إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم

بســــــم الله الرحمــــن الرحيــــــم


رد لشيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله ـ حول إحدى دعاوي النصارى الباطلة في المسيح

من دقائق التفســـيرـ بتصرف يسير

حول قوله تعالى: (( إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم))




الدعوى الباطلة:

قوله تعالى: - (( إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب)) إن قوله: ((مثل عيسى))، إشارة إلى الناسوت المؤخوذ من مريم الطاهرة لأنه لم يذكر هنا اسم المسيح إنما ذكر عيسى فقط .
وكما أن آدم خلق من غير جماع ومباضعة فكذلك جسد المسيح خلق من غير جماع ولا مباضعة ..
وكما أن جسد آدم ذاق الموت فكذلك جسد المسيح ذاق الموت ..
وقد يُبرهن بقوله أيضا إن الله ألقى كلمته إلى مريم وذلك حسب قولنا معشر النصارى إن كلمة الله الخالقة حلت في مريم وتجسدت بإنسان كامل .

وعلى هذا المثال نقول في السيد المسيح طبيعتان:

1-
طبيعة لاهوتية التي هي طبيعة كلمة الله وروحه .
2-
وطبيعة ناسوتية التي اخذت من مريم العذراء واتحدت به .

ولما تقدم به القول من الله تعالى على لسان موسى النبي إذ يقول أليس هذا الأب الذي خلقك وبرأك واقتناك، قيل وعلى لسان داود النبي روحك القدس لا تنزع مني، وأيضا على لسان داود النبي بكلمة الله تشددت السموات وبروح فاه جميع أفواههن، وليس يدل هذا القول على ثلاثة خالقين بل خالق واحد الأب ونطقه أي كلمته وروحه أي حياته .

الرد عليهم

حقيقة القول في عيسى والجواب من وجوه



حدها أن قوله تعالى: ((إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون)) كلام حق فإنه سبحانه خلق هذا النوع البشري على الأقسام الممكنة ليبين عموم قدرته:
-
فخلق آدم من غير ذكر ولا أنثى.
-
وخلق زوجته حواء من ذكر بلا أنثى كما قال: ((وخلق منها زوجها )).
-
وخلق المسيح من أنثى بلا ذكر.
-
وخلق سائر الخلق من ذكر وأنثى.

وكان خلق آدم وحواء أعجب من خلق المسيح فإن حواء خلقت من ضلع آدم وهذا أعجب من خلق المسيح في بطن مريم وخلق آدم أعجب من هذا وهذا وهو أصل خلق حواء؛ فلهذا شبهه الله بخلق آدم الذي هو أعجب من خلق المسيح فإذا كان سبحانه قادرا أن يخلقه من تراب والتراب ليس من جنس بدن الإنسان أفلا يقدر أن يخلقه من امرأة هي من جنس بدن الإنسان، وهو سبحانه خلق آدم من تراب ثم قال له كن فيكون لما نفخ فيه من روحه فكذلك المسيح نفخ فيه من روحه وقال له كن فيكون ولم يكن آدم بما نفخ فيه من روحه لاهوتا وناسوتا بل كله ناسوت، فكذلك المسيح كله ناسوت، والله تبارك وتعالى ذكر هذه الآية في ضمن الآيات التي أنزلها في شأن النصارى لما قدم على النبي صلى الله عليه وسلم نصارى نجران وناظروه في المسيح وأنزل الله فيه ما أنزل فبين قول الحق الذي اختلفت فيه اليهود والنصارى فكذب الله الطائفتين هؤلاء في غلوهم فيه وهؤلاء في ذمهم له، وقال عقب هذه الآية: ((فمن حاجك فيه من بعد ما جاءك من العلم فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم ثم نبتهل فنجعل لعنة الله على الكاذبين إن هذا لهو القصص الحق وما من إله إلا الله وإن الله لهو العزيز الحكيم فإن تولوا فإن الله عليم بالمفسدين* قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون)).

وقد امتثل النبي صلى الله عليه وسلم قول الله فدعاهم إلى المباهلة فعرفوا أنهم إن باهلوه أنزل الله عليهم لعنته فأقروا بالجزية وهم صاغرون ثم كتب النبي صلى الله عليه وسلم الى هرقل ملك الروم بقوله تعالى: ((يا أهل الكتاب تعالوا)) إلى آخرها وكان أحيانا يقرأ بها في الركعة الثانية من ركعتي الفجر ويقرأ في الأولى بقوله: ((قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وما أوتي موسى وعيسى وما أوتي النبيون من ربهم لا نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون)).

وهذا كله يبين أن المسيح عبد ليس بإله وأنه مخلوق كما خلق آدم وقد أمر أن يباهل من قال أنه إله فيدعو كل من المتباهلين أبناءه ونساءه وقريبه المختص به ثم يبتهل هؤلاء وهؤلاء ويدعون الله أن يجعل لعنته على الكاذبين فإن كان النصارى كاذبين في قولهم هو الله حقت اللعنة عليهم وإن كان من قال ليس هو الله بل عبد الله كاذبا حقت اللعنة عليه وهذا إنصاف من صاحب يقين يعلم أنه على الحق، والنصارى لما لم يعلموا أنهم على الحق نكلوا عن المباهلة وقد قال عقب ذلك: ((إن هذا لهو القصص الحق وما من إله إلا الله)) تكذيبا للنصارى الذين يقولون هو إله حق من إله حق فكيف يقال أنه أراد أن المسيح فيه لاهوت وناسوت وأن هذا هو الناسوت فقط دون اللاهوت.

وبهذا ظهر الجواب عن قولهم.

قال في موضع آخر: ((إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم)) فأعنى بقوله ((عيسى)) أشار الى البشرية المأخوذة من مريم الطاهرة لأنه لم يذكر الناسوت ها هنا اسم المسيح إنما ذكر عيسى فقط ..

فإنه يقال عيسى هو المسيح بدليل أنه قال: ((ما المسيح ابن مريم إلا رسول قد خلت من قبله الرسل)) .. فأخبر أنه ليس المسيح إلا رسولا ليس هو بإله، وأنه ابن مريم والذي هو ابن مريم هو الناسوت وقال: ((إنما المسيح عيسى ابن مريم رسول الله وكلمته ألقاها الى مريم وروح منه فآمنوا بالله ورسوله ولا تقولوا ثلاثة انتهوا خيرا لكم إنما الله إله واحد سبحانه أن يكون له ولد له ما في السموات وما في الأرض وكفى بالله وكيلا لن يستنكف المسيح أن يكون عبدا لله ولا الملائكة المقربون ومن يستنكف عن عبادته ويستكبر فسيحشرهم إليه جميعا))، وقال تعالى: ((وقالت النصارى المسيح ابن الله ذلك قولهم بأفواههم يضاهئون قول الذين كفروا من قبل قاتلهم الله انى يؤفكون))، وقال تعالى: ((لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم قل فمن يملك من الله شيئا إن أراد أن يهلك المسيح ابن مريم وأمه ومن في الأرض جميعا))

الوجه الثاني :
أن ما ذكروه من موته قد بينا أن الله لم يذكر ذلك وأن المسيح لم يمت بعد وما ذكروه من أنه صلب ناسوته دون لاهوته باطل من وجهين إن ناسوته لم يصلب وليس فيه لاهوت وهم ذكروا ذلك دعوى مجردة فيكفي في مقابلتها المنع.

الوجه الثالث :
ولكن نقول في الوجه الثالث إنهم في اتحاد اللاهوت بالناسوت يشبهونه تارة باتحاد الماء باللبن وهذا تشبيه اليعقوبية وتارة باتحاد النار بالحديد أو النفس بالجسم وهذا تشبيه الملكانية وغيرهم ..
ومعلوم أنه لا يصل إلى الماء إلا وصل إلى اللبن فإنه لا يتميز أحدهما عن الآخر وكذلك النار التي في الحديد متى طرق الحديد أو بصق عليه لحق ذلك بالنار التي فيه والبدن إذا ضرب وعذب لحق ألم الضرب والعذاب للنفس فكأن حقيقة تمثيلهم يقتضي أن اللاهوت أصابه ما أصاب الناسوت من إهانة اليهود وتعذيبهم وإتلافهم له والصلب الذي ادعوه، وهذا لازم على القول بالاتحاد فإن الاتحاد لو كان ما يصيب أحدهما لا يشركه الآخر فيه لم يكن هنا اتحاد بل تعدد.

الوجه الرابع :
أن هؤلاء الضلال لم يكفهم أن جعلوا إله السموات والأرض متحدا ببشر في جوف امرأة وجعلوه له مسكنا ثم جعلوا أخابث خلق الله أمسكوه وبصقوا في وجهه ووضعوا الشوك على رأسه وصلبوه بين لصين وهو في ذلك يستغيث بالله ويقول إلهي إلهي لم تركتني وهم يقولون الذي كان يسمع الناس كلامه هو اللاهوت كما سمع موسى كلام الله من الشجرة ويقولون هما شخص واحد ويقول بعضهم لهما مشيئة واحدة وطبيعة واحدة، والكلام إنما يكون بمشيئة المتكلم فيلزم أن يكون المتكلم الداعي المستغيث المصلوب هو اللاهوت، هو المستغيث المتضرع وهو المستغاث به، وأيضا فهم يقولون إن اللاهوت والناسوت شخص واحد فمع القول بأنهما شخص واحد إما أن يكون مستغيثا وإما أن يكون مستغاثا به وإما أن يكون داعيا وإما أن يكون مدعوا فإذا قالوا إن الداعي هو غير المدعو لزم أن يكون اثنين لا واحدا، وإذا قالوا هما واحد فالداعي هو المدعو.

الوجه الخامس :
أن يقال لا يخلو الأمر ان يقولوا إن اللاهوت كان قادرا على دفعهم عن ناسوته وإما أن يقولوا لم يكن قادرا فإن قالوا لم يكن قادرا لزم أن يكون أولئك اليهود أقدر من رب العالمين وأن يكون رب العالمين مقهورا مأسورا مع قوم من شرار اليهود وهذا من أعظم الكفر والتنقص برب العالمين وهذا أعظم من قولهم إن لله ولدا وإنه بخيل وإنه فقير ونحو ذلك مما سب به الكفار رب العالمين، وإن قالوا كان قادرا فإن كان ذلك من عدوان الكفار على ناسوته وهو كاره لذلك فسنة الله في مثل ذلك نصر رسله المستغيثين به فكيف لم يغث ناسوته المستصرخ به، هذا بخلاف من قتل من النبيين وهو صابر فإن أولئك صبروا حتى قتلوا شهداء، والناسوت عندهم استغاث وقال إلهي إلهي لماذا تركتني وإن كان هو قد فعل ذلك مكرا كما يزعمون أنه مكر بالشيطان وأخفى نفسه حتى يأخذه بوجه حق فناسوته أعلم بذلك من جميع الخلق فكان الواجب أن لا يجزع ولا يهرب لما في ذلك من الحكمة، وهم يذكرون من جزع الناسوت وهربه ودعائه ما يقتضي أن كل ما جرى عليه كان بغير اختياره، ويقول بعضهم مشيئتهما واحدة فكيف شاء ذلك وهرب مما يكرهه الناسوت بل لو يشاء اللاهوت ما يكرهه كانا متباينين وقد اتفقا على المكر بالعدو لم يجزع الناسوت؛ كما جرى ليوسف مع أخيه لما وافقه على أنه يجعل الصوامع في رحله ويظهر أنه سارق لم يجزع أخوه لما ظهر الصوامع في رحلة كما جزع إخوته حيث لم يعلموا، وكثير من الشطار العيارين يمسكون ويصلبون وهم ثابتون صابرون ! .. فما بال هذا يجزع الجزع العظيم الذي يصفون به المسيح وهو يقتضي غاية النقص العظيم مع دعواهم فيه الإلهية.

الوجه السادس :
قولهم إنه كلمته وروحه تناقض منهم؛ لأن عندهم أقنوم الكلمة فقط لا أقنوم الحياة.

الوجه السابع :
قولهم: (وقد برهن بقوله رأينا أيضا في موضع آخر قائلا إن الله ألقى كلمته إلى مريم وذلك حسب قولنا معشر النصارى إن كلمة الله الخالقة الأزلية حلت في مريم واتحدت بإنسان كامل) .

فيقال لهم أما قول الله في القرآن فهو حق ولكن ضللتم في تأويله كما ضللتم في تأويل غيره من كلام الأنبياء وما بلغوه عن الله وذلك أن الله تعالى قال: ((إذ قالت الملائكة يا مريم إن الله يبشرك بكلمة منه اسمه المسيح عيسى ابن مريم وجيها في الدنيا والآخرة ومن المقربين ويكلم الناس في المهد وكهلا ومن الصالحين قالت رب أنى يكون لي ولد ولم يمسسني بشر قال كذلك الله يخلق ما يشاء إذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون)).
ففي هذا الكلام وجوه تبين أنه مخلوق ليس هو ما يقوله النصارى منها أنه قال بكلمة منه، وقوله ((بكلمة منه)) نكرة في الإثبات يقتضي أنه كلمة من كلمات الله ليس هو كلامه كله كما يقوله النصارى.
ومنها أنه بين مراده بقوله ((بكلمة منه)) وأنه مخلوق حيث قال: ((كذلك الله يخلق ما يشاء إذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون))، كما قال في الآية الأخرى: ((إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون))، وقال تعالى في سورة كهيعص: ((ذلك عيسى ابن مريم قول الحق الذي فيه يمترون ما كان لله أن يتخذ من ولد سبحانه إذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون)) .

فهذه ثلاث آيات في القرآن تبين أنه قال له: ((كن فيكون))، وهذا تفسير كونه كلمة منه وقال اسمه المسيح عيسى بن مريم أخبر أنه ابن مريم وأخبر أنه وجيه في الدنيا والآخرة ومن المقربين وهذه كلها صفة مخلوق، والله تعالى وكلامه الذي هو صفته لا يقال فيه شيء من ذلك، وقالت مريم ((أنى يكون لي ولد)) فبين أن المسيح الذي هو الكلمة هو ولد مريم لا ولد الله سبحانه وتعالى .
وقال في سورة النساء: ((يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم ولا تقولوا على الله إلا الحق إنما المسيح عيسى ابن مريم رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه فآمنوا بالله ورسله ولا تقولوا ثلاثة انتهوا خيرا لكم إنما الله إله واحد سبحانه أن يكون له ولد له ما في السموات وما في الأرض وكفى بالله وكيلا لن يستنكف المسيح أن يكون عبدا لله ولا الملائكة المقربون ومن يستنكف عن عبادته ويستكبر فسيحشرهم إليه جميعا فأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فيوفيهم أجورهم ويزيدهم من فضله وأما الذين استنكفوا واستكبروا فيعذبهم عذابا أليما ولا يجدون لهم من دون الله وليا ولا نصيرا))، فقد نهى النصارى عن الغلو في دينهم وأن يقولوا على الله غير الحق وبين أن المسيح عيسى بن مريم رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، وأمرهم أن يؤمنوا بالله ورسله فبين أنه رسوله ونهاهم أن يقولوا ثلاثة وقال انتهوا خيرا لكم إنما الله إله واحد وهذا تكذيب لقولهم في المسيح أنه إله حق من إله حق من جوهر أبيه، ثم قال: ((سبحانه أن يكون له ولد)) فنزه نفسه وعظمها أن يكون له ولد كما تقول النصارى ثم قال: (( له ما في السموات وما في الأرض)) فأخبر أن ذلك ملك ليس له فيه شيء من ذاته، ثم قال: ((لن يستنكف المسيح أن يكون عبدا الله ولا الملائكة المقربون)) أي لن يستنكفوا أن يكونوا عبيدا لله تبارك وتعالى، فمع ذلك البيان الواضح الجلي هل يظن ظان أن مراده بقوله وكلمته أنه إله خالق أو أنه صفة لله قائمة به وأن قوله: ((وروح منه)) المراد به أنه حياته أو روح منفصلة من ذاته ؟!
ثم نقول أيضا أما قوله وكلمته فقد بين مراده أنه خلقه بـ " كن" وفي لغة العرب التي نزل بها القرآن أن يسمى المفعول باسم المصدر فيسمى المخلوق خلقا لقوله: ((هذا خلق الله))، ويقال درهم ضرب الأمير أي مضروب الأمير؛ ولهذا يسمى المأمور به أمرا، والمقدور قدرة وقدرا، والمعلوم علما، والمرحوم به رحمة، كقوله تعالى: ((وكان أمر الله قدرا مقدورا))، وقوله: ((أتى أمر الله فلا تستعجلوه)) .

وقال النبي صلى الله عليه وسلم: ( يقول الله للجنة أنت رحمتي أرحم بك من أشاء من عبادي ويقول للنار أنت عذابي أعذب بك من أشاء من عبادي)، وقال: ( إن الله خلق الرحمة يوم خلقها مئة رحمة أنزل منها رحمة واحدة فيها تتراحم الخلق ويتعاطفون وأمسك عنده تسعة وتسعين رحمة فإذا كان يوم القيامة جمع هذه الى تلك فرحم بها الخلق).
ويقال للمطر والآيات هذه قدرة عظيمة، ويقال غفر الله لك علمه فيك أي معلومه، فتسمية المخلوق بالكلمة كلمة من هذا الباب .
وقد ذكر الإمام أحمد في كتاب الرد على الجهمية وذكره غيره أن النصارى الحلولية والجهمية المعطلة اعترضوا على أهل السنة فقالت النصارى القرآن كلام الله غير مخلوق والمسيح كلمة الله فهو غير مخلوق وقالت الجهمية المسيح كلمة الله وهو مخلوق والقرآن كلام الله فيكون مخلوقا، وأجاب أحمد وغيره بأن المسيح نفسه ليس هو كلاما؛ فإن المسيح إنسان وبشر مولود من امرأة وكلام الله ليس بإنسان ولا بشر ولا مولود من امرأة، ولكن المسيح خلق بالكلام وأما القرآن فهو نفسه كلام الله فأين هذا من هذا ؟!

وقد قيل أكثر اختلاف العقلاء من جهة اشتراك الأسماء وما من عاقل إذا سمع قوله تعالى في المسيح عليه السلام إنه كلمته ألقاها الى مريم إلا يعلم أن المراد "لا" أن المسيح نفسه كلام الله، ولا أنه صفة لله، ولا خالق.

ثم يقال للنصارى فلو قدر أن المسيح نفس الكلام ليس بخالق، فإن القرآن كلام الله وليس بخالق والتوراة كلام الله وليست بخالقة وكلمات الله كثيرة وليس منها شيء خالق فلو كان المسيح نفس الكلام لم يجز أن يكون خالقا؛ فكيف وليس هو الكلام وإنما خلق بالكلمة وخص باسم الكلمة فإنه لم يخلق على الوجه المعتاد الذي خلق عليه غيره بل خرج عن العادة فخلق بالكلمة من غير السنة المعروفة بالبشر، وقوله: ((بروح منه)) لا يوجب أن يكون منفصلا من ذات الله؛ كقوله تعالى: ((وسخر لكم ما في السموات وما في الأرض جميعا منه)) .

وقوله تعالى: ((وما بكم من نعمة فمن الله))، وقوله تعالى: ((ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك))، وقال تعالى: ((لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين منفكين حتى تأتيهم البينة رسول من الله يتلو صحفا مطهرة فيها كتب قيمة))، فهذه الأشياء كلها من الله وهي مخلوقة وأبلغ من ذلك روح الله التي أرسلها إلى مريم وهي مخلوقة؛ فالمسيح الذي هو روح من تلك الروح أولى أن يكون مخلوقا، قال تعالى: ((فأرسلنا اليها روحنا فتمثل لها بشرا سويا قالت إني أعوذ بالرحمن منك إن كنت تقيا قال إنما أنا رسول ربك لأهب لك غلاما زكيا))، وقد قال تعالى: ((ومريم ابنت عمران التي أحصنت فرجها فنفخنا فيه من روحنا))، وقال: ((والتي أحصنت فرجها فنفخنا فيها من روحنا وجعلناها وابنها آية للعالمين))؛ فأخبر أنه نفخ في مريم من روحه كما أخبر أنه نفخ في آدم من روحه وقد بين أنه أرسل إليها روحه ((فتمثل لها بشرا سويا قالت إني أعوذ بالرحمن منك إن كنت تقيا قال إنما أنا رسول ربك لأهب لك غلاما زكيا قالت أنى يكون لي غلام ولم يمسسني بشر ولم أك بغيا قال كذلك قال ربك هو علي هين ولنجعله آية للناس ورحمة منا وكان أمرا مقضيا))؛ فهذا الروح الذي أرسله الله إليها ليهب لها غلاما زكيا مخلوق وهو روح القدس الذي خلق المسيح منه ومن مريم، فإذا كان الأصل مخلوقا فكيف الفرع الذي حصل به وهو روح القدس، وقوله عن المسيح: ((وروح منه)) خص المسيح بذلك لأنه نفخ في أمه من الروح فحبلت به من ذلك النفخ وذلك غير روحه التي يشاركه فيها سائر البشر فامتاز بأنها حبلت به من نفخ الروح فلهذا سمي روحا منه .

ولهذا قال طائفة من المفسرين ((روح منه)) أي رسول منه؛ فسماه باسم الروح الذي هو الرسول الذي نفخ فيها فكما يسمى كلمة يسمى روحا لأنه كون بالكلمة لا كما يخلق الآدميون غيره، ويسمى روحا لأنه حبلت به أمه بنفخ الروح الذي نفخ فيها، لم تحبل من ذكر كغيره من الآدميين، وعلى هذا فيقال لما خلق من نفخ الروح ومن مريم سمى روحا بخلاف سائر الآدميين فإنه يخلق من ذكر وأنثى ثم ينفخ فيه من الروح بعد مضي أربعة أشهر، والنصارى يقولون في أمانتهم تجسد من مريم ومن روح القدس ولو اقتصروا على هذا وفسروا روح القدس بالملك الذي نفخ فيها وهو روح الله لكان هذا موافقا لما أخبر الله به لكنهم جعلوا روح القدس حياة الله وجعلوه ربا وتناقضوا في ذلك فإنه على هذا كان ينبغي فيه أقنومان أقنوم الكلمة وأقنوم الروح

وهم يقولون ليس فيه إلا أقنوم الكلمة، وكما يسمى المسيح كلمة لأنه خلق بالكلمة يسمى روحا لأنه حل به الروح، فإن قيل فقد قال في القرآن: ((والذين آتيناهم الكتاب يعلمون أنه منزل من ربك))، وقال: ((تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم))، وقد قال أئمة المسلمين وجمهورهم القرآن كلام الله غير مخلوق منه بدأ، وقال في المسيح وروح منه قيل هذا بمنزلة سائر المضاف إلى الله، إن كان عينا قائمة بنفسها أو صفة فيها كان مخلوقا، وإن كان صفة مضافة إلى الله كعلمه وكلامه ونحو ذلك كان إضافة صفة، وكذلك ما منه إن كان عينا قائمة تعين بغيرها كما في السموات والأرض والنعم والروح الذي أرسلها الى مريم وقال: ((إنما أنا رسول ربك)) كان مخلوقا، وإن كان صفة لا تقوم بنفسها ولا يتصف بها المخلوق كالقرآن لم يكن مخلوقا؛ فإن ذلك قائم بالله وما يقوم بالله لا يكون مخلوقا .

والمقصود هنا بيان بطلان احتجاج النصارى وأنه ليس لهم في ظاهر القرآن ولا باطنه حجة كما ليس لهم حجة في سائر كتب الله وإنما تمسكوا بآيات متشابهات وتركوا المحكم كما أخبرا الله عنهم بقوله: ((هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله)) والآية نزلت في النصارى فهم مرادون من الآية قطعا، ثم قال: ((وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا)) وفيها قولان وقراءتان: منهم من يقف عند قوله ((إلا الله)) ويقول الراسخون في العلم لا يعلمون تأويل المتشابه لا يعلمه إلا الله، ومنهم من لا يقف بل يصل بذلك قوله تعالى: ((والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا)) ويقول الراسخون في العلم يعلمون تأويل المتشابه‘ وكلا القولين مأثور عن طائفة من السلف، وهؤلاء يقولون قد يكون الحال من المعطوف دون المعطوف عليه كما في قوله تعالى: ((والذين جاؤوا من بعدهم يقولون ربنا أغفر لنا ولإخواننا)) أي قائلين وكلا القولين حق باعتبار فإن لفظ التأويل يراد به التفسير ومعرفة معانيه، والراسخون في العلم يعلمون تفسير القرآن، قال الحسن البصري لم ينزل الله آية إلا وهو يحب أن تعلم في ماذا نزلت وما عني بها وقد يعني بالتأويل ما استأثر الله بعلمه من كيفية ما أخبر به عن نفسه وعن اليوم الآخر وقت الساعة ونزول عيسى ونحو ذلك.

فهذا التأويل لا يعلمه الا الله، وأما لفظ التأويل إذا أريد به صرف اللفظ عن ظاهره الى ما يخالف ذلك لدليل يقترن به؛ فلم يكن السلف يريدون بلفظ التأويل هذا ولا هو معنى التأويل في كتاب الله عز وجل. ولكن طائفة من المتأخرين خصوا لفظ التأويل بهذا، بل لفظ التأويل في كتاب الله يراد به ما يؤول إليه الكلام وإن وافق ظاهرة كقوله تعالى: ((هل ينظرون إلا تأويله يوم يأتي تأويله يقول الذين نسوه من قبل..)) ومنه تأويل الرؤيا كقول يوسف الصديق: ((هذا تأويل رؤياي من قبل)) وكقوله: ((إلا نبأتكما بتأويله)) وقوله: ((ذلك خير وأحسن تأويلا)) وهذا مبسوط في موضع آخر.

والمقصود هنا أنه ليس للنصارى حجة لا في ظاهر النصوص ولا باطنها كما قال تعالى: ((إنما المسيح عيسى ابن مريم رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه)) .. والكلمة عندهم هي جوهر وهي رب لا يخلق بها الخالق بل هي الخالقة لكل شيء، كما قالوا في كتابهم إن كلمة الله الخالقة الأزلية حلت في مريم، والله تعالى قد أخبر أنه سبحانه ألقاها إلى مريم والرب سبحانه هو الخالق والكلمة التي ألقاها ليست خالقة، إذ الخالق لا يلقيه شيء بل هو يلقي غيره.

وكلمات الله نوعان كونية ودينية، فالكونية كقوله للشيء كن فيكون، والدينية أمره وشرعه الذي جاءت به الرسل ..
وكذلك أمره وإرادته وإذنه وإرساله وبعثه ينقسم الى هذين القسمين..

وقد ذكر الله تعالى إلقاء القول في غير هذا، وقد قال تعالى: ((ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمنا)) وقال تعالى: ((وإذا رأى الذين أشركوا شركاءهم قالوا ربنا هؤلاء شركاؤنا الذين كنا ندعوا من دونك فألقوا إليهم القول إنكم لكاذبون وألقوا إلى الله يومئذ السلم))، وقال تعالى: ((يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء تلقون إليهم بالمودة)).
وأما لقيته القول فتلقاه فذلك إذا أردت أن تحفظه بخلاف ما إذا ألقيته إليه؛ فإن هذا بقوله فيما يخاطبه به وإن لم يحفظه؛ كمن ألقيت إليه القول، بخلاف القول إنكم لكاذبون وألقوا إليهم السلام، وليس هنا إلا خطاب سمعوه لم يحصل نفس صفة المتكلم في المخاطب، فكذلك مريم إذا ألقى الله كلمته إليها هي قول كن لم يلزم أن تكون نفس صفته القائمة به حلت في مريم كما لم يلزم أن تكون صفته القائمة به حلت في سائر من ألقى كلامه كما لا تحصل صفة كل منكم فيمن يلقي إليه كلامه .

فصل
في الرد على أن في عيسى طبيعتين



وأما قولهم وعلى هذا المثال نقول في السيد المسيح طبيعتان :
طبيعة لاهوتية التي هي طبيعة كلمة الله وروحه .
وطبيعة ناسوتية التي أخذها من مريم العذراء واتحدت به.

فيقال لهم كلام النصارى في هذا الباب مضطرب مختلف مناقض وليس لهم في ذلك قول اتفقوا عليه ولا قول معقول ولا قول دل عليه كتاب بل هم فيه فرق وطوائف كل فرقة تكفر الأخرى كاليعقوبية والملكانية والنسطورية ونقل الأقوال عنهم في ذلك مضطربة كثيرة الاختلاف.
ولهذا يقال لو اجتمع عشرة نصارى لتفرقوا على أحد عشر قولا وذلك أن ما هم عليه من اعتقادهم من التثليث والاتحاد كما هو مذكور في أمانتهم لم ينطق به شيء من كتب الأنبياء ولا يوجد لا في كلام المسيح ولا الحواريين ولا أحد من الأنبياء، ولكن عندهم في الكتب ألفاظ متشابهة وألفاظ محكمة يتنازعون في فهمها ثم القائلون منهم بالأمانة وهم عامة النصارى اليوم من الملكانية والنسطورية واليعقوبية مختلفون في تفسيرها ونفس قولهم متناقض يمتنع تصوره على الوجه الصحيح؛ فلهذا صار كل منهم يقول ما يظن أنه أقرب من غيره فمنهم من يراعي لفظ أمانتهم وإن صرح بالكفر الذي يظهر فساده لكل أحد كاليعقوبية ومنهم من يستر بعض ذلك كالنسطورية وكثير منهم وهم الملكانية بين هؤلاء وهؤلاء ولما ابتدعوا ما ابتدعوه من التثليث والحلول كان فيهم من يخالفهم في ذلك .

وقد يوجد نقل الناس لمقالاتهم مختلفا وذلك بحسب قول الطائفة التي ينقل ذلك الناقل قولها والقول الذي يحكيه كثير من نظائر المسلمين يوجد كثير منهم على خلافه كما نقلوا عنهم ما ذكره أبو المعالي وصاحبه أبو القاسم الأنصاري وغيرهما أن القديم واحد بالجوهر ثلاثة بالأقنوم وأنهم يعنون بالأقنوم الوجود والحياة والعلم. ونقلوا عنهم أن الحياة والعلم ليسا بوصفين زائدين على الذات موجودين بل هما صفتان نفسيتان للجوهر قالوا ولو مثل مذهبهم بمثال لقيل إن الأقانيم عندهم تنزل منزلة الأحوال والصفات النفسية عند مثبتيها من المسلمين فإن سوادية اللون ولونيته صفتان نفسيتان للعرض قال وربما يعبرون عن الأقانيم بالأب والابن وروح القدس فيعنون بالأب الوجود وبالابن المسيح والكلمة وربما سموا العلم كلمة والكلمة علما ويعبرون عن الحياة بالروح، قال ولا يريدون بالكلمة الكلام فإن الكلام عندهم من صفات الفعل ولا يسمون العلم قبل تدرعه بالمسيح واتحاده به ابنا بل المسيح عندهم مع ما تدرع به ابن، قالوا ومن مذهبهم أن الكلمة اتحدت بالمسيح وتدرعت بالناسوت ثم اختلفوا في معنى الاتحاد فمنهم من فسره بالاختلاط والامتزاج وهذا مذهب طوائف من اليعقوبية والنسطورية والملكانية قالوا إن الكلمة خالطت جسد المسيح ومازجته كما مازج الخمر الماء أو اللبن قالوا وهذا مذهب الروم ومعظمهم الملكانية قالوا فمازجت الكلمة جسد المسيح فصارت شيئا واحدا وصارت الكثرة قلة.
وذهبت طائفة من اليعاقبة إلى أن الكلمة انقلبت لحما ودما قالوا وصارت شرذمة من كل صنف إلى أن المراد بالاتحاد ظهور اللاهوت على الناسوت كظهور الصورة في المرآة والنقش في الخاتم، ومنهم من قال ظهور اللاهوت على الناسوت كاستواء الإله على العرش عند المسلمين وذهب كثير من هذه الطوائف إلى أن المراد بالاتحاد الحلول.

 

بواسطة : أميرة الجلباب