل تلاميذه لينشروا دعوته بين اليهود كرر لهم الوصية, أن يقصروا الدعوة على اليهود, بل وحذرهم من دخول مدن الأمم الأخرى, ولو كانوا جيرانا لليهود, " هؤلاء الإثنا عشرأرسلهم يسوع وأوصاهم قائلا:إلى طريق أمم لا تمضوا إلى مدينة السامريين لا تدخلوا,بل إذهبوا بالحري إلى خراف بيت إسرائيل الضالة" . وحتى عندما رفضت أورشليم رسالة المسيح, ناجاها بكلام يستفاد منه أن رسالته هي لشعب اليهود الذي كان مستعمرا لمدينة القدس وقتئذ:"يا أورشليم يا أورشليم..يا قاتلة الأنبياء وراجمة المرسلين إليها كم مرة أردت أن أجمع أولادك كما تجمع الدجاجة فراخها تحت جناحيها ولم تريدوا" متى(37/23). وقد يحتج البعض بأن دعوة المسيح دعوة عالمية بالنص الوارد في إنجيل متى الإصحاح38:"اذهبوا وتلمذوا جميع الامم" ولكنهم نسوا أن هذا النص معارض بنصوص أخرى المذكورة آنفا, وأن بعض المحققين ذهبوا إلى أن هذه العبارة إلحاقية بإنجيل متى و أنها لم تذكر في بقية الأناجيل. ثمٌَ لِمَ إختصٌ متى بالسماع دون غيره؟؟ لقد إتفقت الأناجيل الثلاثة على إيراد قصة دخول المسيح أورشليم راكبا على جحش. فهل كان ركوبه على جحش أهم من ذكر هذا النص؟!! ولقد جاء في دائرة المعارف البريطانية والتي هي المرجع الثاني للنصارى بعد كتابهم المقدس نظرا لأنها لا تمثل رأي عالم أو رأي جهة ما أو طائفة معينة بل هي تمثل حضارة وتراث أمة, جاء فيها: " أما موقف الأناجيل فعلى العكس من رسائل بولس إذ أن التغيرات الهامة قد حدثت عن قصد مثل إدخال أو إضافة فقرات بأكملها" ج2 (ص519,521).فإن إدٌعيتم أن الكاتب أخطأ فنحن نقول أنه تحريف فالاختلاف في التعبير والإسم لا في المعبر عنه والمسمى!!


10)
يستشهد النصارى على عقيدتهم ببنوة المسيح لله تعالى و أبوة الله له و بالتالي على ألوهية المسيح ببعض نصوص الثوراة التي تتضمن هذه الألفاظ الدالة على تلك العقائد فقالوا: نحن معشر النصارى لم نسمي المسيح بهذه الأسماء من ذات أنفسنا, بل الله سماه بها وذلك أنه قال على لسان موسى النبي في الثوراة مخاطبا بني إسرائيل " أليس هو أباك ومقتنيك , هو عملك وأنشأك" سفر التثنية(32/6)أي أن كلمة "الأب" قد استعملت في الثوراة بالنسبة لله عز وجل, فلمِ يكونوا في نظر أنفسهم هم المبتدعين لهذه الكلمة في حق الله عز وجل ولا ما تستتبعه هذه الكلمة من البنوة بالنسبة للمسيح. وقد أجاب ابن تيمية على هذا بقوله: "إن في هذا الكلام أنه سماه أبا لغير المسيح و هذا نظير قوله لإسرائيل:"أنت إبني بكري" سفر الخروج(4/22). و لداود:"ابني و حبيبي"مزمور(89/26). وقال المسيح:"أبي و أبيكم" يوحنا(20/17). ثم إن هذا الدليل الذي يستدلون به على بنوة المسيح لله تعالى هو حجة عليهم فإذا كان في الكتب المتقدمة تسمية أبا لغير المسيح و ليس المراد بها إلا معنى "الرب", فيجب حمله بحق المسيح على هذا المعنى عندما قال"أبي و أبيكم". و نورد هنا الأدلة من الإنجيل نفسه أن لفظ "ابن الله" الوارد في الأناجيل ما اُريد به غير بنوة التشريف و التقديس و الرفعة كقول المسيح لتلاميذه: "وصلٌوا لأجل الذين يسيئون إليكم ويضطهدونكم لتكونوا أبناء أبيكم الذي في السموات" متى(6/45) وقوله أيضا: " فعندما تصلي فادخل غرفتك و اغلق عليك بابك و صل إلى أبيك الذي في الخفاء, وأبوك الذي يرى في الخفاء هو يكافئك" متى(6/7).
ويقرر الدكتور محمد فؤاد الهاشمي وقد كان من رجال الكهنوت النصارى في مصر قبيل إسلامه أن عبارة "ابن الله" الواردة بالأسفارالمقدسة لدى أهل الكتاب لا تعني ولد الله, فبنو الإنسان جميعا هم أبناء الله بمعنى أنهم خلقه, وأبوته لهم هي ربوبية الخلق و التربية و هذا هو القصد من التعبير بلفظ"الأب" الوارد بتلك الأسفار فهي تعني الإله المربي و كان هذا اصطلاحا سائدا عند اليونايين الذين ترجمت عن لغتهم الأناجيل, و لهذا فإن المسيح ملأ الأناجيل بأنه"ابن الإنسان" وأسند أبوة الله لغيره في كثير من النصوص, مما يقطع بأن المراد بها ألوهية الله و ربوبيته لعباده, كما وصف الصالحين بأنهم أبناء الله بمعنى اصفياؤه ( كتاب حوار بين مسيحي و مسلم). و يزيد الاب عبد الأحد داود الآشوري العراقي هذا الأمر وضوحا إذ كان على دراية باللغات السامية كالعبرية و الآرامية فيقرر أن صلاة اليهود الواردة في أسفار داود و هي "السماء"وقد وصفت الثوراة الله بلفظ "آب" بمد الهمزة و هو اسم الله باللغة السريانية أو الكلدانية وتعني موجود كافة الموجودات و مكون كل الكائنات فهو خالقها و فاطرها فهي لا تعني ان لله ابنا وحيدا كما تزعم الكنيسة, وهي بخلاف كلمة "أب" بهمزة مفتوحة و التي تعني والد.
وقد جاء في معرض جدال المسيح لليهود الذين آمنوا بعضهم وكفر بعضهم كما جاء في القرآن الكريم"فآمنت طائفة وكفرت طائفة", أن المسيح قال لهم:"لو كنتم أبناء ابراهيم لعملتم أعمال ابراهيم و لكنكم تسعون إلى قتلي و أنا إنسان كلمتكم بالحق الذي سمعته من الله و هذا لم يفعله ابراهيم, أنتم تفعلون أعمال أبيكم!" بمعنى ابيهم إبليس, وهذا يدل أن إطلاق لفظ الابن في لغتهم تُطلق على بنوة النسب و بنوة الطاعة, فشائع في لغتهم أن يُطلق على المطيع لأمر الله"ابن الله" والمطيع للشيطان"ابن الشيطان" . ولا شك أن المسيح يعلم يقينا أن اليهود هم من نسل ابراهيم فهُم أولاد إسحاق و إسحاق هو ابن إبراهيم عليهما السلام. ونفيه هنا أن يكونوا ابناء ابراهيم ليس نفي بنوة النسب و إنما نفي بنوة الطاعة وهدا السائد في لغتهم. وجاء في يوحنا(10/23): " كان يسوع يتمشى في الهيكل في قاعة سليمان, فتجمع حوله اليهود و قالوا له: حتى متى تُبقينا حائرين بشأنك؟إن كنت أنت المسيح حقا, فقل لنا صراحة,فأجابهم يسوع:"قلت لكم, ولكنكم لا تُصدقون و الأعمال التي أعملها باسم أبي هي تشهد لي". تأمل قول اليهود للمسيح:"إن كنت المسيح " فإنهم لم يقولوا له إن كنت ابن الله أو إن كنت الله, لأنهم لم يعلموا مِن دعواه ذلك, و لا اختلاف عند اليهود أن الذي انتظروه هو إنسان نبي مرسل ليس بإنسان إله كما يزعمون. ولقد جاء في انجيل يوحنا (10/31) نصا واضحا يُسقِط تماما إدعاء المسيحيين من أن رب العالمين حلٌ في جسد المسيح وذلك عندما قال المسيح لليهود في الفقرة 30 من الاصحاح العاشر :" أنا و الآب واحد" , حيث كان فهم اليهود لكلامه سقيما لذا أنكروا عليه هذا القول وسارعوا لرجمه بالحجارة, فعَرف المسيح خطأ فهمهم لكلامه وعرٌفهم بأن هذه العبارة لا تقتضي ألوهية المسيح وبيٌن لهم أن استعمال اللفظ على سبيل المجاز وليس على حقيقته وإلا لزِم منهم أن يكونوا كلهم آلهة! تأمل معي أيها القاريء الكريم في نص المحاورة بين المسيح و اليهود بعد أن قال لهم :"أنا و الآب واحد", "فتناول اليهود أيضا حجارة ليرجموه فقال لهم يسوع:أريتكم أعمالا صالحة كثيرة من عند أبي, بسبب أي عمل منها ترجمونني؟ فأجابه اليهود قائلين: ليس من أجل الأعمال الحسنة نرجمك ولكن لأجل التجديف, وإذ أنت إنسان تجعل نفسك إلها, فقال لهم يسوع: أليس مكتوبا في شريعتكم: -أنا قلت إنكم آلهة- ؟ فإذا كانت الشريعة تدعو أولئك الذين نزلت إليهم كلمة الله آلهة و الكتاب لا يمكن أن يُنقَض فهل تقولون لمن قدسه الآب وبعثه إلى العالم:أنت تجدف, لأني قلت انا ابن الله؟ " لاشك عزيزي القاريء أن معنى هذه المُحاورة أن اليهود فهموا خطأ من قول المسيح:"انا و الآب واحد" أنه يدٌعي الألوهية فأرادوا لذلك أن ينتقموا منه و يرجموه. فردٌ عليهم المسيح سوء فهمهم بأن هذه العبارة لا تستدعي الألوهية و استغرب منهم كيف فهموا هذا الفهم و هم يهود يعرفون لغة الكتاب المقدس في التعبير المجازي, فأجابهم: أليس مكوبا في ناموسكم-أنا قلت إنكم آلهة- و مقصده ما جاء في مزامير داود(82/6):" أنا قلت إنكم آلهة, وبنو العلي كلكم" , وقالها قديما" أساف" وأطلق على القضاة أنهم آلهة, ولم يفهم أحد حينها من هذه العبارة أن أساف قصد تأليه القضاة, ولكن المعنى المسوغ لإطلاق لفظ الالهة عليهم أنهم أُعطوا سلطانا أن يأمروا و يتحكموا ويقضوا باسم الله. وبموجب هذا المنطق البسيط الذي ردٌ به المسيح لليهود, ساغ للمسيح أن يعبر عن نفسه بمثل ما عبر أساف عن أولئك القضاة الذين صارت إليهم كلمة الله . وهذا الأسلوب في التعبير عن وحدة الهدف و المشيئة معهود في النصوص خاصة عند يوحنا, فهو يقول على لسان المسيح:" ليكون الجميع واحدا كما انت ايها الآب فيٌ, وانا فيك,ليكونوا-أي التلاميذ- هم أيضا واحدا فينا, ليكونوا واحدا كما أننا نحن واحد, أنا فيهم و أنت فيٌ"(يوحنا17/20) فالحلول في المسيح و التلاميذ حلول معنوي فحسب, وإلا لزِم تأليه التلاميذ, فكما المسيح و الآب واحد, فإن التلاميذ و المسيح و الآب أيضا واحد, أي وحدة الهدف و الطريق لا وحدة الذوات فإن أحدا لا يقول باتحاد التلاميذ بعضهم أو بإتحاد المسيح فيهم. و مثله قوله:" تعلمون أني أنا في أبي وأنتم فيٌ وأنا فيكم" يوحنا(14/20) و مثله أيضا:"إله وآب واحد للكل, الذي على الكل وبالكل و في كلكم"(أفسس4/6). هذا وقد أطلق الكتاب المقدس لفظ الله على كثيرين و لم يقل أحد أن فيهم طبيعة لاهوتية طبقا للآتي: ورد في سفر القضاة(13/23) إطلاق لفظ الله على الملك, يقول النص:"ولم يتجلٌ ملاك الرب ثانية لمنوح وزوجته. عندئذ أدرك منوح أنه ملاك الرب. فقال منوح لإمرأته: نموت موتا لأننا قد رأينا الله" و واضح أن الذي تراءى لمنوح و إمرأته هو الملك. وورد في سفر الخروج(22/8) إطلاق لفظ الله على القاضي, يقول النص:" وإن لم يوجد السارق يقدٌم صاحب البيت إلى الله ليحكم, هل يمد يده إلى ملك صاحبه" فقوله إلى الله تعني إلى القاضي. وجاء في مزمور(82/1):" الله قائم في مجمع الله, في وسط الآلهة يقضي" وهنا أطلقوا لفظ الإله على القاضي. وأيضا أطلق الكتاب المقدس لفظ الآلهة على الأشراف, فقد ورد في مزمور(138/1) قول داود عليه السلام:" أحمدك من كل قلبي, قدام الآلهة أعزف لك" وأطلقه على الأنبياء كموسى في سفر الخروج(7/1) يقول النص:" قال الرب لموسى: أنظر أنا جعلتك إلها لفرعون و هارون أخوك ليكون نبيك". والخلاصة لو كان إطلاق كلمة الله أو إله على المخلوق يقتضي أن اللاهوت حل فيه, لزِم بناءا على النصوص السابقة أن يكون الملك و القاضي و الأشراف آلهة, وهذا لم يقل به أحد, ولكن أطلقوا عليهم لفظ الله مجازا لاتصافهم بالقوة و المجد و المكانة الرفيعة. و بعد كل ما قد ذكرناه فإننا نفهم من قول المسيح:" أنا والآب واحد" أنه يعني قبولكم لأمري هو قبولكم لأمر الله. كما يقول رسول الرجل: أنا و من أرسلني واحد, و يقول الوكيل أنا ومن وكلني واحد, لانه يؤدي عنه ما أرسله به و يتكلم بحجته و يطالب بحقوقه وكذلك قول المسيح:" من رآني فقد رأى الآب" ويريد بهذا أن من رأى هذه الأفعال التي أظهرها فقد رأى أفعال أبي وهذا ما يقتضيه السياق الذي جاءت به هذه الفقرات, لأن أسفار العهد الجديد إتفقت على عدم إمكانية رؤية الله طبقا للآتي: ورد في إنجيل يوحنا(1/18)" الله لم يره احد قط" وفي إنجيل يوحنا(5/37):" والآب نفسه الذي أرسلني يشهد لي, لم تسمعوا صوته قط و لا أبصرتم هيئته" فلابد إذن إلى مجاز منطقي يقبله العقل و تساعد عليه النصوص الإنجيلية المماثلة, وبمراجعة بسيطة للأناجيل نجد أن تعبيرا مثل هذا التعبير جاء مرات عديدة دون أن يُقصد به أي تطابق, مثلا في إنجيل لوقا(10/16) يقول المسيح لتلاميذه السبعين الذين أرسلهم اثنين اثنين إلى البلاد للتبشير:" الذي يسمع منكم يسمعني والذي يرذلكم يرذلني والذي يرذلني يرذل الذي أرسلني" ولا يوجد أحدا يستدل بقوله:"من يسمعكم يسمعني" على أن المسيح حلٌ بالتلاميذ أو أنهم المسيح ذاته! وكذلك جاء في إنجيل متى(10/40)أن المسيح قال لتلاميذه:"من يقبلكم يقبلني ومن يقبلني يقبل الذي أرسلني" ومثله جاء في لإنجيل لوقا(9/48) من قول المسيح في حق الولد الصغير:"من قبِل هذا الولد الصغير باسمي يقبلني ومن يقبلني يقبل الذي أرسلني" و وجه هذا المجاز واضح و هو أن شخا ما إذا أرسل رسولا أو مبعوثا أو ممثلا عنه, فكل ما يُعامل به هذا الرسول يُعتبر في الحقيقة معاملة للشخص المرسِل أيضا. فهو يقصد أن اتباع شرعه هو الموصل لرضوان الله وهذا ما يجب فهمه من العبارة فاتباع النبي ومنهجه هو طريق إلى الله. وجاء هذا المجاز أيضا في القرآن الكريم:" من يطع الرسول فقد أطاع الله"(النساء 80), " إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله, يد الله فوق أيديهم"(الفتح10).


11)
المسيح علم إبليس أنه لا سجود إلا لله, وأن الله هو الرب وحده ولنقرأ هذا في إنجيل متى الفقرة4:"ثم صعد الروح بيسوع إلى البرية ليُجرب من قبل إبليس, وبعدما صام أربعين نهارا و أربعين ليلة جاع أخيرا, فتقدم إليه المجرب وقال له:"إن كنت ابن الله فقل لهذه الحجارة أن تتحول إلى خبز! فأجابه قائلا: قد كُتب ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان, بل بكل كلمة تخرج من فم الله! ثم أخده إبليس إلى المدينة المقدسة وأوقفه على حافة سطح الهيكل وقال له:إن كنت ابن الله فاطرح نفسك إلى أسفل, لأنه قد كُتب يُوصي ملائكته بك فيحملونك على أيديهم لكي لا تصطدم قدمك بحجر! فقال له يسوع: وقد كُتب أيضا لا تجرب الرب إلهك. ثم أخده إبليس أيضا إلى قمة جبل عال جدا, و أراه جميع ممالك العالم وعظمتها وقال له: أعطيك هذه كلها إن جثوت و سجدت لي! فقال له يسوع:إذهب يا شيطان! فقد كُتب للرب إلهك تسجد وإياه وحده تعبد! فتركه إبليس وإذا بعض الملائكة جاءوا وأخذوا يخدموه" و في هذا النص من الأدلة على عبودية المسيح لله كما يلي: إن روح القدس وهو ملاك الرب الذي ينزل بالوحي من الله للأنبياء, أصعد عيسى إلى البرية ليمرنه ويجربه على عصيان إبليس ويعرفه بأساليبه ليَحذَرها, ويستحيل لو كان عيسى هو الله أو ابن الله أن يأخده الملاك ليعلمه!! وكيف يتقي شر الشيطان, فهل يحتاج خالق السموات والأرض إلى تعليم؟ هذا دليل أن عيسى عليه السلام كان رسول الله, وقد تقدم إليه الشيطان ليجربه بقوله إن كنت ابن الله حقا اقلب هذه الأحجار إلى خبز أي لتأكل منها بعدما جُعت, وردٌ عليه عيسى بأنه ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان أي أن الحياة الحقيقة ليست بما يُحي الجسد فقط وإنما بما يُحي الروح فمن آمن بالله وعمل بكلماته فهو الحي الحقيقي. كما قال له إبليس أن يطرح نفسه من أعلى لأنه قد كُتب أن الله تعالى أوصى به ملائكته ليحفظوه, فكيف يكون المسيح هو الله ثم يقول له الشيطان هذا القول؟؟ وهل يحتاج الرب أن يُوصى عليه و أن يكون الملائكة حفظ له؟ وهل يكون من يحتاج لحماية الملائكة من السقوط إلا عبدا محتاجا ذليلا؟!! وقد دعا إبليس المسيح أن يسجد له بعدما أراه جميع ممالك العالم وعظمتها وقال له أعطيك هذه كلها إذا جثوت وسجدت لي, فهل كان إبليس يَعد الله بالدنيا و هو مالكها؟؟ و لما لم يقل له المسيح أنا مالكها و أنا خالقها؟ بل رد على عرض إبليس هذا لا قد نزل في كتب الأنبياء السابقين للرب إلهك تسجد و إياه وحده تعبد.

12)
قال المسيح فيما يتعلق بقوانين وأنبياء العهد القديم:" لم آتِ لألغيها وإنما لأُنفذها" متى (5/17) وهو نفس ما ورد في القرآن الكريم في قوله تعالى على لسان المسيح:" ومُصدٌِقا لِما بين يديٌ من الثوراة.."( آل عمران 50) , وعندما سأل رجل المسيح عن كيفية تحقيق الخلود أمره باتباع أوامر العهد القديم( مرقص 10/17) ولكن القديس بولس بادر بإلغاء تلك القوانين فور تمكنه من تثبيث أقدامه بين الحواريين بقوله :" لأن كل من يعملون بمُقتضى القوانين ملعونون" الجلاثيون(3/10), وقوله:" وأنتم يا من تتبعون القوانين, قد حُرمتم من الرحمة الإلهية" الجلاثيون(5/4), رغم أنه عندما رغِب في إسكات النساء احتمى بالقانون قائلا" أسكتوا نساءكم في الكنائس لأنه لا يحق لهم الكلام, ولكن عليهم الطاعة كما يقول القانون" الكورنثيون(14/34), فالمسيح عليه السلام أرسى مباديء المسيحية و نظرتها الروحية و كل ما يتعلق بالسلوك الانساني للفوز بالحياة الأبدية وهذه هي المسيحية الفعلية, وهو بريء من مسألة الفداء و الصلب و مسألة اللاهوت التي أَلصقها به بولس, ويقول هارت:" المسيح لم يُبشر بشيء من هذا الذي قاله بولس الذي يعتبر المسؤول الأول عن تأليه المسيح". ولقد هدم بولس تعاليم المسيح, حيث ان المسيح كان متمسكا بالناموس(شريعة موسى) " لا تظنوا أني جئتُ لأنقُض الناموس أوالأنبياء, ما جئتُ لأنقض بل لأكمل" ولم يبدل دين المسيح ويأمر بترك التمسك بشريعة موسى والعمل بها إلا بولس الذي قال:" إذ نعلم أن الإنسان لا يتبرر بأعمال الناموس بل بإيمان يسوع المسيح, آمنا نحن أيضا بيسوع المسيح لنتبرر بإيمان يسوع لا بأعمال الناموس لأنه بأعمال الناموس لا يتبرر جسد ما" غلاطية(2/16). وهنا بولس يعارض ما كان يقول المسيح الذي كانت دعوته أنه جاء ليكمل الشريعة و الناموس!! و إن بولس لم يلق المسيح مطلقا ومع ذلك فهو يعتبر نفسه في مرتبة التلاميذ, لا بل يفوقهم" لم أستشِر لحما و لا دما ولا صعدتُ إلى أورشليم إلى الرسل الذين قبلي, بل انطلقتُ إلى العربية-شمال جزيرة العرب- ثم بعد ثلات سنين صعدت إلى أورشليم لأتعرٌف ببطرس" غلاطية(11/18), وقد أكد بولس بأن ما يحمله في تبشيره لم يتلقاه عن تلاميذ المسيح بل هو من الله مباشرة, ويتساءل المحققون لماذا لم يذهب بولس بعد تنصٌره مباشرة إلى التلاميذ ليتلقى عنهم دين المسيح؟ بل ذهب إلى العربية ومكث بعيدا عن التلاميذ ثلات سنين؟ وهنا يحكي بولس قصته المزعومة حيث أنه كان متجها إلى دمشق لقي المسيح وتحدث معه بعد مدة من رفعه, وإن التحقيق في قصة رؤيا بولس للمسيح يبين أنها إحدى كذبات بولس وأوهامه. ودليل هذ

ودليل هذا يتضح بالمقارنة بين روايات القصة في العهد الجديد, حيث وردت ثلاث مرات: أولها في أعمال الرسل(9/3) من رواية لوقا, والثانية من كلام بولس في خطبته أمام الشعب( أعمال الرسل 22/6) والثالثة من كلام بولس أيضا أمام الملك أغريباس( أعمال الرسل 26/12), حيث جاء في الرواية الأولى أن لوقا لوقا يروي قصة تحول بولس قائلا:" أما شاؤؤل فكان يزل ينفث تهددا وقتلا على تلاميذ الرب فتقدم إلى رئيس الكهنة وطلب منه رسائل إلى دمشق إلى الجماعات حتى إذا وجد أناسا من الطريق رجالا ونساءا يسوقهم موثقين إلى أورشليم, وفي ذهابه حدث أنه اقترب إلى دمشق وبغتة أبرق حوله نور من السماء, فسقط على الأرض, وسمع صوتا قائلا له:شاؤؤل شاؤؤل لماذا تضطهدني؟ فقال: من أنت يا سيد؟ فقال الرب: أنا يسوع الذي تضطهده, صعب عليك أن ترفس مناخس. فقال وهو مرتعد ومتحير: يا رب ماذا تريد أن أفعل؟ فقال الرب: قم وادخل المدينة فيقال لك ماذا ينبغي أن تفعل. وأما الرجال المسافرون معه فوقفوا صامتين يسمعون الصوت ولا ينظرون أحدا". وإن هذه القصة لا دليل عليها ولا شاهد إلا دعواه, ولأن الكذب لا ينتظم عقده نجد هذه القصة ترد في سفر أعمال الرسل على لسانه شخصيا فيقول:" حدث لي و أنا ذاهب إلى دمشق حولي من السماء نور عظيم, فسقطتُ على الأرض و سمعت صوتا قائلا لي: شاؤؤل شاؤؤل لماذا تضطهدني؟ فأجبت: من أنت يا سيدي؟ فقال: أنا يسوع الناصري الذي انت تضطهده, والذين كانوا معي نظروا النور و ارتعبوا ولكنهم لم يسمعوا الصوت الذي كلمني" و هنا تناقض بين الروايتين فهل سمع المسافرون ذلك الصوت أم لم يسمعوه؟ وكذلك جاء في الرواية الأولى والثانية أن المسيح طلب من بولس أن يذهب إلى دمشق حيث سيُخبَر بالتعليمات هناك"قال له الرب:قم وادخل المدينة فيُقال لك ماذا ينبغي أن تَفعل" أعمال(9/6). "قلتُ ماذا أفعل يا رب؟ فقال لي الرب قم و اذهب إلى دمشق و هناك يُقال لك عن جميع ما ترتب لك أن تفعل" أعمال(22/10), بينما يذكر بولس بنفسه في الرواية الثالثة (أعمال 26/16) أن المسيح قام بإخباره بتعليماته فقد قال له: قم و قف على رجليك, لأني لهذا ظهرت لك, لأنتخبك خادما و شاهدا بما رأيتَ وبما سأظهر لك به, منقذا اياك من الشعب و من الامم الذين الآن أرسلك إليهم..". وقد جاء في الرواية الاولى و الثانية ان بولس"وحده سقط على الارض" أعمال(9/4), و في الرواية الثالثة "سقطنا جميعنا على الارض" أعمال(26/14), فحدث بهذه الاهمية في تاريخ بولس لا يجوز ان تقع فيه مثل هذه الاختلافات, يقول العلامة احمد عبد الوهاب: "إن تقديم شهادة مثل هذه أمام محكمة ابتدائية في أي قضية لكفيل برفضهما معا, فما بالنا إذا كانت القضية تتعلق بعقيدة يتوقف عليها المصير الابدي للبشر". إذ بعد هذه الحادثة أصبح شاؤؤل أو بولس مؤسس المسيحية الحقيقي, ولم يقبِل الموحدون تعاليمه باعتراف بولس نفسه, فقد صرح في رسالته الثانية إلى تيموتاوس"أن جميع الذين في آسيا ارتدوا عني" وهذا هو المتوقع من الذين عرفوا المسيح و سمعوا منه, و لكن بولس استطاع ان ينشر دعوته بين الوثنيين بعد أن استمد صلاحيته من الله أي المسيح و كان هذا ادٌعاءا بارعا, حيث نصب نفسه فوق أي سلطة زمنية دون أن يتيح لأحد محاسبته, فهو الناطق الوحيد بلسان المسيح و ليس محتاجا لسلطة الحواريين لأن سلطته تأتي من السماء مباشرة. ولذلك صال و جَالَ في التبديل و التغيير كيف شاء و بدأ دعوته كما يريد. و بولس لم يتلق بالمسيح ولم يسمع منه أو يشاهده, و لكنه بعد هروبه من دمشق إلى أورشليم(القدس), قابل برنابا أحد تلاميذه والمخلصين للمسيح فروى له روايته وأنه صار مؤمنا بالمسيح فأخذه برنابا و قدمه إلى باقي التلاميذ, ولكن بولس اختلف مع برنابا و بقية التلاميذ بسبب ما كان يقوله بولس من أن المسيح ابن الله و قد جاء فداءا للبشرية عن خطيئة آدم و أنه قدم نفسه طواعية كي يصلبوه. [/size]فهل تعلم أيها المسيحي أنٌ يعقوب رئيس التلاميذ قد أدانه و أَمره بالتطهر و الاستغفار؟؟ بل وأرسَلَ التلاميذ أُناسا من أتباع المسيح المهتدين لإصلاح هرطقة بولس!! "فلما سمعوا كانوا يمجدون الرب. وقالوا له:أنت ترى أيها الاخ كم يوجد من ربوة من اليهود الذين آمنوا وهم جميعا غيورون للناموس.21 وقد أُخبِروا عنك أنك تُعلٌِم جميع اليهود الذين بين الأمم الارتداد عن موسى قائلا أن لا يختِنوا أولادهم ولا يسلكوا حسب العوائد.22فإذًا ماذا يكون؟ لابد على كل حال أن يجتمع الجمهور لأنهم سيسمعون أنك جئت.23 فافعل هذا الذي نقول لك:عندنا أربعة رجال عليهم نَذر.24 خُذ هؤلاء وتطهٌرمعهم وأنفِق عليهم ليحلقوا رؤؤسهم فيعلم الجميع أن ليس شيء مما أُخبِروا عنك بل تسلُك أنت أيضا حافظا للناموس.25 وأما من جهة الذين آمنوا من الامم فأرسلنا نحن إليهم وحَكَمنا أن لا يحفظوا شيئا مثل ذلك سِوى أن يحافظوا على أنفسهم مما ذُبِح للأصنام ومن الدم والمخنوق والزنا.26 حينئذ أخذ بولس الرجال في الغد و تطهٌرَ معهم ودخل الهيكل مخبِرا بكمال أيام التطهيرإلى أن يُقَرٌَبَ عن كلٌ واحد منهم قربان.27 و لما قاربت الايام السبعة أن تتم, رآه اليهود الذين من آسيا في الهيكل فأهاجوا كل الجمع و ألقوا عليه الأيادي28 صارخين:"يا أيها الرجال الاسرائيليون أعينوا! هذا هو الرجل الذي يعلم الجميع في كل مكان ضدًا للشٌعب و النٌاموس و هدا الموضع حتى أدخل يونانيين أيضا إلى الهيكل و دنٌسَ هذا الموضع المقدس".29 لأنهم كانوا قد رأوا معه في المدينة تروفيمس الأفسُسيِ فكانوا يظنون أن بولس أدخله الهيكل.30 فهاجت المدينة كلها وتراكض الشٌعب وأمسكوا بولس وجرٌوه خارج الهيكل. وللوقت أُغلِقت الأبواب.31 وبينما هم يطلبون أن يقتلوه نما خبر إلى أمير الكتيبة أن أورشليم كلها قد اضطربت32 فللوقت أخذ عسكرا وقواد مئات وركض إليهم. فلما رأو الأمير و العسكر كفوا عن ضرب بولس" أعمال الرسل(21/20). [size=10]وهل تعلم أنهم لم يتركوه يدخل بين الشعب حتى لا يفسد عقيدتهم؟ وهذا جاء في أعمال الرسل(19/30)"ولمٌا كان بولس يريد أن يدخُل بين الشٌعب لم يدعهُ التلاميذ". تُرى من أهم عندك و من أكثَرَ معرفةً بدين عيسى عليه السلام؟ هل الحواريين أم بولس الذي لم يراه؟ إن التعاليم التي دعا إليها بولس من أن المسيح هو ابن الله الذي جاء ليصلب و يفدي العالم كانت منتشرة لدى معاصريه فلم يكن هناك أي صعوبة في قبول و تصديق الاساطير مما سهٌل مهمة بولس, لأن فكرة "المُنقِذ" والآلهة المتجسدة كانت منتشرة لدى الرومان و اليونان و المصريين, فنتج عن ذلك أن إتبع بولس أُناس كثيرون بسبب دعوته المشابهة لعقائدهم, فترتب عن ذلك أنهم دخلوا الديانة الجديدة المسماة المسيحية بعقائدهم و أفكارهم القديمة, وهكذا دخلت الوثنية إلى المسيحية و تمٌ القبول بالمسيح تدريجيا ضمن إطارالآلهة حتى كان عام325 عندما عقد الامبراطور قسطنطين مؤتمر نيقية وصدر القرار الامبراطوري باعتماد ألوهية المسيح رسميا وهكذا اكتسبت مسيحية بولس شكلها القانوني المعتمد من خلال قرارات مؤتمر نيقية و مجمعات عقدوها اخرى جمعت رجال الدين وهكذا تحولت تعاليم المسيح عليه السلام إلى مسيحية بولس الذي قال:" لذا نحن- أي بولس- نقرر تبرير أعمال الانسان من خلال إيمانه بدون إلتزامه بالشريعة"(رومية3/28) وقال أيضا :"أن جميع أحكام الثوراة باتت منسوخة لأنها لعنة خلصنا منها" بينما المسيح كان يقول:"لا تظنوا أني جئتُ لأُبطِل الشريعة أو الأنبياء, ما جئتُ لأُبطل بل لأكمل".

13)
إن البيئة التي بشٌر بها بولس كانت بيئة مليئة بالخرافات التي تنتشر بين البسطاء والسذج الذين هم غالب أفراد ذلك الزمان, يُضاف إليه أن تلك المجتمعات وثنية تؤمن بتعدد الآلهة وتجسٌدها و موتها, ففي رحلة بولس وبرنابا إلى لستر, صنعا بعض الاعاجيب" فالجموع لما رأوا ما فعل بولس وبرنابا, رفعوا أصواتهم بلغة ليكاونية قائلين: إن الآلهة تشبهوا بالناس ونزلوا إلينا, فكانوا يدعون برنابا زفس و بولس هرمس" أنظر أعمال(14/11), و زفس و هرمس كما أوضح محرروا قاموس الكتاب المقدس هما إسمان لآلهة من آلهة الرومان. فتجسُد الآلهة إذن شائع في الديانات من قبل مثل ديانة" مثرا" الفارسية التي ازدهرت في القرن 6 قبل الميلاد وفيها من التشابه بين"مثرا" و"يسوع" حيث كل منهما كان وسيطا بين الله والبشر وكل منهما مات ليُخلٌِص البشر من خطاياهم وكل منهما دُفِن و عاد للحياة بعد دفنه, وكذلك ديانة "بعل" وقد انتقلت مع موجة الفتوحات البابلية إلى شمال الهلال الخصيب, وظل الكنعانيون يُدينون بها وفي كثير من الأحيان كان اليهود يتركون ديانتهم و يعبدون"بعل" ونهاية هذا الإله تكاد تكون هي الصورة التي صُوٌِرت بها نهاية المسيح,حيث أنه حوكِم علنا و نُفٌِد عليه الحكم و قام من القبر و صعد إلى السماء. و يجب أن نذكر أن عقيدة التثليث لا علاقة لها ببولس الذي دعا فقط إلى أن المسيح إله و قام من الموت و صعد إلى السماء و أما عقيدة التثليث فقد كانت إستنتاجا من طرف رجال الدين و ظهرت متأخرة جدا في عام 381 ميلادي, بعد أن اعتنق قسطنطين امبراطور القسطنطينية المسيحية وأصبحت عقيدة رسمية بمؤتمر نيقية 325 ميلادي وأقر الامبراطور القانون الأول من الإيمان لإقرار ألوهية المسيح وهو" نؤمن بإله واحد الله الآب ضابط الكل خالق السموات والأرض ما يرى وما لا يرى نؤمن برب واحد يسوع المسيح ابن الله الوحيد المولود من الآب قبل كل الدهور إله حق من إله مساو للآب في الجوهر" , ثم ظهرت عقيدة التثليث بعدها بمؤتمر القسطنطينة 381 ,حيث أكملوا قانون الإيمان كما يلي" نؤمن بالروح القدس الحق المنبثق من الآب المسجود له والمجد مع الآب والإبن". وهكذا نجد أن المعتقدات المسيحية أصبحت قانونا وضعيا مأخوذا به وملزما لكل من اعتنق هذا الدين وليست هذه المعتقدات واردة عن كتب سماوية أو مأخوذة عما وجد في الأناجيل من دعوة إلى التوحيد.

14)
إن تحريف الكتاب المقدس أمر وارد ومؤكد وإن الاختلافات الموجودة بين نسخ الكتاب المقدس المتمثلة بالزيادة و النقصان تشهد على ذلك, وقد اعترف القساوسة النصارى بحدوث التحريف في سبعة أو ثمانية مواضع كالقس فلندر وهم يحاولون أن يتحججون بأنها سهو من الكاتب لكننا نقول إضافة جمل وحذف بعض الكلمات ليست بسهو! وسنعرض عليك أيها القاريء الكريم شهادة التحريف, فقد جاء في مزمور(56/4) ما يُنسَب لداود عليه السلام بأن أعدائه طوال اليوم يحرفون كلامه:" ماذا يصنعه بي البشر. اليوم كلٌه يحرٌفون كلامي. عليٌ كل أفكارهم بالشر" ولقد اعترف كاتب سفر أرميا(23/13) بأن أنبياء أورشليم و أنبياء السامرة الكذبة حرفوا كلام الله عمدا:" وقد رايت في أنبياء السامرة حماقة. تنبأوا بالبعل وأضلوا شعبي اسرائيل. وفي أنبياء اورشليم رايت ما يقشعر منه. يفسقون و يسلمون بالكذب و يشددون ايادي فاعلي الشر حتى لا يرجعوا الواحد عن شره. صاروا كلهم كسدوم و سكانها كعمورة. لذلك هكذا قال رب الجنود عن الانبياء. هانذا اطعمهم فسنتينا و اسقيهم ماء العلقم لانه من عند انبياء اورشليم خرج نفاق كل الارض" ولقد اعترف كاتب سفر أرميا بأن اليهود حرٌفوا كلمة الله لذلك فهو ينسب لأرميا في (23/36) توبيخ النبي إرميا لليهود" أما وحي الرب فلا تذكروه بعد لأن كلمة كل إنسان تكون وحيه إذ حرفتم كلام الإله الحي الرب القدير" و كذلك نجد أيضا في إرميا(8/8):" كيف تدٌعون أنكم حكماء ولديكم شريعة الرب بينما حوٌلها قلم الكتبة المخادع إلى أكذوبة؟". أُنظر إلى اعتراف الكتاب المقدس بالتحريف, ثم ينسبونه لله والله يتبرأ منه! " يا مُراؤُون! حسنا تنبأعنكم إشعيا قائلا: يقترب إليا هذا الشعب بفمه ويكرمني بشفتيه وأما قلبه فمبتعد عني بعيدا. وباطلا يعبدونني وهم يعلٌمون تعاليم هي وصايا الناس" متى (15/7). فإذا جاء مسيحي وزعم بأن تحريف اليهود لكلمة الرب هو قول غير مقبول, نقول له إقرأ شهادة التحريف من كتابك. والثوراة تعرض نوعين من التحريف: تحريف الكتبة الذين يدٌعون الوحي وتحريف بني اسرائيل وهم يحرٌفون كلام الله الذي جاء على لسان أنبياؤه. و يعترف كبار المراجع النصرانية اليوم بوقوع التحريف والزيادة في الكتاب المقدس, ويقول كيرت بهذا الصدد:" الكتاب المقدس المتناول حاليا لا يحتوي على الثوراة و الانجيل المنزلين من الله, ولقد اعترف علماء باحثون باللمسات البشرية في إعداد هذا الكتاب المقدس" ويقول جيمس جيستنج:" ومع هذا فإننا نتوقع أن نجد خلال صفحات الكتاب المقدس بعض الجزاء من الثوراة والانجيل الأصليين, مما يتحتم معه دراسة جادة لكي تجعل مضمون الكتاب المقدس مفهوما." ويحِق لنا أن نسأل المسيحيين إن مازالوا مصرين على أن كتبهم لم تحرف؟؟ وهنا نورد مغالطة يرددها المسيحيون, وهي أن الكتاب المقدس كان قد انتشر بملايين النسخ وبلغات العالم المعروف آنذاك, فكيف سيتم التحريف لكتاب منتشر بين الشعوب و بلغاتها المختلفة وهي متفقة ومتشابهة على الرغم من كثرتها فلو حرفت ألفاظ النسخ لظهر ذلك في بعض النسخ؟ ونقول أن تشابه النسخ وتطابقها على الرغم من كثرتها هو أمر غير مسلم به لوجود الاختلاف في تلك النسخ من ناحية واختلافها في عدد الاسفار من ناحية اخرى. و ان نسخة الكاتوليك تختلف عن نسخة البروتستانت في عدد الاسفار حيث تزيدها بسبع اسفار وأكثر مع العلم بأن هذه الاسفار السبعة هي ضمن الترجمة السبعينية اللاتينية وقد اكتسبت قانونيتها وصارت مُسَلٌَمة بين جمهور المسيحيين بعد انعقاد مجمع قرطاج عام 397 ميلادي. ولا ننسى أن مجمع ترنت في القرن 15 قد صادق عليها إلى أن ظهرت فرقة البروتستانت في أوائل القرن 16 وأنكرت قانونية هاته الاسفار وحذفتها من الكتاب المقدس. وهنا نقطة هامة أيها القاريء الكريم, [b]لقد تبيٌن أن الفقرة السابعة من الاصحاح الخامس من رسالة يوحنا الأولى والتي جاء فيها:" فإن الذين يشهدون في السماء هم ثلاتة, الاب و الكلمة والروح القدس وهؤلاء التلاتة هم واحد" لقد تبيٌن أنها فقرة مزيفة ليست موجودة في الأصول اليونانية المُعوٌل عليها أي أنها فقرة دخيلة, وبالفعل تمٌ حذف هذه الفقرة المزيفة من الترجمة الرهبانية اليسوعية عام 1986 ومن التراجم الكاتوليكية العربية الحديثة إلا أن البروتستانت مازالوا يطبعونها وكأن لا شيء في الأمر( راجع كتاب الحياة والكتاب المقدس طبعة دار الكتاب المقدس مصر). ولا يستطيع أي مسيحي أن ينكر أن هناك مراجعات للكتاب المقدس ونسخة الملك جيمس من الكتاب المقدس و التي تعد في نظرهم أنقى نسخة وجدوا فيها الكثيرمن الفقرات الزائدة والأخطاء, فإذا كان الكتاب المقدس كُتِبَ عن طريق الوحي كما يزعم النصارى فكيف يفسرون الاختلافات الواقعة فيه و كيف يسمحون لأنفسهم بالحذف منه والإضافة وإعادة النظر فيه! ونلاحظ هذا في إنجيل متى أيضا حيث يقول أنه عند تعميد يسوع إنفتحت السماء وأتت روح الله كحمامة وتكلمت وسمعها الناس ويوحنا المعمدان أيضا:" فلما اعتمد يسوع صعد للوقت من الماء وإذا السموات قد انفتحت له فرأى روح الله نازلا مثل حمامة وأتيا عليه وصوت من السموات قائلا:هذا هو إبني الحبيب الذي به سررت" متى(3/16) ويقول أيضا:" وفيما هو يتكلم إذا حابة نيرة ظللتهم وصوت من السحابة قائلا: هذا هو ابني الحبيب الذي به سررت. له إسمعوا" متى(17/5) وأيضا مرقص(2/7). إلا أن يوحنا ينفي وقوع مثل هذه التمثيليات ويؤكد أنه لم يسمع أحد صوت الله قائلا:" والاب نفسه الذي ارسلني يشهد لي. لم تسمعوا صوته قط و لا أبصرتم هيئته" يوحنا(5/37). فوحي من نصدق إذن!! وأيضا لماذا ذكرت الأناجيل الثلاث الأولى أن سمعان هو الذي حمل الصليب، بينما إنجيل يوحنا كذب وقال أنه المسيح ونفس السؤال عن مريم العذراء التي لم تشهد عملية الصلب في الأناجيل الثلاثة لكن الإنجيل الرابع كذب وقال إنها كانت موجودة!!!. ما الذي جعل يوحنا يكذب في الحالتين!!!؟ لقد أنزل الله على عيسى الإنجيل و تلقاه تلاميذه فكان المصدر واحدا و لابدٌ ان تكون روايته لا تتناقض و تكمل بعضها البعض و إن أي تناقض يتبث التحريف, فلماذا ألغوا هذه الأناجيل المئة التي كانت موجودة و جميعها واحدة؟ فإلغاؤها يدل على مخالفتها للأناجيل الأربعة(متى. يوحنا.مرقص.لوقا) التي حرفها بولس لكي يؤمن الناس بقانونه في الايمان. و إن هذه الأناجيل الاربعة تعتمد على الأصل الواحد فلابد أن ياتي بها ما ينقض كلام بولس و هذا ما نراه مثل قول: الله أعظم من المسيح و أن الله لديه كل السلطة و يعلم وحده الساعة و هو الذي أرسل المسيح و أيضا أنه كان يتوجع قائلاً: للطيور أوكار، وللثعالب أوكار، وليس لابن الإنسان مكان يضع فيه رأسه. هل يتحسر خالق السماوات والأرض وملك العالم والكون أنه لا يملك ما يملكه ثعلب أو غراب؟! والعديد من الدلائل الاخرى.غيرها, فقد كان إذن أنجيل أصلي واحد, الذي قال تعالى عنه:" ثم قفينا على آثارهم برسلنا وقفينا بعيسى ابن مريم وآتيناه الانجيل و جعلنا في قلوب الذين اتبعوه رأفة و رحمة و رهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم إلا ابتغاء رضوان الله فما رعوها حق رعايتها فآتينا الذين آمنوا منهم أجرهم وكثير منهم فاسقون" الحديد 27. وقال أيضا:" إذ قالت الملائكة يا مريم إن الله يبشرك بكلمة منه اسمه المسيح عيسى ابن مريم وجيها في الدنيا و الآخرة و من المقربين. و يكلم الناس في المهد و كهلا ومن الصالحين. قالت ربٌ أنى يكون لي ولد ولم يمسسني بشر قال كذلك الله يخلق ما يشاء إذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون. و يعلمه الكتاب و الحكمة و التوراة والإنجيل" آل عمران. و قال أيضا:" وقفينا على آثارهم بعيسى ابن مريم مصدٌقا لما بين يديه من التوراة وآتيناه الإنجيل فيه هدى ونور و مصدقا لما بين يديه من التوراة وهدى و موعظة للمتقين" المائدة46. إذن فالإنجيل الحق كان معاصرا لعيسى ابن مريم, وكما قال الله" وآتيناه الانجيل" أي أنه أنزله على عيسى ولم ينزل على الحواريين. فنحن نؤمن بإنجيل المسيح ولا بإنجيل متى و لوقا و لا حتى برنابا. ويجب ملاحظة أن إنجيل يوحنا لم يكتب إلا بعد حوالي ستين عاما من رفع المسيح فمثل هذا كيف يحفظ ما قاله المسيح مع العلم بأنهم قد أخذوا أغلب ما في إنجيل يوحنا من رسائل بولس اليهودي فكيف تقبل رسائل مثل هذا الرجل الذي كفره البابا (إنجيل برنابا أصدر البابا أمرا بعدم تداوله (قبل ظهور الإسلام) بين النصارى لاحتوائه على التوحيد والكثير من الأشياء التي تتفق مع الإسلام والبشارة الحقيقة بمحمد عليه السلام وقد اكتشف هذا الإنجيل وطبع وهو أقرب الأناجيل للحقيقة) في مقدمة إنجيله ولقد جاء في دائرة المعارف الفرنسية التي كتبها غير مسلمين أن إنجيل يوحنا ومرقص من وضع بولس اليهودي وجاء في دائرة المعارف الكبرى التي اشترك في تأليفها أكثر من 500 باحث من غير المسلمين أنهم أكدوا وقوع التحريف والتزوير في الأناجيل واعتبروا قصة الصلب و ما فيها من تعارض وتناقض أكبر دليل على ذلك كما أكدوا أن كاتبي هذه الأناجيل قد تأثروا بعقائد البوذية والوثنية القديمة. وإن المسيح لم يعاصر أناجيل الحواريين لدلك فإنجيلنا ليس هو الاناجيل المتداولة الآن و الدليل من كتابكم المقدس في متى الإصحاح 26:" الحق أقول لكم: حيثما يكرز بهذا الانجيل في كل العالم يخبر أيضا بما فعلته هذه تذكارا لها" فإن يسوع نفسه كان يشير إلى كتاب معاصريه و سماه الانجيل. ويقول النصارى ان اصل الاناجيل مكتوب باللغة اللاتينية وقد كان لسان المسيح و شعبه و تلاميذه أرامي فلغتهم الأرامية فكيف نقبل هدا الاصل اللاتيني؟ وإن الأناجيل المتداولة الآن يشاع انها كُتِبت من طرف متى و لوقا ويوحنا و مرقص,وهؤلاء الكتبة بعضهم تتلمذ على يد المسيح (متى، يوحنا، بطرس، يعقوب، يهوذا) وبعضهم تنصر بعد المسيح ولم يلقه (بولس ومرقس تلميذ بطرس)، وبعضهم تنصر على يد من لم يلق المسيح (لوقا تلميذ بولس) وقد كتبت أصول هذه الأناجيل باللغة اليونانية فيما عدا (متى) الذي كتب بالعبرانية، لكن أياً من اللغتين لم تكن لغة للمسيح، الذي كان يتكلم الارامية كما دلت على ذلك الأناجيل، فمن الذي ترجم هذه الأناجيل؟ وأين النسخ الأصلية؟ فهذه أسئلة لا تجدون لها جوابا وهي تفقد أي ثقة في هذا الأناجيل.


15)
جاء في إنجيل يوحنا الإصحاح 14 : 2 - 3 من أقوال المسيح عليه السلام :" في بيت أبي منازل كثيرة … أنا أمضي لأعد لكم مكاناً….حيث أكون أنا تكونون أنتم أيضاً " .يقول المسيح عليه السلام أن أنه سيعد لأتباعه مكاناً من هذه المنازل فماذا عن بقية المنازل ؟ هل ستبقى غير مسكونة ؟ إن المقصود هو أن المسيح عليه السلام نبي كسائر الأنبياء ويتكلم عن نصيب أتباعه في الجنة أما المنازل الباقية فهي لأتباع أنبياء الله الآخرين. و جاء في إنجيل متى الإصحاح 23 : 35 - 36 أن المسيح عليه السلام قال:" يأتي عليكم كل دم زكي سفك على الأرض من دم هابيل الصديق إلى دم زكريا " إن هذا دليل على أن زكريا عليه السلام هو آخر نبي يُقتل وإلا فلمَ لم يقل إلى دمي؟؟


16)
إن المسيح مُرسَل إلى بني إسرائيل فهل إدا قتلوه يكون فداء! وقد كذب بولس بأن ادٌعى أنه فدى الناس لأنه لم يخلص بني إسرائيل بسبب عدم إيمانهم به.فهل يُعقَل أن المسيح يخلٌص الناس ولا يُخلٌص بني اسرائيل! وكيف إذن قول لوقا بأنه المخلٌص؟ و لماذا لا نرى تصريحاً واحداً في العهد القديم عن الخطيئة أو بنوة الله أو الثالوث ؟ لماذا انتظر الله آلاف السنين ليعلن عن حدوث الخطيئة المزعومة؟و كيف أن الرب الإله لم يرد أن يكشف أنه مثلث الأقانيم إلا بعد آلاف السنين بحساب سفر التكوين من آدم حتى إقرار عقيدة التثليث بعد 3 قرون؟؟

*
يؤيد ما ذهبنا اليه من رأي الدكتور/شارل جينيبير أستاذ و رئيس قسم الأديان بجامعة باريس, الذي يكشف لنا الكثير مما قام به القديس بولس من تحريف, فلقد درس ذلك العلامة اللغة العبرية واللغة اللاتينية والديانة اليهودية, كما درس بعمق الجو الديني العبري, أي المجتمع العبري أو بمعنى اخر المجتمع اليهودي الذي نشأ فيه المسيح عليه السلام وقضى فيه حياته القصيرة وكل ذلك من الوجهة التاريخية, أي بحسب الواقع التاريخي, غير متأثر في ذلك بالجانب العقائدي وانتهى في دراسته إلى الحقائق التالية:
أولا: إن عقيدة النصرانية التي دعا إليها السيد المسيح كانت في غاية البساطة, إذ كان يعلن التوحيد ويؤكد أنه عبد الله ورسوله, وكان كل همه أن يدعو إلى الخلق الكريم, إلى الرحمة و المحبة و التعاطف.
ثانيا: إن المسيح ما بُعث الا لخراف بني إسرائيل الضالة, أي أن رسالته كانت خاصة ببني إسرائيل.
ثالثا: إن المسيح لم يقل عن نفسه انه(ابن الله) فذلك تعبير لم يكن في الواقع ليمثل بالنسبة إلى اليهود سوى خطأ لغوي فاحش, وضرب من ضروب السفه في الدين, كما لا يسمح أي نص من نصوص الأناجيل إطلاق تعبير ابن الله على المسيح, فتلك لغة لم يبدأ في استخدامها سوى النصارى الذين تأثروا بالثقافة اليونانية, وهي اللغة التي استخدمها القديس بولس, كما استخدمها مؤلف الإنجيل الرابع, و هو إنجيل يوحنا.
رابعا: إن القديس بولس هو المسؤول عن إنفصال المسيحية عن دعوة السيد المسيح, إذ تسبٌَبَ بخطئه في ترجمة لفظ عبد في كلمة(عبد الله) التي يقولها المسيح كثيرا عن نفسه إلى كلمة (طفل) بدلا من ترجمتها إلى كلمة(خادم) فصارت (طفل الله), وكان لذلك تغيير هائل بالفكرة الدينية عن صورة الإله في الفلسفة عامة و في عقيدة النصرانية خاصة, و التي غلب على تسميتها بالمسيحية في زماننا المعاصر, بعنى أنه انحرف بعقيدة التوحيد الخالص إلى فكرة بنوة الله أي بنوة المسيح لله.
خامسا: و طبيعي أن الاثني عشر تلميذا الذين آمنوا بالمسيح و تابعوه لم يكن ليوافقوا على نعت المسيح أنه ابن الله بل كان تعبيرهم عنه أنه خادم الله, لأن صورة الألوهية التي تتسم اتساما بالكمال أنه لا يلد كما أنه لا يولد, أي أنه ليس بحاجة- لكماله- إلى ولد, إذ إن إرادة الولد إنما هي نقص في الإله.
...
أما بالنسبة للابن فإنه على أي وضع تصورته, يكون إما مولودا و إما مخلوقا, فهو لا مناص قد سبقه عدم, وأنه وُجِد بعد عدم, إذّا فلا يكون إلها لأنه حادث.
ولذلك فإن المسيحية الحاضرة بكل ما فيها من عقائد و طقوس و شعائر غريبة بعيدة كل البُعد عن رسالة المسيح. (انتهى كلام الدكتور شارل جينيبير).
يرجِع هذا في كتاب المسيحية نشأتها و تطورها تأليف دكتور شارل جينيبير, رئيس قسم تاريخ الأديان بجامعة باريس, و قد تُرجِمت بالعربية من طرف الدكتور/ عبد الحليم محمود, نشر دار المعارف بالقاهرة.

 

أرسل بواسطة : almontaser