{وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا(4)مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلَا لِآبَائِهِمْ كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا(5)}

 

 

التحفة المقدسية

في مختصر تاريخ

النصرانية

بدايتها ومنتهاها

 

لأبي محمد المقدسي

Text Box:                     موقعنا على الإنترنت
منبر التوحيد والجهاد
www.almaqdese .com
حقوق النشر غير محفوظة


(ما تبقى من النصرانية :

ديانة مليئة بالتناقضات..

ركبّها بولس

وفرض شركياتها قسطنطين

ورقعها وحرَّفها القسيسون والرهبان)

 

 

( إن مؤسس الديانة المسيحية

بشكلها وتركيبتها الحالية

هو بولس وليس المسيح …!)

قاله مايكل هارت صاحب كتاب المائة الأوائل

نقلا عن عدد  من الباحثين


{ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلاً(171) } (سورة النساء)

* * * *

(ثم تكلم الله بجميع هذه الكلمات قائلاً:

(( أنا الرب إلهك الذي أخرجك من أرض مصر من بيت العبودية ، لا يكن لك آلهة أخرى أمامي لا تصنع لك تمثالاً منحوتاً ولا صورة مما في السماء من فوق، وما في الأرض من تحت وما في الماء مما تحت الأرض، ولا تسجد لهن، ولا تعبدهن لأني أنا الرب إلهك إله غيور)) العهد القديم [ سفر الخروج إصحاح 20 (من 1 إلى 5)]

* * * *

( إنّه مكتوبٌ؛ للربِ إلهكَ تسجُد وإيّاهُ وحدَهُ تَعُبُد) إنجيل متى 4/(10-11) ولوقا (4/8)

* * * *

( أَشهد أمام السماء ، وأُشهد كل شيء على الأرض أني بريء من كل ما قد قلتم لأني انسان مولود من امرأة فانية بشرية وعرضة لحكم الله ، مكابد شقاء الأكل والمنام وشقاء البرد والحر كسائر البشر )إنجيل برنابا ( الفصل الثالث والتسعون )


بسم الله الرحمن الرحيم

مقدمة

 

   الحمد لله الذي لم يتخذ ولدا ولم يكن له شريك في الملك ولم يكن له ولي من الذل وخلق كل شيء فقدره تقديرا..

والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين القائل : " لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم فإنما أنا عبد ، فقولوا عبد الله ورسوله " ([1])

والقائل فيما يرويه مسلم في صحيحه : ( والذي نفس محمد بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة ،يهودي ولا نصراني ، ثم يموت ولم يؤمن بالذي أرسلت به إلا كان من أصحاب النار ) .

 

وبعد ..  فهذه ورقات جمعتها وهذبتها ولخصتها حول تاريخ النصرانية ،وبين طياتها لفتات وتأملات في تناقضات الأناجيل الموجودة اليوم بين أيدي النصارى .

سطرتها في السجن يوم وصل إلى يدي نسخة من العهد الجديد ، فوجدت في فراغ السجن فرصة لتقليبه ومطالعته ..

وأحب أن أسجل هنا أن التصفح في هذه الكتب ، ودراسة حياة المسيح وغيره من الشخصيات المعاصرة له كزكريا ويحيى عليهما السلام وقصة ولادته ، وأم مريم وخبر ولادتها لمريم ..

زادني ذلك كله إيمانا على إيماني

 خصوصا عندما كنت أتأمل التناقض والتضارب في الأناجيل..وأقرأ تلك القصص التي دونت قبل بعثة النبي صلى الله عليه وسلم بما يزيد عن "500" عام .

ثم أتأمل تلك القصص وأستمتع بقراءتها في القرآن العظيم بروايتها السلسة الممتعة المتناسقة ، التي لا تضارب فيها ولا تناقض ، والتي لا يأتيها الباطل من بيد يديها ولا من خلفها تنزيل من لدن عزيز حميد .

فإن هذا كان يزيدني إيمانا وتصديقا بصدق ذلك الرسول الأمي الكريم .. فأنى لمثل هذا الرجل الأمي الذي لا يقرأ ولا يكتب .. وفي أفقر الأمكنة والأزمنة كتابة وطباعة وترجمة ونشرا ، أن يتوصل إلى معرفة تلك القصص ، والأخبار بتفاصيل دقيقة فيها ، ثم يسردها ويرويها بذلك السرد القصصي المتناسق الشيق الرائع .. 

بل وبأسلوب إعجازي يتحدى الخلق أن يأتوا بمثله على مر الأزمان ..

وهاهم منذ أكثر من أربعة عشر قرناً مبهوتين عاجزين ..

وأثناء هذه التأملات والنظرات وخلالها ، شعرت بالمعنى الحقيقي ، لقوله تبارك وتعالى بعد أن يسرد شيئا من تلكم القصص والأخبار .. حيث يقول مخاطبا نبيه ، معرّضا بمن يشككون بصدقه وصدق القرآن :

(( ذلك من أنباء الغيب نوحيه إليك . وما كنت لديهم إذ يلقون أقلامهم أيهم يكفل مريم وما كنت لديهم إذ يختصمون )) 44 سورة آل عمران .

وأخيرا فإن الموحد البصير عندما ينظر في حال الأمة النصرانية .. وما آلت إليه من اختلاف عظيم في ربها ، وتخبط في نبيها .. وتخليط في دينها ، لتعظم في نفسه نعمة الله عليه بالهداية للإسلام والتوحيد .. فيا لها من نعمة تستحق طول شكر وحمد وثناء ..

فلا بد أخا التوحيد ، أن تستحضر هذه النعمة وأنت تنظر في تناقضات القوم وتخليطاتهم وتخبطاتهم ..

ورحم الله ابن القيم إذ يقول وهو يتكلم عن اختلاف النصارى الأوائل :

( هم كما ترى حيارى تائهون ضالون مضلون لا يثبت لهم قدم ، ولا يستقر لهم قول في إلههم ، بل كل منهم قد اتخذ إلهه هواه ، وصرّح بالكفر والتبري ممن اتبع سواه ،قد تفرقت بهم في نبيهم وإلههم الأقاويل ، وهم كما قال الله تعالى : (( قد ضلوا من قبل وأضلوا كثيرا وضلوا عن سواء السبيل ))

فلو سألت أهل البيت الواحد عن دينهم ومعتقدهم في ربهم ونبيهم ، لأجابك الرجل بجواب وامرأته بجواب وابنه بجواب والخادم بجواب ، فما ظنك في عصرنا هذا ، بمن قد طال عليهم الأمد ، وبعد عهدهم بالمسيح ودينه ، وهم نخالة الماضين وزبالة الغابرين ، ونفاية المتحيّرين ) أهـ إغاثة اللهفان (2/281)

 

وبعد فها أنا ذا أضع بين يديك في هذا المختصر ، خلاصة بل عصارة ألفي (2000) عام مضت من تاريخ النصرانية ..

أوفر عليك فيها جهد الغوص في كتب التاريخ وتضاربها ، وأريحك من عناء مطالعة المطولات في هذا الباب ، وأخلصك من هم تقليب أناجيل القوم وإضاعة الوقت في النظر فيها وفي ملحقاتها ..

فدونك مجهود أيام ..

أقدمه لك في هذه الورقات ..لتقرأه وتحصله في ساعة من الزمان .. على أن لا تنساني من دعوة بالثبات على دين الحق ، حسن الختام ..

وقد قسمته إلى أربعة فصول وخاتمة (*)

أسأل الله تعالى حسن العقبى والخاتمة ..

والحمد لله رب العالمين .

 

                                  وكان الفراغ من تبييضه

                                      في سجن البلقاء

                                ليلة العاشر من ربيع الثاني

                    لسنة 1418 من هجرة المصطفى عليه الصلاة والسلام

                               وكتب / أبو محمد المقدسي

 

 

 

 

 

 

 

الفصل الأول

* نشأة المسيحية:

-      المسيح:

-       هو خاتم أنبياء بني إسرائيل، ولد في بيت لحم على الأرجح، قريباً من بيت المقدس. وأسمه كما في القرآن الكريم وأحاديث المصطفى؛ عيسى ابن مريم. أما في الأناجيل التي بأيدي النصارى اليوم، فهو يسوع (بالسين المهملة) وأصلها بالعبرية يشوع بالمعجمة، ومعناه : المخلص.

-      نسبه:

       قد ذكر الله في القرآن أنه ابن مريم الصديقة البتول، ابنة عمران أما النصارى، فلم يتّفقوا على نسبه؛ فتارة هو عندهم، ابن داود([2]).. وتارة هو عندهم ابن يوسف([3]) ثم يزعمون أنه ابن الله !

       ( كبرت كلمة تخرج من أفواههم إن يقولون إلا كذبا.. )

       وعلى كل حال فلم يذكر نسب المسيح عندهم، في أناجيلهم الأربعة إلا في موضعين، أحدهما في إنجيل (متى) والآخر في (لوقا) ثم ترى فيه هذا الخلاف.. وقد حاول بعض رهبانهم التوفيق بين ما ذكروه في (متى) من أنه ابن داود، وما ذكروه في ( لوقا) من أنه ابن يوسف، بزعمه أنه ابن يوسف النجار !! الذي هو من نسل داود النبي عليه السلام.

       فإذا قبلوا هذا الترقيع في عقولهم المتهافتة وناسبهم وظنوه توفيقاً .. وهو غير مقبول عندنا لأن المسيح هو ابن مريم من غير أب كما أخبر تعالى.. فكيف يوفقون بين هذه النسبة وبين كونه ابن الله بزعمهم.. ؟؟

       وللعلم فقد أنكر المسيح نفسه، فيما نسبوه إليه في إنجيل متى (22/45) ومرقس (12/37) ولوقا (20/44)، كونه ابن داود، ورب !! في آن واحد.

       حيث سأل من يدعونه بذلك مستنكراً: ( " كيف يكون ابن داود وهو ربه " ؟؟؟ فلم يستطع أحد أن يجيبه بكلمة) أهـ..

       ونحن بدورنا نسأل النصارى هذا السؤال الذي لم يجيبوا عليه في أناجيلهم بكلمة ؛ .. كيف يكون المسيح ابن يوسف.. وابن داود.. وابن من ذكروا إلى آدم ثم يكون بعد ذلك؛ ابن الله ؟؟؟

       فقد ورد في إنجيل لوقا (3/24): (وكان الناس يحسبونه([4]) ابن يوسف بن عالي بن متّات بن لاوي. بن مَلْكي، بن يَنّا، بن يوسُف .. إلى أن قالوا في رقم (38) .. ابن شيت بن آدم ابن الله !!!) أهـ .

 فتأمل هذا الهراء، المسيح هو ابن المذكورين إلى آدم، وقد عددوا من المسيح إلى آدم (76) رجلاً من ضمنهم آدم ثم قالوا: (ابن الله !!) فعلى هذا الكفر والسخف، يكون جميع المذكورين عندهم من ذرية الله!! ولم يعد هذا الكفر والبهتان مخصوصاً بمعتقدهم بالمسيح .

 تعالى الله عما يقول ويفتري الظالمون علواً كبيراً.

       فاعجب لهذه التناقضات الغريبة العجيبة في أناجيلهم التي يقدسها ملايين النصارى؛ وفي أي شيء ؟ في نسب أشهر وأخطر شخصية في تاريخ المسيحية.. وهذا أول اختلاف وتناقض يستفتح به الدارس لأناجيلهم

وأحسن ما في خالد وجهه      فقس على الغائب بالشاهد([5]).

مريم الصديقة:

       هي العذراء الصديقة البتول

       كان والدها (عمران) عالماً جليلاً من علماء بني إسرائيل وكانت زوجته (حنّه) أم مريم، لا تحمل، فنذرت إن حملت، أن تجعل ولدها محرراً لله تعالى لخدمة بيت المقدس، فاستجاب الله دعاءها وحملت بمريم عليها السلام، قال تعالى {إِذْ قَالَتِ امْرَأَةُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ(35) فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ(36) فتقبلها ربها بقبول حسن وأنبتها نباتاً حسنا } (آل عمران)

       ثم توفي عمران، وابنته مريم صبيّة صغيرة تحتاج إلى من يكفلها، فخرجت أمها إلى المسجد فسلمتها إلى العُبّاد المقيمين فيه فكانت أبنة إمامهم ورئيسهم، فتنازعوا واختلفوا فيمن يقوم بكفالتها، ومع أن زكريا عليه السلام، نبّي ذلك الزمان كان أقربهم إليها؛ فهو زوج أختها وقيل زوج خالتها، ولكنه قطعاً للنزاع وافق على الاقتراع معهم على كفالتها.. فخرجت القرعة له..

       قال تعالى { ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ(44) } (آل عمران) .

       وترعرعت مريم في كفالة نبيّ الله زكريا([6])، ولما شبت اتخذت لها في المسجد مكاناً لا يدخله سواها، فكانت تعبد الله تعالى فيه، وتقوم بسدانة البيت وخدمته حتى ضرب بها المثل في الاجتهاد في العبادة.. قال تعالى : {وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا(16) فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجَابًا فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا(17) } (مريم)

وقال تعالى (وإذ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ(42) يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ(43) } (آل عمران).

       وصار يظهر عليها لصدقها وعبادتها من الكرامات الطيبة الشريفة ما لفت انتباه زكريا.. فقد كان يدخل عليها فيجد من الطعام والفاكهة ما لم يكن موجوداً في ذلك الوقت، فيجد فاكهة الصيف عندها في الشتاء، وفاكهة الشتاء في الصيف..

       قال تعالى: { وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ(37) } (آل عمران).

حملها بالمسيح:

       وبينما هي ذات يوم في عبادتها إذ فاجأها جبرائيل رسول ربها بهيئة رجل حسن الصورة..

 ففزعت منه وخافت أن يعرض لها وبادرت بالتعوّذ منه كما قال تعالى : { فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا(17) قَالَت إنّي أَعُوذُ بِالرَحْمنِ مِنْكَ إنْ كُنْتَ تَقِيّا } (سورة مريم).

       وفي هذا دلالة على عفافها وورعها وهي في ريعان شبابها إذ تتعوذ من تلك الصورة الحسنة السوية الفائقة الحسن ولا تخضع له بالقول.. كما هو حال أغلب من في مثل هذا العمر. قال بعض المفسرين : (كان تمثله على تلك الصفة ابتلاءً لها وسبراً لعفّـتها.. )([7])  

        { قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَامًا زَكِيًّا(19)قَالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا(20) قَالَ كَذلكِ قَالَ رَبُكِ هُوَ عَليًّ هيّنُ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً للنَّاسِ وَرَحْمَةً مِنَّا وَكَانَ أَمْرَاً مَقْضِيَّا (21) } (سورة مريم)

       وقال تعالى: { إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ(45)وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَمِنَ الصَّالِحِينَ(46)قَالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قَالَ كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ(47) } (سورة آل عمران)([8]).

وكيف كان حملها ؟ .

       أخبرنا الله تعالى في القرآن أن ذلك كان بنفخة من الملك جبريل "روح القدس".

       قال تعالى : { وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ(12) } (سورة التحريم).

       وقال تعالى: { وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهَا مِنْ رُوحِنَا وَجَعَلْنَاهَا وَابْنَهَا ءَايَةً لِلْعَالَمِينَ(91)} (سورة الأنبياء)

       وقد ذكر المفسرون آثاراً عن غير واحد من السلف أن جبريل نفخ في جيب درعها، فنزلت النفخة إلى فرجها فحملت من فورها..

 ويذكر بعض أهل التاريخ أنها حملت به ولها من العمر ثلاثة عشرة سنة.. ويروي ابن كثير في البداية والنهاية أثراً أنّ ( يوسف النجار) الذي كان من الصالحين وكان ابن خال مريم([9]) فطن لحملها لما ظهرت مخايل الحمل عليها، وتنبه له فجعل يتعجب من ذلك عجباً شديداً، وذلك لما يعلم من ديانتها ونزاهتها وعفتها وعبادتها، وهو مع ذلك يراها حبلى وليس لها زوج، فعرّض لها ذات يوم في الكلام..

       فقال: يا مريم هل يكون زرع من غير بذر؟

       قالت: نعم، فمن خلق الزرع الأول؟

       ثم قال: فهل يكون شجر من غير ماء؟

       قالت: نعم، فمن خلق الشجر الأول؟

       ثم قال: فهل يكون ولد من غير ذكر.؟

       قالت: نعم، إن الله خلق آدم من غير ذكر وأنثى..

       قال لها : فاخبريني خبرك.

       قالت: إن الله بشرني بكلمة منه اسمه المسيح عيسى بن مريم.

       وقد كان هذا الحمل المبارك كرامة لها من الله، اصطفاها به على نساء العالمين .. كما اصطفاها الله لدينها على نساء العالمين في زمانها([10]) وكان في الوقت نفسه بلاءً وامتحاناً.. فما أن فشي خبر حملها في بني إسرائيل، حتى افترى عليها اليهود وقذفوها وبهتوها..

       فأتهمها بعضهم بيوسف النجار، وأتهما آخرون بزكريا عليه السلام.. ويذكر ابن جرير أنهم أرادوا قتله ففرّ منهم، فلحقوه حتى أمسكوا به ثم نشروه بالمنشار وقتلوه صلوات الله وسلامه عليه..

       وقد عّدد الله أعظم جرائم اليهود، في سورة النساء وذكر فيها رميهم لمريم بالزنا فقال تعالى: { وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا(156) } (سورة النساء).

أما عن ولادتها للمسيح:

       فقد قال تعالى : { فَحَمَلَتْهُ فَانْتَبَذَتْ بِهِ مَكَانًا قَصِيًّا(22) فَأجَاءَهَا الْمَخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ قَالَتْ يَالَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا(23) فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا(24) وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا(25) فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْنًا فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا(26) فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ قَالُوا يَامَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا(27) يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا(28) فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا(29) قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ ءَاتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا(30) وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ ýوَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا(31) وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا(32) وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا(33) ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ(34) مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ سُبْحَانَهُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ(35) وَإِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ(36) }. (سورة مريم).

       فهذه معجزتان باهرتان افتتح الله بهما حياة هذا النبي الكريم، أولاهما ولادته من غير أب ،والثانية كلامه في المهد بهذه الكلمات التي يصّرح فيها بأنه عبد الله ورسوله..

وقد كانت معجزة ولادته من غير أب فتنة هلك فيها من هلك من الخلق، فاليهود طعنوا بسببها في مريم المطهرة البتول، ورموها بالزنا كما تقدم، فقالوا: إن الولد لا بد أن يكون له أب، والمسيح ليس له أب فلابد أن يكون أبن زنا عندهم..

وطوائف النصارى المختلفة غلوا بصاحب هذه المعجزة فجعلوه ابن الله .. وجميعهم مرتكس في حمأة الضلال.. وقد ذكر الله تعالى أقاويلهم في القرآن وبين كفرهم وضلالهم فقال: { وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ(30) } ( سورة التوبة )

       وقال تعالى: { بَدِيعُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ(101) ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ(102) }

       وقال عز وجل: { وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ(116) بَدِيعُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ(117) } (سورة البقرة).

وقال تعالى : { وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا(4)مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلَا لِآبَائِهِمْ كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا(5) } (سورة الكهف).

وقد سمّى الله تعالى ذلك شتماً كما في الحديث القدسي الذي يرويه البخاري في صحيحه : ( شتمني ابن آدم، وما ينبغي له ذلك، وكذبني ابن آدم، وما ينبغي له ذلك، أما شتمه إياي فقوله: اتخذ الله ولداً، وأنا الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن لي كفواً أحد، وأما تكذيبه إياي فقوله: لن يعيدني كما بدأني، وليس أول الخلق بأهون عليّ من إعادته.)

       وقال سبحانه: { قَالوا اتّخَذَ اللهُ وَلَدَاً سُبْحَانَه هُوَ الغَنيّ لهُ مَا فِي السَماواتِ وَمَا فِي الأرض إنْ عِنْدَكُم مِن سُلطان بِهَذا أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ(68) قُلْ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ(69) مَتَاعٌ فِي الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ نُذِيقُهُمُ الْعَذَابَ الشَّدِيدَ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ(70) } (سورة يونس).

       وقال تعالى: { وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا(88) لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا(89) تَكَادُ السَّمَوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا(90) أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا(91) وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا(92) إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا ءَاتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا(93) لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا(94) وَكُلُّهُمْ ءَاتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا(95) }. (سورة مريم).

       وقد بيّن الله سبحانه بأن خلق المسيح من غير أب، وإن تعجب الناس منه واستعظموه، فهو هين على من خلق آدم من غير أب ولا أم.. وكذلك خلق حواء من ضلع زوجها آدم فقط.

       فقال سبحانه: { إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ ءَادَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ(59)الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ(60)} (سورة آل عمران).

فهو عبد الله ورسوله، وأمه العفيفة الطاهرة الصديقة..

قال تعالى : { ما الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ[11] انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآيَاتِ ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ(75) } (سورة المائدة).

وفي هذه الآية رد على اليهود والنصارى في تفريطهم وإفراطهم.. ففيها رد على النصارى في دعواهم أنه ابن الله .. ورد على اليهود في دعواهم انه ابن زنا، فهو رسول وأمه صديقة..

فتأمل شناعة قول اليهود والنصارى في هذا النبي وفي أمه ..

ثم تأمل قول المسلمين العادل الطاهر فيهما ؛ الذي تلقوه عن ربهم فلا يميل إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء ..

وقد روي البخاري ومسلم وغيرهما عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : (ما من بني آدم مولود إلا يمسه الشيطان حين يولد فيستهل صارخاً من مس الشيطان غير مريم وابنها) ثم يقول أبو هريرة [أي يقرأ] : { وإني أعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم }

×                     ولد المسيح   قبل بعثة النبي محمد صلى الله عليه وسلم بما يزيد قليلاً على (600) عام([12]) وبمولده يبدأ التاريخ المسيحي، وإن كان شهر الميلاد ويومه مجهولين، إذ لم يحدد عيد الميلاد الذي ابتدعه النصارى ويحتفلون به باقتراف الموبقات بتاريخ (25) ديسمبر كانون أول من كل عام، إلا بعد عدة قرون من مولد المسيح عليه السلام.

 

* ختانه :

×                    ولما بلغ المسيح ثمانية أيام ختن على عادة اليهود في ذلك الزمان([13]).. وليس في أناجيلهم أنه عُمّد وهو طفل كما هي عادتهم في هذا الزمان([14]).

ثم نشأ في كنف أمه في ربوة مرتفعة ذات استقرار وأمن وماء معين، كما قال تعالى:{ وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ ءَايَةً وَءَاوَيْنَاهُمَا إِلَى رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ} (سورة المؤمنون). ويذكر المؤرخون كما تروي أناجيل النصارى. أن مريم قد هاجرت بابنها وهو صغير، إلى مصر هرباً من (هيرودوس) الحاكم الذي عزم على قتل المسيح وهو صبي، لما سمع بنبئه، وقيل له إنه سيكون لهذا المولود سلطان على جميع اليهود، وبقيت هي وأبنها في مصر إلى أن هلك هيرودوس، حيث رجعت وأقامت معه في الناصرة وإليها ينسب النصارى..

كما يذكرون له في صغره، وقبل نبوته كرامات([15]). لا سبيل إلى إثباتها بإسناد متصل، كما لا سبيل إلى إنكارها.. لثبوت ما هو أعظم منها.. كولادته لغير أب وكلامه في المهد..

      

 

 

 

 

الفصــل الثــاني

 


دعوة المسيح:

       ولما بلغ عيسى بن مريم من العمر ثلاثين عاما نزل عليه الوحي بكتاب الله المسمى بـ (الإنجيل)([16]) مصدقاً للتوراة.. ومؤيداً لصحيحها، ومبينا لما حرف منها ومبشراً برسول يأتي من بعده أسمه أحمد

       قال تعالى : { وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ(6) } (سورة الصف).

       وقام يدعو بني إسرائيل إلى دين الحق، في مجتمع دخلت فيه انحرافات كثيرة وخرافات وأباطيل، وذلك بعد أن طال على بني إسرائيل الأمد فقست قلوبهم، وحّرفوا شريعة الله، وتلاعبوا بنصوص التوراة..

       فبعث الله إليهم هذا النبي الكريم بما بعث به إخوانه الأنبياء من قبل ليردّ بني إسرائيل إلى الجادة، ويصحح ما دخل إلى شريعتهم من تحريف وتبديل، كما جاءهم بأحكام شرعية جديدة، ومن ذلك تحليل ما كان قد حرّم على اليهود في شريعة موسى عليه السلام بسبب بغيهم وعدوانهم ، عقوبة من الله ؛ فبعث الله إليهم هذا النبي الكريم يضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم .

       قال تعالى مخبراً عن دعوة نبيه عيسى: (وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ(50) إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ(51))(سورة آل عمران).

       ومعلوم أن قطب رحى دعوة هذا النبي الكريم وأصلها وأهم أركانها هو التوحيد الذي بعثت به الرسل كافة.

       كما قال تعالى في دعوة الرسل عامة: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ(25))(سورة الأنبياء).

       فالتوحيد الذي تحويه كلمة (لا إله إلا الله) هو أصل دعوة المسيح عليه السلام شأنه كشأن كافة الرسل. وقد فسّر الله تعالى هذه الكلمة وبين حقيقة هذه الدعوة على وجه الإجمال بقوله تعالى: (وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ(36))(النحل) .

       كما بيّن سبحانه أنها العروة الوثقى التي عليها مدار النجاة، فمن استمسك بها فاز ونجى ومن كفر بها أو أعرض عنها هلك وخسر خسراناً مبيناً. فقال تعالى: (قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ(256)) (البقرة)

 فقوله تعالى في البقرة: (فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ)..

 وقوله سبحانه في النحل: (أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ) ؛ هو معنى التوحيد الذي حوته وتضمنته (لا إله إلا الله) بركتي النفي الإثبات الذين تتكون منهما.. فـ(لا إله) هو ركن النفي الذي يعني البراءة من كل ما يعبد من دون الله من بشر أو حجر أو غيره ، ويتضمن الكفر بكل ما يُتبَّعَ من الأديان والشرائع والمناهج الباطلة التي ما أنزل الله بها من سلطان.

       و(إلا الله) هو ركن الإثبات الذي يثبت ويفرد العبادة لله وحده، ويجرد الطاعة المطلقة والتشريع والتحليل والتحريم له وحده سبحانه فلا يشاركه في شيء من ذلك لا حاكم ولا نائب ولا قسيس أو راهب أو عالم أو غيره..

       وهذا يعني البراءة من ألوهية عيسى التي وصفه بها النصارى.. فالمسيح واحد من أولئك الرسل الكرام الذين دعوا إلى هذه الكلمة العظيمة كما في قول الله تعالى الذي يخاطب به خاتم النبيين صلى الله عليه وسلم:       (وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون) فالمسيح رسول من الرسل الذين أرسلوا قبل خاتم النبيين والمرسلين صلى الله عليه وسلم، وقد ذكر الله تعالى ذلك في بيان دعوة المسيح وعلى لسانه فقال:

       (وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ ءَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ(116)مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ(117)) (المائدة).

وقد جاء شيء من هذا فيما تبقى في أناجيلهم المحرفة ففي إنجيل متى 4/(10-11) ولوقا (4/8) :  ( إنّه مكتوبٌ؛ للربِ إلهكَ تسجُد وإيّاهُ وحدَهُ تَعُبُد) .

وموجود أصرح منه في إنجيل برنابا الذي ترفضه الكنيسة لأن فيه إبطال صريح لشركياتهم بل فيه صراحة ذكر أن " آدم رأى مكتوبا فوق الباب ( لا إله إلا الله  محمدا رسول الله ) " ص 91 الفصل الحادي والأربعون .

وفيه أن تلاميذ المسيح لما بعثهم مبشرين بالتوبة كما أمرهم يسوع مبرئين كل نوع من المرض(حتى ثبت في اسرائيل كلام يسوع أن الله أحد ، وأن يسوع نبي الله).

ص194-195 الفصل السادس والعشرون بعد المائة ، وفي الموضع نفسه قولهم للمسيح : ( يامعلم لقد أبرأنا عددا لا يحصى من المرضى وأخرجنا شياطين كثيرة كانوا يعذبون الناس ، فقال يسوع : ( ليغفر الله لكم أيها الاخوة لأنكم أخطأتم إذ قلتم " أبرأنا " ، وإنما الله هو الذي فعل ذلك كله ) .. وقال : في كل عمل صالح قولوا " الرب صنع " وفي كل عمل رديء قولوا " أخطأت " ثم سألهم عما يقوله اسرائيل ما يصنع تلاميذه من ذلك فأجاب التلاميذ : بأنهم يقولون انه يوجد إلهٌ أحد وأنك نبي الله ، فأجاب يسوع بوجه متهلل : ( تبارك اسم الله القدوس ).

وفي ص 285الفصل الثاني عشر بعد المائتين : ( أيها الرب الإله القدير الغيور .. العن إلى الأبد كل من يفسد إنجيلي الذي أعطيتني عندما يكتبون أني ابنك لأني أنا الطين والتراب خادم خدمك ) ([17]).

-      تاييده بالمعجزات:

       وقد أيّد الله نبيه المسيح عليه السلام بالبينات الباهرة، والمعجزات الظاهرة الدالة على صدقة وصدق رسالته..

- وأول هذه المعجزات كما تقدم ولادته من غير أب.

-       ثم كلامه في المهد ..

-        ولما بدأ دعوته في بني إسرائيل صار يبرئ الأكمه والأبرص ويحي الموتى بإذن الله.

       فقد بعث في زمن انتشر فيه الطب والحكمة، لذلك كانت معجزاته التي أيّد بها تعجيزاً لأهل هذا الفن .. فأنّى للحكيم أن يبرئ الأكمه الذي هو أسوأ حالاً من الأعمى،إذ هو الذي ولد بعماه ، أو الأبرص والمجذوم، وكيف يتوصل أحد من الخلق ولو كان من أعرفهم بالطب والحكمة إلى أن يقيم الميت من قبره؟؟

       قال تعالى: (وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ(48)وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ(49)) (سورة آل عمران).

       وقال تعالى : (إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلى وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنْفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِي وَتُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ بِإِذْنِي وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتَى بِإِذْنِي وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَنْكَ إِذْ جِئْتَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالَ الذينَ كَفَروا منهم إِنْ هَذا إلا سِحْرٌ ُمبين ) (110))(سورة المائدة) .

 

إيمان الحواريين بالمسيح:

       الحواريون عدد من تلاميذ المسيح آمنوا به وصحبوه وشهدوا كثيراً من المعجزات التي أيده الله بها .. وقد سموا بالحواريين من الحور وهو البياض لصفاء قلوبهم ونقاء سريرتهم..

       قال تعالى: (وَإِذْ أَوْحَيْتُ([18])  إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ ءَامِنُوا بِي وَبِرَسُولِي قَالُوا ءَامَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ(111)إِذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ قَالَ اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ(112)قَالُوا نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنَا وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَّاهِدِينَ(113)قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنْزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيدًا لِأَوَّلِنَا وَءَاخِرِنَا وَءَايَةً مِنْكَ وَارْزُقْنَا وَأَنْتَ خَيرُ الرَّازِقِينَ(114)قَالَ اللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لَا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ(115)) (المائدة).

       ونحن نؤمن كما أخبرنا الله تعالى أن أولئك الحواريين قد نصروا المسيح ونصروا دعوته وآمنوا به كرسول من عند الله فلم يبدلوا أو يغيّروا..

       وقد أثنى الله تعالى عليهم بقوله: (فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ ءَامَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ(52)رَبَّنَا ءَامَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ(53)) (سورة آل عمران).

       وقال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا كُونُوا أَنْصَارَ اللَّهِ كَمَا قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ فَآمَنَتْ طَائِفَةٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَكَفَرَتْ طَائِفَةٌ فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ ءَامَنُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ(14)) (سورة الصف).

       وفي الحديث الذي يرويه مسلم في صحيحه يبيّن النبي صلى الله عليه وسلم أن الحواريين هم خاصة اتباع الرسل وصحابتهم. فعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (ما من نبي بعثه الله في أمة قبلي، إلا كان له من أمته حواريون وأصحاب، يأخذون بسنته ويقتدون بأمره، ثم تخلف من بعدهم خلوف يقولون ما لا يعلمون ويفعلون ما لا يؤمرون، فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن، ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن، ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن، وليس وراء ذلك من الأيمان حبة خردل).

 فهذا كله يدل على أن الحواريين هم خاصة الأنبياء وأنصارهم، وكذلك كان حواريو عيسى عليه السلام، لم يضرّهم من عاداهم ولا من خالفهم وخذلهم من المشركين الذين وصفوا عيسى بالألوهية، وحرّفوا الكتاب والشريعة التي جاء بها، وبدلوا الكلم عن مواضعه.

  بل ثبت أولئك الحواريون على ما تركهم عليه عيسى عليه السلام رغم الأذى والعذاب والقتل والنشر بالمناشير.

       فعن معاذ بن جبل رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (خذوا العطاء مادام عطاء، فإذا صار رشوة على الدين فلا تأخذوه، ولستم بتاركيه فيمنعكم ذلك الفقر.

       ألا إن رحى الإسلام دائرة تدور مع الكتاب حيث يدور، ألا إن السلطان والكتاب سيفترقان، ألا فلا تفارقوا الكتاب. ألا إنه سيكون عليكم أمراء إن أطعمتموهم أضلوكم، وإن عصيتموهم قتلوكم، قالوا: فكيف نصنع يا رسول الله..؟

       قال : كما صنع أصحاب عيسى عليه السلام، حملوا على الخشب، ونشروا بالمناشير، موت في طاعة الله خير من حياة في معصية الله).

       هكذا أثنى الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم على الحواريين ووصفهم بأطيب الصفات وأجمل الخلال..

       أما النصارى فقد أظهروهم في أناجيلهم على أنهم أناس جبناء خذلوا المسيح وهربوا عند الحقائق([19]) وتبرؤوا منه وأنكروا معرفتهم به عند اعتقاله ([20]) بل وصوروهم على أنهم أغبياء وثقيلوا الفهم عُمْي القلوب!!([21])

ولا شك أن هذه الأوصاف الأخيرة تُسهّل على النصارى أن يمرروا بسببها كثيراً من العقائد الشركية التي كان ينكرها أولئك الحواريون.. فهم بزعم النصارى لثقل إفهامهم وغباوتهم وعمي قلوبهم.. لم يدركوا أن المسيح هو أبن الله إلا في مراحل متأخرة من حياة المسيح!!

       وتأمل سؤالهم بعد بعض المعجزات التي ظهرت على يد المسيح، فتراهم مع أنهم أتباعه وتلامذته وخاصته: (خافوا خوفاً شديداً وقال بعضهم لبعض: من ترى هذا حتى الريح والبحر يطيعانه ؟) مرقس (4/41).

       فمع أن الأصل في المعجزة أن الله يظهرها على أيدي أنبيائه كدليل على صدقهم وصدق رسالاتهم.. إلا أنهم في الأناجيل يظهرونها مبهمة لا تُعرف الغاية من ورائها، ولا يَعرِف من يشهدها ؛ من هذا الذي تحصل على يديه! وما ذلك إلا ليبقوا باب الإشراك مفتوحاً، فيجيبوا متى شاءوا : إنه ابن الله([22]) !!

كبرت كلمة تخرج من أفواههم إن يقولون إلا كذباً.

       بل جعلوا من حوارييه وتلامذته وخاصته، من خان المسيح وأسلمه إلى أعدائه مقابل ثلاثين درهماً([23])وكان سّرافاً يسرق أموال المسيح وتلامذته الباقين وهو يهوذا الإسخريوطي([24]) هذا مع أنهم يذكرون عن المسيح أنه جعل لجميع الحواريين ـ ومنهم هذا الخائن السارق ـ سلطاناً على الشياطين وقدرة على إبراء وإشفاء المرضى، كما في إنجيل متى (10/1-9): ( ودعا تلاميذه الاثني عشر فأولاهم سلطاناً يطردون به الأرواح النجسة ويشفون الناس من كل مرض وعلة وهذه أسماء الرسل الإثْني عشر([25]) :-

1-  سمعان الذي يقال له بطرس([26])

2-  وإندرواس أخوه.

3-  فيعقوب بن زَبَدى([27])

4-  ويوحنا أخوه([28])

5-  ففيلبُّس.

6-  وبَرتُلماوُسُ

7-  فتوما.

8-  ومتى العشار([29])

9-  فيعقوب بن حَلفى

10-        وتَدَّاوُس([30])

11-        فسمعان الغيور([31])

12-        ويهوذا الإسخريوطي ذاك الذي أسلمه.

وتأمل كيف لم يعدوا في جملتهم هنا ( برنابا ) صاحب الإنجيل المشهور الذي خالفهم فيه في عقائدهم الشركية فرفضوه ، مع أنهم يقرون أنه من أشهر أتباع المسيح والدعاة إلى المسيحية في زمنه، بل وصفوه بأنه ( كان رجلا صالحا ممتلئا من الروح القدس ومن الإيمان ) كما في أعمال الرسل (11/24) وذكروا أن الروح القدس أرسله مع شاول (بولس) موفدين يبشران بكلمة الله بين اليهود .. أعمال الرسل ( 13/2-5) وغيرها .

هؤلاء الإثني عشر أرسلهم يسوع وأوصاهم قال: لا تسلكوا طريقاً إلى الوثنيين ولا تدخلوا مدنية للسامريين، بل اذهبوا إلى الخراف الضالة من آل إسرائيل([32])، وأعلنوا في الطريق أن قد أقترب ملكوت السماوات.

       أشفوا المرضى وأقيموا الموتى، وأبرئوا البرص، واطردوا الشياطين، أخذتم مجانا فمجانا أعطوا الخ)([33]).

       تأمل! وأقيموا الموتى.. خاصّية يهبها إلى تلاميذه الإثني عشر ومنهم ذلك الخائن السارق الذي أسلمه لأعدائه بثلاثين درهماً..!!

       وإذا كان للحواريين القدرة على إحياء الموتى.. فأيّ خاصيّة أختص بها المسيح إذن في معجزاته ؟!.

       ومن التناقض الصريح والكثير في أناجيلهم، أنهم ذكروا بعد ذلك في إنجيل متى (17/14-21) أن جميع تلامذته هؤلاء، قد عجزوا عن طرد شيطان من جسد غلام.. والطريف في هذا الموضع أنهم لما رأوا المسيح يطرده سألوه: ( لماذا لم نستطيع نحن أن نطرده؟) فقال لهم: ( لقلة إيمانكم([34])!! الحق أقول لكم : إن كان لكم من الإيمان قدر حبة خردل، قلتم لهذا الجبل: أنتقل من هنا ألى هناك، فينتقل) أهـ.([35])وفيه أيضاً عند قصة التينة التي أمرها المسيح فيبست، فعجب التلاميذ من ذلك. فقال لهم: (21/18-22): (الحق أقول لكم إن كان لكم إيمان لا يداخله ريب. لا تفعلون ما فعلته بالتينة فحسب، بل كنتم إذا قلتم لهذا الجبل؛ قم فاهبط في البحر، يكون ذلك..)أهـ.

       ولابن حزم رحمه الله تعالى في الفِصل، كلام نفيس يعلق فيه على هذا التناقض ملخصه؛ أن يقال: ( لا يخلو التلاميذ المذكورون، ثم هؤلاء النصارى بعدهم إلى اليوم، من أن يكونوا مؤمنين بالمسيح عليه السلام، أو غير مؤمنين، ولا سبيل إلى قسم ثالث

-       فإن كانوا مؤمنين، فقد كذب المسيح  ـ على قولهم ـ فيما وعدهم به في هذه الفصول جهالاً، وحاشاه من الكذب، أو كذبت أناجيلهم.ز فما منهم أحد قط قدر أن يأمر ورقة فتيبس، فكيف بتسيير جبل، أو قلعه وإلقائه بالبحر..؟؟

-        وإن كانوا غير مؤمنين، فقد صدقوا في هذا، وهم بإقرارهم به قد شهدوا على أنفسهم بالكفر، ولا يجوز أن يُصدّق كافر أو يُتّبع أو يُؤخذ الدين عنه..!!

ثم يقال؛ إذا كان الحواريون وهم صفوة أتباع المسيح وخاصته. ليس في قلوبهم مثقال حبة من خردل من إيمان!! وليس في قلوبهم إيمان لا ريب فيه، بل إن كان فيها إيمان فهو إيمان مدخول بالريب والشك..!! فما بالك بمن هم دونهم من النصارى إلى هذه الأزمنة المتأخرة..؟ ومعلوم أن الإيمان إن دخله شك وريب أبطله..

فإذا كان إيمان هؤلاء التلاميذ باطلاً كما شهد عليهم المسيح هنا..!!  فكيف يُولّيهم قبل ذلك سلطان طرد الشياطين وأشفاء المرضى، وإبراء البرص، بل وإحياء الموتى ؟!!

 وعلى كل حال فهذه الأسماء التي عدَّدوها، هم حواريو المسيح وتلامذته وهذه بعض صفاتهم على زعم النصارى.. أما نحن المسلمون فنعتقد بأن للمسيح حواريين وأصحاب أتقياء نصروه،ونصروا دعوته واحتملوا في سبيلها الأذى والقتل والبلاء ، أما أسماؤهم فلم يثبت عندنا في ذلك خبر مرفوع.

       وقد جزم النصارى بان الحواريين هم هؤلاء المذكورين ؛ مع أن أناجبلهم، ذكرت تلاميذ آخرين للمسيح أشهرهم برنابا، إلا أن الكنيسة لم تثبته مع الحواريين([36]).

 والنصارى ينسبون إلى المذكورين من الباطل و الشرك والقول بألوهية المسيح وغير ذلك مما يستحيل أن ينتحله خاصة الرسل وحوارييهم..

وعلى كل حال فقد قال أبن جزم في الفصل: (2/17): "إن كل من شمعون باطرة ويوحنا ومتى ومرقس ولوقا وبولس كانوا مختفين مستترين لا يظهرون دينهم بل كانوا مظهرين لدين اليهود من التزام السبت وغيره طول حياتهم إلى أن ظفر بهم فقتلوا ..)أهـ.

       فإذا كان هذا حال أشهرهم وهو : (شمعون باطره) المعروف ببطرس: أي صخر، إشارة إلى ثباته!! وسيأتي أنه أنكر معرفته بالمسيح عند الحقائق. فكيف بمن هم دونه ممن يزعمون أنهم خاصة المسيح وتلامذته؟؟.

 

- تكذيب بني إسرائيل للمسيح وسعيهم في قتله:

       ورغم هذه المعجزات الباهرة، ورغم أن القوم الذين أرسل إليهم المسيح  كانوا ينتظرونه ويستبشرون به ببشارة الأنبياء من قبله، فلما جاءهم وجهر بدعوته، وصار يناظر الفريسيين([37]) والكهنة ويفحمهم، استكبر أكثرهم وكذبوه وناصبوه العداء، ورموه بالسحر ورموا أمه بالقبائح وبدأوا بالتآمر عليه، وحاولوا قتله مراراً ولكن الله تعالى نجاة منهم، ولم يمكنهم من عبده ورسوله.. قال تعالى:- (وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا(156)وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا(157)) (سورة النساء).

       ثم اجتمع عظماء اليهود وأحبارهم وتشاوروا في أمره، فرفعوه إلى الحاكم الروماني "بيلاطس النبطي" الذي كان حاكماً على اليهود باسم الملك (قيصر) يحرشون على قتله ؛ وزيّنوا دعواهم بأن المسيح يريد أن يكون ملكاً على اليهود وأنه يسعى لتقويض الحكم القائم.

       ولا غرابة في ذلك فهذه طريقة الملأ وديدنهمم على مر العصور مع الأنبياء والدعاه عندما يعجزون عن مواجهة حججهم الباهرة بحجج مثلها !

لا يلجؤون إلى الدليـل وإنما         في العجز ملجؤهم إلى السلطان

 فأوغزوا صدر الحاكم عليه حتى قرر أن يتخلص منه بالقتل والصلب على طريقتهم التي كانوا يفعلونها فيمن يحكمون عليه بالقتل.. وعلم نبي الله عيسى بذلك فاختفى عن الأعين ودخل أورشليم.

 

-       إدعاء النصارى أن اليهود أسروه وصلبوه :

       وتروي الأناجيل التي بأيدي النصارى اليوم أن المسيح قال لتلامذته: "الحق أقول لكم إن واحداً منكم سيسلمني"([38]) "وهو يأكل معي"([39]) وفيها بيان أنه "يهوذا الإسخريوطي" وأن يهوذا هذا، الذي يزعمون أنه كان من تلامذته بل من حوارييه الإثني عشر، دلَّ الشُرط الذين كانوا يبحثون عن المسيح على مكانه مقابل دريهمات معدودة .. "ثلاثون درهما"([40])وأنه اتفق معهم إذا دخلوا عليه أن يقبّله كعلامة يعرفهم بها عليه من بين تلامذته([41]) وأن تلامذته خذلوه([42]) إلا ما يحكونه عن بطرس من أنه أستل سيفه وقطع أذن عبد عظيم الأحبار، فهذا المسيح وأمره أن يغمد سيفه([43]) وأنه لمس أذن العبد فبرئ([44]).

       وزعموا أنه  قال لبطرس: (أوَ تظن أني لا أستطيع أن أسأل أبي، فيمدني الساعة بأكثر من أثني عشر فيلقا من الملائكة؟)([45]).

 ثم يزعمون أن الذين امسكوه ساقوه إلى عظيم الأحبار، وقد أجتمع عنده الكتبة والشيوخ وأنهم كلموه فظل صامتاً، إلى أن أستحلفه عظيم الأحبار (هل أنت المسيح أبن الله)؟ ويزعمون أنه أجابه بالإيجاب، فقام عظيم الأحبار عند ذلك وشقّ ثيابه .. وحكم عليه بالموت.. فبصقوا في وجهه ولطموه ومنهم من لكمه([46]).

       وعند هذا الحد يزعمون أن بطرس الذي هو أقرب الحواريين إلى المسيح، وهو الوحيد الذي حاول الدفع عنه ولحق به لما أسروه، يزعمون أنه تبرأ منه عندها وأنكر معرفته به، وأنه أخذ يلعن ويحلف أنه لا يعرفه([47]) وأنهم بعدها ساقوا المسيح إلى الحاكم بيلاطس ليصادرق على حكمهم، وأخبروه أن المسيح يدّعي أنه ملك اليهود، وأنه يريد بذلك الخروج على حكم القيصر، وينهى عن دفع الجزية له، ولذلك يجب قتله وصلبه([48]) .. وأن ذلك الحاكم جلده([49]) وأسلمه لهم ليصلب فكللوه بإكليل ضفروه له من الشوك فوضعوه على رأسه وأخذوا يسخرون منه وينادونه (السلام عليك يا ملك اليهود) ويبصقون عليه.. ويضربونه بقصبه على رأسه([50]) . ثم خرجوا به ليصلبوه فزعموا في أناجيلهم الثلاثة متى([51]) ومرقس([52]) ولوقا([53]) أنهم صادفوا رجلاً اسمه سمعان القيريني كان آتياً من الريف فسخروه ليحمل الصليب ويمشي خلف المسيح ..

       أما إنجيل يوحنا فزعم أن المسيح خرج حاملاً صليبه بنفسه([54])  !!

فيقال للنصارى لابد من كاذب مفتر مبدل في هذا !! إما أولئك الثلاثة أو هذا الأخير..

 أما عندنا نحن المسلمون، فكل ذلك محض افتراء والحق عندنا أنهم ما أسروا المسيح ولا صلبوه ولا قتلوه. ولكنه شبه لهم كما قال تعالى: (وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا بل رَفَعه اللهُ إليهِ وكانَ اللهُ عزيزاً حكيما ..(157))(سورة النساء).

-      دعوى صلب المسيح وعقيدة الفداء:

-         وتزعم الأناجيل التي بأيدي النصارى اليوم، أنهم بعد ذلك أخذوه إلى مكان يعرف بالجمجمة([55]) . ثم ناولوه خمراً ممزوجة بمرارة ليشربها - على عادتهم بأن يسقى المحكوم عليه مثل ذلك كي يفقد الحس فتخف آلامه.. فيزعمون أنه ذاقها!! وأبي أن يشربها..

-         فصلبوه بين لصين، ووضعوا فوق رأسه علّة الحكم عليه، كتب فيها: (هذا يسوع ملك اليهود)

(وكان المارة يشتمونه وهم يهزّون رؤوسهم ويقولون: يا أيها الذي ينقض الهيكل ويبنيه في ثلاثة أيام خلّص نفسك إن كنت أبن الله، فانزل عن الصليب! وكذلك كان الأحبار يسخرون منه فيقولون: "خلّص غيره ولا يقدر أن يخلص نفسه"([56]) ويزعمون أن الجند عرّوه من ثيابه واقتسموها بينهم([57]) وزعموا أنه كان يستغيث بالجنود ليسقوه فقال لهم: "أنا عطشان" وأنهم بلّلوا اسفنجة بخل ووضعوها على قضيب وقربوها من فمه([58]) . وأنه قبل أن يلفظ أنفاسه الأخيرة، صرخ صرخة شديدة قال: "إيلي، إيلي، لَمّا شَبَقتاني؟ " أي : "إلهي، إلهي ، لماذا تركتني؟"([59])ثم لفظ روحه على ما يزعمون، وأن أحد الجند طعنه بحربة في جنبه فخرج دم وماء([60])  ..

        فتأمل إلى هذا الهراء.. واحمد إلهك على نعمة الإسلام والتوحيد.. والعافية في عقلك وفهمك.

       فإن أعظم أصل من أصول هذه الديانة المحرّفة المتهافتة، وركنها الركين هي عقيدة الفداء التي يزعمون أن المسيح جاء وصلب من أجلها، وأنه كان يعرف أن ذلك سيحصل له من قبل بل ويعرف من سيسلمه لأعدائه، من تلامذته كما تقدم، وأن ذلك كله لتكفير خطايا المؤمنين به. .

       ثم في هذا المقام الحاسم وبين يدي أعدائه والشامتين به، يفزع ويصرخ: "إلهي.. إلهي، لماذا تركتني؟". أو ليس يزعمون أنه إنما جاء لأجل ذلك.. فعلام يفزع ويزعم أن الله قد تركه.؟!! فأي عقول نخرة وأفكار متهافتة تقبل مثل هذا التناقض الصريح.. ثم يزعمون مع هذا كله إنه إله.. أو نصف إله .. أو أبن الله!! فلعنة الله على الظالمين([61])  ..

 ورحم الله عمر الفاروق إذ يقول فيهم: "أهينوهم([62]) ولا تظلموهم، فلقد سبوا الله عز وجل مسبة ما سبّه إياها أحد من البشر" أ.هـ.

   وتالله لقد صدق رضي الله عنه، فإن عبّاد الأصنام، مع انهم من أكفر الخلق، إلا أنهم كانوا يأنفون أن يصفوا آلهتهم التي كانوا يعبدونها من دون الله وهي من الحجارة ونحوها بمثل ما وصف به النصارى رب العالمين..

       وتالله، لقد كان الله في قلوب أولئك الوثنين أجل وأعظم من أن يصفوه بهذه الذلة والمهانة .. فما قالوا قط أن أوثانهم هي الله.. ولا كانوا ليقبلوا أن تضرب أوثانهم التي أشركوها مع الله أو تصفع أو يبصق عليها.. وقديماً رام أسلافهم تحريق خليل الله لما تعرض لها بالكسر والتسفيه والتحقير

       فبعداً لمن كان شراً وأعظم ارتكاساً في أفكاره وأشد انتكاساً في عقيدته من عباد الحجارة الوثنيين. .!!.

       وعذر النصارى في ذلك أقبح من أقوال وعقائد كثير من أولئك الوثنيين وهو ما يسمونه بعقيدة الفداء أو الخلاص.. ومنه تسميتهم للمسيح بالمخلّص.. وذلك أن ابن الله بزعمهم قَبِلَ أن يُصلب ويُضرب ويُصفع ويُبصق في وجهه لأجل أن يُكفّر عنهم خطاياهم، ومن ثم ليبقوا في غيّهم وشهواتهم سادرين..

       وذلك أن العالم بزعمهم، ومنذ عهد وقوع آدم في الخطيئة بأكله من الشجرة التي نهاه الله عنها ؛فإنه يبتعد عن الله بسبب تلك الخطيئة، وأن كل مولود من ذرية آدم فإنه يبتعد عن الله بسبب تلك الخطيئة، وأن كل مولود من ذرية آدم فإنه يولد وهو يحمل خطيئة أبيه!!

       فزعموا أن الله من محبته ونعمته أرسل ابنه الوحيد!! (( كبرت كلمة تخرج من أفواههم )) إلي هذا العالم ليمكّن أعداءه منه فيأسروه ويصلبوه ويسمروا يديه ورجليه على الخشب، ويلطموه ويبصقوا في وجهه، ويسخروا منه ويضعوا على رأسه إكليلا من الشوك استهزاء به، كل ذلك ليفدي البشر ويكفر عنهم خطيئة أبيهم وخطاياهم..

       فنسبوا الله عز وجل إلى غاية العجز، حيث عجّزوه أن يُخلّصهم بقدرته، إلا بتسليط أعدائه على نفسه أوعلى أبنه كما زعموا.

       ثم تناقضوا في خاتمة المطاف، فجعلوه يفزع ويصرخ ويصيح ويستغيث معترضاً على ما جاء بزعمهم من أجله !! قائلاً: "إلهي لماذا تركتني..؟" والقوم يبصقون في وجهه ويلطمونه من كل صوب، ويسخرون منه..!!.

       وبالجملة، فلا نعلم أمة من الأمم أهانت وسبت ربها ومعبودها وإلهها بما سبتّ به هذه الأمة، كما قال عمر رضي الله عنه ..

وعقيدتنا نحن المسلمون أن الله قد تاب على آدم وغفر له معصيته تلك، فلم يعد يحملها هو؛ فضلاً عن أن تحملها ذريته.. قال تعالى: (وَعَصَى ءَادَمُ رَبَّهُ فَغَوَى(121)ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى(122)) (سورة طه).

       وقد بيّن رسولنا الكريم "أن المولود يولد على الفطرة.." ([63]) لا على الخطيئة كما يزعم النصارى. "وأن الله خلق عباده حنفاء.." ([64]) وليس في حمأة الخطيئة. ولسنا بحاجة في دين الإسلام العظيم إلى من يحمل عن الأمة خطاياها، أو يتوسط بينها وبين ربها، قال تعالى: (( وإذا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ(186)) (سورة البقرة). وأعظم إنسان في ديننا هو النبي محمد صلى الله عليه وسلم، لا يملك أن يُكفّر خطايا الناس أو أن يشفع فيها إلا أن يأذن الله له بذلك.. قال تعالى منكراً على المشركين: (( مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ))، وهذا فيما هو دون الشرك .. أما الشرك فلا يغفره الله تعالى ولا تنفع فيه شفاعة الشافعين ؛ قال تعالى: (( إن الله لا يغفر أن يُشرك به، ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء..)).

بل قال عن الأنبياء أنفسهم : (( وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ))(الأنعام: من الآية88)

       ومن ثم فلا ينفع أو يشفع في الإشراك مع الله تعالى، ما يُشقشق به النصارى من عقيدة الفداء أو الخلاص أو غيرها.. وقد قال الله تعالى لأحبّ خلقه إليه: (( ليس لك من الأمر شيء أو يتوب عليهم أو يُعذبهم بأنهم ظالمون )).

       وفي صحيح البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال : قام رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أنزل عليه "وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ(214)" (الشعراء). فقال: يا معشر قريش اشتروا أنفسكم لا أغني عنكم من الله شيئاً، يا عباس بن عبد المطلب لا أغني عنك من الله شيئاً ويا صفية عمة رسول الله لا أغني عنك من الله شيئاً ، ويا فاطمة بنت محمد سليني من مالي ما شئت لا أغني عنك من الله شيئا".

       وأخيراً فإن من أصول ديننا، قوله تعالى: (( ولا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا لَا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى )) (سورة فاطر) فلا ذنب للذرية ولا جريرة عليهم بخطيئه أبيهم..

       قال تعالى: ( كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ(38)) (سورة المدثر).

وقال سبحانه: (مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا)(سورة فصلت).

       وهذه هي العدالة الإلهية التي انحرف عنها النصارى، إلى نحاتات ونخالات أفكار رهبانهم وقساوستهم الذين ابتدعوا واخترعوا لهم فكرة وعقيدة الفداء التي تريحهم من التكاليف وتعينهم على افتراف الآثام والموبقات ؛ فالمسيح قد صُلب بزعمهم ليفديهم ويُكفر ذنوبهم .. فليغرقوا إذن في حمأة الخطايا والآثام.. وهذه العقيدة المتهافة هي عند النصارى من أصول دينهم ودعائم عقيدتهم، التي لا يقبل إيمان إلا بها.. مع أنها مخالفة ومناقضة، مناقضة صريحة لنصوص كتبهم المقدسة .. فقد جاء في "سفر التثنية":-

       "لا يُقتل الآباء عن الأولاد، ولا يُقتل الأولاد عن الآباء، كل إنسان بخطيئته يقتل"أهـ.

وهذه المناقضة من حيث تحميلهم خطيئة آدم لذريته..!!

أما من حيث أن عقيدة الفداء أثمرت عند النصارى إلغاء العمل بالشريعة، وإسقاط الدينونة والحساب، وهو الأمر الذي استغله بولس لدعوته الإرجائية إلى التحلل والتحرر من تكاليف الشريعة ، كما سيأتي.. فمناقضة هذا، لما في أناجيلهم كثير أيضاً.. من ذلك:

-       ما جاء في إنجيل متى مما ينسب إلى المسيح: (لا تظنوا أني جئت لأبطل الشريعة أو الأنبياء، ما جئت لأبطل بل لأكمل، الحق أقول لكم: لن يزول حرف أو نقطة من الشريعة حتى يتم كل شيء أو تزول السماء والأرض، فمن خالف وصية من أصغر تلك الوصايا، وعلم الناس أن يفعلوا مثله، عد الصغير في ملكوت السموات، وأما الذي يعمل بها ويعلمها فذاك يعد كبيراً في السموات) (5/17-19)

-          وفيه أيضاً: ( سمعتهم أنه قيل " لاتزن" أما أنا فأقول لكم : من نظر إلى امرأة بشهوة زنى بها في قلبه، فإذا كانت عينك اليمنى سبب عثرة لك فاقلعها، وألقها عنك ، فلأن يهلك عضو من أعضائك خير لك من أن يلقي جسدك كله في جهنم،)(5/27-29) وأنظر (18/8-9)

-         وفيه: (لا تدينوا لئلا تُدانوا، فكما تُدِينون تُدانون، ويُكل لكم بما تكيلون) (7/1-2)

-         وفيه : (ليس من يقول لي: (يارب ، يارب) يدخل ملكوت السموات، بل من يعمل بمشيئة أبي([65])الذي في السموات، فسوف يقول لي كثير من الناس في ذلك اليوم: يارب، يارب، أَمَا باسمك تنبأنا ؟ وباسمك طردنا الشياطين؟ وباسمك أتينا بالمعجزات الكثيرة؟. فأقول لهم علانية: ما عرفتكم قط. إليكم عني أيها الفاسقون"أ.هـ. (7/21-24)

-         وفيه أيضاً: (ثم يقول أي الله- للذين عن الشمال: "إليكم عني أيها الملاعين إلى النار الأبدية المعدة لإبليس وملائكته: لأني جعت فما أطعمتموني، وعطشت فما سقيتموني وكنت غريباً فما آويتموني، وعرياناً فما كسوتموني، ومريضاً وسجيناً فما زرتموني، فيجيبه هؤلاء أيضاً: يارب، متى رأيناك جائعاً أو عطشان، غريباً أو عُريانا، مريضاً أو سجيناً، وما أسعفناك؟ فيجيبهم: الحق أقول لكم؛ أيما مرة لم تصنعوا ذلك لواحد من هؤلاء الصغار فلي لم تصنعوه، فيذهب هؤلاء إلى العذاب الأبدي، والأبرار إلى الحياة الأبدية)أهـ. (25/41-46)

-         وفي إنجيل لوقا: ( لماذا تدعونني: يارب، يارب، ولا تعملون بما أقول ؟ كل من يأتي إلىّ ويسمع كلامي فيعمل به، أبيّن لكم من يشبه: يشبه رجلا بنى بيتاً، فحفر وعمق الحفر، ثم وضع الأساس على الصخر، فلما فاضت المياه اندفع النهر على ذلك البيت، فلم يقو على زعزعته لأنه بني بناء محكماً، وأما الذي يسمع ولا يعمل، فإنه يشبه رجلاً بنى بيته على التراب بغير أساس، فأندفع النهر عليه، فانهار لوقته، وكان خراب ذلك البيت جسمياً) أهـ. (6/46-49).

-         وفيه أيضا (12/15): (إن لم تتوبوا تهلكوا بأجمعكم..)أهـ. وغير ذلك كثير..

-       الصليب ، وبدعة تعظيمه عند النصارى:

       كان بعض أئمة الإسلام إذا رأى صليباً أغمض عينيه عنه، وقال: "لا أستطيع أن أملأ عيني ممن سب إلهه ومعبوده بأقبح السب ".أهـ.([66])

ولهذا قال بعض عقلاء الملوك: "إن جهاد هؤلاء واجب شرعاً وعقلاً فإنهم عار على بني آدم مفسدون للعقول والشرائع" أهـ.

       ومن العجيب أنهم يقرؤون في التوراة "ملعون من تعلق بالصليب"([67])  ثم هم يعظمون الصليب !!

 ولو كان لهم أدنى عقل، لكان الأولى بهم أن يحرقوه أو يكسروه فإنه قد صلب عليه إلههم ومعبودهم بزعمهم، وأهين وصفع وقتل فوقه. وصار بزعمهم ملعوناً، لأنه علق به كما يقول بولس: "إن المسيح صار لعنة لأجلنا"([68])وتعظيم الصليب مما ابتدعوه في دين المسيح بعده بزمان، ولا ذكر له في أناجيلهم- أي بالتعظيم-([69]) وإنما ذكر في التوراة باللعن لمن تعلق به([70]) ولعل أوّل من سن لهم بدعة تعظيم الصليب"هيلانة الحرانية الفندقانية" أم الإمبراطور الروماني قسطنطين الذي كان أول إمبراطور روماني يعتنق النصرانية كما سيأتي. وذلك أن اليهود لما صلبوا ذلك الرجل الذي ألقي عليه شبه المسيح ثم ألقوه بخشبته التي صلب عليها.. جعل بعض أتباع المسيح يأتون إلى مكانه ويبكون، فخشي اليهود أن يصير لذلك المكان شأنا فجعلوا مكانه مطرحاً للقمامة والنجاسة لينفروا عنه، فلم يزل كذلك، حتى كان زمان قسطنطين، أي بعد (300) سنة، حيث عمدت أمه هيلانة إلى ذلك المكان، تبحث فيه، معتقدة أن المسيح هناك فزعموا أنها وجدت الخشبه التي صلب عليها ذلك المصلوب([71]) فعظموها وغشوها بالذهب، ومن ثم اتخذوا الصلبانات، وتبركوا بشكلها، وقبّلوها([72]) .

وقد زعموا تعظيم المسيح بذلك، فاجتهدوا بحمقهم في ذمه وتنقصه والإزراء به والطعن عليه، وكان مقصودهم بذلك التشنيع على اليهود وتنفير الناس عنهم وإغراءهم بهم، فشوهوا بذلك النصرانية وملؤوها بالشرك والخزعبالت..

 فإن زعموا أنهم إنما يعظمونه لأنه يرمز إلى خلاصهم ونجاتهم وعقيدة الفداء التي صلب من أجلها المسيح بزعمهم..

       يقال لهم: فأنتم تعظمون كل صليب، ولا تخصون التعظيم بذلك الصليب الأول بعينه !!

فإن قالوا: الصليب من حيث هو، يذكر بالصليب الذي صلب عليه إلهنا .

قلنا: فاليد التي صفعته ولطمته وقتلته.. أولى أن تعظم من الصليب!! فعظموا أيدي اليهود لمسهم إياه وإمساكهم له، ثم أنقلوا ذلك التعظيم إلى سائر الأيدي.

فإن قالوا: منع من ذلك مانع العداوة.

قلنا: قد زالت العداوة بينكم اليوم.. ثم عندكم أنه هو الذي رضي بذلك واختاره ولو لم يرض به لم يصلوا إليه، ولو شاء لأمده الله بإثني عشر فيلقاً من الملائكة كما تقدم.. فعلى هذا فينبغي لكم أن تشكروهم وتحمدوهم إذا فعلوا مرضاته واختياره الذي كان سبب خلاص جميع المؤمنين من الجحيم عندكم .. فما أعظم منّة اليهود عليكم وعلى آبائكم؛ إذ قتلوا إلهكم، وصفعوه، وصلبوه بزعمكم([73]) .

      ولقد أعجبتني كلمة في شأن الصلب المدعى وما يتعلق به من عقيدة الفداء؛ لقس مصري هداه الله فأصبح من دعاة الإسلام بعد أن كان من دعاة النصرانية ؛ حيث قال : ( إن كان المسيح رباً فلماذا يحتاج كي يغفر للعباد ويُكفّر ذنوبهم أن يُصلب ويُهان ويُصفع ويُبصق في وجهه ..!!

 وأين هذا من قوله تعالى : ( قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ) (الزمر:53)..

وإن كان عبدا خطاء كما هم سائر العبيد فكيف يغفر عبدٌ لعبد ؟؟ وهل يغفر مذنبٌ لمذنب ؟؟

 فدين الأمة الصليبية من قبل البعثة المحمدية. بنحو ثلاثمائة سنة، مبنى على معاندة العقول والشرائع، وتنقص رب العالمين.. ورميه بالعظائم.. قال ابن القيم رحمه الله تعالى في كتابه "إغاثة اللهفان" (2/290):-

أَعُبّاد المسيح لنا سؤالٌ
إذا مات الإله بصنع قومٍ
وهل أرضاه ما نالوه منه؟
وإن سخط الذي فعلوه فيه
وهل بقي الوجود بالا إله
وهل خلت الطباق السبع لما
وهل خلت العوالم من إلهٍ
وكيف تخلت الأملاك عنه
وكيف أطاقت الخشبات حمل
وكيف دنا الحديد إليه حتى
وكيف تمكنت أيدي عداه
وهل عاد المسيح إلى حياة
ويا عجباً لقبر ضم ربا
أقام هناك تسعاً من شهورٍ
وشق الفرج مولوداً صغيراً
ويأكل ثم يشرب ثم يأتي
تعالى الله عن إفك النصارى

 

نريدُ جوابه ممّن وّعاهُ
أماتوه فما هذا الإله؟
فبشراهم إذا نالوا رضاهُ
فقّوتهم إذا أوهت قواه
سميع يستجيب لمن دعاه؟
ثوى تحت التراب وقد علاه؟
يدبرها وقد سمرت يداه؟
بنصرهم وقد سمعوا بكاه؟
الأله الحق شد على قفاهُ
يخالطه ويلحقه أذاه؟
وطالت حيث قد صفعوا قفاه؟
أم المحيي له رب سواه
وأعجب منه بطن قد حواهُ
لدى الظلمات من حيض غذاه
ضعيفاً فاتحاً للثدي فاهُ
بلازم ذاك هل هذا إلهُ؟
سيسأل كلهم عما افتراه.

أعباد الصليب بأيّ معنىً
وهل تقضي العقول بغير كسر
إذا ركب الإله !! عليه كرهاً
فذاك المركب الملعون حقاً
يهان عليه رب الخلق طراً
فإن عظمته من أجل أن قد
فهلا للقبور سجدت طراً
فياعبد المسيح أفق فهذا

 

يُعظّم، أو يقبح من رماهُ
وإحراق له ولمن بغاه
وقد شدت بتسمير يداه
فدسه لا تبسه إذ تراه
وتعبده؟ فإنك من عداه
حوى رب العباد وقد علاه
لضم القبر ربك في حشاه؟
بدايته وهذا منتهاه

وقد شرح العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى ذلك كله في كتابه إغاثة اللهفان وبيّن تناقض النصارى وتهافتهم في أبواب شتى .. إلى أن قال: "والنصارى قد ارتكبوا مخطورين عظيمين لا يرضى بهما ذو عقل ولا معرفه:

 أحدهما: الغلو في المخلوق حتى جعلوه شريك الخالق وجزءاً منه. وإلها آخر معه. و أنفوا أن يكون عبداً له.

       والثاني: تنقّص الخالق ورميه بالعظائم حيث زعموا أنه حلّ في فرج امرأة وأقام هناك تسعة أشهر يتخبط بين البول والدم، وقد علته أطباق المشيمة والرحم والبطن، ثم خرج من حيث دخل رضيعاً صغراً يمص الثدي، ولف في القمط، وأودع السرير يبكي ويجوع ويعطش ويبول ويتغوّط، ويُحمل عل الأيدي والعواتق.

       ثم صار إلى أن لطمت اليهود خديه وربطوا يديه وبصقوا في وجهه وصفعوا قفاه، وصلبوه جهراً بين لصين، وألبسوه إكليلاً من الشوك، وسمروا يديه ورجليه وجّرعوه أعظم الآلام، هذا هو الإله الحق عندهم، تعالى الله عن قولهم علوّاً كبيرا..)أ.هـ.باختصار من إغاثة اللهفان (2/283) .

وأنشد الشيخ شهاب الدين القرافي في كتاب "الرد على النصارى" لبعض من يرد عليهم قولهم بصلب المسيح([74]) :

عجباً للمسيح بين النصارى
أسلموه إلى اليهود وقالوا
فإن كان ما تقولون حقاً
حين خلى أبنه رهين الأعادي
فلئن كان راضياً بأذاهم
ولئن كان ساخطاً فاتركوه

 

وإلى الله ولداً نسبوه
إنهم بعد قتله صلبوه
وصحيحاً فأين كان أبوه؟
أتراهم أرضوه أم أغضبوه
فاعذروهم لأنهم وافقوه
واعبدوهم لأنهم غلبوه

 وقال ابن حزم رحمه الله تعالى:

في رده على "نقفور" إمبراطور الروم..

أتقرن يا مخذول دينا مثلثا
تدين لمخلوقٍ يدين لغيره
أناجيلكم مصنوعة قد تشابهت
وعود صليب لا تزالون سُجّداً
تدينون تضلالاً بصلب إلهكم
إلى ملة الإسلام توحيد ربنا
وصدق رسالات الذي جاء بالهدى فلم تمتهنه قط قوة آسر
كما يفتري إفكاً وزوراً وضلةً
على أنكم قد قلتم هو ربكم
أبى الله أن يدعى له ابن وصاحب ولكنه عبد نبي مكرم
أيلطم وجه الرب تباً لجهلكم

 

بعيدا عن المعقول بادي المآثم
فيالك سخفاً ليس يخفى لعالم
كلام الألى فيما أتوا بالعظائم
له يا عقول الهاملات السوائم
بأيدي يهود أرذلين ألائم
فما دين ذي دين لنا بمقاوم
محمد الآتي بدفع المظالم
ولا مكنت من جسمه يد لاطم
على وجه عيسى منكُم كل آثم
 فيا لضلال في الحماقة جاثم
سيلقى دعاة الكفر حالة نادم
من الناس مخلوق ولا قول زاعم
لقدُ فقتم في ظلمكم كل ظالم.
 

***

وأخيراً فإن قصة الصلب عند النصارى يتخللها من التناقضات ويكتنفها من الغموض ما يؤكد لكل عاقل أنها ملفقة على المسيح..

-       فإن حال الذين أسروه وشهدوا صلبه - كما تزعم أناجيل النصارى اليوم يوجب ردّ خبرهم دون أدنى شك، فهم أعداء المسيح من الشرط الذين ضربوه وصفعوه والأحبار الذين استهزؤوا به ونحوهم ممن لا يتورعون عن الكذب وقبول الرشوة على قول الباطل والزور كما نصت أناجيلهم نفسها ([75]) .

-        كما أن الأناجيل التي بأيدي النصارى تدعي بأنهم أخذوا المسيح وأسروه ليلاً بينما كان تلامذته قد غلبهم النعاس وكان هو سهراناً يصلي([76]).

-       كما زعموا أنه لم يبق في خشبة الصلب إلامدّة وجيزة، لم يشاهده فيها ممن آمن به إلا مريم المجدلانية([77]) وبعض النسوة، تصرح الأناجيل أنهن إنما شاهدن ذلك (عن بعد)([78]) .

-       وأن تلاميذ المسيح "الحواريين" كانوا ليتلتئذ بنص الأناجيل خائفين، قد تغيّبوا وهربوا جميعاً([79]) فلم يحضروا مشهد الصلب المزعوم.

       وأن الوحيد الذي تبعه في بادئ الأمر، قد أنكر معرفته به قبل قصة الصلب المزعومة وتبرأ منه([80])

       فأوجب ذلك كله أن يكون خبر الصلب هذا ملفقاً يكتنفه الغموض والشك والريب.. وهو معنى قوله تعالى في القرآن : (وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ) (النساء) ومعناه كما قال أبن جزم: "أن أولئك الفسّاق الذين دبروا هذا الباطل،وتواطئوا عليه أنهم كذبة، وهم شبّهوا على من قلّدهم وكذبوا عليهم([81])  " أ. هـ.

 

-      رفع المسيح عند المسلمين :

       وعقيدتنا نحن المسلمين أن المسيح عليه السلام قد نجاه الله تعالى فلم يُمكّن أعداءه منه، فلا هم أسروه، ولاهم ضربوه، ولاهم صلبوه ولا قتلوه.. بل رفعه الله تعالى إليه، كما أخبر في محكم التنزيل؛ فقال سبحانه: (وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا(157))(سورة النساء).

       وقال تعالى: (قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا) (آل عمران).

       فهذا عندنا ثابت يقين نصدّق به ولا نشك طرفة عين أن الله نجيّ عبده ورسوله ورفعه إليه..

       وأنه لم يُمكّن أعداءه منه، فما قتلوه وما صلبوه، ولكن شبه لهم.. أي أنهم إنما قتلوا شبيهاً له.. ثم شبه عليهم اليهود أنهم قتلوه.. وشبه عليهم أحبارهم أنّه صلب فعلاً ليخلّصهم ..

 أما كيف شبه لهم ففي ذلك روايات ذكرها أهل التفسير، في تفسير هاتين الآيتين.. أشهرها ما ذكره أبن كثير في البداية والنهاية([82]) فرواية تذكر أن المسيح طلب من تلامذته أن يتطوع أحدهم ليلقي الله عليه شبه المسيح ويكون رفيقة في الجنة، ففعل ذلك شاب منهم، فأخذوه وصلبوه بدلاً من المسيح ..

ورواية أخرى مفادها أن الله تعالى ألقى شبه المسيح على ذلك الخائن يهوذا الإسخريوطي، فأخذوه، وهم يظنونه عيسى، فقتلوه وصلبوه، ورفع الله المسيح إليه. ( وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ ) (سورة النساء).

وكان عمر عيسى لما رفعه الله إليه (33) سنة على ما ذكره أهل التاريخ، فتكون مدة دعوته لبني إسرائيل ثلاث سنوات. لأن بعثته كانت كما تقدم، في الثلاثين من عمره.

 

- دفن المسيح وقيامته عند النصارى:

       ويزعم النصارى في أناجيلهم أن المسيح بعد صلبه وموته طالب بجثمانه رجل اسمه يوسف، فأعطي ذلك الجثمان في المساء أي بعد سويعات من صلبه..

       فوضعه في قبر له جديد كان قد حفره في الصخر.. وأنه بعد ثلاثة أيام فقد من قبره رغم ما كان عليه من حرس، فاجتمع أحبار اليهود وتشاوروا، فرشوا الجنود والحرس بمال كثير ليقولوا أن تلاميذه جاؤوا ليلاً فسرقوا جثته وهم نائمون([83]) ويزعم النصارى أنه تراءى لتلامذته بعد ذلك واجتمع بهم وأكل معهم سمكاً مشوياً([84]) وذلك ما يسمى عندهم بالقيامة..

       وأنه بعد تلك القيامة رفع إلى السماء، هكذا ورد في إنجيل لوقا([85]) :"وبينما هو يباركهم([86]) انفصل عنهم ،وكذا في إنجيل مرقس([87]): "وبعدما كلمهم رفع إلى السماء" أ.هـ.

 أما متى فزعم في إنجيله أن المسيح قال لتلامذته([88]): "وهأنذا معكم طوال الأيام، إلى نهاية العالم"أ.هـ([89]) .

فلا ندري بأي المقالتين يأخذ النصارى ..؟!

    أما نحن المسلمون فنوقن كما تقدم من محكم التنزيل أن الله نجاه من أعدائه فلم يقتلوه ولا صلبوه، بل رفعه إليه.. وأنه سينزل قبل يوم القيامة.. وسيكون نزوله علامة من علامات الساعة الكبرى..

       قال تعالى: (وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا(157)بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا(158)وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا(159)) (سورة النساء).

 فقوله: (وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ)(سورة النساء). .. أي بعد نزوله إلى الأرض في آخر الزمان قبل قيام الساعة، فإنه ينزل ويقتل الخنزير ويكسر الصليب ويضع الجزية ولا يقبل إلا الإسلام.. ويقتل الدجال([90]).

       ووقتها لا ينزل نبياً مرسلاً.. إذ لا نبيّ بعد خاتم الأنبياء والمرسلين صلى الله عليه وسلم، ولكنه ينزل حكماً عدلاً كما في الحديث الذي يرويه أبو هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "والذي نفس محمد بيده لينزلن عيسى ابن مريم إماماً مقسطاً حكماً عدلاً، فليكسرن الصليب.. وليقتلنّ الخنزير، وليصلحنّ ذات البين، وليذهبن الشحناء وليعرضنّ عليه المال فلا يقبله، ثم لئن قام على قبري فقال: يا محمد، لأجيبنّه"([91]).

وسيأتم وقتها بأمير طائفة المسلمين المجاهدة يومها؛ تكرمة لهذه الأمة..

فعن جابر رضي الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا تزال طائفة من أمتي يقاتلون على الحق ظاهرين إلى يوم القيامة.

قال: فيزل عيسى بن مريم عليه السلام. فيقول أميرهم: تعال صل لنا، فيقول: لا، إن بعضكم على بعض أمراء تكرمه الله لهذه الأمة ). رواه مسلم.

       وقد جاء النص صريحاً أن المسيح سيقاتل عند نزوله الناس على الإسلام لا على الجزية ولا على غيرها فيُهلك الله في زمانه الملل كلها إلا الإسلام ، وأنه يمكث أربعين سنة ثم يتوفى فيصلي عليه المسلمون..

       فروي أبو داود والإمام أحمد (2/406) بإسناد صحيح كما قال الحافظ ابن حجر في الفتح (6/384) عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( الأنبياء إخوة لعَلَّات أمهاتهم شتى ودينهم واحد، وأنا أولى الناس بعيسى ابن مريم لأنه ليس بني وبينه نبي وإنه نازل فإذا رأيتموه فاعرفوه؛ رجلٌ مربوع، إلى الحمره فيقاتل الناس على الإسلام فيدق الصليب، ويقتل الخنزير ويضع الجزية ويهلك الله في زمانه الملل كلها إلا الإسلام ، ويهلك الله المسيح الدجال، وتقع الأمنة في الأرض حتى ترتع الأسود مع الإبل، والنمار مع البقر، والذئاب مع الغنم، ويلعب الصبيان بالحيّات لا تضرهم، فيمكث في الأرض أربعين سنة ثم يتوفى فيصلي عليه المسلمون )

 

-      بعض أوصاف المسيح عليه السلام:-

     جاء في الحديث السابق : (وإنه نازل فإذا رأيتموه فاعرفوه؛ رجلٌ مربوع، إلى الحمره )

       وعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أراني الليلة في المنام عند الكعبة فإذا رجل آدم([92])كأحسن ما ترى من أُدْم الرِّجال تضرب لِمتّه([93])بين منكبيه رجلُ الشعر، يقطر رأسه ماءً، واضعاً يديه على منكبي رجلين، وهو بينهما يطوف بالبيت، فقلت: من هذا ؟ فقالوا: المسيح ابن مريم."رواه مسلم رقم 79/ المختصر.

-       وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حين اسري بي لقيت موسى عليه السلام.. إلى قوله: ولقيت عيسى، فنعته النبي صلى الله عليه وسلم فإذا هو رَبْعَة أحمر([94]). كأنه خرج من ديماس، يعني حماماً." رواه مسلم رقم 78 / المختصر.

-      من أقوال المسيح عليه السلام:

       ذكر الحافظ أبن كثير جملة من أخباره في البداية والنهاية (2/89) فصاعدا.. من ذلك قوله عليه السلام:

- "اعبروا الدنيا ولا تعمروها.. وربّ شهوة أورثت أهلها حزناً طويلاً".

-       وقوله :"لا تنظروا في ذنوب العباد كأنكم أرباب، وانظروا فيها كأنكم عبيد، فإنما الناس رجلان معافىً ومبتلى، فارحموا أهل البلاء، واحمدوا الله على العافية"..

-       وقوله (2/90): "يا معشر الحواريين اجعلوا كنوزكم في السماء، فإنّ قلب الرجل حيث كنزه"أ.هـ. من البداية والنهاية.([95])

-       وقوله: "يا علماء السوء جعلتم الدنيا على رؤوسكم، والآخرة تحت أقدامكم، قولكم شفاء، وعملكم داء. مثلكم مثل شجرة الدفلى، تعجب من رآها، وتقتل من أكلها"(2/91).

-       وروى مسلم في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "رأى عيسى بن مريم رجلاً يسرق فقال له عيسى: سرقْتَ؟ قال: كلا، والذي لا إله إلا هو.

فقال عيسى: آمنت بالله، وكذّبت نفسي" المختصر رقم (1620)

-       وقال مكحول: (التقي يحيى وعيسى، فصافحه عيسى وهو يضحك فقال له يحيى: يا ابن خالة، مالي أراك ضاحكاً كأنك أمِنت؟ فقال له عيسى: مالي أراك عابساً كأنك يئست.؟ فأوحى الله إليهما : أن أحبكما إليّ أبشكما بصاحبة) البداية والنهاية (2/91)

       وقد روى أبو داود والإمام أحمد (4/136) أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (ما حدثكم أهل الكتاب فلا تصدقوهم ولا تكذبوهم، وقولوا: آمنا بالله وكتبه ورسله، فإن كان حقاً لم تكذبوهم وإن كان باطلاً لم تصدقوهم)

وقد رواه البخاري دون زيادة: (فإن كان حقاً..)

وهذا فيما ليس في شرعنا تصديق أو تكذيب له.

أما ما ورد رده وتكذيبه في شرعنا كدعوى ألوهية المسيح أو بنوّته لله.. ونحوه من عقائد الكفر والشرك والضلال فباطل مردود.

وما كان موافقاً لشرعنا، فلا حرج من روايته، وإن كان في شرعنا ما يغني عنه.. وهذه أمثلة مما ينسب إلى المسيح من ذلك ..

·        جاء في إنجيل متى (5/27-28) قوله: "قد سمعتم أنه قيل: (لا تزن) أما أنا فأقول لكم: من نظر إلى امرأة بشهوة زنى بها في قلبه"أهـ.

-       وفي الحديث الذي رواه البخاري ومسلم عن أبي هريرة قال الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم : (.. العينان زناهما النظر .. إلى قوله: والقلب يهوى ويتمنى ويصدق ذلك الفرج ويكذبه ).

·        وفي لوقا (12/4-6) : " أقول لكم ياأحبابي ، لا تخافوا الذين يقتلون الجسد ثم لا يستطيعون أن يفعلوا شيئاً بعد ذلك، ولكنني أبيّن لكم من تخافون: خافوا من له القدرة بعد القتل أن يلقي في جهنم"أهـ.

-       وهذا موافق لقوله تعلى : (فَلَا تَخْشَوا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ) (سورة المائدة). ولقوله سبحانه: (أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) (سورة التوبة).

·        وفي متى (10/34-36): "لا تظنوا أني جئت لأحمل السلام إلى الأرض، ما جئت لأحمل سلاماً بل سيفاً: لأفرق بين المرء وأبيه، والبنت وأمها والكنة وحماتها، فيكون أعداء الإنسان أهل بيته"

وفي لوقا (12/51-53):" أتظنون أني جئت لأحل السلام في الأرض؟ أقول لكم : لا بل الإنقسام، فيكون بعد اليوم خمسة في بيت واحد منقسمين ثلاثة منهم على اثنين واثنان على ثلاثة.. الخ"

-وهذا موافق لقوله تعالى: (فَآمَنَتْ طَائِفَةٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَكَفَرَتْ طَائِفَةٌ فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ ءَامَنُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ(14)) (سورة الصف).

 وقوله سبحانه: (وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ(4)) (سورة البينة).

وموافق لوصف الملائكة للنبي صلى الله عليه وسلم كما في حديث البخاري: ( ومحمد فرْقٌ بين الناس ) وفي رواية ( فرّقَ بين الناس ) ومن أسماء القرآن الفرقان،وسمي يوم بدر يوم اقتتل الجمعان الآباء والأبناء على الدين بيوم الفرقان.

·        وفي لوقا (16/13): "ما من خادم يستطيع أن يعمل لسيدين، لأنه إما أن يبغض أحدهما ويحب الآخر..) وزاد في متى (6/24) :
( وإما أن يلزم أحدهما ويزدري الآخر .. ) أهـ.

وهذا مثل للعبد المشرك الذي تتنازعه أوامر أسياده ..

       وهو موافق لقوله تعالى: (ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ(29))(سورة الزمر).

·        وفي متى (7/3) ولوقا (6/41-42): "لماذا تنظر إلى القذى الذي في عين أخيك ؟ والخشبة التي في عينك أفلا تأبه لها ؟.. "أهـ.

-       وفي الحديث الذي يرويه ابن حبان في صحيحه وأبو نعيم في الحلية (4/99) عن أبي هريرة مرفوعاً: ( يُبصرُ احدُكم القذاة في عين أخيه، وينسى الجِذعَ في عينه معترضاً ).  ورواه البخاري في الأدب المفرد (592) وكذلك أحمد في (الزهد) لكن موقوفاً عند كليهما على أبي هريرة .

·        وفي متى (6/2-4): " إذا تصدقت فلا ينفخ أمامك في البوق، كما يفعل المراؤون في المجامع والشوارع، ليعظم الناس شأنهم، الحق أقول لكم أنهم أخذوا أجرهم، أما أنت، فإذا تصدقت، فلا تعلم شمالك ما تفعل يمينك، لتكون صدقتك في الخفية "أهـ.

-       وأول هذا موافق لما رواه مسلم في الثلاثة الذين هم أول من تسعر فيهم جهنم يوم القيامة وفيهم رجل وسع الله عليه وأعطاه من أصناف المال كله ، فأتي به فعرفه نعمه فعرفها ، فقال : ما عملت فيها ؟ فقال : ما تركت من سبيل تحب أن ينفق فيها إلا أنفقت فيها لك ، فيقال : كذبت ، ولكنك فعلت ليقال : هو جواد ، فقد قيل .. )

-       وأما آخره فموافق لما رواه البخاري ومسلم عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله.. وفيهم: ( رجل تصدق بصدقة، فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه..)

وأخيراُ ..

فإن ديننا وما جاء به موسى وعيسى من الدين الحق ؛ ليخرج من مشكاة واحدة ..

    .. ولو لم تعبث أيدي التحريف والتبديل في كتبهم ؛ أو قل لو أن الإنجيل الذي جاء به عيسى بين أيدي النصارى اليوم كما هو
؛ لوجدته يخرج كله مع قرآننا من مشكاة واحدة ..

وقديما شهد النجاشي بهذا قبل أن يسلم وهو على نصرانيته يوم قال لجعفر: هل معك مما جاء به أي النبي صلى الله عليه وسلم من شيء ؟ قال: نعم . قال : فاقرأه عليّ . فقرأ عليه صدراً من "كهيعص" وفيها قصة ولادة مريم للمسيح  فبكى والله النجاشي حتى أخضل لحيته وبكت أساقفته حتى أخضلوا مصاحفهم، حين سمعوا ما تلي عليهم.

 ثم قال النجاشي: إن هذا والذي جاء به موسى ليخرج من مشكاة واحدة . ([96])


 

 

 

 

 

 

الفصل الثالث


-      عهود الاضطهاد وأثرها في تحريف المسيحية:

لا شك أن الناظر في أحوال النصارى اليوم وكيف ارتموا على أقدام اليهود ينصرونهم ويخدمونهم ويثبتون أركان دولتهم ؛ ليعجب أشد العجب من سفاهة عقولهم وخفة أحلامهم إذا ما طالع تاريخ النصرانية وما تخلله من عهود اضطهاد طويلة مارسها ضدهم اليهود ..

فقد بدأ اضطهاد اليهود لأتباع المسيح في حياته وازداد بعد رفعه عليه السلام.

-       فبدأ ذلك في عهد "طيباروس" الإمبراطور الروماني الذي عاصر المسيح عليه السلام، وقد حكم من الفترة الواقعة بين (14-37) وجاء بعده قيصران كانا أشد قسوة على المسيحيين :

-       أحدهما : الإمبراطور الروماني " نيرون" (54-68م) والذي اتهمهم بإحراق مدينة روما([97])، وقد تفنن في تعذيبهم فكان يلبسهم جلود الحيوانات، ويرميهم للكلاب تمزقهم وكان يحكم عليهم بالقتل الجماعي..

-       والثاني: الإمبراطور "تراجان" "53-117م" الذي تُوّج إمبراطوراً في الفترة "98-117م" وقد أمر ولاته في الأقاليم التابعة له بتعذيب النصارى وإعدام كل من كان مسيحياً.

-       وبعد موت تراجان تنفس المسيحيون الصعداء، وكانت معاملة الأباطرة الذين خلفوه في الحكم حسنه، حتى جاء؛

-       الإمبراطور "ديكيوس" (249-251م) الذي أصدر مرسوماً باضطهاد كل من هو مسيحي، وكان يأمر من قبض عليه بتهمة المسيحية أن يقدم قرباناً إلى الهيكل الوثني، فإذا رفض، كان هو الذبيحة المقدمة للهيكل.

-       ثم في عهد (دقلديانوس) (284-305م) أراد الأقباط في مصر التحرر من قيصر الرومان وأغلاله، فطالبوا بالحرية، وأمّروا أحدهم، منشقين بذلك عن الإمبراطورية، فجاء دقلديانوس، بقوته إلى مصر، فحرّق كنائسهم، وكتبهم، وأعمل فيهم القتل حتى قيل أنه قتل منهم (300) ألف قبطي، فكانت كارثة عليهم لدرجة أن الأقباط اتخذوا بداية حكم هذا الإمبراطور للتأريخ القبطي.

-       وفي عام 527م قام "ذونواس الحميري" بمذبحة للنصارى في نجران بعد أن أحس بأن شوكتهم بدأت تقوى ، فقد كان أكثرهم من التجار الأغنياء وكانوا على المذهب النسطوري، فقيل أنه قتل منهم عشرين ألفاً في معركة الأخدود، ويقال أن هذه الحادثة هي التي ذكرها الله تعالى في القرآن من خبر أصحاب الأخدود ؛ فإن يكن الأمر كذلك يكون هؤلاء من الموحدين، وعلى كل حال فقد كان هذا في وقت متأخر عن عهود الاضطهاد العامة للنصارى ، فقد كان لهم آنذاك وجودهم الرسمي في الإمبراطورية الرومانية والحبشة وغيرها، فلما علم كل من قيصر الروم ونجاشي الحبشة بالحادث تراسلاً، واتفقا على الثأر لنصارى نجران وبالفعل انتصر جيش النجاشي بقيادة أرياط، وسيطر على اليمن ومن بعده أبرهة الأشرم.

-       وقد أضطر المسيحيون في عهود الاضطهاد المظلمة هذه ، إلى أن يستخفوا ويفروا ، مما جعلهم يفقدون بعض كتبهم وأحرق البعض الآخر..

فكان لهذا الأثر الواضح في تحريف كتبهم وضياع أصولها.. فلم يعد الإنجيل الذي ذكر الله تعالى في القرآن أنه أنزله على عيسى موجودا ..

 

 

 

 

-       أشهر أناجيل النصارى ومؤلفوها:

لفظة (إنجيل) ليست عربية، بل عبرية وقيل يونانية ومعناها البشارة.. وقد أنزله الله على عبده المسيح مصدقاً لما بين يديه من التوراة ومبشراً برسول من بعده اسمه أحمد..

قال تعالى : (وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَابَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ(6)) (سورة الصف).

وقال سبحانه: (الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ) (سورة الأعراف)

فقد حوى الإنجيل الذي أنزله الله على عيسى هذه البشارة ، كما حوى أوصاف خاتم الأنبياء والمرسلين الذي بشر به كما ذكرت في هذه الآيات ..

وفي الحديث الذي يرويه الحاكم (2/614) وغيره بإسناد حسن عن عائشة رضي الله عنها (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مكتوب في الإنجيل، لا فظ ولا غليظ ولا سخاب بالأسواق، ولا يجزي بالسيئة مثلها بل يعفو ويصفح)

       ولكن هل بقي من هذه البشارة اليوم شيء..؟!

       لا شك أن هناك عبارات مبثوثة في طيات الأناجيل الموجودة بين أيدي النصارى تشير إلى هذه البشارة يؤولها النصارى على غير هذا الوجه.

       فقد وردت لفظة (المحنميا) في أناجيلهم باللغة الآرامية، تشير إلى النبي محمد صلى الله عليه وسلم، والتي ترجموها باليونانية إلى (البارقريط) ثم ترجمت هذه اللفظة بدورها إلى العربية، إلى (المعزي) تارة و (المؤيد) أحياناً، وأحياناً روح الحق.

       وطبعات الأناجيل وترجماتها المختلفة تدور حول هذه المعاني ولا تتعداها.. وجميعها تتلكم عن رسول يأتي من بعد المسيح تكون رسالته عامة ومهيمنة إلى يوم القيامة، وأنه يدين العالم ويحاسبهم على الخطايا وينتصر عليهم، وأنه لا يتكلم من عنده، بل يتكلم بما يسمع (إن هو إلا وحي يوحى)

-       ففي إنجيل يوحنا (4/6/17) على سبيل المثال مما ينسب إلى المسيح: (أنا أسأل الأب ([98]) فيهب لكم مؤيداً يكون معكم للأبد روح الحق) أهـ.

-       وفيه أيضاً: (15/7-8): (إنه خير لكم أن أمضي، فإن لم أمض لا يأتيكم المؤيد أما إذا ذهبت فأرسله إليكم وهو متى جاء أخزى العالم على الخطيئة والبر والدينونة) ..

-        وفيه (16/13-14): (متى جاء هو أي روح الحق أرشدكم إلى الحق كله لأنه لا يتكلم من عنده بل يتكلم بما يسمع ويخبركم بما سيحدث، سيمجدني لأنه يأخذ مما لي ويطلعكم عليه).

-        وفيه (14/25-27): (قلت لكم هذه الأشياء وأنا مقيم عندكم ولكن المؤيد .. هو يعلمكم جميع الأشياء، ويذكركم جميع ما قلته لكم، السلام استودعكم وسلامي أعطيكم).

       قال القاضي عياض في الشفا في التعريف بحقوق المصطفى (1/234): (معنى البارقليط: روح الحق، وقال ثعلب: هو الذي يفرق بين الحق والباطل)أهـ.

       وفي سفر الرؤيا ليوحنا، ذكر لقب رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي شهره الناس به قبل بعثته، في أكثر من موضع انظر على سبيل المثال: (3/14): (الأمين الصادق رأس خليقة الله) وهو يتحدث عمن يأتي في المستقبل بعد المسيح، وذكر بعد ذلك بقليل (3/18) شيئاً من شمائله التي هي نادرة الوجود بين النصارى كقوله: (وثياباً بيضاً تلبسها .. وإثمد تكحل به عينيك ..)أهـ ([99]) .

وغير ذلك مما يراه الناظر في كتبهم، ولا يزال موجوداً فيها رغم التحريف والتبديل.

كما أن هناك إنجيل يعرف بإنجيل بَرْنابا وهو كما ورد في سفر أعمال الرسل من أشهر وأنشط أتباع المسيح. إلا أن الكنيسة اليوم لا تعترف بهذا الإنجيل لأنه يصرح بتلك البشارة بوضوح بل ويسمي النبي صلى الله عليه وسلم فيها باسمه ولا يقر بألوهية المسيح ولا بصلبه .

       أما الأناجيل الأربعة المتداولة بأيدي النصارى اليوم وهي: "إنجيل متى، وإنجيل مرقس، وإنجيل لوقا، وإنجيل يوحنا". فالنصارى جميعاً لا يدعون أنها منزلة من عند الله، ولا يدعون أن المسيح هو الذي جاء بها أو كتبها. بل كلهم؛ أولهم عن آخرهم لا يختلفون بأنها تواريخ ألفها رجال بعد المسيح في أزمنة مختلفة.

       فمن المقطوع به أن الإنجيل الذي أنزله الله على عبده ورسوله عيسى غير هذه الموجودة لدى النصارى اليوم.

       فالله عز وجل قد أنزل إنجيلاً واحداً، فكيف صارت أربعة وبينها اختلاف واضح وتناقض صريح يلحظه كل من قلبها وطالعها .. فلا شك أن ذلك الإنجيل الأصيل قد ضاع وفقد وأهمله النصارى، وأن هذه الأربعة المنتحلة والمكتوبة بعد المسيح بمدد مختلفة ما هي إلا قصص وتاريخ لأحداث متفرقة، من مولد المسيح  إلى صلبه كما يزعمون .. وقد طرأ عليها من الترجمة والنسخ والزيادة والنقص والتحريف والتبديل، ما أظهر فيها تناقضاً واختلافاً مضحكاً في كثير من المواضع لا بد فيه من الكذب!!

       وقد كانت هذه الأناجيل في بادئ الأمر أكثر من أربعة، فيذكر بعض المؤرخين أنها بلغت المائة ولكن الكنيسة رفضت ما يخالف أهواءها وأقرت هذه الأربعة المعروفة اليوم على ما هي عليه من انقطاع السند، وجهالة المؤلف الحقيقي أو المترجم لها، وهذه نبذة عن كل واحد من هذه الأربعة:

1       - إنجيل متى :

 هو تاريخ ألفه "متى اللاواني" وقيل ؛ له اسم آخر هو "لاوي" انظر مرقس (2/14) ولوقا (5/27). ويدعي النصارى أنه كان تلميذاً للمسيح ([100]) وقد كان عشاراً ؛ أي من جباة الضرائب للدولة الرومانية في عهد (طيباروس)([101]) ، وبعد رفع المسيح اعتبر متى أشهر المبشرين بالمسيحية، وجال في البلدان، ويروي مؤرخو المسيحية أن الموطن الأساس لتبشيره كان في الحبشة، وقد قيل أنه قام بكتابة تاريخه هذا بعد تسع سنين من رفع المسيح، وهذا قول من الأقوال وإلا ففي تحديد تاريخ تأليفه خلاف معروف عند مؤرخي المسيحية ([102])، ولكنهم يعتبرونه أول كتبهم في التأليف والرتبة. ويقولون بأنه كتبه في بلد يهوذا الاسخريوطي بالشام، واتفقوا على أنه كتب بالعبرانية، ولكنهم لم يتفقوا على أول من ترجمه لليونانية وتاريخ هذه الترجمة، وليس عندهم اليوم الأصل العبراني المترجم عنه، حتى تتم المقارنة إن طلب التوفيق أو التحقيق ..!

       فتأمل الخطر العظيم في جهالة المترجم الأول لأخطر وثيقة في ديانة القوم هل تراه ثقة ؟ أم كذاب أم يهودي حاقد من أعداء المسيح ؟

       وأي قيمة علمية لوثيقة تقوم عليها عقيدة ديانة كاملة لا يعرف أصلها ولا مترجمها ؟

 وقد مات متى مقتولاً في الحبشة سنة 62م بعد أن أمضى قرابة ثلاث وعشرين سنة داعية للمسيحية فيها.

       وأخيراً فالنصارى لا يعرفون اسم صاحب هذا الإنجيل معرفة دقيقة، بل يضطربون فيه فتارة يسمونه (متى) كما في إنجيله (9/10)، وتارة (لاوي) كما في لوقا (5/27) ، وأقصى ما نسبوه ففي مرقس حيث قالوا: (لاوي بن حَلْفى) (2/14) ..

    وقد اعترف الأبوان المقدمات لهذا الإنجيل في الطبعة الكاثوليكية للعهد الجديد، بهذا الاضطراب فقالا ص 31: ( لا نعرف اسم المؤلف معرفة دقيقة )!! فتأمل.

وكل ما قالاه في التعريف بشخصه، هو ما استنبطاه من مؤَلَّفه هذا حيث قالا: (متى هو الإنجيلي الأكثر تشديداُ على الشريعة والكتاب المقدس والعادات اليهودية، فهو يتبنى الأركان الثلاثة الكبرى التي تقوم عليها التقوى اليهودية ( الصدقة والصلاة والصوم ) أهـ ص30.

2      إنجيل مرقس :

       وهو تاريخ كتبه (مرقس الهاروني) يهودي الأصل عاشت أسرته في القدس (أورشليم) وقت ظهور المسيح عليه السلام، وقد تنقل بين البلدان واستقر في مصر واتخذها موطناً حتى قتل على يد الوثنيين سنة 92م قيل أنه ألف إنجيله بعد 22 سنة من رفع المسيح([103]) حيث كتبه باليونانية في أنطاكية([104]).

       ولم يكن من تلاميذ المسيح، وإنما كان تلميذاً لشمعون باطرة([105]) الذي يزعمون أنه كان من تلاميذ المسيح وقد تقدم من نقول أناجيلهم أنه تبرأ من المسيح وأنكر معرفته به عند اعتقال المسيح بزعمهم.

       وهذا الإنجيل هناك خلاف بين المؤرخين حول كاتبه الحقيقي هل هو مرقس أم أستاذه ؛ فقيل أن شمعون هو الذي ألفه ووضع اسم تلميذه عليه، والبعض يزعم بأن مرقس كتبه بعد موت أستاذه، ولا أحد يستطيع أن يجزم يقيناً بكاتبه منهما، فضلاً عن أن ينسبه إلى المسيح !!

3-  إنجيل لوقا :

       اختلف في معرفة شخصية لوقا واضع هذا الإنجيل معرفة دقيقة، فقيل هو طبيب أنطاكي، وقيل هو مصوّر إيطالي، وقد كتبه باليونانية في بلده إقاية، بعد تأليف مرقس لتاريخه، فقيل سنة 53 وقيل 63 وقيل 64([106]) وقد قتل في زمن نيرون، ولوقا هذا لم يكن تلميذاً للمسيح ولا من تلاميذ تلامذته .. بل كان تلميذاً لبولس اليهودي الذي تنصر وأفسد الديانة المسيحية كما سيأتي .

       وقد أتى لوقا في إنجيله هذا بزيادات كثيرة عما ذكره متى ومرقس بشكل واضح يرتاب له القارئ ؛ ومع هذا فقد جعل ضمن الأناجيل الإزائية في تصنيفهم.

الأناجيل الإزائية:

       ويعنون بها الأناجيل المتشابهة .. فهذه الأناجيل الثلاثة التي تقدمت يسميها النصارى بالأناجيل الإزائية، لأنها متشابهة بزعهم، بحيث يمكن وضع نصوصها في ثلاثة أعمدة متوازية تساعد على المقارنة بينها .. بخلاف الإنجيل الرابع (يوحنا) فإنهم يقرون بأنه انفرد عنها بمخالفات كثيرة .. وأنه جاء بعدها والثلاث كتبت قبله جاءت بمدد متقاربة.

       أما نحن فنعتقد أن الخلاف واضح ظاهر بينها جميعاً كما تقدم منه أمثلة وسيأتي غيره الكثير…

4-  إنجيل يوحنا:

       تزعم الكنيسة أن كاتبه هو (يوحنا بن زبَدَى) الصياد، أحد تلامذة المسيح عليه السلام. وقد قرر جمهور كبير من محققي النصرانية منذ القرن الثاني الميلادي بأن هذا المصنف لا يمكن نسبته إلى يوحنا بن زبدى الصياد تلميذ المسيح، واعترفوا بأنه من إعداد طالب من طلبة مدرسة الإسكندرية.

       وجاء في دائرة المعارف البريطانية التي اشترك فيها خمسمائة من علماء النصارى ما نصه: " أما إنجيل يوحنا فإنه لا مرية ولا شك كتاب مزور، أراد صاحبه مضادة اثنين من الحواريين وهما القديسان "يوحنا ومتى" وقد ادعى هذا الكاتب المزوّر في متن الكتاب أنه الحواري الذي يحبه المسيح فأخذت الكنيسة هذه الجملة على علاتها وجزمت بأن الكاتب هو يوحنا الحواري، ووضعت اسمه على الكتاب نصاً، مع أن صاحبه غير يوحنا يقيناً) أهـ.

       وقد انفرد هذا الكتاب بفقرات تُصَرّح بألوهية المسيح زيادة على ما في الكتب الأخرى، والعجيب في الأمر أن الكنيسة تعتمد عليها في معتقدها المخالف لأصول الديانة التي أنزلها الله على عيسى، مع علمها اليقيني بعدم صحة نسبة هذا الإنجيل إلى يوحنا .

 جاء في مقدمة إنجيل يوحنا : (وليس لنا أن نستبعد استبعادا مطلقاً، الافتراض القائل بأن يوحنا الرسول هو الذي أنشأه، ولكن معظم النقاد لا يثبتون هذا الاحتمال فبعضهم يتركون تسمية المؤلف فيصفونه بأنه مسيحي كتب باليونانية في أواخر القرن الأول في كنيسة من كنائس آسية وبعضهم يذكرون بيوحنا القديم .. وبعضهم يضيفون أن المؤلف كان على اتصال بتلميذ مرتبط بيوحنا الرسول) أهـ([107]).

       وقد نصوا بأنه كتب باليونانية في بلد أستية (وهي بلد بين هراة وغزنة في أفغانستان اليوم) واختلفوا اختلافاً كبيراً حول تاريخ تدوينه فبعضهم يذكر تاريخ 65م وبعضهم يذكر سنة 98م وبعضهم يذكر أواسط القرن الثاني .. والخلاصة أن مؤلف هذا الإنجيل مجهول، فعجباً لأمة تأخذ أركان دينها عن مجهول ؛ ربما كان من أعداء المسيح وكتب كتابه هذا عابثا بهذه الديانة مع العابثين !

 

 

-  والخلاصة :

       أن هذه التواريخ هي قطب الرحى للديانة المسيحية اليوم وهي جميعها تدور حول شخص المسيح وتاريخه، وتاريخ أمة مريم، ويحيى الذي يسمونه (يوحنا المعمدان) ووالده زكريا وغيرهم ؛ نقلوا من ذلك ما تبقى في ذاكرتهم أو ما بلغهم من الأخبار في أزمان تصنيفها بعد رفع المسيح، وهي تشتمل على العقائد الدخيلة على المسيحية؛ كدعوى ألوهية المسيح، وعقيدة الصلب والفداء، وتزخر بالتناقضات والترهات التي تقدم بيان أمثلة منها.

       ولا تخلوا من بعض الأخبار الصحيحة الموافقة لما جاء به القرآن ؛ولكن ذلك فيها قليل ممزوج بباطلهم العريض.

والجدير بالذكر أنه لم يكن هناك قبل بداية القرن الثاني من يعتبر هذه الأناجيل لها من الشأن ما للكتاب المقدس، ولا كان قبل سنة 150م شيئاً منها مكتوباً يعرفه ويتداوله الناس وإنما عرف ذلك في النصف الثاني من القرن الثاني ([108]).

ويقول جون لوريمر في تاريخ الكنيسة (152) عن هذه الأناجيل: (لم يصل إلى الآن معرفة وافية عن الكيفية التي اعتبرت بها الكتب المقدسة كتب قانونية) أهـ.

أقول: بلى قد وصل !! فسيأتي أنها إنما أصبحت كتباً قانونية في عهد قسطنطين حيث فرضها فرضا بما تحويه من عقائد الكفر بقوة سلطانه كما سيأتي.

       ومعلوم أن هذه الأربعة ليست هي أناجيلهم الوحيدة؛ بل التاريخ يحدثنا عن وجود أناجيل أخرى لبعض طوائفهم، كإنجيل يعقوب وإنجيل توما وإنجيل بطرس وإنجيل فيلبس وإنجيل برنابا، ولكن تلك الأربعة هي الأشهر عندهم اليوم، وهي التي فرضها ملوكهم وارتضتها كنائسهم لموافقتها لأهواء الأحبار والرهبان وقد استبعدوا ما سواها بدعوى احتوائها على عقائد وأفكار غريبة وخارجة عن الأفكار التي أقرتها الكنيسة ..  كما فعلو مع (إنجيل برنابا المشهور) إذ أن الكنيسة استبعدته ولم تعترف به لأن فيه ما يخالف عقائد النصارى مخالفة صريحة ؛ من حيث عدم قوله بألوهية المسيح ، وفيه التبشير صراحة بنبوة خاتم الأنبياء والمرسلين وذكر أوصافه..

 وقد ثبت لدى العلماء المحققين انقطاع السند في تلك الأناجيل إلى عيسى عليه السلام وكذلك إلى تلامذته أو حتى تلامذة تلامذته ، كما ثبتت عندهم جهالة بعض كتابها، وجهالة بعض مترجميها، والجهالة والاضطراب في تحديد تواريخ كتابتها .. وجهالة الأصل المترجم منها.

       فليت شعري كيف يقوم دين ويبنى على هذه الجهالات التي هي ظلمات بعضها فوق بعض…؟؟

 

       والحمد لله على نعمة التوحيد والإسلام والقرآن…

 

 

 

 

 

 

 

 

بولس وأثره في تحريف النصرانية

 

       لم يكن الاضطهاد وحده سبباً في ضياع أصول كتب المسيحيين وتحريف ديانتهم بل ساهم في ذلك أيضاً اعتناق بعض اليهود لها ممن كان لهم أعظم الأثر في تحريفها.

ومن أشهر هؤلاء في تاريخ المسيحية:

بولس:

       الشهير بـ(بولس القديس) وهذا اسمه الروماني أما اسمه العبراني الأصلي فهو (شاءول). ولد بعد مولد المسيح بقرابة عشر سنين، وختن في اليوم الثامن على طريقة اليهود، وكان مولده في طرطوس التي كانت تنتشر فيها بذلك الوقت الثقافة اليونانية ومدارسها الفلسفية. وكان أبوه يهودياً متعصباً على مذهب الفريسيين([109]) وكان من أتباع الدولة الرومانية.

       وهكذا نشأ بولس نشأة يهودية مشوبة بثقافة يونانية في الوقت الذي كان فيه مواطناً رومانياً. فشب يضطهد المسيحيين الأوائل اضطهاداً شديداً، ويتعقبهم ويلاحقهم ويقتلهم، ويبرر النصارى عداءة هذا لهم ( بأنه كان يعد كفراً قولهم أن يسوع الناصري هو المسيح ابن الله)أهـ([110]) ويذكرون حكاية انقلابه فجأة إلى النصرانية بقصة ملخصها أنه كان متوجهاً إلى دمشق ليسجن المسيحيين الذين فيها .. إذ نور من السماء قد سطع حوله فسقط إلى الأرض وسمع هاتفاً يناديه يقول: (شاءول، شاءول، لم تضطهدني؟ فقال: من أنت؟ فأجابه الصوت: أنا يسوع الذي تضطهده!!)([111]). ويقولون أنه صار بعد ذلك من أنشط دعاة المسيحية وأنه رافق برنابا أحد أنشط أتباع المسيح مدة، ثم اختلف معه خلافاً شديداً وفارقه .. (أعمال الرسل 15/39).

 ورسائله تدل على أنه انتحل العقيدة الكفرية التي تقول بأن المسيح هو ابن الله، قبل أن يكون ذلك قد عرف في النصارى وانتشر.

       فيرى المؤرخون أنه هو الذي ابتدع هذه الطامة الكفرية ونادى بفكرة الناسوت واللاهوت، وهي فكرة فلسفية الأصل لا شك أن لفلسفة اليونان التي نشأ فيها بولس في ذلك الزمان أثراً في انتحالها ؛ فادعى بأن للمسيح شقاً إلهياً وشقاً آخر إنسانياً.

       يقول ابن القيم في إغاثة اللهفان: "إن النصارى بعد المسيح، تأثروا بالفلسفة وركبوا ديناً بين دين المسيح ودين الفلاسفة عباد الأصنام، وراموا بذلك أن يتلطفوا للأمم حتى يدخلوهم في النصرانية. فنقلوهم من عبادة الأصنام المجسدة إلى عبادة الصور التي لا ظل لها، ونقلوهم من السجود للشمس إلى السجود إلى جهة المشرق([112])، ونقلوهم من القول باتحاد العاقل والمعقول والعقل إلى القول باتحاد الأب والابن والروح القدس. أهـ (2/270).

       أما ابن كثير فيذكر في البداية والنهاية (6/100): "أن رجلاً من أهل دمشق يقال له ضينا([113]) كان قد آمن بالمسيح وصدقه وكان مختفياً في مغارة داخل الباب الشرقي قريباً من الكنيسة المصلّبة خوفاً من بولس اليهودي الذي كان ظالماً غاشماً مبغضاً للمسيح، وكان بولس قد حلق رأس أخيه حين آمن بالمسيح وطاف به في البلد ثم رجمه حتى مات، ولما سمع بولس أن المسيح قد توجه نحو دمشق جهز بغاله وخرج ليقتله، فتلقاه عند كوكبا.. فلما واجهه أصحاب المسيح جاء إليه ملك فضرب وجهه بطرف جناحه فأعماه، فلما رأى ذلك وقع في نفسه تصديق المسيح فجاء إليه واعتذر مما صنع ،وآمن به فقبل منه ،وسأله أن يمسح عينيه ليرد عليه بصره فقال: اذهب إلى حنينا عندك في طرف السوق المستطيل من المشرق فهو يدعو لك، فجاء إليه فدعا فرد عليه بصره وحسن إيمان بولس بالمسيح عليه السلام أنه عبد الله ورسوله وبنيت له كنيسة، فهي كنيسة بولس المشهورة بدمشق من زمن فتحها الصحابة رضي الله عنهم حتى خربت .. أهـ

       فأنت ترى أن ابن كثير يذكر في هذا الموضع أن بولس حسن إيمانه بالمسيح على طريقة أهل التوحيد ! وفي هذا نظر، ومخالفة لكثير من المراجع التي تحدثت عن بولس هذا ، وعلى كل حال فهذه القصة التي ذكرها ابن كثير هي مثل كثير غيرها مما يروى عن أهل الكتاب لا سبيل إلى توثيقها أو إثبات سندها. فنحن لا نسلم بها، ولسنا ممن يقبل أو يتعصب لخبر أو نص على علاتة لمجرد أن رواه مؤرخ إسلامي كلا، فما هذا من المنهج العلمي في شيء فكم قد أدخل أهل التاريخ في تواريخهم من قصص وحكايات وروايات المجاهيل بل والمجروحين فلا نسلم للتواريخ بكل ما فيها هكذا دون تمحيص، فمعلوم أن مؤرخينا قد تساهلوا في السرد التاريخي، ولم يتعاملوا معه كما تعامل المحدثون في تشددهم في قبول الرواية، مع أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم.

       والشاهد أن قصة لقاء بولس بالمسيح لا نظنها تثبت بحال ، ولو ثبتت لكان النصارى أولى بالفرح بها وبإيرادها في أسفارهم وتواريخهم من ابن كثير أو غيره من المؤرخين المسلمين ؛ فباستثناء قصة النور الساطع والهاتف المزعوم الذي سمعه في طريقه إلى دمشق في خبر دخوله إلى النصرانية، لم يتعرض النصارى من قريب ولا بعيد لما ذكره ابن كثير هنا من لقائه بالمسيح ؛مع أنهم أوردوا قصة لقاء بولس بحنينا، ورده بصره عليه بعد ذهابه بسبب النور الساطع كما يزعمون في سفر أعمال الرسل (9/10-19)، وقد ذكروا هناك أن حنينا هذا هو الذي رأى المسيح لكن رؤية منام وليس حقيقة، وأن المسيح دعاه في تلك الرؤية للذهاب إلى بولس ورد بصره عليه. وليس في شيء من ذلك أن بولس لقي المسيح أو قابله؛ فالنصارى أنفسهم لم يدعوا ذلك ومعلوم أنه لو كان لذلك أصل، لكان النصارى أولى من يورده ويفرح به خصوصاً وأنهم لا يملكون ما يستدلون به على أن بولس من تلامذة المسيح إلا حكاية الهاتف المتقدمة، فلو ثبت عندهم ما ذكره ابن كثير، لطاروا به كل مطير، ولما أهملوا الاستدلال به على ذلك أبداً ، بل إن بولس نفسه كان أولى بالاستدلال بذلك لو صح ؛ فإنه لم يورد دليلاً واحداً على كونه من جملة الرسل (تلاميذ المسيح) في رسالته إلى أهل غلاطية رداً على من كذبه في ذلك؛  إلا ما زعمه من صحبه قصيرة لبعض تلامذة المسيح. 

       وأولى من ذلك في الرد وعدم القبول، ما ذكر في الحكاية التي أوردها ابن كثير من أن بولس حسن إيمانه بالمسيح على طريقة أهل التوحيد ؛ فهذا مما لا سبيل إلى إثباته أو قبوله بحال عندنا، ولا حتى عند النصارى إذ لو كان كذلك لرماه النصارى بقوس العداوة، ولما عظّموه أوعظّموا رسائله، بل لذموه وأقصوه ولعنوه وكفّروه ، ولحرّقوا كتبه وطاردو أتباعه، كما فعلوا بكل من سلك ذلك المسلك، وستأتي أمثلة منهم، والواقع المعلوم من حال النصارى مع بولس غير ذلك، فهم يعظّمونه تعظيماً فوق تعظيم الأنبياء([114]) ويتعاملون مع آثاره ورسائله، كتعاملهم مع أناجيلهم آنفة الذكر، من التقديس والإجلال والتعظيم.

       ثم هم يذكرون على لسانه وفي دعوته، في تلك الرسائل والكتب المنسوبة إليه عظائم شركهم وافترائهم على الله، يوردونه على سبيل المدح والثناء لا على سبيل الذم والإنكار ، ولا شك أن الرسائل المكتوبة المنسوبة إليه هي من أعظم أسباب فساد المسيحية، فقد أدخلت إليها التثليث، وأحلت الخمر، ودعت إلى إهمال وترك الختان، وخرجت عن شريعة موسى التي هي شريعة عيسى.. وما وصل النصارى من تلك الرسائل وألحقوه بكتابهم المقدس ثلاثة عشر رسالة سيأتي ذكرها([115])

       وقد ثار اليهود ضدّه، وقُبض عليه في أورشليم، وسيق إلى روما في حوالي سنة 64م حيث صلب وقطع رأسه بالسيف ، فمات ولم يتزوج ؛فكان لذلك أثراً في ابتداع الرهبانية والعزوف عن الزواج عند رؤساء النصارى.

       وفي أعمال الرسل (11/26) أن أوّل مرة سُمي بها النصارى بالمسيحيين كان في أنطاكية بعد دخول بولس إلى النصرانية.

       والسؤال الذي لا يستطيع النصارى الإجابة عليه هو: على يد من تعلم وتتلمذ بولس هذا أصول المسيحية ؛حتى يصير بهذه المرتبة عندهم ؟

       فهم يقرون بأنه لم يلزم المسيح !! ولا تتلمذ على يديه ! ولا حتى على أيدي تلامذته ،إلا ما يذكر من أنه صحب برنابا ،وهذه الصحبة حجة عليهم ؛لأنهم يقرون بأن برنابا اختلف معه، وفارقه على إثر ذلك الاختلاف. ويترجح لدينا أن ذلك الاختلاف مرجعه إلى شذوذات بولس وآرائه الشركية التي خالف بها صراحة دين المسيح. ويدل على ذلك إشارات بولس نفسه إلى شيء من ذلك الخلاف في رسالته إلى أهل غلاطية ؛حيث اتهم برنابا بمداهنة ومراءاة أهل الختان العاملين بشريعة موسى في دعوته إلى العمل بالشريعة ، وعدم مؤاكلته أو مجالسته للوثنيين (2/11-14) . وفي أعمال الرسل (15/39): ( فوقع بينهما خلاف شديد حتى فارق أحدهما الآخر؛ فاستصحب برنابا مرقس وأبحر إلى قبرس، وأما بولس فاختار سيلا ومضى )أهـ.

 وكذلك الأمر بالنسبة لبطرس أو صخر، وهو عندهم من أقرب التلاميذ وأحظاهم عند المسيح. فإنه قد خالفه في أهم المسائل التي أفسد فيها بولس النصرانية – كما سيأتي – وهي دعوته للاستغناء بعقيدة الفداء والخلاص عن التمسك بشريعة موسى والعمل بها؛ فإن بولس نفسه يذكر في رسالته لأهل غلاطية (2/11-14) أن بطرس قدم إلى أنطاكية، وأن بولس واجهه هناك وغضب عليه وخالفه في هذه المسألة، وهي الالتزام بشريعة موسى، لأن بطرس لم يكن يؤاكل المسيحيين الذين هم من أصل وثني لعدم التزامهم بالختان والشريعة. وفيها أنه كان قد أقام عنده قبل ذلك في أورشليم خمسة عشر يوماً، قال: (ولم أر غيره من الرسل سوى يعقوب أخي الرب!!) أهـ (1/19)

 فلم يكن لقاؤه إذن لمن لقيه من تلاميذ المسيح ؛إلا لقاء محدوداً اتسم بالخلاف والمواجهة في أخطر مسائل الدين!

       وإن الدارس لسيرة هذا الرجل، ليعجب من الذي يؤهله ويمكنه من المجاهرة بمخالفة بطرس، الذي هو بزعم النصارى أقرب الناس إلى المسيح في أخطر مسائل الدين !! وما الذي يؤهله إلى مواجهته في ذلك ؛والغضب عليه غير سلطانه وقوته التي تنبع من كونه مواطناً رومانياً من رعايا الدولة الحاكمة. وكونه كان قبل ذلك مخوّلاً باضطهاد النصارى من قبل عظيم الأحبار كما في سفر أعمال الرسل (9/2) الذي ورد فيه أيضاً (9/27) أنه حاول الانضمام إلى التلاميذ (وأنهم كانوا كلهم يخافونه غير مصدقين أن تلميذ) أهـ

       والمعروف أيضاً أن بولس هو الذي حول الديانة النصرانية، من رسالة خاصة باليهود، إلى رسالة عالمية خاطب بها الوثنيين وغيرهم ؛ كما هو واضح جلي في رسائله ؛ وسهلها عليهم بتقليله من شأن الالتزام بالشرائع بل وإلغائها وجعلها لعنه … واستن به بعد ذلك من جاء بعده من دعاة النصرانية.

       وقد خالف بذلك مخالفة صريحة ما ينسب إلى المسيح في أناجيلهم من وصايا موجهة إلى حوارييه الاثنى عشر (الرسل)

       كقوله في إنجيل متى (10/1-9) وقد تقدم: (لا تسلكوا طريقاً إلى الوثنيين، ولا تدخلوا مدينة للسامريين، بل اذهبوا إلى الخراف الضالة من آل إسرائيل)أهـ

       وبعد هذا كله، فلست بمبالغ إن قلت أن بولس هذا كان من اشهر دعاة الأرجاء في العالم ومن أوائل الدعاة إليه في تاريخ النصرانية ([116]) ؛ وقد كان ذلك من أكبر المعاول التي أفسد بها هذه الديانة ،إذ أنك تراه في جميع رسائله تقريباً يركز على التقليل من قيمة العمل بشريعة موسى التي هي من شريعة عيسى عليهما السلام؛ كالختان، فتراه يدعو إلى إعفاء النصارى من أصحاب الأصول الوثنية منه بل وعدم لزومه مطلقاً، كما يبيح أكل ما ذبح على الأوثان، ويبيع شرب الخمر، كما سيأتي أمثلة من ذلك عند الكلام على رسائله.

       وذلك لأنه يرى أن ( دعاة العمل بأحكام الشريعة لعنوا جميعاً ).

 ويقول: ( إن المسيح أنقذنا من لعنة الشريعة، إذ صار لعنة لأجلنا، فقد ورد في الكتاب "ملعون من علق على خشبه" ) أهـ.

       فالإيمان بالمسيح يكفيهم !! عن العمل بأحكام الشريعة ( والشريعة لا تبرّ أحداً عند الله لأن البار بالإيمان يحيا ) انظر رسالته إلى أهل غلاطية (2/16-17) و (3/10-13) .

وتراه إذا ذكر العمل بالشريعة يذكره على سبيل التعجيز والتنفير كقوله في الرسالة نفسها: ( إن المسيح قد حررنا لنكون أحراراً ؛ فاثبتوا إذاً ولا تعودوا إلى نير العبودية ([117]) فها أنا بولس أقول لكم إذا اختتنتم فلن يفيدكم المسيح شيئاً، وأشهد مرة أخرى لكل مختتن بأنه ملزم أن يعمل بالشريعة جمعاء، لقد انقطعتم عن المسيح يا أيها الذين يلتمسون البر من الشريعة وسقطتم عن النعمة ..) أهـ.  تأمل !!

       ولا غرابة في ذلك فإن الإرجاء بدعة يهودية أخبر الله تعالى عنها في كتابه حيث قال: ( وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً ).

       فزعموا أنهم لن يدخلوا النار إلا أربعين يوماً مدة عبادتهم للعجل ؛فتأمل كيف هوّنوا من شأن الكفر والشرك وجعلوه ذنباً كسائر الذنوب أي كفراً أصغرا.(·)

       وهكذا حرّف بولس ورقّع الديانة المسيحية ولفّق فيها الشيء الكثير، لدرجة أن عدداً من الباحثين – كما ذكر مايكل هارت صاحب كتاب المائة الأوائل – يرون أن مؤسس الديانة المسيحية بشكلها وتركيبتها الحالية هو بولس وليس المسيح …!

       وعلى كل حال فبراءة المسيح من هذا الباطل العريض عندنا نحن المسلمين ثابتة بيقين، إذ كله مناقض لما بعث به هو وغيره من أنبياء الله ورسله من عقيدة التوحيد وغيرها من الشرائع.

 

ولكن الأحبار والقسيسين والرهبان القيّمين على هذه الديانة ؛ فعلوا في دينه وشريعته وكتابه ما لم يفعله أعداء المسيحية في عهود الاضطهاد ..

 

( فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ ) (البقرة:79)

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

لمحة شاملة عن أسفار العهد الجديد

التاريخية والتعليمية

وأخيراً … فالعهد الجديد([118]):

ينقسم عند النصارى إلى قسمين، هما:

1.   الأسفار التاريخية:

-       وتشمل أناجيلهم الأربعة المتقدمة.

-       ورسالة أعمال الرسل المنسوبة للوقا.

2.   الأسفار التعليمية: وتشمل:

-       ثلاثة عشر رسالة منسوبة لبولس.

-       وسبعة رسائل يسمونها الرسائل العامة:

       ثلاث تنسب ليوحنا.

       ورسالتان تنسبان لبطرس.

       ورسالة ليعقوب الصغير .

       ورسالة ليهودا أخو يعقوب الصغير.

كما تشمل :

-       الرسالة إلى العبرانيين.

-       ورؤيا يوحنا.

فيكون مجموع ذلك كله سبعة وعشرين سفراً مختلفة الحجم بعضها قد لا يتجاوز ورقة واحدة .

 وإليك بيان ذلك ..

       أما الأسفار التاريخية: فقد تقدم الكلام على أناجيلهم الأربعة .

 وأما سفر أعمال الرسل فهو تاريخ يذكر الأحداث التي جرت للرسل ؛الذين هم على حد زعم النصارى تلاميذ المسيح الذين أرسلهم للدعوة إلى النصرانية، فهذا التاريخ يتكلم عن دعوتهم ، وما جرى لهم من أحداث بعد المسيح ، ويتوسع في الكلام على بولس([119])، وقد اختلف النصارى في مؤلف هذا السفر، وإن كان أكثرهم يرجحون أنه للوقا صاحب الإنجيل الثالث ويذكرون أنه كتبه بعد إنجيله في حدود سنة 80م في وقت ينقص أو يزيد عشر سنوات، وكان النصارى في البدء يستشهدون به ويقرؤونه ، ولكنهم لم يلحقوه بكتابهم المقدس إلا في أواخر القرن الثاني؛ حيث كان أول من ألحقه به، واعتبره سفراً مقدساً (إيريناوس) أسقف ليون.

       وأما الأسفار التعليمية: فهي مجموعة الرسائل والخطب التي كان يرسلها أو يلقيها معلموا المسيحية أثناء دعوتهم وتنقلاتهم…

* أما الثلاثة عشر رسالة التي كتبها بولس، فقد كانت مكتوبة كلها باليونانية، وهي تتفاوت بالحجم أكبرها رسالته إلى أهل روما، وقد جمعت رسائله في مجموعات كالتالي:

1.   الرسائل الكبرى وهي:

-      الرسالة إلى أهل رومة :

    ومعلوم أن تفسير مارتن لوثر لهذه الرسالة أدى إلى نشأة المذهب البروتستانتي، ولعل من أهم الأسباب في ذلك أن هذه الرسالة شأنها شأن رسالته إلى أهل غلاطية والثانية لأهل قورنتس، فيها الرد على أنصار الحفاظ على الشريعة وعباداتها وتكاليفها، فقد أعلن بولس في كل هذه الرسائل الثلاث؛ أن الإيمان بالمسيح يُغني عن الختان وعن العمل بأحكام شريعة موسى، أو كما قال في رسالته لأهل رومة: (البر الذي يأتي من الإيمان من غير أعمال) فكان هذا مناسباً لأفكار لوثر الانفتاحية!!.  

-      والرسالتان الأولى([120]) والثانية لأهل قورنتس

-       والرسالة إلى أهل غلاطية([121])

2.   رسائل الأسر وهي التي كتبها بولس إذ كان أسيراً في رومة ينتظر محاكمته:

-       الرسالة إلى أهل إفسس([122])

-       الرسالة إلى أهل فليبي([123])

-      الرسالة إلى أهل قولسي

-       الرسالة إلى فيلمون([124])

3.   الرسالتان الأولى والثانية إلى أهل تسالونيقي([125])

4.   الرسائل الرعائية([126]) كتبها إلى أفراد وهي:

-       الرسالتان الأولى والثانية إلى طيموتاوس([127])

-       الرسالة إلى طيطس([128])

       ويلحقون بذلك رسالته إلى فيلمون ،وأحياناً يضمونها إلى رسائله في الأسر وقد تقدمت .

    وإضافة إلى رسائل بولس، ألحق النصارى بالرسائل التعليمية كما تقدم سبع رسائل أسموها بالرسائل العامة أو الكاثوليكية: إذ كلمة كاثوليكي تعني باليونانية : "عام" وسميت كذلك لأن الذين كتبوها لم يخصّوا بها مدينة واحدة أو شخصاً واحدا، وهي: ثلاث رسائل([129]) نسبوها إلى يوحنا بن زبدي الحواري - فيما يزعمون – ورسالتان لبطرس الذي تقدم ذكره في الحواريين فيما زعموا([130]).

       ورسالة يعقوب الصغير، وليس يعقوب بن زبدي الصياد([131]).

ورسالة ليهوذا، أخو يعقوب الصغير([132]).

وأما الرسالة إلى العبرانيين:

       فهي رسالة مختلف في كتابتها، وعلماء النصارى في عصرنا يرجحون أنها لبولس، ومنهم من يذهب إلى قول بعض الأقدمين من أن كاتبها أحد تلامذة بولس، ويقولون: "قد يكون أبلّس الذي ورد اسمه في كتاب أعمال الرسل (18/24) " انظر مقدمتها في الطبعة الكاثوليكية 854 .

 وهذه الرسالة كانت موضوع لأشد المنازعات في الكنيسة ؛حيث أُنكرت إنكاراً شديداً لمدة طويلة ولم تضم إلى مجموعة العهد الجديد إلا في القرن الرابع الميلادي([133]).

 

 وأما سفر الرؤيا، أو (رؤيا يوحنا):

       فهي رؤيا ينسبها أكثر النصارى إلى يوحنا أحد تلامذة المسيح الإثني عشر في زعمهم، ذاك الذي ينسبون إليه الرواية الرابعة للإنجيل … فيزعمون أنه رأى هذه الرؤيا يقظة، فكاتبها لا يقول أنه كان نائماً لما رآها، بل قد جاء في مطلعها: (كنت في جزيرة بطمس([134]) لأجل كلام الله وشهادة يسوع، فاختطفني الروح … الخ) (1/9-10).

       ويزعمون أنها كتبت في زمن يقرب من سنة 95م أيام اضطهاد القيصر (دوميسيانوس) للنصارى، والبعض يرى أن عدة فصول منها كتبت أيام نيرون.

       ومقصود كاتبها ؛ كما هو ظاهر أن يشد عزائم النصارى، ويدعوهم إلى الثبات على دينهم وعدم التأثر باضطهاد (القياصرة لهم)، والذين كانوا يلزمون الناس السجود لهم والذبح لأوثانهم، وتضمنت رسائل من المسيح بزعمهم إلى الكنائس السبعة الشهيرة في ذلك الزمان .. ولا تخلو بالطبع كسائر رسائلهم من نسبة الألوهية إلى المسيح وغير ذلك من عقائدهم المتضمنة للكفر البواح.

    وهذه الرؤيا كانت موضوعاً لأشد المنازعات، حيث أنكرت صحة نسبتها إلى يوحنا إنكاراً شديداً مدة طويلة، إلى القرن الرابع حيث كان ظهور هذا التأليف الكامل للعهد الجديد ورسائله الموجودة اليوم بين أيدي النصارى ، وإقرار الكنائس له …

       ويغلب على ظن الباحثين المعاصرين. أنها من وضع بولس أو بعض أتباعه ، وكما وهو شأن كتب أهل الكتاب، فإنها لا تخلو، من بعض الأخبار التي يتوارثها ويتناقلها النصارى عن بعضهم، مما كانوا يتوقعون وينتظرون حصول بعضه بعد المسيح وبعضه الآخر في آخر الزمان من فتن وملاحم وأخبار…

       ويرى بعض الكتاب المعاصرين([135]) أن في شيء كثير من ذلك إشارات إلى خاتم الأنبياء والمرسلين محمد صلى الله عليه وسلم وبعثته ودعوته وجهاده ومعجزاته ؛ خصوصاً وقد ورد في طياتها، لقبه الذي شهره به الناس قبل بعثته (الصادق الأمين) انظر سفر الرؤيا (3/14) و (19/11) كما أن فيها إشارات إلى بعض شمائله التي لا يتعاطاها النصارى. كلبس البياض والاكتحال بالإثمد (3/18) و (19/14) كما جاء في وصف سيفه المرهف الذي يضرب به الوثنيين بأنه (يخرج من فيه) كما في (19/14) و (19/21) .. فلعله فرقان القرآن … فإنها معجزة النبي صلى الله عليه وسلم التي قهر وحكم وساس بها الناس..

       بل ويرى أولئك المعاصرون أن فيها وصفاً للكعبة المشرفة، كما في قوله (21/16): (طولها وعرضها وعلوها سواء ..) أهـ وجاء في تفسير الرؤيا لحنا، هامش ص 457: (المدينة مكعبة)! وكذا في تفسير حزقيال /فكري ص 488، قال: (مكعبة الشكل)!!.

       وقال بعد ذلك في الرؤيا (21/24) في وصف مدينة الصادق الأمين: (ستمشي الأمم في نورها، ويأتيها ملوك الأرض بكنوزهم، لا تقفل أبوابها طوال اليوم لأنه لا ليل فيها، ستحمل إليها كنوز الأمم!! وأبهتها، ولا يدخلها شيء نجس!) أهـ.

 فتأمل هذا مع أوصاف البيت الحرام في القرآن كقوله تعالى: (حَرَمًا ءَامِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ) وقوله: (وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ) وقوله سبحانه: (إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا) ونحوه.

       وفي خاتمة الوصف الذي جاء في الرؤيا إشارة إلى ماء زمزم حيث قال (22/17) (ومن كان له الرغبة فليستق ماء الحياة مجاناً) أهـ. وقال في تفسير حزقيال ص463: (عند مدخل البيت مياه تخرج) تأمل فإن زمزم تلقاء باب البيت الحرام.. وقال في التفسير في وصف تلك المياه: ( … فيها شفاء) أهـ.

 وفي الحديث الصحيح في صفة ماء زمزم أنه: (شفاء سقم)[136] … فتأمل…

وشهد شاهد من أهلها:

       وبعد فهذا ملخص ما حواه كتابهم المقدس الذي يدعونه (بالعهد الجديد) .. ولم يجر التعامل مع كثير من تلك الأسفار والرسائل على أنها أسفاراً مقدسة إلا في أواخر القرن الثاني ،أما قبل ذلك فقد كان النصارى حالهم كحال اليهود يعتبرون كتابهم المقدس الوحيد هو العهد القديم، الذي يسمونه (الشريعة والأنبياء) وذلك بسبب فقدهم الإنجيل الذي أنزله الله على المسيح.

       ( وقد بقي النزاع قائماً في كثير من الرسائل التي يضمها العهد الجديد اليوم إلى ما بعد القرن الثاني الميلادي كالرسالة إلى العبرانيين والرؤيا، فقد أنكر صحة نسبتها إلى أصحابها إنكاراً شديداً مدة طويلة، كما لم تقبل من جهة أخرى رسالتا يوحنا الثانية والثالثة، إلا ببطء وكذا رسالة بطرس الثانية ورسالة يهوذا …)

       وكذلك كانت هناك مؤلفات كثيرة غير هذه التي عددناها، جرت العادة أن يستشهد بها قبل القرن الرابع على أنها من الكتاب المقدس .. ولم تبق زمناً على تلك الحال، بل أخرجت في آخر الأمر منه، وذلك ما جرى لمؤلف هرماس وعنوانه (الراعي) ، وللديداكي، ورسالة أكليمنخس الأولى، ورسالة برنابا ورؤيا بطرس، وكانت هناك أناجيل أخرى منسوبة إلى غير الأربعة كما تقدم، كما كان هناك أعمال رسل ورؤى غير رؤيا يوحنا .. وقد رفضت الكنيسة ذلك كله لمخالفة كثير منه العقائد التي أقرتها الكنيسة !! مما جعل الكنيسة تستبعده، ولا تضمه إلى مجموعة العهد الجديد، الذي لم يكتمل ويقر على هذا النحو، فيضم بعضه إلى بعض بالصورة الحالية المعروفة بأيدي النصارى، ويطلق عليه اسم العهد الجديد إلا في القرن الرابع الميلادي([137]).

       والذي يقلل من قيمة هذه الأسفار تاريخياً ووثائقياً، أن النصارى أنفسهم يقرون ويعترفون بأنهم لا يملكون أصلاً مخطوطاً واحداً لشيء منها!

       قال الأبوان المحققان للطبعة الكاثوليكية للعهد الجديد في المدخل ص6: (ليس في هذه الكتب الخط، كتاب واحد بخط المؤلف نفسه، بل هي نسخ، أو نسخ النسخ..) إلى قولهم ص7: (إن نسخ العهد الجديد التي وصلت إلينا ليست كلها واحدة، بل يمكن المرء أن يرى فيها فوارق مختلفة الأهمية، ولكن عددها كثير جداً .. هناك طائفة من الفوارق لا تتناول سوى بعض قواعد الصرف والنحو والألفاظ أو ترتيب الكلام، ولكن هناك فوارق أخرى بين الكتب الخط تتناول معنى فقرات برمّتها ..!!

       ..فإن نص العهد الجديد قد نسخ ثم نسخ طوال قرون كثيرة بيد نساخ صلاحهم للعمل متفاوت، وما من واحد منهم معصوم من مختلف الأخطاء التي تحول دون أن تتصف أية نسخة كانت، مهما بذل فيها من الجهد، بالموافقة التامة للمثال الذي أخذت عنه، يضاف إلى ذلك أن بعض النساخ، حاولوا أحياناً، عن حسن نية !! أن يصوبوا ما جاء في مثالهم، وبدا لهم أنه يحتوي على أخطاء واضحة !! أو قلة دقة في التعبير اللاهوتي!! وهكذا أدخلوا إلى النص قراءات جديدة تكاد تكون كلها خطأ!!

       ثم يضاف إلى ذلك كله أن الاستعمال لكثير من الفقرات في العهد الجديد في أثناء إقامة شعائر العبادة، أدى أحياناً كثيرة إلى إدخال زخارف!! غايتها تجميل الطقس، أو إلى التوفيق بين نصوص مختلفة ساعدت على التلاوة بصوت عال.

       ومن الواضح أن ما أدخله النساخ من التبديل على مر القرون تراكم بعضه على بعضه الآخر، فكان النص الذي وصل آخر الأمر، إلى عهد الطباعة مثقلاً بمختلف ألوان التبديل)!! أهـ.

       أقول : فهذه شهادة القسيسين والرهبان..!!

أفما آن لك يا عبد الصليب أن تنتبه من غفوتك ؟؟

 فهذا بدايته وهذا منتهاه !!

       فإن كنت لا تدري فتلك مصيبة           وإن كنت تدري فالمصيبة أعظم


 

 

 

 

الفصل الرابع

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

عهود الرخاء في النصرانية

       عهود الرخاء في النصرانية كانت هي الأخرى عهود تحريف وتبديل: ظلت عهود الاضطهاد على النصارى تشتد تارة، وتخف أحياناً ،وبقيت الدعوة إلى النصرانية ضعيفة مستخفية غالباً إلى أن جاء عهد قسطنطين الأول أو الأكبر الذي حكم من سنة 306 إلى سنة 337م([138]).

       وقد اعتنق قسطنطين النصرانية في عام 312م فكان أول من تنصر من ملوك الروم. فلما أعلن قسطنطين نصرانيته، ظهرت النصرانية، وبدأت بالانتشار بقوة، فكان له دور هام في تحويلها من فرقة دينية مضطهدة، إلى ديانة مسيطرة ومهيمنة في أوروبا .. فكان من أول أعماله إصدار "مرسوم ميلان" الذي أصبحت النصرانية بموجبه ديناً شرعياً مسموحاً به..

       وقد قضى المرسوم أيضاً على إعادة أملاك الكنيسة التي كان قد صادرها الأباطرة أيام اضطهاد النصرانية، كما قرر أن يجعل يوم الأحد يوم عبادة وراحة من الأعمال ؛ وقد كان ذلك معروفاً من قبل في الإمبراطورية الرومانية التي كانت لوثنيتها تقدس الشمس فيما تقدسه وكان يوم الأحد ( Sunday ) يوم الشمس عندهم يوم راحة، فلما تنصر قسطنطين، نقل ذلك معه إلى النصرانية !!وقد تقدم أنهم غيروا قبلتهم أيضاً، بالتوجه إلى المشرق، بعد أن كانوا يتوجهون إلى بيت المقدس في زمن المسيح. وقد رافق مرسوم ميلان اتجاه آخر نحو اضطهاد اليهود، الذي ظل ساري المفعول في أوروبا لعدة قرون تلت ،وقد بالغ اليهود في تضخيم ذلك واستغلاله في زماننا حتى أظهروه وأشهروه وطالبوا بتعويضات طائلة عليه؛ وغطوا به على عهود اضطهادهم للنصارى وغيرهم ،حتى انطلى ذلك على أكثر النصارى فتابعوهم عليه وروّجوا له ؛وطالبوا بتعويض اليهود عنه ونسوا لسفههم ما فعله اليهود بهم وبغيرهم في عهود تسلّطهم وإفسادهم في الأرض.

       وقد بُديء في عهد قسطنطين ببناء عدة كنائس شهيرة مثل كنيسة المهد في بيت لحم .. وكنيسة القمامة في القدس والتي يسميها النصارى "القيامة"([139]).

       وقد أعاد قسطنطين بناء مدينة بيزنطة، ووسعها وسماها القسطنطينية وجعلها عاصمة له، فأصبحت من أعظم مدن العالم ،وبقيت عاصمة النصف الشرقي للإمبراطورية الرومانية حتى عام 1453م عندما سقطت على أيدي جحافل الفتح الإسلامي في منتصف القرن التاسع من الهجرة ،وذلك ما بشر به النبي صلى الله عليه وسلم قبل أكثر من ثمانمائة عام من وقوعه ؛ فوقع كما أخبر به الصادق المصدوق، فعن عبد الله بن عمرو بن العاص، قال: بينما نحن حول رسول الله صلى الله عليه وسلم نكتب، إذ سُئل رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛أي المدينتين تُفتح أولاً أقسطنطينية أو رومية ؟

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: مدينة هرقل تفتح أولاً ( يعني قسطنطينية ) ([140]) رواه الإمام أحمد في مسنده (2/176).  

       وقد اختار قسطنطين ألا يُعمد إلا وهو على فراش الموت، مع أنه كان قد اعتنق النصرانية قبل ذلك بكثير. وكان يوصف بالقسوة إلى حد كبير.

       فقد أعدم ابنه الأكبر، وزوجته في عام 326م. وقد وصفه (هندرليك فان لون) في (قصة الجنس البشري) بقوله: ( لقد كان وغداً غليظ القلب لا يرحم ).

وقال غيره عنه: (لقد فك القيود وساوى بين النصرانية والوثنية).

       فالجدير بالذكر أن عهد قسطنطين هذا وما تلاه من عهود الرخاء على النصرانية لم تكن أرأف بالنصرانية في التحريف والتبديل ؛ من عهود الاضطهاد السابقة. فقد ساهم قسطنطين نفسه في تحريف وتبديل وتشويه هذه الديانة.

مجمع نيقية :

       ويصف بعض المعاصرين ذلك العهد؛ بالدور الهام الذي لعبه قسطنطين في تاريخ الكنيسة حين أنشأ ( مجمع نيقية ) لمعالجة الانقسام الداخلي!! في الكنيسة، وذلك في عام 325م أي بعد المسيح بثلاثمائة سنة وقبل البعثة المحمدية بمثل ذلك ، وقد عمل هذا المجمع على إنشاء(عقيدة نيقية) التي أصبحت فيما بعد (المذهب الأرثوذكسي) للكنسية..

       ففي هذا المجمع اجتمع الأساقطة والبطارقة من شتى الديار ثلاث مرات في زمن قسطنطين، وعدة مرات بعد ذلك، وقرروا ما سموه بالأمانة([141])، وهي في حقيقتها الخيانة التي صرّحوا فيها بتثليثهم، ولعن كل من يخالفهم، خصوصاً منهم من كانوا يقولون بعقيدة التوحيد؛ ويبرؤون من ألوهية عيسى ويقولون بأنه عبد الله ورسوله. وذلك أن الغالب على النصارى في ذلك الزمان ؛كان نعت عيسى عليه السلام بالألوهية، وهي العقيدة الكفرية التي روّجها بولس وأتباعه.

       وكانت طائفة قليلة من النصارى تقول أنه رسول الله فقط وليس بإله ولا ابن إله، بل هو وأمه مخلوقان، والروح القدس مخلوق.

آريوس :

            وممن أظهر هذه المقالة وصدع بها بقوة وشجاعة في زمن قسطنطين: ( أريوس بن اصفانوس )، يُلقب برشيد قومه ، وهو أكبر تلامذة ( ماربطرس) بطريك الأسكندرية، وخريج المدرسة اللاهوتية، كان داعية قوياً شجاعاً لا يخاف، وخالف أستاذه كثيراً ؛ فكان يحارب مقالة ألوهية المسيح بكل ما أوتي من قوة ؛ وآرائه هذه هي ما يسميه النصارى بـ(بدعة آريوس) ، فسخطه أستاذه وجرّده من كهنوته.

       ولما مات بطرس رجع آريوس عن إظهار المخالفة فأدخله (أشلا) أو (إسكندروس) إلى الكنيسة وصيّره قساً، ولكن مجمع الأساقطة قرر نفيه ؛ فنفاه القيصر وأمر بقتله، ولكنه اختفى وظهر بعد موت القيصر.

       قال ابن حزم عن آريوس: (كان قسيساً في الاسكندرية، ومن قوله: التوحيد المجرد وأن عيسى عليه السلام عبد مخلوق، وأنه كلمة الله التي بها خلق السموات والأرض) أهـ([142]) فكانت دعوة آريوس هذه سبباً رئيسياً في ظهور المجمع الذي أنشأه قسطنطين.

       حيث دعاه بداية إلى مناظرة بطرك الإسكندرية … فاستحسن قسطنطين مقالة البطرك، ودعا إلى تكفير آريوس، ودعوة جميع البطاركة والأساقطة لمجمع عام لتكفيره وتكفير كل من يقول بمقالته، وليشرحوا في هذا المجمع الدين ،ويتفقوا على مقالة واحدة في دينهم ؛يوضحوها ويعلنوها للناس.

 فاجتمع لديه (2048) أسقفاً وبطركاً مختلفي الآراء والأهواء في أصول النصرانية ، خصوصاً من ذلك القول في المسيح وأمه؛ فعجب قسطنطين لهم ولاختلافهم ؛ ثم انتصر للرأي القائل بألوهية المسيح وأقرّه .. وهو رأي بولس وكان عدد أتباعه من أولئك الأساقفة (318) أسقفاً..

       فهذا الإمبراطور الذي لا يعرف أصول هذه الديانة يتدخل بسلطانه لينصر هذه المقالة الأقرب إلى وثنية قومه الأولى([143]) .. ثم يجمع الأساقفة الذين قالوا بهذه المقالة في دار خاصة، ويقول لهم: ( قد سلطتكم اليوم على مملكتي لتصنعوا ما ينبغي لكم أن تصنعوه مما فيه قوام الدين !! وصلاح المؤمنين!) فباركوا  له، وقلّدوه سيفه ؛ وقالوا له: (أظهر دين النصرانية وذب عنه).

       وعلى أثر ذلك أمر بإحراق كل الكتب التي تخالف رأي المجمع الأخير، واضطهاد المخالفين ممن يقولون بقول آريوس وأمثاله ولعنهم..

       قال ابن كثير في البداية والنهاية (2/101) : (ثم بعد المسيح بثلاثمائة سنة حدثت الطامة العظمى والبلية الكبرى، حيث اختلفت البتاركة الأربعة وجميع الأساقفة والقساوسة ، في المسيح على أقوال لا تنحصر ولا تنضبط، واجتمعوا وتحاكموا إلى الملك قسطنطين وهم المجمع الأول، فصار الملك إلى قول أكثر فرقة اتفقت من تلك المقالات فسموا الملائكة([144]) ودحض من عداهم وأبعدهم وتفردت الفرقة المتابعة لعبد الله بن آريوس الذي ثبت على أن عيسى عبد من عباد الله، ورسول من رسله، فسكنوا البراري والبوادي، وبنوا الصوامع والديارات وقنعوا بالعيش الزهيد، ولم يخالطوا أولئك الملل والنحل، وبنوا الكنائس الهائلة وعمدوا إلى ما كان من بناء اليونان فحولوا محاريبها إلى الشرق وقد كانت إلى الشمال إلى الجدي) أهـ.

       فتأمل كيف فرض المجمع بقوة قسطنطين تلك العقيدة الكفرية على النصارى، وكفّروا كل من يقول بغيرها، ولعنوه .. فالذين قالوا بهذه العقيدة الكفرية هم (318) أسقفاً، خالفهم نحو (1700) أسقف، وإن لم يكونوا متفقين فيما بينهم على مذهب واحد ؛ ولكن قد قيل أن منهم قرابة (700) أسقف كانوا يرون رأي آريوس أو قريباً منه في رفض ألوهية المسيح، وهو أكبر عدد نالته نحلة من نحل النصرانية آنذاك، ومع هذا فقد نصر قسطنطين ماوافق هواه مما كان قريبا من وثنية أجداده.

       وقد تكررت المجامع كثيراً .. حيث كانوا يجتمعون فيها على مقالة من مقالاتهم الكفرية .. وينفضون على لعن من خالفهم..

       قال ابن القيم في إغاثة اللهفان (2/276): (وكل مجامعهم كانت تجتمع على الضلال وتفترق على اللعن، فلا ينفض مجمع إلا وهم ما بين لاعن وملعون)أهـ.

       قلت: ولا غرابة في هذا .. فقد حلت عليهم اللعنة واستحقوها ولزمتهم إلى يوم القيامة بلعنهم المسيح حيث زعموا أنه صلب .. وقد تقرر في كتبهم كما تقدم أنه (ملعون من تعلق بالصليب) وقد قال إبليسهم بولس: ( أن المسيح افتدانا من لعنة الشريعة إذ صار لعنة لأجلنا).

       وقد صح عندنا نحن المسلمين في الحديث الذي يرويه أبو داود عن أبي الدرداء رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن العبد إذا لعن شيئاً، صعدت اللعنة إلى السماء، فتغلق أبواب السماء دونها، ثم تهبط إلى الأرض، فتغلق أبوابها دونها، ثم تأخذ يميناً وشمالاً، فإذا لم تجد مساغاً، رجعت إلى الذي لُعن، فإن كان أهلاً لذلك، وإلا رجعت إلى قائلها..).

       ولا نشك نحن المسلمون طرفة عين، أن الله قد سلم عبده ورسوله المسيح من لعناتهم، وأنه عليه السلام ليس أهلاً لتلك اللعنات ؛ ومن ثم فقد صدق خبر نبينا الصادق المصدوق في هؤلاء .. حيث رجعت لعناتهم عليهم، فهم يجتمعون وينفضون على اللعنة كما رأيت!! ولا تزال لعناتهم تحور وتتردد عليهم وعلى رؤوسهم إلى يوم القيامة ؛ إلا من تاب منهم وآمن وبرئ من شركه وباطله.

وقد اعترف بعض علمائهم بحلول اللعنة عليهم كما في خبر زيد بن عمرو بن نفيل لما خرج إلى الشام يسأل عن الدين .. فلقي عالماً من النصارى، فسأله عن دينهم فقال له: لن تكون على ديننا حتى تأخذ بنصيبك من لعنة الله: فقال رحمه الله لرجاحة عقله: ما أفر إلا من لعنة الله، ولا أحمل من لعنة الله شيئاً أبداً وأنّا أستطيع، فهل تدلني على غيره؟ قال: ما أعلمه إلا أن يكون حنيفاً قال: وما الحنيف؟ قال: دين إبراهيم لم يكن يهودياً ولا نصرانياً ولا يعبد إلا الله، فلما رأى زيد قوله في إبراهيم عليه السلام خرج؛ فلما برز رفع يديه فقال: اللهم أني أشهدك إني على دين إبراهيم .. وانظر الخبر كاملاً في صحيح البخاري، كتاب مناقب الأنصار.

       قال ابن القيم رحمه الله تعالى ؛ بعد أن سرد أخبار مجامع تباركة وأساقفة النصارى على مر العصور، وعدّد عشرة من تلك المجامع التي اختلفوا فيها اختلافا كثيراً، قال: ( فهذه عشرة مجامع من مجامعهم مشهورة اشتملت على أكثر من أربعة عشر ألفاً من البتاركة والأساقفة والرهبان، كلهم ما بين لاعن وملعون. فهذه حال المتقدمين منهم ، مع قرب زمانهم من أيام المسيح، ووجود أخباره فيهم، والدولة دولتهم، والكلمة كلمتهم، وعلماؤهم إذ ذاك أوفر ما كانوا ،واهتمامهم في دينهم كما ترى ؛ وهم حيارى تائهون ضالون مضلون، لا يثبت لهم قدم ولا يستقر لهم قول في إلههم، بل كلٌ منهم قد اتخذ إلهه هواه، وصرّح بالكفر والتبري ممن اتبع سواه، قد تفرّقت بهم في نبيهم وإلههم الأقاويل، وهم كما قال الله تعالى: " قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ" (77) سورة المائدة.

       فلو سألت أهل البيت الواحد عن دينهم ومعتقدهم في ربهم ونبيهم، لأجابك الرجل بجواب، وامرأته بجواب، وابنه بجواب والخادم بجواب، فما ظنك في عصرنا هذا، وهم نخالة الماضين، وزبالة الغابرين، ونفاية المتحيرين ؟ وقد طال عليهم الأمد وبعد عهدهم بالمسيح ودينه ؟ ) أهـ من إغاثة اللهفان (2/281).

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

لمحة عن أشهر الفرق القديمة في النصرانية

       قد أخبر خاتم الأنبياء والمرسلين وهو الصادق المصدوق، أن النصارى افترقت إلى ثنتين وسبعين فرقة([145])، فهم كذلك، إلا أن أشهرهم ثلاثة فرق هم: الملكانية، والنسطورية، واليعقوبية.

1.   أما الملكانية:

       فقيل سموا كذلك لأنهم أيدوا القرار الذي نصره قسطنطين في المجمع الذي جمعه، وقيل لأنهم أيدوا القرارالذي اتخذه مجمع خلكدونية عام 451م ضد بدعة أوطيخا المونوفيزية، القائلة بطبيعة واحدة للمسيح، فلقبهم مخالفوهم بالملكيين لوقوفهم في صف مرقيانوس الذي كان يعاضد المجمع.

وكلا القولين مؤداه أن هذه الفرقة تابعت القول الذي نصره الملوك فنسبوا إلى ذلك.

       قال ابن حزم في الفصل (1/110): (هو مذهب جميع ملوك النصارى حاشا الحبشة والنوية، وقولهم أن الله تعالى عبارة عن ثلاثة أشياء: أب وابن وروح قدس، وأن عيسى إله تام كله وإنسان تام كله ليس أحدهما غير الآخر. وأن الإنسان منه هو الذي صلب وقتل، وأن الإله منه لم ينله شيء من ذلك.

       وأن مريم ولدت الإله والإنسان ) أهـ . تعالى الله عن كفرهم علوا كبيرا.

       قال شيخ الإسلام ابن تيمية([146]) : (والملكانية تزعم أن اللاهوت والناسوت صارا جوهراً واحداً له أقنومان، وقيل أقنوم واحد له جوهران)أهـ([147]) .

       فقد صرحوا بإثبات التثليث. ولذلك زعم البعض أن قول الله تعالى " لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ" (73) المائدة ؛ إنما هو في الملكانية خاصة.. وكنيستهم تسمى كنيسة الروم وطائفتهم منتشرة في سورية ومصر والأردن وفلسطين ويتكلم معظمهم العربية.

       قال ابن تيمية: "هم أهل الشمال من الشام والروم" أهـ.

 ومنهم كاثوليك يعترفون برئاسة باب روما، ويسمون الروم الكاثوليك.

2.   النسطورية:

       فرقة نشأت في زمن دولة المسلمين في عهد المأمون، وهم قليل وينسبون إلى ( نسطور الحكيم ) الذي كان يقول: إن الله تعالى واحد ذو أقانيم ثلاثة: الوجود والعلم والحياة، وهذه الأقانيم ليست زائدة على الذات ولا هي هو، وأن الكلمة اتحدت بالجسد لا على سبيل الامتزاج كما قالت الملكانية، ولا على طريق الظهور كما قالت اليعقوبية؛ لكن كإشراقة الشمس في كوة على بلورة، وكظهور النقش في الشمع إذا طبع بالخاتم.

       وقالوا إن مريم لم تلد الإله، وإنما ولدت الإنسان، وأن الله تعالى لم يلد الإنسان وإنما ولد الإله. وقالوا إن القتل وقع على المسيح عن جهة ناسوته لا من جهة لاهوته لأن الإله لا تحله الآلام([148]).

       وهذه الفرقة غالبة على الموصل والعراق وفارس .. ونسطور هو الذي اعترض على تسمية مريم العذراء بوالدة الإله، وقد كان بطريركاً بالقسطنطينية فاجتمع مجمع البطارقة وردوا قوله ولعنوه، وقرروا أن مريم ولدت إلهاً هو يسوع المسيح .

       وقال ابن كثير في البداية والنهاية (2/92): (قالت النسطورية ؛ كان فينا ابن الله ما شاء ثم رفعه الله إليه) أهـ ..

 ومن أقوالهم : أن اللاهوت والناسوت جوهران أقنومان وإنما اتحدا في المشيئة.

3.   اليعقوبية:

       قال ابن تيمية: (هم شر الأصناف الثلاثة) أهـ

       ويدور مذهبهم على القول بأن المسيح هو الله، وقالوا بالأقانيم الثلاثة ، إلا أنهم قالوا إن الكلمة انقلبت لحماً ودماً؛ فصار الإله هو المسيح وهو الظاهر بجسده بل هو هو. فهم يقولون باتحاد الله بالإنسان في طبيعة واحدة هي المسيح ؛فالله ـ تعالى عن عظيم كفرهم ـ مات وصلب وقتل، وبقي العالم ثلاثة أيام بلا مدبر، ثم قام ورجع كما كان.

       وهكذا جمعوا بين الخالق والمخلوق ؛أو كما قال بعض أهل العلم " جمعوا بين القديم والمحدث، وهو محال كالجمع بين القاعد والقائم أو الحار والبارد". وذكر بعضهم أن القرآن عناهم في قوله: " لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ".

       فهم يزعمون أن اللاهوت والناسوت اتحدا وامتزجا كامتزاج الماء والخمر، فهما جوهر واحد وأقنوم واحد وطبيعة واحدة.

قال ابن كثير: (قالت اليعقوبية: كان فينا الله ما شاء ثم صعد إلى السماء) أهـ. عاش اليعاقبة في مصر والسودان والنوبة والحبشة.

·        وجميع هذه الطوائف الثلاثة قالوا أن الله جوهر واحد وأقانيم ثلاثة، وأحد الأقانيم عندهم الأب والآخر الإبن والآخر روح القدس .. وبعضهم يقول أن الأقانيم خواص .. وبعضهم يقول: صفات ..وبعضهم يقول: أشخاص ..

ومن هذا تعلم أنه ليس بمصيب من زعم بأن مراد الله تعالى في قوله: " لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ" الملكانية خاصة.

وفي قوله: " وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ" النسطورية خاصة.

وفي قوله " لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ" اليعقوبية خاصة.

       وقال شيخ الإسلام في التسعينية: "فزعم بعض الناس أن الذين قالوا هو المسيح ابن مريم الذين قالوا اتحدا حتى صارا شيئاً واحداً، والذين قالوا هما جوهر واحد له طبيعتان، فيقولون هو ولده بمنزلة الشعاع المتولد عن الشمس.

 والذين قالوا بجوهرين وطبيعتين وأقنومين مع الرب قالوا ثالث ثلاثة.

وهذا الذي قاله هؤلاء ليس بشيء؛ فإن الله أخبر أن النصارى يقولون أنه ثالث ثلاثة وأنهم يقولون إنه ابن الله وقال لهم: لا تقولوا ثلاثة، مع إخباره أن النصارى افترقوا وألقى بينهم العداوة والبغضاء بقوله: " وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ" (14) المائدة.

       وقال: " وأيضاً فهذه الأقوال لا تنطبق على ما ذكر([149]) فإن الذين يقولون أنهما اتحدا وصارا شيئاً واحداً ؛يقولون أيضاً إنما اتحد الكلمة التي هي الابن، والذين يقولون هما جوهر واحد له طبيعتان، يقولون إن المسيح إله وإنه الله، والذين يقولون إنه حل فيه يقولون خلق فيه الكلمة التي هي الابن وهي الله أيضاً بوجه آخر".

       وقال: " وعلى هذا فتكون كل آية مما ذكره الله عن الأقوال تعم جميع طوائفهم وتعم أيضاً بتثليث الأقانيم، وبالاتحاد والحلول، فتعم أصنافهم وأصناف كفرهم، ليس يختص كل آية بصنف، كما قال من يزعم ذلك.

       ولا تختص آية بتثليث الأقانيم، وآية بالحلول والاتحاد، بل هو سبحانه ذكر في كل آية كفرهم المشترك.

       ولكن وصف كفرهم بثلاث صفات وكل صفة تستلزم الأخرى: أنهم يقولون المسيح هو الله، ويقولون هو ابن الله، ويقولون إن الله ثالث ثلاثة، حيث اتخذوا المسيح وأمه إلهين من دون الله، هذا بالاتحاد، وهذا بالحلول ،وتبين بذلك إثبات ثلاث آلهة منفصلة غير الاقانيم، وهذا يتضمن جميع كفر النصارى، وذلك أنهم يقولون: الإله جوهر واحد له ثلاثة اقانيم، وهذه الأقانيم يجعلونها تارة جواهر وأشخاصاً، وتارة صفات وخواصاً". أهـ.

       ومن هذا كله يتبين لك أن النصارى على اختلاف مناهجهم يعتقدون أن في اللاهوت ثلاثة يُعبدون، وعباداتهم تفيد أنهم متغايرون، وأن اتحدوا في الجوهر والقدم والصفات.

       ولكن كتّابهم يحاولون أن يجعلوهم جميعاً أقانيم لشيء واحد، أي أنهم يحاولون الجمع بين التثليث والوحدانية بصورة بعيدة عن الإفهام والواقع.

       قال شيخ الإسلام رحمه الله: (.. ومن هنا قيل: النصارى، غلطوا في أول مسألة من الحساب الذي يعلمه كل أحد!! وهو قولهم الواحد ثلاثة !!)أهـ.

 

 

 

 

لمحة عن طوائف النصرانية وفرقها الحديثة

أما أهم الفرق والطوائف النصرانية المتبقية اليوم فهي:

* أولاً: الكاثوليك:

       وتسمى كنيستهم بالكنيسة الغربية لامتداد نفوذها إلى الغرب اللاتيني الذين يسكنون بلاد إيطاليا وبلجيكيا وفرنسا والبرتغال وإيرلندا ويوجد لهم أتباع في أمريكا الشمالية والجنوبية وأفريقيا وآسيا، ويدعون أن مؤسس فرقتهم (بطرس) كبير الحواريين ،ويدعون أن بابوات روما خلفاؤه، ولذلك يسمون كنيستهم بالبطرسية أو اللاتينية، لأنها تدعى إمام الكنائس ومعلمتها، لأنها وحدها التي تنشر النصرانية في العالم.

       وتتبع الكنيسة الكاثوليكية في روما النظام البابوي، وهو مجمع الكنائس. ومن بدع الكاثوليكية ومحدثاتها: أنها أباحت أكل لحم المخنوق، وأباحت للرهبان أكل لحم الخنزير.

       وتعتقد المساواة الكاملة بين الإله الأب !! والإله الابن!! وتقول أن المسيح طبيعتين بعد الاتحاد إحداها لاهوتية والأخرى ناسوتية، وهي الكنيسة التي اعتادت إصدار صكوك الغفران، وقد كان أصل هذه البدعة أن يدفع مبلغ من المال للكنيسة للحصول على إعفاء من الاشتراك في الحروب الصليبية؛ ثم أصبحت فيما بعد وسيلة لأكل أموال الناس بالباطل من قبل القسيسين والرهبان بدعوى غفران الذنوب.

ـ ويتبع للكنيسة الكاثوليكية طوائف أخرى وإن لم تكن كاعتقادها في طبيعة المسيح وهم:

1.   النسطورية: تقدم الكلام عليها وأنها نسبة إلى نسطور، الذي كان بطريركاً للقسطنطينية لمدة أربع سنين قبل خلعه ونفيه إلى مصر، وكان يرى أن مريم أم المسيح لم تلد الإله بل ولدت الإنسان فقط، ثم اتحد الإنسان بعد ولادته بالاقنوم الثاني وهو الابن، وليس ذلك الاتحاد حقيقي بل مجازي لأن الله منحه المحبة، فهو اتحاد في المشيئة عنده.

وكاتبه على أثر ذلك (كيرلس) بطريرك الاسكندرية، ويوحنا بطريرك إنطاكيا ليعدل عن رأيه، لكنه لم يستجب لهم، فانعقد مجمع سنة (431م) وقرر لعنه وطرده وإثبات أن مريم العذراء ولدت الإنسان الإله.

2. المارونية:

       مقرها لبنان نسبة إلى القديس مارون الذي أعلن سنة (667م) أن المسيح ذو طبيعتين ولكنه ذو إرادة واحدة أو مشيئة واحدة، ولم يُقبل قوله، فاجتمع المجمع السادس بمدينة القسطنطينية سنة (680م) وقرر رفض نحلة مارون، ولعنه وتكفير كل من يذهب إليها، وقد نزلت بأتباعه المحن والاضطهادات، فلم يجدوا أمامهم إلا الفرار والاعتصام بمدن جبل لبنان ،وقد تحايلت الكنيسة الكاثوليكية وقربتهم إليها، فأعلنوا لها الطاعة والاتحاد معها سنة 1182م على أن يبقوا على رأيهم، ولهم بطريركهم الخاص بهم، وإن كان يقر بالرياسة لبابا روما …

2.   السريان:

       طوائف من النصارى يقولون أن المسيح ذو طبيعة واحدة، لكنهم يعترفون برئاسة الكنيسة الكاثوليكية عليهم، وأن لهم رأيهم وبطريركهم الخاص لهم.

* ثانياً: الأرثوذكس:

       وتسمى كنيستهم بالكنيسة الشرقية أو اليونانية أو كنيسة الروم الشرقيين لأن أتباعها كانوا من شرق أوروبا وروسيا والبلقان واليونان.

       مقرها الأصلي كان القسطنطينية، بعد انفصالها عن كنيسة روما سنة 1054م .. وترتيبها يتبع نظام الأكليروس: فيبدأ من البطريرك ويليه في الرتبة المطارنة. ثم الأساقفة، ثم القمامصة، وهم قسس ممتازون، يليهم القسس العاديون.

-       لم تقبل كنيستهم أكل لحم المخنوق، ورفضت إباحة أكل لحم الدم للرهبان.

-       أصرت على أن روح القدس نشأ عن الإله الأب فقط.

-        وقالت بأفضلية الإله الأب عن الإله الابن.

-        وترى أن المسيح له طبيعة واحدة ومشيئة واحدة.

ـ وهناك طوائف أخرى تتبع المذهب الأرثوذكسي وإن كانت كنائسها مستقلة:

1.   الكنسية المصرية:

       رئيس هذه الكنيسة هو بطريرك القبط المقيم بالقاهرة ويدعى حالياً ( باب الإسكندرية) ورئيس الأفريقيين النصارى، ويتبعون في هذه الرياسة سكان الحبشة، فهم خاضعون لبطريرك الكنيسة القبطية وهو يعين لهم أسقفاً يسوسهم.

       وتعتقد هذه الكنيسة أن للمسيح طبيعة واحدة([150]) اجتمع فيها اللاهوت بالناسوت، وانعقد لهذه الغاية مجمع أفسس الثاني خلال النصف الأول من القرن الخامس الميلادي، وأعلن هذا الرأي، إلا أن الكنيسة البابوية رفضته ووصفته بأنه مجمع اللصوص.

       وانعقد بعد ذلك مجمع خليكدونية سنة 451م وتقرر فيه أن المسيح فيه طبيعتان لا طبيعة واحدة، وأن الألوهية طبيعة وحدها والناسوت طبيعة وحده التقيا في المسيح، وبذلك رفض المجمع الأخير رأي الكنيسة المصرية بل لعن هذا المجمع (ديسقورس) بطريرك الإسكندرية مما جعل الأقباط المصريين لما سمعوا بما نزل برئيس كنيستهم، يجتمعون على عدم الاعتراف بقرارات ذلك المجمع، بل ثاروا ضده ورفضوا تعيين بطريرك على غير مذهبهم وكان قرار مجمع خليكدونية هذا هو سبب انفصال الكنيسة المصرية عن الكنسية الغربية.

       وقد ظهر للمذهب القبطي المصري داعية قوي في وسط القرن السادس الميلادي هو (يعقوب البراذعي) الذي جال البلاد الرومانية، داعياً إلى اعتناق المذهب القبطي المصري.

2.   الأرمن:

       طوائف من النصارى موطنهم الأصلي أرمينيا، وإن كانوا ينتشرون في مصر والأردن وبلاد الشرق الأوسط، ويعتقدون  في المسيح اعتقادات الكنيسة القبطية، وهي أن المسيح ذو طبيعة واحدة ومشيئة واحدة، ولكن طقوسهم الدينية وتقاليدهم مختلفة، كما أن لهم بطاركة مستقلين، فهم لا يندمجون مع الكنائس الأخرى.

* ثالثاً: البروتستانت:  "وتعني الإصلاح الديني"

       ينتشرون في ألمانيا وإنكلترا والدانمرك وفرنسا وإيطاليا وإسبانيا وبلجيكا، وهولندا وسويسرا والنرويج وأمريكا الشمالية، وتسمى كنيستهم "الكنيسة الإنجيلية" بمعنى أن أتباعها يتبعون الإنجيل ويفهمونه بأنفسهم دون الخضوع لأحد من رجال الدين أو طائفة أخرى، وخالفوا بذلك الكنائس الأخرى التي تعتبر فهم الإنجيل وقفاً على رجال الكنيسة.

       يقولون باستحالة تحول الخبز والخمر في عيد الفصح إلى جسد المسيح ودمه، ويطالبون بإبطال صكوك الغفران لعدم وجود أصل لذلك في الإنجيل.

       زعيمهم الأول مارتن لوثر([151]) (1483-1546م) وكان من أشد الناس إنكاراً على من نظر في فلسفة أرسطو، وكان يلقيه بالخنزير الدنس الكذاب .. وكان مارتن لوثر يرى بأن إرضاء الرب إنما ينال بالإيمان فقط، ولا دخل للطاعات والعبادات في ذلك ؛ وذلك ليزيل كهنوت رجال الكنيسة وهيمنتهم، مكرساً بذلك لإرجاء بولس وتحريفاته. فقد كان لوثر نصيراً متحمساً لبولس..

وكان من أعماله ترجمة (كتابهم المقدس) إلى اللغة الألمانية ليمكن كل أحد من قراءته دون الرجوع إلى رجال الدين.

       طلب منه التبري من آرائه علناً فرفض، فأعلن أنه كافر خارج عن القانون في مجمع ورمس 1521م وأن كتبه محرمة. وحكم بأن يحرق لوثر على الخازوق، ولكن آراؤه لقيت تأييداً واسعاً في ألمانيا، خصوصاً من بعض الأمراء الألمان، مما نجاه من تلك العقوبات.

       والبروتستانت كالكاثوليك في قولهم أن للمسيح طبيعتين بعد الاتحاد إحداهما لاهوتية والأخرى ناسوتية.

       وبالجملة فالبروتستانت لم يبطلوا في إصلاحهم المزعوم أصلاً من أصول النصرانية الشركية، كالقول بألوهية عيسى وأنه ابن الله وأنه صلب من أجل عقيدة الفداء والخلاص، وأن الإيمان بذلك كافٍ دون العمل بأحكام الشريعة .. الخ.

       بل إنهم فقط منعوا من الغلو بالرؤساء في سلطتهم، فحركتهم كانت دعوة لإصلاح الكنيسة، لا لإصلاح النصرانية وإرجاعها إلى أصولها الصحيحة كما جاء بها المسيح.

       لذلك بقيت موضوعات رئيسية وضخمة لم يتطرق لها إصلاحهم الديني المزعوم، من قريب أو بعيد ؛ أهمها:

·        عقيدة التثليث، وما تضمنته قرارات المجامع السابقة في العقيدة، خصوصاً قرارات مجمع نيقية سنة 325م وقرارات مجمع القسطنطينة سنة (381م)، ففي الأول تقررت عقيدة التثليث وألوهية المسيح عندهم، وفي الثاني قرروا ألوهية روح القدس، تعالى الله عما يقولون علواً كبيرا.

·        عقيدة صلب المسيح، للتكفير عن خطايا البشر (عقيدة الفداء).

·        البحث عن إنجيل المسيح نفسه بمعنى الاقتصار على تعاليم المسيح الأصلية، واستبعاد الدخيل على ذلك، خصوصاً ما يتعلق بالعقيدة.

·        مراجعة بشارة المسيح بالنبي الأمي صلى الله عليه وسلم ؛ الذي يأتي من بعده خاتماً للرسل، والبحث عن ذلك في تعاليم المسيح الأصلية.

إذ كل من ادعى السعي في اصلاح النصرانية أو كنيستها؛ دون أن يطرق هذه الأصول المهمة في الديانة النصرانية ؛ فهو ضال واهم في إصلاحه ، ودعواه محض زيف وضلال..


الخاتمة

      وعلى كل حال فإن المسيحية لم تعدم في تاريخها من دعاة حاولوا الاعتراض على بعض جوانب العقيدة النصرانية والتعرض إلى بعض تلكم الأصول الخطيرة ، منهم:

-       آريوس: تقدم أنه كان قسيساً في الاسكندرية في بداية القرن الرابع الميلادي، وهو الذي أعلن أن الله وحده هو الإله الأوحد، أما المسيح والروح القدس فهما مخلوقان، وقد حكم عليه مجمع نيفيه بالكفر، وقرر قتله ونفيه، ولعن أتباعه..

-       مقدونيوس: تأثر بآراء آريوس. رقى كرسي البطريركية بالقسطنطينية بعد بولس فكان أسقفاً للقسطنطينية..

   وكان يقول أن عيسى عبد مخلوق وإنسان نبي؛ رسول الله كسائر الأنبياء عليهم السلام، وأن عيسى هو روح القدس([152]) وكلمة الله وأن روح القدس والكلمة مخلوقتان،  عقد مجمع القسطنطينية سنة 381م من أجله وقرر حرمانه وطرده وعزله.

-       وكان على رأي آريوس بعدم ألوهية المسيح أيضاً كل من:

       أسقف مقدونية، واسقف فلسطين، وكنيسة أسيوط.

-       أوريجانوس: الذي أعلن أن الله لا يدركه الفهم، وهو أعلى من أن تكون أوصافه شبيهة بالإنسان، وأن الله لا يجزأ ولا يجسد ولا يحصر، فحكم عليه بالحرمان، وحرقت كتبه وطرد هو وأتباعه.

-       الفيلسوف النصراني ( ترتليان ): في القرن الثالث الميلادي ، أعلن قوله: ( إنّا بريئون ممن ابتدعوا مسيحية رواقية أو إفلاطونية جدلية؛ بعد المسيح والإنجيل لسنا بحاجة إلى شيء).

-       الأسقف نسطور: كان ينكر ألوهية المسيح ويقرر أن المسيح إنسان كسائر الناس مملوء بالبركة.

-       سرفيتوس: في إسبانيا جاهر بوحدانية الله، وإنكار الثالوث، فقرروا إحراقه حياً سنة (1553)م.

وغيرهم ..

       إلا أن عشاق الشرك والزور والبهتان والتثليث، لاحقوا كل من حاول الاعتراض على شيء من شركهم وكفرهم وبهتانهم.

       وكتموا كل نفس حاول الاقتراب من التوحيد والبراءة من الشرك والتنديد. وشهروا بهم في المجتمعات النصرانية على مر التاريخ، وكفروهم ولعنوهم وقتلوهم. حرصاً منهم على طمس معالم التوحيد، وصبغ النصرانية وإبقائها في دياجير الشرك والتثليث والتنديد.

       وقد وصف الله تعالى حال هؤلاء ومن تابعهم بقوله سبحانه: "اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ" (31) التوبة.

وقد روى الإمام أحمد والترمذي وابن جرير في تفسير هذه الآية من طرق يقوي بعضها بعض أن عدي بن حاتم رضي الله عنه لما بلغته دعوة رسول الله صلى الله عليه وسلم فرّ إلى الشام وكان قد تنصّر في الجاهلية فأُسرت أخته وجماعة من قومه ؛ ثم منّ رسول الله صلى الله عليه وسلم على أخته وأعطاها، فرجعت إلى أخيها فرغّبته في الإسلام وفي القدوم على رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ فقدم عدي إلى المدينة وكان رئيساً في قومه طيء ، وأبوه حاتم الطائي المشهور بالكرم، فتحدث الناس بقدومه فدخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي عنق عدي صليب من فضة، وهو صلى الله عليه وسلم يقرأ هذه الآية ( اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ ) قال عدي: فقلت؛ إنهم لم يعبدوهم . فقال: "بلى إنهم حرموا عليهم الحلال وأحلوا لهم الحرام فاتبعوهم؛ وذلك عبادتهم إياهم" ،وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يا عدي ما تقول ؟ أيضرك أن يقال الله أكبر؟ فهل تعلم شيئاً أكبر من الله ؟ ما يضرك ؟ أيضرك أن يقال لا إله إلا الله، فهل تعلم إلهاً غير الله ؟ ثم دعاه إلى الإسلام فأسلم وشهد شهادة الحق. قال: فلقد رأيت وجهه استبشر ثم قال: "إن اليهود مغضوبٌ عليهم ، والنصارى ضالون".

وهكذا ورد عن حذيفة بن اليمان وعبد الله بن عباس وغيرهما في تفسير "اتخذوا أحبارهم ورهبانهم … الآية" إنهم اتبعوهم فيما حللوا وحرموا وشرعوا.

 وقد رأيت فيما تقدم أمثلة كثيرة مما فعله أحبار النصارى وبطارقتهم ورهبانهم وقساوستهم في هذه الديانة من التعريف والترقيع ، وما أدخلوا فيها من الشرك والتثليث .. وكيف استحقوا بذلك لعنة الله هم ومن تابعهم على افترائهم على الله وعلى عبده ورسوله المسيح ؛ من الشرك الصراح والكفر والبواح.

  

 

 

 

 

 

 

الخلاص الحقيقي في التوحيد الذي جاء به الإسلام

وأخيراً …

 فقد جاء الإسلام البشرية بالخلاص الحقيقي المتمثل بعقيدة التوحيد.

       فنزّه الخالق عن الصاحبة والشبيه والند والوالد والولد.

       جاءهم بالتوحيد الذي هو دين كافة الأنبياء من لدن آدم ونوح مروراً بهود وصالح وشعيب وموسى وعيسى وغيرهم إلى خاتمهم عليه الصلاة والسلام.

       "قُلْ ءَامَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَالنَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ(84)وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ(85)" (آل عمران).

       جاء الإسلام بهذا التوحيد الصافي ؛ في وقت كان النصارى قد مسخوا دينهم وبدلوه وحرموه .. ولم يبق مما جاء به المسيح عليه السلام إلا رسوم وأطلال تلوح مُغبّشة كما تلوح بقايا الوشم في ظاهر اليد، قد سفت عليها سوافي الجهل والتبديل والتحريف والتثليث.

       وليس أدل على هذه الحال، مما جاء في خبر قصة إسلام سلمان الفارسي الطويلة والتي رواها الإمام أحمد في مسنده (5/441-444) وفيها حكاية تنقله بين بقايا من رهبان أهل الكتاب في بقاع متفرقة، كل يدله عند موته على واحد، في بقعة بعيدة عنه، يعرفه ولا يعرف غيره ممن يظنهم على دين المسيح في ذلك الزمان؛ وكان عددهم جميعاً لا يتجاوز أصابع اليد الواحدة ، حتى قال له بعضهم لما حضرته الوفاة : ( أي بني والله ما أعلم أحداً اليوم على ما كنت عليه ، لقد هلك الناس وبدلوا، وتركوا أكثر ما كانوا عليه، إلا رجلاً بالموصل وهو فلان، فهو على ما كنت عليه؛  فالحق به ) إلى أن كان عند آخرهم وحضره الموت فقال له سلمان: ( إني كنت مع فلان فأوصى بي إلى فلان وأوصى بي فلان إلى فلان ثم أوصى بي فلان إليك فإلى من توصي بي ؟ وما تأمرني ؟ فقال له: ( أي بني ما أعلمه أصبح على ما كنا عليه أحد من الناس آمرك أن تأتيه، ولكنه قد أظلك زمان نبي هو مبعوث بدين إبراهيم؛ يخرج بأرض العرب، مهاجراً إلى أرض بين حربتين بينهما نخل، به علامات لا تخفى؛ يأكل الهدية ولا يأكل الصدقة، بين كتبه خاتم النبوة، فإن استطعت أن تلحق بتلك البلاد فافعل ) إلى آخر قصة سلمان الفارسي .

       وقد بشر الله تعالى في كتابه وعلى لسان نبيه صلى الله عليه وسلم من آمن من النصارى بعقيدة التوحيد التي جاء بها الإسلام ؛وصدق بخاتم الأنبياء والمرسلين صلى الله عليه وسلم ؛ أن يؤتى أجره مرتين.

       فقال تعالى: "الَّذِينَ ءَاتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ(52)وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوا ءَامَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ(53)أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ" (القصص).

       وفي الصحيح عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ثلاثة يؤتون أجرهم مرتين رجل من أهل الكتاب آمن بنبيه ثم آمن بي ….. الحديث ".

       وروى الإمام أحمد عن القاسم بن أبي أمامة قال: إني لتحت راحلة رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الفتح، فقال قولاً حسناً جميلاً، وقال فيما قال: "من أسلم من أهل الكتاب فله أجره مرتين، وله ما لنا وعليه ما علينا …. الحديث".

       وفي صحيح البخاري عن عبادة بن الصامت عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " من شهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمداً عبده ورسوله، وأن عيسى عبد الله ورسوله، وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، والجنة حق والنار حق أدخله الله الجنة على ما كان من العمل " وزاد في رواية عن جنادة: ( من أبواب الجنة الثمانية أيها شاء ).

       فآمنت طائفة منهم ودخلت الإسلام وتابعت بشارة ووصية نبي الله عيسى عليه السلام، فكان منهم صحابة للنبي صلى الله عليه وسلم أجلاء كسلمان الفارسي، وعدي بن حاتم الطائي والنجاشي وغيرهم .. وكان منهم التابعون والمجاهدون والشهداء.

       وكفرت طائفة، وأصرت على البقاء على ما هي عليه من الشرك والتثليث، فمن عاند واستكبر من هؤلاء، وأبى النزول تحت حكم الإسلام أوحارب أهله أو كان عوناً لأهل الكفر عليهم،كانت له جحافل الإسلام بالمرصاد على مر العصور .. فأزالوا حكم الرومان في بلاد الشام، ومضت جحافلهم تفتح البلاد شرقاً وغرباً حتى فتحوا إسبانيا، وارتفعت رايات الخلافة على حصونها ،ونكست رايات الصليب وارتفعت رايات التوحيد على قلاعها وقصورها، حتى وصلت جحافل المسلمين إلى نهر الراين بفرنسا.

       ومن قَبِلَ ممن أصر على البقاء على دينه الدخول تحت حكم الإسلام ؛كانت له ذمة الله وذمة رسوله صلى الله عليه وسلم الذي أوصى في كثير من أحاديثه بأهل الذمة خيراً.

       حتى نعم هؤلاء في ظل حكم الإسلام بأمن وأمان لم يحلموا بمثله في ظل أي حكم آخر، ولا عايشوه من قبل، ولا حتى في حكم قسطنطين الذي كان أول من أظهر ديانتهم وجعلها دين الدولة وفرض أناجيلها وعقائدها الشركية بقوة سلطانه ..! إذ قد تقدم أنه كان ينكل ويقتل كل مخالف لما قرره بقوته في مجامعه وإن كان من أكبر قساوستهم .. وهذا ما لم يتعرض لمثله النصارى في ظل حكم الإسلام الذي أقرهم على دينهم بشرط دفعهم الجزية ونزولهم تحت أحكام دولة الإسلام.

       يقول فيكتور سحاب في كتابه (من يحمي المسيحيين العرب) ص26 فصاعدا: ( لا شك أن المسيحيين المخضرمين الذي عاصروا الفتح الإسلامي هم أكثر من لمس الأمر بوضوح، إذ انتقلوا فجأة من سلطان دولة كانت تضطهدهم اضطهاداً وصفه بعض المؤرخين العصريين في أوروبا بأنه لا يشبه حتى أعمال البهائم، إلى سلطان دولة حافظت لهم على أديارهم وبيعهم، كما خيرتهم بين اعتناق الإسلام ،والبقاء على دينهم بشرط الدخول في ذمة المسلمين، أي بشرط الإنضمام إلى دولة الإسلام ورفض القتال مع أعدائها، وكان ( ألكيروس الكنيسة المصرية ) متخفياً في الصحاري هربا من المذابح البيزنطية. فلما جاء الفتح الإسلامي عادت الكنيسة المصرية إلى حرّيّتها الكاملة علناً([153])، ولقد كان في الإسلام متسع للنصارى لم يكن متاحاً لهم شيء منه في دولة بيزنطية.

       وتمتعت المذاهب المسيحية العربية على اختلافها بعد ظهور الإسلام؛ بالحرية التي كانت تقاتل من أجلها تحت حكم بيزنطة، ووقت كانت جميع الدول لا ترضى بدين آخر داخل تخومها([154]) أهـ.

       وعندما جمع هرقل جيشاً ضخماً لمواجهة المسلمين كتب أبو عبيدة إلى عمال المدن المفتوحة في الشام يأمرهم برد ما جبوه من الجزية من أهلها وكتب إلى الناس: "إنما رددنا عليكم أموالكم لأنه بلغنا ما جمع لنا من الجموع وأنكم اشترطتم أن نمنعكم ونحن لا نقدر على ذلك الآن وقد رددنا ما أخذنا منكم".

       إنه ديننا دين عظيم، كفلت شرائعه العدالة لرعايا دولته الخاضعين لأحكامها، ولا تتبدل تلك الشرائع، ولا تتغير عدالتها .. بل هي محفوظة بحفظ الذكر الذي تكفل الله بحفظه إلى أن يرث سبحانه الأرض ومن عليها؛ رغم الأساليب والممارسات المقابلة التي عامل بها النصارى الصليبيون المسلمين ، عندما غزوا بلادنا، أو عندما صارت لهم الدولة والصولة في بعض بلاد المسلمين.

فيوم استولى الصليبيون على بيت المقدس في (15/1/1099م) ذبحو نحو (70) ألف مسلم، ولم يرحموا الشيوخ ولا الأطفال ولا النساء في مذبحة استمرت 3 أيام، ولم تنته إلا بعد أن أعياهم الإجهاد من القتل، حيث حطموا رؤوس الصبيان على الجدران، وألقوا بالأطفال الرضع من أسوار الحصون وشووا الرجال على النار وبقروا بطون الحوامل .. وهذا كله مدوّن في تواريخ النصارى أنفسهم ؛ فضلا عن تواريخ المسلمين .

       وأما صلاح الدين فإنه لما استعاد بيت المقدس من أيديهم بعد (90) سنة من هذه المجزرة؛ لم يعاملهم بالمثل، ولما سُلمت له الحامية النصرانية هناك؛ أمّنهم على حياتهم ،وكانوا أكثر من (100) ألف، وأعطاهم مهلة للخروج في سلام ولم يقتل أحدا منهم، ولا فعل مثلما فعل (ريكاردوس) الإنجليزي الذي قتل أمام معسكر المسلمين 3 آلاف سلموا أنفسهم إليه؛ بعد أن قطع على نفسه العهد بحقن دمائهم !!

       وهكذا كانت عهودهم دوماً مع المسلمين، ففي الأندلس عقد المسلمون في غرناطة معاهدة التسليم من الملكين (فردينا وإزابيلا) لكنهما نقضا العهد ؛ وقتل من المسلمين ما يقرب من ثلاثة ملايين!!

       وما محاكم التفتيش التي جرت بعد ذلك على سمع وبصر العالم كله لمسلمي الأندلس بخافية على أحد؛ ويكفي كي يعرف المرء الفرق في التعامل بيننا وبينهم؛ أن يعلم أن الملكة إيزابيلا قد أصدرت عام (1502م) مرسوماً يخيّر جميع الأندلسيين بين التنصير أو الرحيل !! ومن لم يرض بهذا أوبذاك ؛ نال مصيره المحتوم الذي سمعت به الدنيا كلها ولم يخف على أحد.

       أما في عصرنا الحديث فما أظن أن المجازر التي ارتكبها عباد الصليب في جميع أنحاء المعمورة قد غابت عن ذاكرة أهل العصر، فالعهد بمجازر صبرا وشاتيلا ما زال قريباً، فبرغم تخلي أكثر أهل ذلك المخيم عن دينهم وتحللهم من إسلامهم إلا من الهوية والأسماء ـ إلا من رحم الله وقليل ماهم ـ؛ فقد كان ذبح النساء والشيوخ والأطفال الرضع يتم على أساس أنهم قد شموا رائحة الإسلام في يوم من الأيام!! بدليل نجاة كل من انتسب إلى عباد الصليب من العاملين في المستشفيات أو الإغاثة في ذلك المخيم ،واستئصال شأفه من سواهم من المنتسبين  للإسلام.

       أما في البوسنة والهرسك وكوسوفا والفلبين وأندونيسيا في جزر الملوك وغيرها .. فلا تسل عن المذابح والمجازر التي تمت على أساس حقد عباد الصليب على دين المسلمين،  ولم يراعوا في ذلك أدنى آداب الحروب والعهود والأخلاق، ولم يستثنوا طفلاً أو امرأة أو شيخا..

      وفي الوقت الذي تشن فيه حكومات الغرب الصليبي الكافر الغارة على المجاهدين المسلمين في كل مكان، وتصفهم بالإرهاب وتتهمهم بقتل المدنيين ونحو ذلك من الأوصاف والتهم التي يحاولون بها تشويه جهاد المسلمين ودينهم ؛ نرى قياداتهم الصليبية الحاقدة في غرب حقوق الإنسان بل والحيوان!! تتآمر مع القائمين على تلك المذابح في كل مكان وتمدهم بالعون والدعم والتأييد وما حصل في البوسنة والهرسك في السنوات القريبة الماضية أكبر شاهد على ذلك ..

ختاماً ….

       فإن المسيح بن مريم عليه السلام، ما عرف هذه الأناجيل التي بين أيدي النصارى اليوم ولا كتبها ولا حتى قرأها ؛ وهم يعرفون ذلك جيداً .. وهو يقيناً ما ادعى الألوهية في يوم من الأيام ؛ بل قد أنكر على من نسبه إلى ذلك أشد الإنكار.

       وإنما الذي سيدعيها في قابل الأيام (هو المسيح الدجال)..

 والنصارى وكذا اليهود ينتظرون نزول المسيح قبل يوم القيامة ؛ونحن المسلمون ننتظر ذلك أيضاً.

       والفرق بيننا وبينهم أننا ننتظر المسيح ابن مريم عبد الله ورسوله؛ أما النصارى فإنهم ينتظرون المسيح الذي يدعي الألوهية ويدعونها هم له ؛وليس ذلك إلا (المسيح الدجال) الذي سيتبعه كثير من الخلق من يهود ونصارى وغيرهم، خصوصاً عندما يرونه يحيي الموتى ويأتي بغير ذلك من خوارق العادات، ويصطحب كثيراً من الشهوات، ويحق الله الحق في خاتمة المطاف؛ فيقتله المسيح نبي الله ليبطل بذلك عقيدتهم الكفرية، ويقتل الخنزير ويكسر الصليب([155])، ليعلن بذلك براءته مما افتراه عباد الصليب عليه وعلى دين الله من عقيدة التثليث وغيرها من عقائد الشرك والضلال. وسيمكث في الأمة أربعين سنة حكماً عدلاً لا نبياً رسولاً، إذ نبينا هو خاتم الأنبياء والمرسلين صلوات الله وسلام عليهم أجمعين ؛ ولا نبي بعده .

       ويومها لن يقبل المسيح جزية من أحد ؛ أي أنه لن يقر نصرانياً ولا يهودياً على العقيدة الشركية، فبعد أن كانوا يُخيرون بين الجزية أو الإسلام أو القتال.. فلن يخيّرهم إلا بين الإسلام والقتال، ليحق الله الحق بكلماته ولو كره المبلطون، والله متم نوره ولو كره المشركون؛ فانتظروا إنا منتظرون.

ولتعلمن نبأه بعد حين …


فهرست المراجع

1.   القرآن الكريم

2.   مختصر صحيح مسلم للمنذري

3.   الشفا في التعريف بحقوق المصطفى، للقاضي عياض

4.   الفصل في الملل والأهواء والنحل، لابن حزم.

5.   الفتاوي الكبرى، لشيخ الإسلام ابن تيمية.

6.   إغاثة اللهفان من مصائد الشيطان، لابن قيم الجوزية.

7.   البداية والنهاية لابن كثير.

8.   رياض الصالحين، للنووي.

9.   دراسات في الأديان والفرق، لمجموعة مؤلفين.

10.          الموسوعة العربية، لمجموعة مؤلفين.

11.          المائة الأوائل لمايكل هارت.

12.          المسيح الدجال "قراءة سياسية في أصول الديانات الكبرى" لسعيد أيوب.

13.          العهد القديم

14.          العهد الجديد، منشورات دار المشرق – بيروت.

المطبعة الكاثوليكية – ترجمة: (الأبوان) صبحي حموي – ويوسف قوشاقجي – هذب عبارته: بطرس البستاني.


فهرست الموضوعات

الموضوع

الصفحة

الفصل الأول: نشأة المسيحية

 

المسيح

 

نسبه

 

مريم الصديقة

 

حملها بالمسيح

 

ولادتها للمسيح

 

ختانه

 

الفصل الثاني

 

دعوة المسيح

 

تأييده بالمعجزات

 

إيمان الحواريين به

 

تكذيب بني إسرائيل له وسعيهم في قتله

 

إدعاء النصارى أن اليهود أسروه وصلبوه

 

دعوى صلب المسيح وعقيدة الفداء

 

الصليب وبدعة تعظيمه عند النصارى

 

رفع المسيح

 

دفن المسيح وقيامته عند النصارى

 

بعض أوصاف المسيح

 

من أقواله عليه السلام

 

الفصل الثالث:

 

عهود الاضطهاد وأثرها في تحريف المسيحية

 

أشهر أناجيل النصارى ومؤلفيها

 

1. إنجيل متى

 

2. إنجيل مرقس

 

3. إنجيل لوقا

 

4. إنجيل يوحنا

 

بولس وأثره في تحريف المسيحية

 

لمحة عن أسفار العهد الجديد

 

1. الأسفار التاريخية

 

الأناجيل

 

سفر أعمال الرسل

 

2. الأسفار التعليمية

 

رسائل بولس الثلاثة عشر

 

الرسائل الكاثوليكية (العامة السبعة)

 

الرسالة إلى العبرانيين

 

سفر الرؤيا

 

وشهد شاهد من أهلها

 

الفصل الرابع

 

عهود الرخاء في النصرانية عهود تحريف أيضاً

 

أول ملوك النصارى قسطنطين الأول

 

أخطر أعماله

 

مرسوم ميلان

 

مجمع نيقية واجتماعاته على اللعنة

 

آريوس ومخالفته لقومه في ألوهية المسيح

 

لمحة عن أشهر الفرق النصرانية القديمة

 

1. الملكانية

 

2. النسطورية

 

3. اليعقوبية

 

لمحة عن طوائف النصرانية الحديثة

 

1. الكاثوليك

 

النسطورية

 

المارونية 

 

السريان

 

2. الأرثوذكس

 

الكنسية المصرية (الأقباط)

 

الأرمن

 

3. البروتيستانت

 

مارتن لوثر

 

خاتمة

 

دعاة يحاولون التحرر والخلاص من عقائد الشرك النصرانية

 

الخلاص الحقيقي في الإسلام والتوحيد

 

فهرست المراجع

 

فهرست الموضوعات

 

تم بحمد الله[156]



([1])  رواه البخاري عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه مرفوعا،( كتاب أحاديث الأنبياء ).    

(*) وقد كان مما دعاني إلى كتابته ، تردد بعض مندوبي الصليب الأحمر على السجن ، وتغيير مدير سجن سواقة بآخر نصراني ، رغبة في دعوة كل من قد يتردد علينا منهم من خلال هذه الأوراق .

([2]) أنظر الفصل الأول من إنجيل متي: (يسوع المسيح ابن داود ابن إبراهيم الخ) 

([3]) أنظر الفصل الثالث من إنجيل لوقا الرقم (24) وسيأتي. 

([4]) فإن قيل في نسبه إلى يوسف، قد قالوا هنا: (كان الناس يحسبونه) فهو قول الناس وليس قول الإنجيل.. قلنا: فأين إنكار الإنجيل لذلك؟ الجواب: إنه غير موجود .. بل الموجود فيه قولهم في لوقا (2/33) عن مريم ويوسف: (وكان أبوه وأمه يعجبان مما يقال فيه) أهـ  وكذلك في رقم (41) (وكان أبواه يذهبان) وفيه أيضا في رقم (49) قول مريم فيما يزعمون: (يا بني لم صنعت بنا ذلك؟ فأنا وأبوك نبحث عنك..) أهـ. بل وجعلوا له إخوة. كما في متى (12/46) ومرقس (3/31) ولوقا (8/19). 

([5]) أنظر كلام ابن حزم حول هذه التناقضات في كتابة الفصل (2/27) فصاعداً.

([6]) في صحيح مسلم عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (كان زكرياء نجاراُ)

([7]) أنظر على سبيل المثال البحر المحيط لأبن حيان (6/180).

([8]) يرى ابن حزم الظاهري أن مريم نبيّة وكذلك سارة أم إسحق وأم موسى، محتجاً بكلام الملائكة لمريم وسارة والوحي لأم موسى وقد خالف بذلك جمهور العلماء.. فجمهور أهل السنة يرون أن النبوة مختصة بالرجال وليس في النساء نبية ،وكلام الملائكة لا يكفي دليلاً على النبوة ،والوحي لأم موسى وحي إلهام وتوفيق وقد ذكر الوحي في حق النحل. أما مريم فأعلى مقاماتها ما ذكره الله تعالى في قوله: { مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ } (المائدة) وهي أفضل الصديقات في زمانها، لقوله تعالى: { وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ(42) } (آل عمران).

 

([9]) قاله ابن كثير في البداية والنهاية ، وقيل إن مريم كانت مخطوبة ليوسف هذا، ولأجل ذلك يذكر النصارى نسبه أحياناً ، إذا نسبوا المسيح كما تقدم.. 

([10]) روى البخاري ومسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (خير نسائها مريم بنت عمران، وخير نسائها خديجة بنت خويلد)

([11]) في ذكر أكل الطعام في هذا المقام أسلوب رفيع يُشير إلى أن من يأكل الطعام محتاج إلى لازم ذلك من إخراج الفضلات، وهذا من أعظم صفات النقص التي لا تليق بالألوهية. 

([12]) ذكر ابن كثير في البداية والنهاية (2/92) أن ما بين عيسى ومحمد عليهما السلام (620) ستمائة وعشرون سنة بالقمرية، و(600) وستمائة بالشمسية. 

([13]) أنظر إنجيل لوقا الإصحاح (2/21) فالنصارى لا ينكرون بأن المسيح خُتِن لأن ذلك من دين اليهود، فقد جاء في سفر التكوين (17/9-14) (أن الله قال لإبراهيم: هذا هو عهدي الذي تحفظونه بيني وبين نسلك من بعدك.. ابن ثمانية أيام يختن كل ذكر منكم.. ) أهـ وهو من الشرائع التي بدلها النصارى بعد المسيح .. وأول من دعا إلى إهماله بولس، وهو ظاهر في رسائله.. مع أنه كان بالأصل يهودياً مختوناً.. واستشهدوا بأقوال نسبوها لأرميا في العهد القديم (4/4) (أن الختان الجسدي لا يجدي نفعاً إلا إذا كان مقروناً بختان القلب) أهـ.

 ولا شك أنه معنى صحيحا إن لم يرد منه إهمال أعمال الجوارح ؛ كما استقر عليه دين النصارى ؛ فختان القلب حاصل عندهم لا محالة !! لأن الخلاص يأتي بزعمهم من نعمة يسوع، ومن ثم اتفقوا أنه لا حاجة للختان.. وقالوا: ( إذا فرضنا على الناس الختان فقد أوجبنا عليهم العمل بأحكام شريعة موسى وهي نَيْر لم يستطع اليهود أنفسهم أن يحملوه) بل رأوا أن (دعاة العمل بأحكام الشريعة لعنوا جميعاً) أنظر رسالة بولس إلى أهل غلاطية (3/10) وغيرها، وقد استحسنوا ترك الختان للوثنيين الذين يتنصرون تأليفاً لقلوبهم، لأن الختان ينفّرهم، فقد كان الرومانيون وغيرهم من الوثنين يكرهون الختان ويسخرون من أهله، وهذا كله من ثمرات عقيدة الفداء عند النصارى ،ومن تلاعب بولس وغيره من أحبارهم في ديانتهم كما سيأتي.

 ([14]) وكل ما فيها أنه ذهب بنفسه وهو كبير إلى يوحنا فعمده.. أنظر متى (3/13-16) ومرقس (1/9-11) ويوحنا عند النصارى هو يحيى بن زكريا عليهما السلام،والتعميد عند النصارى هو الغسل بالماء للتوبة من الخطايا، والتطهير من الذنوب .

 واليهود والنصارى يسمون يوحنا بالمعمدان لأنه كما يقولون كان يعّمد الناس في نهر الأردن، وقد كان المسيح قريباً من عمره، وكان يحيى نبياً مصدقاً بالمسيح كما وصفه الله تعالى :      { مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ(39) } (سورة آل عمران) ، وحصوراً : أي لا يأتي النساء، مانعاً نفسه من الشهوات معصوما من الذنوب ؛ فلا يأتيها كأنه حصر عنها .. أنظر الشفا للقاضي عياض (1/88-89) وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (ما من أحد من ولد آدم إلا قد أخطأ أوهمّ بخطيئه، ليس يحيى بن زكريا) أخرجه الحاكم والبيهقي وأحمد وغيرهم ، وزاد الطبري في تفسيره : ( ثم دلّى رسول الله صلى الله عليه وسلم يده إلى الأرض وأخذ عوداً صغيراً ثم قال: "وذلك أنه لم يكن له ما للرجل إلا مثل هذا العود، ولذلك سماه الله " سيداً وحصوراً ونبياً من الصالحين" وإسناده حسن .. وكان يحيى جريئاً بالحق لا يخشى في الله لومة لائم .. مستجيبا لأمر الله تعالى في الكتاب  { يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ وَءَاتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا(12)} (سورة مريم). وقد نقلوا أن (هيرودوس) ملك اليهود في فلسطين .. وليس هيرودوس الكبير بل ابنة، كان قد وقع في حب ابنة أخيه هيروديا وأنه ينوي الزواج منها، فأعلن يحيى أن ذلك مناقض للتوراة، وإن حصل فهو زواج باطل، وكانت أم هيروديا حريصة على أن تزوج ابنتها من عمها الملك، ووجدت أن يحيى سيكون عقبة أمام هذا الزواج، فزينت ابنتها بأحسن زينة، وأرسلتها إلى عمها، وأوصتها إن طلب منها أن تتمنى شيئا ؛ أن تطلب رأس يحيى، ويقولون إن يحيى وقتها كان معتقلاً مسجونا عند هيرودوس ولم يكن هيرودوس يرغب بقتله.

فأجادت الفتاة تمثيل الدور ورقصت بين يدي عمها،وعرضت مفاتنها حتى وقع في حبائلها وسألها عن أمنيتها فقالت : (رأس ذلك الذي يشهر بي وبك) ولم تمضِ دقائق حتى كان رأس يحيى في طبق أمام هيروديا.

فاستحقت واستحق معها عمها وأعوانه من بني إسرائيل لعنة الله,. أنظر البداية والنهاية لأبن كثير ودراسات في الأديان والفرق .. وانظر بعض ذلك في إنجيل مرقس (6/17-29) ومتى (14/3-12) وفيهما أن هيرودوس تزوج هيروديا امرأة أخيه فيلُبُّس، وهو أخوه لأمه.. ومن التناقض الوارد في أناجيلهم في وصف يوحنا، قولهم عنه في موضع؛ (جاء يوحنا لا يأكل ولا يشرب) أنظر متى (11/18) وفي متى نفسه (2/5) ومرقس(1/6-7) (يأكل الجراد والعسل البري). وسيأتي من أمثال ذلك وأوضح منه الكثير.

([15]) أنظر البداية والنهاية وغيرها.  

([16]) روى الإمام أحمد (4/107) وغيره بإسناد حسن عن واثلة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (أنزلت صحف إبراهيم أول ليلة من رمضان، وأنزلت التوراة لست مضين من رمضان، وأنزل الإنجيل لثلاث عشرة ليلة خلت من رمضان، وأنزل الزبور لثمان عشرة خلت من رمضان وأنزل القرآن لأربع وعشرين خلت من رمضان) أهـ. أي : بداية تنزيله، وكان ذلك بعد نزول الإنجيل بما ينيف على (600) عام. وقد ذكر أبن كثير في البداية والنهاية أن الزبور أنزل على داود بعد (482) سنة من إنزال التوراة على موسى وأن الإنجيل أنزل بعد الزبور بـ(1050) عاماً. 

([17]) أخذت هذه النقول من ( إنجيل برنابا ودراسات حول وحدة الدين عند موسى وعيسى ومحمد عليهم السلام ) تحقيق سيف الله أحمد فاضل الطبعة الأولى 1393هـ 1973م منشورات دار القلم كويت.

 

([18]) قيل : المراد بهذا الوحي، وحي إلهام، أي: أرشدهم الله إليه ودلهم عليه، كما قي قوله تعالى: (وأوحى ربك إلى النحل)، (وأوحينا إلى أم موسى أن أرضعيه، فإذا خفت عليه فألقيه في اليم). وقيل : المراد وحي بواسطة الرسول وتوفيق قلوبهم لقبول الحق، ولهذا استجابوا قائلين (آمنا واشهد بأننا مسلمون). والخلاصة أنهم ليسوا بأنبياء، بل من أنصار وأتباع الأنبياء. 

([19]) في إنجيل متى (26/56) : (فتركه التلاميذ كلهم وهربوا) أهـ. وفي مرقس (14/36): (وقال لهم يسوع: ستعثرون بأجمعكم) أهـ. 

([20]) أنظر إنجيل متى (26/69-75) وفيه عن بطرس وهو أقرب التلاميذ للمسيح عندهم: (فأخذ يلعن ويحلف، قال إني لا أعرف هذا الرجل)أهـ. يعني: المسيح. 

([21]) أنظر على سبيل المثال مرقس (6/52): (لأنهم لم يفهموا ما جرى على الأرغفة بل كانت قلوبهم عمياء) أهـ. وأنظر فيه أيضاً (7/17-18): (ولما دخل البيت مبتعداً عن الجميع سأله تلاميذه عن المثل فقال لهم: (أهكذا أنتم أيضاً لا فهم لكم؟) أهـ- وفيه (8/14-21): (فنسوا أن يأخذوا خبزاً ولم يكن عندهم في السفينة سوى رغيف واحد.. فجعلوا يتجادلون.. فقال لهم يسوع: (ما بالكم تتجادلون لأنه لا خبز عندكم؟ ألم تدركوا حتى الآن وتفهموا؟ ألكم قلوب عمياء؟ ألكم عيون ولا تبصرون وأذان ولا تسمعون؟ .. ألم تفهموا حتى الآن.. ؟) أهـ مختصراً ..

- بل قد رموا مريم الصديقة بقلّة الفهم أيضاً.. أنظر إنجيل لوقا الإصحاح الثاني عند قصة فقد مريم ويوسف للمسيح وهو ابن اثنتي عشرة سنة ثم وجداه في الهيكل، فأخبراه بأنهما كانا يبحثان عنه بلهفة فقال لهما في رقم (50) : (ولم بحثتما عني؟ ألم تعلما أنه يجب علي أن أكون عند أبي !!!؟ فلم يفهما ما قال لهما) أهـ. تأمل يجعلهم النصارى ـ عند أخطر المسائل ـ أغبياء لا يفهمون ، وكيف لا تفهم مريم قوله عند (أبي)؟ وقد بشرها الملاك بزعمهم قبل حملها بقوله كما في (لوقا1/31-32) : (تلدين ابناً فسميه يسوع سيكون عظيماً وابن العليّ يُدعى) ، وكذا قوله في الموضع نفسه رقم (35) : (يكون المولود قدوساً وابن الله يُدعى ) أهـ ..فأفق يا عبد الصليب .. فهذا بدايته وهذا منتهاهُ..!!

([22]) وكذلك عند قولهم : ( إن الأرواح النجسة إذا رأته كانت ترتمي على قدميه وتصيح " أنت ابن الله" فكان ينهاها بشدة) تراهم يزيدون هنا عبارة : (عن كشف أمره) مرقس(3/11-12) فهم يبنون أعظم أركان عقيدتهم على أقوال الشياطين، ولا يجعلون نهي المسيح عن هذا الباطن، إبطالاً للشرك ، الذي بعث الأنبياء كافة لأجل إبطاله ؛ بل المسألة أمنيّة! مخافة أن ينكشف أمره ! فيقال لهم: وما الذي يخشاه من كان ابناً لله إن كشف أمره؟ أولم يبعثه الله بزعمكم كي يكشف ويصلب فيفدي الناس ويخلصهم بذلك..؟؟

 ولكنه التناقض والترقيع الذي يبقي باب الإشراك مفتوحاً ، ولينسبوا عقيدتهم الكفرية للمسيح متى شاءوا.. 

([23]) كما في إنجيل متى (26/14-16).

([24]) أنظر يوحنا (12/6-7) وسيأتي. 

([25]) يسمي النصارى  تلاميذ المسيح رسلاً كما في هذا الموضع وغيره من كتبهم.

([26]) هو شمعون باطره وسمعان أسمه الأصلي ويزعمون أن المسيح هو الذي لقبه ببطرس: أي: صخر، باليونانية أنظر متي (16/18) ومرقس (3/16-17) قالوا: وهذا اللقب دلالة على الثبات ، ومع هذا فقد نصوا في أناجيلهم أنه خذل المسيح وتبرأ منه ولم يثبت ! كما سيأتي . 

([27]) وكان صياداً للسمك قتله هيرودوس سنة 44م. .. 

([28]) وكان صياداً للسمك. 

([29]) العشار:أي الموظف المسؤول عن جمع الضرائب في الدولة. 

([30]) ويقال أن أسمه لباوس، وأن تداوس لقبه.

([31]) يلقب بـ (القانوي).

([32]) ومن هذا النص يظهر اختصاص دعوة المسيح ببني إسرائيل. 

([33]) وأنظر مرقس (3/13-20) و (6/7-13) ولوقا (9/1-6).

([34]) وفي مرقس (16/14): (فوبّخهم بعدم إيمانهم وقساوة قلوبهم)

([35]) وأنظر لوقا (17/5-6).

([36]) لبرنابا إنجيل مشهور يعرف (بإنجيل برنابا) لا تعترف به الكنيسة اليوم لأن فيه ما يخالف عقائد النصارى، من عدم القول بألوهية المسيح، ونفي صلبه وإثبات صلب يهوذا بدلا عنه ، وفيه التبشير صراحة بنبوة خاتم الأنبياء والمرسلين وتسميته باسمه وذكر أوصافه؛ وقد قام الشيخ رشيد رضا بنشره بعد أن ترجمه عن الإنجليزية المؤرخ خليل سعادة عن نسخة ترجمها من الإيطالية الأسقف لوندال وقد كان ذلك في 21صفر 1326هـ الموافق 15/3/1908م أيام الإحتلال الانجليزي لمصر .. 

([37]) الفريسيون : هم الرهبان أو الزهاد المنقطعون للعبادة، والكهنة : هم خدمة الهيكل أو المعبد.  

([38]) إنجيل متى الإصحاح 26 رقم (21) وفي نفس الموضع يصرح بأنه يهوذا الإسخريوطي، وكذلك في إنجيل يوحنا الإصحاح (13) رقم (21).

([39]) إنجيل مرقس الإصحاح (14) رقم (19) 

([40]) في إنجيل متى الإصحاح (26) رقم (14-16): "فذهب أحد الإثني عشر ذاك الذي يقال له يهوذا الإسخريوطي إلى الأحبار وقال لهم: (ماذا تعطوني وأنا أسلمه إليكم؟) فجعلوا له ثلاثين من الفضة) أهـ.وهذا المبلغ هو ثمن دم العبد في شريعة اليهود، كما في (سفر الخروج 21/32) وفي إنجيل متى الإصحاح 27 رقم (3-4-6) : (فلما رأى يهوذا الذي أسلمه أن قد حكم عليه، ندم ورد الثلاثين من الفضة إلى الأحبار.. ثم شنق نفسه..)أهـ.ولعل وُضَّاع الأناجيل يبررّون بهذه الحادثة اختفاءه بعد المسيح، ليردوا الروايات التي تحكي أن الله قد أوقع شبه المسيح على هذا الخائن، وأنه أخذ وصلب بدلاً من المسيح، والعجيب في أمر هذا التلميذ أنك تراه خائناً يعلم المسيح بخيانته من قبل ويخبر بها، وكان أيضا سارقاً إذ كان صندوق الدراهم عنده فيختلس ما يلقى فقيه)- أنظر إنجيل يوحنا (12/6-7)؛ ومع هذا فإن المسيح يعطبه مع التلامذة كلهم: (سلطاناً على الأرواح النجسة ليخرجوها، ويشفوا كل مرض وكل ضعف)- أنظر متى (10/1-5) حيث ذكر ذلك وعدد أسماء الإثنى عشر وفي أخرهم : (ويهوذا الإسخريوطي الذي أسلمه) أ.هـ

بل وفيه أنه أعطاهم سلطان إحياء الموتى كما تقدّم !!

قال ابن حزم في الفصل (2/57) ما ملخصه:- (ففي هذا الفصل طامتان: إحداهما قوله: إنه أعطى أولئك الإثنى عشر وسماهم بأسمائهم كلها سلطانا على الأرواح النجسة، وأن يبرؤوا كل مرض وسمى فيهم يهوذا ولم يدع للإشكال وجهاً بل صرّح بأنه الذي دلً عليه بعد ذلك اليهود حتى أخذوه وصلبوه بزعمهم ، فكيف يجوز أن يُقرّب الله تعالى ويُعطي الإبراء من كل الأمراض..؟ من يدري أنه هو الذي يدل عليه ويكفر بعد ذلك .. ؟؟) أ.هـ.

قلت : وفي إنجيل مرقس (9/38-40)؛ تناقض فاضح كهذا أيضاً، وهو قول يوحنا : (يا معلّم، رأينا رجلاً يطرد الشياطين باسمك فأردنا أن نمنعه لأنه لا يتبعنا) فقال يسوع: (لا تمنعوه فما من أحد يجري معجزة باسمي يستطيع بعدها أن يُسئ القول فيّ) أ.هـ.

فأين هذا من يهوذا الخائن السارق الكافر بالمسيح الذي أسلمه ـ بزعمهم ـ لليهود وباعهم دمه بدراهم معدودة هي قيمة دم العبد ، ومع ذلك فهم يزعمون أن المسيح أعطاه من قبل شأنه شأن سائر التلاميذ سلطاناً على الأرواح النجسة وعلى إشفاء المرضى .. بل وإحياء الموتى وغير ذلك من المعجزات ؟؟  

([41])  أنظر إنجيل متى الإصحاح (26) رقم (48). وأنظر مرقس 14/(43-44) وغيرها.

([42]) في إنجيل متى الإصحاح (26) رقم (56) (فتركه التلاميذ كلهم وهربوا) أ.هـ. 

([43]) أنظر إنجيل يوحنا الإصحاح (18) رقم (11)  

([44]) لوقا (22) رقم (51). 

([45]) إنجيل متى الإصحاح (26) رقم (53-54) ثم لا يستحيون أن يزعموا أنه قبل موته (صرخ صرخة شديدة وقال: إلهي، إلهي، لماذا تركتني؟) كما في نفس الإنجيل الإصحاح 27 رقم (46-47) .. كما سيأتي ، فلماذا لم يمده الله بفيالقة الملائكة ؟ . 

([46]) أنظر إنجيل متى الإصحاح (26) من رقم (57-68)

([47]) أنظر إنجيل متى الإصحاح (26) رقم (69-75) وفيه: (فأخذ أي بطرس- يلعن ويحلف، قال : إني لا أعرف هذا الرجل، أ.هـ. وأنظر مرقس (14/66-72) ولوقا (22/55-63) ويوحنا (18/17-27).

([48]) أنظر إنجيل متى الإصحاح 27 (11ومابعده) ويوحنا الإصحاح 19 رقم (12-16) ومرقس 15/(1-15) وفي لوقا (23/1-3) : (قالوا: وجدنا هذا الرجل يفتن أمتنا، وينهى عن دفع الجزية إلى قيصر ويزعم أنه المسيح الملك)أ.هـ. 

([49]) متى (27/رقم 26) ومرقس (15/رقم 15) 

([50]) متى (27/رقم (27-31) ومرقس (15/16-19) 

([51]) الإصحاح 27 رقم (32-33)

([52]) الإصحاح 15 رقم (21-22)

([53]) الإصحاح 23 رقم 26

([54]) الإصحاح 19 رقم (17).

([55]) سُمي بذلك لأنه تل أجرد كالجمجمة.

([56]) أنظر إنجيل متى الإصحاح (27) رقم (33-42) 

([57]) لوقا (33/ رقم 34) ويوحنا (19) رقم (23).

([58]) يوحنا (19/29).

([59]) بحروفه من إنجيل متى الإصحاح (27) رقم (46-47) وأنظر إنجيل مرقس أيضاً 15/(34-35).

([60]) يوحنا 19/ (34-35).

([61]) يقول ابن حزم في الفصل: (يسأل النصارى عن موت المسيح وصلبه، فإن قالوا عن الصلب والموت إنما وقع على الناسوت خاصة. قيل لهم: فأنتم في قولكم: (مات المسيح وصلب، كاذبون، لأنه إنما مات نصفه فقط وصلب نصفه!!) أ.هـ.

قلت: ويقال لهم أيضاً إذا كان الذي صلب ومات واستغاث ساعة صلبه وصاح "إلهي لماذا تركتني" هو جزء الناسوت.

-       فهلا دفع جزء اللاهوت فيه عن الناسوت حين استغاث وصاح..

-         وإذا كان فيه جزء لاهوت فما الداعي إلى أن يستغيث بالله؟؟.. 

([62]) أهينوهم: أي لا تكرموهم أو تعزوهم أو تقدّموهم أو تجعلوا لهم سبيلاً أو ولاية على أحد من المسلمين.. أما الإهانة المتضمنة للظلم ، فقد حذّر منها بقوله بعد ذلك "ولا تظلموهم" كما هو بيّن.  

([63]) رواه الإمام أحمد والشيخان (ما من مولود إلا يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه) وفي رواية لمسلم زاد (ويشركانه)

([64]) رواه مسلم من حديث عياض بن حمار مرفوعاً ولفظه "ألا إن ربي أمرني أن أعلمكم ما جهلتم مما علمني يومي هذا: كل مال نحلته عبداً حلال، وإني خلقت عبادي حنفاء كلهم وإنهم أتتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم، وحرّمت عليهم ما أحللت لهم، وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطاناً" الحديث

([65]) المقصود بإيراد هذه النصوص، بيان تناقض القوم في عقيدتهم وفي كتبهم المقدسة!! التي حرفوها.. ولا يعني إيرادنا لهذه المقتطفات قبولنا بكل ما تحويه، كما هو بيّن ، والمعروف أن أناجيلهم تزخر بهذه اللفظة (أبي ) ومثلها الابن والأبناء.. وليس ذلك في حق المسيح وحده كما هو المشهور في عقيدتهم، بل ورد ذلك كثيراً في حق غيره أيضاً، أنظر على سبيل المثال "إنجيل متى: (5/48) و (6/1 و4و6و8و9) و(23/9-10) وغيره كثير، فيقال للنصارى: إما أن يكون جميع الخلق عندكم أبناء الله على الحقيقة وليس ذلك مختصاً بالمسيح، وهذا مالا يقولونه.

أو أنها وردت في الأناجيل بمعنى الولي أو المولى أو السيد أو الراعي الذي يرعى عبيده المؤمنين جميعا المسيح وغيره، فيكون من قبيل المعنى الذي جاء في الحديث الضعيف: (الخلق عيال الله، فأحبهم إلى الله أنفعهم لعياله.) قال في مجمع الزوائد (8/194): (رواه أبو يعلى والبزار وفيه يوسف الصفار وهو متروك) أهـ. فترجمها النصارى وحرفوها إلى لفظة (الآب) في حق المسيح وغيره.. ويدل على هذا المعنى، استعمال نظائره في مواضع كثيرة من كتبهم منها ما جاء في إنجيل يوحنا (1/12 13): (أما الذين قبلوه وهم الذين يؤمنون باسمه فقد مكنهم أن يصيروا أبناء الله) ، ويؤيده استعمالهم هذه اللفظة بنسبتها في حق الكفار إلى إبليس كما في يوحنا (8/44) : (أنتم أولاد أبيكم إبليس..)أهـ. فالجني لا يكون أبا للإنسي على الحقيقة

والنصارى لتناقضهم لا يأخذون ذلك على الحقيقة مطلقاً .. ولا على المجاز مطلقاً .. بل ينتحلونه عقيدة على الحقيقة في حق المسيح، ويبقونه مجازا في حق غيره.. ولا دليل عندهم على هذا التفريق إلا التحكم العقلي المحض. 

([66]) إغاثة اللهفان من مصائد الشيطان، جـ 2. 

([67]) سفر تثنية الإشتراع (21/23). 

([68]) أنظر رسالة بولس إلى أهل غلاطية (3/13) : "المسيح افتدانا من لعنة الشريعة إذ صار لعنة لأجلنا" أهـ. 

([69]) للعلم فلم يرد حمل الصليب على لسان المسيح فيما ينسبونه له من أقوال في أناجيلهم، إلا على معنى ومثل واحد، ولم يرد في ذلك المثل مورد التعظيم أو العبادة أو التقديس أو الدعوة إلى اتخاذه شعاراً أو قلادة كما عمّت بدعته بينهم.. وإنما قال فيما نسبوه إليه: "من أراد أن يتّبعني فليزهد في نفسه وليحمل صليبه ويتبعني، لأن الذي يريد أن يخلص حياته يفقدها، وأما الذي يفقد حياته في سبيلي وسبيل البشارة فإنه يخلصها" أنظر متى (16/24-28) ولوقا (9/23-27) و (14/25-28) ومرقس (8/34-36) ؛ فهذه كما هو بيّن دعوة إلى الموت في سبيل العقيدة والدين، واسترخاص الحياة والزهد بها لأجل الدين، ولأن القتل في ذلك الزمان كان لابد فيه من الصلب على طريقة الرومان مع من يحكمون عليه بالقتل ؛ فقد أشار المسيح إلى الموت بقوله "فليزهد في نفسه وليحمل صليبه" وفي لوقا (14/25-28) "يرغب عن أبيه وأمه وامرأته وبنيه ..بل عن نفسه أيضاً.." ثم ذكر حمل الصليب، فهو كمن يقول: "من أراد الجنة فليحمل كفنه وليزهد بدنياه ويتبع الأنبياء" فليس في هذا تعظيم للكفن ؛ كما أنه ليس في ذلك تعظيم للصليب البته عند من له مسكة عقل..

 فترك هؤلاء البلهاء مراد المسيح ومطلبه من الزهد في الدنيا واتباع دعوته ودعوة الأنبياء، وطريقتهم المحفوفة بالدماء والقتل والمكاره ، وتعلّقوا بالصليب حقيقة وعظموه وانحرفوا إلى الشرك والتنديد فحقت عليهم اللعنة إلى يوم الدين.

([70]) أنظر رسالة بولس إلى أهل غلاطية (3/13): (فقد ورد في الكتاب: "ملعون من علّق على خشبة")أهـ. 

([71]) يُشكك أبن القيم في إغاثة اللهفان بإمكانية بقاء خشبة على هيئتها وحالها بعد هذه المدة كلها (300) عام..فلعل هيلانة أو غيرها أبتدع الصليب وادعى له هذه القصة، وقد زاد النصارى على هذه القصة دعوى أن ذلك الصليب الأول كان يشفي من الأمراض ويبرئ من العاهات. ولا عجب من ذلك فكل يرقع في هذا الدين ترقيعاً.. 

([72]) "وأمرت أم الملك هيلانة بتلك القمامة فأزيلت، وبني مكانها كنيسة هائلة مزخرفة، فهي المشهورة اليوم ببيت المقدس، التي يقال لها القمامة باعتبار ما كان عندها ، ويسمونها القيامة يعنون التي يقوم جسد المسيح منها، ثم أمرت هيلانه أن توضع قمامة البلد وكناسته وقاذوراته على الصخرة التي هي قبلة اليهود فلم يزل الأمر كذلك حتى فتح عمر بن الخطاب بيت المقدس فكنس عنها القمامة، ولم يضع المسجد وراءها ولكن أمامها حيث صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة الإسراء بالأنبياء وهو الأقصى" أ.هـ. مختصرا من البداية والنهاية لابن كثير. (2/92). 

([73]) مستفاد من إغاثة اللهفان (2/287) بتصرف. 

([74]) عن هامش البداية والنهاية (2/100). 

([75]) وأنظر مثالاً من قبولهم الرشوة لأجل التضليل وقول الزور في إنجيل متى(28/11-15)

([76]) أنظر إنجيل متى (26/38-47) أن المسيح كان في ليلة أسره كما يزعمون مع تلامذته، وأمرهم أن يسهروا ويصلوا ولكنهم ناموا وغلبهم النعاس جميعاً .. وانظر أيضاً مرقس (14/32-43). 

([77]) مريم المجدلانية: قديسة مسيحية يزعم النصارى أنها ممن رأين المسيح عند قيامته من الأموات، شفاها المسيح من مرضها، وأجمعوا على أنها المرأة الزانية التائبة التي مسحت قدمي المسيح بدموعها وشعر رأسها ودهنتهما بالطيب ..أنظر لوقا (7/36-50).  

([78]) إنجيل متى الإصحاح (27) رقم (55). 

([79]) في إنجيل متى (26/56) قال في قصة أسرة : (فتركه التلاميذ كلهم وهربوا)أ.هـ.  

([80]) متى (26/من رقم 69-75) ومرقس (14/66-72) ولوقا (22/55-63)

([81]) أنظر الفصل في الملل والأهواء والنحل (1/123).

([82]) أنظر (2/91) وما بعدها..

([83]) أنظر إنجيل متى الإصحاح 28 رقم (12-15).

([84]) لوقا 24(42-43)

([85]) الإصحاح 24( 51-52).

([86]) أي تلامذته.

([87]) الإصحاح 16/(19).

([88]) الإصحاح(28) رقم (20) 

([89]) وفي هذا الموضع المخالف لما في الأناجيل الأخرى، يزعم النصارى أن المسيح أمر تلامذته أن (يذهبوا ويتلمذوا جميع الأمم (28/19) وأنظر مرقس (16-16) وبهذا الموضع يحتج من جعل النصرانية ديانة عالمية. مع أن المسيح أرسلهم إلى بني إسرائيل خاصة كما تقدم ، والنصوص عنه بأنه قد أرسل إلي بني إسرائيل خاصة أيضاً كثير. 

([90]) ينزل المسيح بعد ظهور الدجال كما في حديث البخاري ومسلم الطويل عن حذيفة في سؤاله عن الفتن .. ومحل الشاهد منه قوله: " فما بعد الدجال ؟.. قال : عيسى ابن مريم ".

([91]) أخرجه أبو يعلى في مسنده (4/1552) بإسناد جيد.

وأخرجه البخاري ومسلم وغيرهما دون قوله "وليصلحن ذات البين وليذهبن الشحناء".

([92]) أي أسمر وليس بالسمار المعروف عند العرب بل سمار تعتريه حمره ؛ ولعله الذي يسمونه في مصطلح أهل العصر (باللون البرونزي)، ذاك الذي يكتسب من لفح الشمس، وإنما قلت هذا توفيقاً بين هذا وما جاء قبله وبعده من وصف له بالحمرة ..

([93]) اللمه ما يلم بالمنكبين من الشعر، والوفرة أقل من اللمة وهي ما لا يجاوز الأذنين. 

([94]) ربعة: أي بين الطويل والقصير، وأحمر: أي أشقر. 

([95]) وأنظر إنجيل لوقا (12/34) ومتى (6/20-21).

([96]) أنظر ذلك كاملا في خبر هجرة الحبشة الذي يرويه الإمام أحمد (1/201) عن أم سلمة.. 

 

([97]) المشهور تاريخياً أن نيرون القيصر كان قد أتُهِم بحرق روما عام 64م ، فقام بدوره بإلصاق التهمة بالمسيحيين. 

([98]) تقدم التعليق على هذا انظر الهامش رقم (64).

 

([99]) ثبت في السنة تفضيل النبي صلى الله عليه وسلم للباس البياض والحض عليه ففي الحديث الذي يرويه أبو داود والترمذي وغيرهما : ( البسوا من ثيابكم البياض فإنها من خير ثيابكم وكفنوا فيها موتاكم ) ، كما ثبت اكتحاله صلى الله عليه وسلم بالإثمد والحض عليه وفي الحديث الذي يرويه الطبراني في الكبير: ( عليكم بالإثمد فإنه منبتة للشعر مذهبة للقذى ) وفي رواية ( فإنه يجلو البصر ) .

([100]) ذكر ابن كثير أن أصحاب الأناجيل الأربعة: (منهم اثنان ممن أدرك المسيح ورآه وهما متى ويوحنا، ومنهم اثنان من أصحاب أصحابه وهما مرقس ولوقا) أهـ.(2/100) البداية والنهاية.

([101]) كان اليهود يحتقرون تلك الوظيفة لظلم صاحبها وخضوعه لدولة أجنبية، وفي إنجيل متى الإصحاح 9 رقم (9-13): (ومضى يسوع فرأى في طريقه رجلاً جالساً في بيت الجباية اسمه متى، فقال له: (اتبعني) فقام فتبعه، وبينما هو في البيت على الطعام .. قال الفريسيون لتلاميذه : ( لماذا يأكل معلمكم مع العشارين والخاطئين؟ ) فسمع يسوع كلامهم فقال: ( ليس الأصحاء بمحتاجين إلى طبيب بل المرضى )أهـ. وفي مرقس (2/17) زاد: ( ما جئت لأدعو الأبرار، بل الخاطئين ) أهـ. وكذلك في لوقا (5/27-32).

([102]) جاء في التعريف بإنجيل متى في طبعة المطبعة الكاثوليكية للعهد الجديد (منشورات دار المشرق – بيروت) ص31 أن الكثير من المؤلفين يجعلون تاريخ الإنجيل الأول بين السنة (80) والسنة (90) وربما قبلها بقليل ) أهـ.

([103]) جاء في مقدمة إنجيل مرقس في الطبعة الكاثوليكية للعهد الجديد (منشورات دار المشرق – بيروت) ص 153 (إن الكتاب ألف في رومة بعد اضطهاد نيرون السنة 64م)أهـ، وفي الموضع نفسه قولهم: (فما من شيء يحول دون القول أن الإنجيل الثاني ألف بين السنة (65-70) أهـ. 

([104]) وهو على الأرجح من أصل روماني، وأما إنجيل متى وإنجيل لوقا فلا تنعكس فيهما البيئات نفسها لأنهما موجهاً إلى بيئات أخرى، وقد وضعا بعد إنجيل مرقس بخمسة عشر إلى عشرين سنة أهـ.

([105]) هو بطرس.

([106]) وقيل بين السنوات (80-90) انظر مقدمة إنجيل لوقا الطبعة الكاثوليكية (منشورات دار المشرق – بيروت) ص 227. 

([107]) إنجيل يوحنا الطبعة الكاثوليكية (منشورات دار المشرق – بيروت) ص 349 

([108]) انظر (المدخل إلى العهد الجديد) ص3 من الطبعة الكاثوليكية للعهد الجديد.

 

([109]) أعمال الرسل (23/6)

([110]) انظر ترجمة بولس في مقدمة (رسائل القديس بولس) المطبوعة ضمن العهد الجديد في الطبعة الكاثوليكية (منشورات دار المشرق – بيروت) ص 576.

([111]) انظر (أعمال الرسل) الإصحاح التاسع (3-6)

([112]) ابتدع النصارى بعد المسيح الصلاة إلى الشرق "مطلع الشمس" مع علمهم أن المسيح لم يكن يصلي إلا إلى صخرة بيت المقدس، وكذلك جميع الأنبياء، بعد موسى، وكذلك محمد خاتم الأنبياء صلى إليها بعد هجرته إلى المدينة ستة عشر أو سبعة عشر شهراً ثم حول إلى الكعبة التي بناها إبراهيم. (البداية والنهاية) (2/101) وقد نقل مؤرخو النصارى أن هذا التبديل، حدث منهم بعد المسيح بنحو ثلاثمائة سنة، (إغاثة اللهفان) (2/285). 

([113]) في أعمال الرسل (9/10-19) حَنَنْيا، والقصة هناك قد أدخلوا فيها شركياتهم كالمعتاد. 

([114]) انظر الفصل، لابن حزم (1/113) وغيرها. 

([115]) لم يكن هناك قبل بداية القرن الثاني من يعتبر هذه الرسائل أسفاراً مقدسة ،ولا كان شيئاً من ذلك قبل سنة 150م يتداوله الناس أو يعرفونه، ولكن بولس لما كتب رسائله كان يوصي بتلاوتها وتداولها بين الكنائس، كما في رسالته لأهل تسالونيقي الأولى (5/27) ورسالته إلى أهل قولسي (4/16) فكان الأمر كذلك ، حتى اشتهرت وعرفت بين الناس في النصف الثاني من القرن الثاني. 

([116]) المرجئة: فرقة من الفرق الإسلامية المنحرفة عن طريقة أهل السنة والجماعة، وقد ظهر الإرجاء في تاريخ الإسلام ـ وهو فصل الأعمال وإرجاءها عن مسمى الإيمان وتعريفه ـ في أواخر القرن الهجري الأول، وبدأ كرد فعل عكسي على الخوارج المكفرين للمسلمين بالكبائر، وانتهى الإرجاء في زماننا بأهله إلى التقليل من أهمية العمل بل والاستهتار به أو إلغاؤه كركن من أركان الإيمان، مما دفع الناس إلى الاستهانة بشعائر الإسلام وفرائضه ؛ وجرّأهم على المعاصي والخطايا بل وسهل لهم الكفر البواح بدعوى أنه كفر دون كفر ، وجذور هذه العقيدة الفاسدة وأصولها يهودية ، فأنت ترى هنا أن بولس قد سبق إليها ؛ كيف لا وأجداده هم الذين قالوا ( لن تمسنا النار إلا أياما معدودة ) فجعلوا الشرك الأكبر الذي هو عبادة العجل كفرا دون كفر غير مخلد في النار !!

([117]) أحراراً : أي من التزام الشريعة . ونير العبودية : أي التمسك بأحكام شريعة موسى. وقد علق الأبوان المعلقان هنا في هامش الطبعة الكاثوليكية للعهد الجديد بقولهم: "لا يستطيع المسيحي أن يجمع بين التمسك بأحكام شريعة موسى والإيمان بأن الخلاص يأتينا من السيد المسيح، فلا بد له من اختيار أحد الأمرين" أهـ

قلت: بالطبع لا بد من ذلك لاستحالة اجتماع النقيضين، فإما عمل ودينونة، وإما خلاص وفداء بالإيمان بالمسيح وحده عندهم … فأفق يا عبد الصليب …!.فهذا بدايته وهذا منتهاه .

(·) كما يفعل من ورثوا عنهم هذه البدعة في كل زمان، حيث يهوّنون أمر الكفر الأكبر البواح، ويسهلونه بوصفه كفراً أصغر أو كفرا دون كفر ؛ وإذا عرفت ما تقدم فلن تعجب بعده إذا نظرت في كلام علماء المسلمين في المرجئة ووصف بعضهم لهم بأنهم "يهود القبلة !!".

 

([118]) يرى البعض أن الذي جرّهم إلى هذه التسمية وسنها لهم هو (بولس) الذي اعتبر أن بشارة المسيح جاءت بعهد جديد، مما أدى بهم إلى أن يطلقوا عبارة (العهد القديم) على المجموعة التي كانوا يسمونها في الماضي بالشريعة والأنبياء، والتي كانوا يرون أن فيها أحكام العهد الموسوي القديم الذي جدده المسيح وانظر إشارات إلى هذا المعنى في كلام بولس في رسالته الثانية إلى أهل قورنس (3/4-15)، وانظر (المدخل إلى العهد الجديد) من الطبعة الكاثوليكية. 

وعليه فالعهد القديم هو ما بأيدي اليهود من كتب يقدسونها يزعمون أن منها التوراة التي أنزلت على موسى ، وهي الشريعة التي يعتمدها النصارى أيضاً ، وينقسم العهد القديم إلى ثلاثة أقسام : 1- الشريعة ( التوراة المحرفة ) وتشمل خمسة أسفار ( من سفر التكوين إلى سفر التثنية ) . 2- النبييم ؛ الأنبياء الأولون والآخرون . 3- الكتوبيم ؛ الكتب التاريخية والشعرية والمحفوظات ..

 وكلا العهدين الجديد والقديم يجمعها النصارى ويطبعها تحت عنوان (الكتاب المقدس) ،أما اليهود فهم بالطبع لا يعترفون بشيء مما يسميه النصارى بالعهد الجديد، وإنما يتشبثون فقط بالعهد القديم الذي ثبت علمياً أن الجزء المهم منه المعروف (بتوراة موسى) قد دخله التغيير والتبديل، وأن الشطر الأكبر منه قد تم تدوينه في الفترة بين (عزرا) والفتح الروماني، ومما يدل على ذلك ما ورد في سفر التثنية (الأصحاح 34/5-6): (فمات موسى .. ولم يعرف إنسان قبره إلى هذا اليوم ..) فهذا كلام مكتوب موضوع مجموع بعد موت موسى والمعروف أن فكرة جمع أجزاء العهد القديم ظهرت عند اليهود أثناء السبي البابلي وذلك بعد أن فقدوا ما كان بأيديهم من توراة موسى.. فعندما وقعت بابل تحت حكم فارس في حدود عام (560ق.م) ورأى اليهود كتاب الفرس المقدس الذي يجمع عقائد (زرادشت) تشوقوا إلى جمع أسفارهم في كتاب يكون مقدساً عندهم فخرجوا من ذلك بما أصبح يسمى بالعهد القديم، وكانت البداية على يد (عزرا) في القرن الخامس قبل الميلاد، وتطلب جمعه على صورته اليوم نحو ألف سنة .. ومما يدل على ذلك أن الكتاب يضم بين دفتيه أسفاراً متأخرة عن عصر عزرا، كسفر دانيال الذي كتب حوالي (165ق.م)…

([119]) قد علمت أن بولس ليس من تلاميذ المسيح ولا هو معدود في أناجيلهم المحرفة هذه في الاثني عشر، ومع هذا فهم يعدونه من جملة الرسل.

([120]) قورنتس: من اشهر المدن اليونانية، كانت مقر الحاكم الروماني في القرن الميلادي الأول، وأكثر المدن اليونانية عدداً في السكان، فكانت تعج بالرذائل والهياكل الكثيرة للأوثان المختلفة، حتى بلغت بهم الوقاحة أن جعلوا هيكلاً لإله الدعارة يقوم بخدمته ألف بغني، أقام بولس فيها عاملين يدعو إلى دينه وأنشأ فيها كنيسة كبيرة واعتقل ثم أطلق سراحة ففارقها إلى سورية بعد أن اتبع دعوته طائفة من أهلها ولكنهم لم يقلعوا عن رذائلهم وأشهر ذلك الزنا. ومعاشرة الرجل لامرأة أبيه، ولم يكونوا يتناهون عن ذلك المنكر، ونادوا بحريّة أقرب إلى الإباحية، فكتب إليهم بولس رسالته الأولى هذه ينهاهم فيها عن أشياء من تلك الأمور، ويجيب فيها على بعض أسئلتهم حول الزواج والتبتل والذبائح للأوثان التي أباح لهم أكلها، وأغرب ما في رسالته هذه فتواه بضرورة الحجاب للمرأة انظر ذلك في (11/2-16) وقد كتب بولس أربع رسائل إلى أهل قورنتس فقدت الأولى والثالثة ولم يبق منها إلا الثانية وتسمى الآن الأولى، والرابعة وتسمى الثانية. 

([121])  غلاطية ولاية في وسط آسيا الصغرى (تركيا) اليوم أهم مدنها أنقرة وكانت في ذلك الوقت إحدى ولايات الإمبراطورية الرومانية، وكان أهلها يدينون بالوثنية، فتأثر بعضهم بدعوة بولس، ثم جاءهم من ينكر على بولس بعض باطلة، فدعوهم إلى الختان، والعمل بشريعة موسى ونبهوهم إلى أن بولس ليس برسول من رسل المسيح وأن تعاليمه تخالف تعاليم المسيح وحوارييه؛ فكتب إليهم بولس برسالته هذه محاولاً إثبات أنه من رسل المسيح دون أن يورد أي دليل على ذلك ،ودافع عن دعوته الوثنيين إلى الإيمان بالمسيح من غير أن يفرض عليهم الختان أو العمل بأحكام شريعة موسى، ولام بطرس في إنطاكية على مجاراة أنصار الختان والشريعة (2/11-21) ووبّخ أهل غلاطية ووصفهم بالأغبياء، وذكرهم بأنهم نالوا النعمة بالإيمان من غير الختان والعمل بالشريعة، فما بالهم يصغون إلى أقوال الكذابين (3/1-5) وبين رسالته هذه ورسالته إلى أهل رومة تشابه ففي كلا الرسالتين يركز بولس على أنه لا حاجة للمسيحيين إلى الختان أو الحفاظ على شريعة موسى لينالوا الخلاص، وهذا هو الغرض الأول لرسالته إلى أهل غلاطية، في حين أن الغرض الأول لرسالته إلى الرومانيين هو البر الذي يأتي من الإيمان بغير الأعمال فإن جميع الناس عنده خاطئون وهم ينالون البر إذا آمنوا بالمسيح!! ولا فرق في ذلك بين اليهود والوثنيين لأنهم كلهم أخطأوا بخطيئة آدم الأولى والخلاص يأتي من السيد المسيح الذي صلب بزعمهم ليفتديهم ويكفر عن خطيئة أبيهم وخطاياهم.

([122]) رسالتاه إلى أهل إفسس وأهل قولسي وكلاهما من مدن آسيا الصغرى (تركيا حاليا) شديدتي الشبه ببعضهما فهو يؤكد فيهما ما طنطن عليه فيما تقدم من رسائله الكبرى من أن المسيح جاء ليخلص الناس أجمعين من الخطيئة الأصلية، سواء كانوا يهوداً أو وثنيين، وأن الخلاص لا يأتي من الختان والعمل بأحكام شريعة موسى بل من الإيمان بالمسيح وهذا هو بيت القصيد عنده.

([123]) فيلبي: مدينة في جنوب مقدونية بالقرب من شاطئ البحر، وكانت في زمن بولس مستعمرة رومانية، وهي أول مدينة أوروبية دخلها بولس ودعا فيها إلى دينه. 

([124]) فيلمون: أحد نصارى مدينة قولسي، تنصر على يد بولس وكان غنياً، له أملاك وعبيد. فهرب أحد عبيده واسمه "أونيسمس" بعدما سرق مالاً لسيده، وجاء إلى رومة واتفق أنه صادف بولس وتنصر على يديه. وكانت القوانين الرومانية تعاقب العبد الفار عقوبة شديدة … فكتب بولس إلى فيلمون رسالته هذه وهو مسجون في رومة، سنة (61-62) يشفع فيها لذلك العبد الفار، ويسأل فيلمون أن يعيده إليه ويعفو عنه ويحسن معاملته.

([125]) تسالونيقي: تدعى في أيامنا سالونيك وهي على الحدود بين اليونان وماكان يسمى بيوغسلافيا. وكان أكثر تابعي دين بولس فيها من الوثنيين وقليلاً من اليهود ،ورسالتاه إلى أهلها هما أول رسائل كتبها من رسائله كلها، بيّن لهم في الأولى أن مجيء المسيح قد اقترب جداً فيجب أن يتأهبوا لذلك بالإيمان به!! ثم لما بلغه أنهم اضطربوا وارتاعوا وانتشر بينهم أن مجيء المسيح قد حان!! بعث برسالته الثانية يحذرهم من هذا الرأي الذي كان هو السبب في إثارته !! ويبين فيها أن مجيء المسيح لم يحن !! وأنه لا يأتي إلا بعد أن تحدث بعض الأمور من آيات ومعجزات وأعاجيب يأتي بها ابن الهلاك الذي سيجلس في الهيكل ويزعم أنه إله (إشارة منه إلى المسيح الدجال).

([126]) اطلق هذا الإسم في القرن السابع عشر على ثلاث رسائل كتبها بولس في السنوات الأخيرة من حياته إلى اثنين من معاونيه هما طيموتاوس وطيطس كانا يديران شؤون الكنائس، ويجمع بينها جميعاً نصحه لمعاونيه، وإرشادهم إلى الأخلاق التي يدعوهم إلى التحلي بها، كي يحسنا القيام بواجبهما في رعاية الكنائس، وحثهم على مواجهة أصحاب البدع والآراء المخالفة لهم ..( أي لمعتقدات بولس الضالة التي كان يدعو إليها ).

([127]) اسم علم يوناني مركب معناه خائف الله أو تقي الله، وقد ورد هذا الاسم غير مرة في أعمال الرسل والرسائل الأخرى، وكانت أمه وجدته يهوديتان، ولكن أباه كان يونانياً وثنياً، لذلك فإنه لم يختن، وتهود تبعاً لأمه وجدته، ثم تنصرتا فتبعهما على ذلك ثم اختتن مجاراة لليهود في بلدته، وتبع بولس وصار معاوناً له (روم 16/21) عهد إليه برعاية كنيسة أفسس التي أنشأها، وعني بها عناية خاصة، وكان طيموتاوس مصاباً بضعف في معدته فنصحه بولس في رسالته الأولى بأن يشرب الخمر !! من أجل معدته وأمراضه، أنظرها (5/23). 

([128]) هو شخصية يونانية لا يعرف النصارى عنها إلا القليل، إذ لم يرد ذكره في أعمال الرسل، وكل ما يذكرونه في ترجمته إنه تنصر على يد بولس، وكان والداه من الوثنيين، ولذلك لم يكن مختوناً، وبعد تنصره أقره بولس على ذلك ولم يختنه على طريقته مع الوثنيين، ذكره بولس في رسالته لأهل غلاطية (2/3) وذكر بأنه لم يلزمه بالختان، وكان من معاوني بولس ورافقه في بعض أسفاره، وقضى سائر حياته في جزيرة (أقريطش) كما كانت تسمى، وهي اليوم (كريت) ومات فيها. 

([129])  الأولى يقولون: أنه كتبها في مدينة أفسس في آسيا الصغرى في أواخر القرن الميلادي الأول، بعث بها إلى جماعات النصارى المقيمين في آسيا الصغرى، كي يحذرهم من البدع والآراء الفاسدة التي أخذت تنتشر!! ويقصد بذلك الآراء التي تنكر شركياتهم وتبرأ من عقيدة بنوة المسيح على وجه الخصوص ؛ أنظر على سبيل المثال قوله: "من هو الكذاب؟! إن لم يكن ذاك الذي ينكر أن يسوع هو المسيح؟ هذا هو المسيح الدجال الذي ينكر الأب والابن، من ينكر الابن لم يحظ بالأب، …" إلى قوله: "هذا ما أردت أن أكتب به إليكم، وقصدي أولئك الذين يبغون إضلالكم!!" أ هـ (2/22-26).

والثانية رسالة قصيرة تحذر أيضاً ممن أنكر عقيدتهم الشركية في المسيح وتشبِّههم بالمسيح الدجال، يقولون أنها كتبت قبل الأولى.

والثالثة: قصيرة أيضاً ، يقولون أنها كتبت قبل الرسالتين السابقتين بعث بها إلى تلميذه غايُس، وعليه فهم مخطئون بضمها إلى الرسائل العامة ؛ لأنها رسالة شخصية .

وهاتان الرسالتان (الثانية والثالثة) جرى حولهما خلاف؛ ولم تقبلا أن تضما إلى العهد الجديد إلا في وقت متأخر في القرن الرابع تقريباً. انظر المدخل إلى العهد الجديد الطبعة الكاثوليكية ص5.

([130]) تنقل بطرس في البلاد ودعا إلى النصرانية حتى صلبه (نيرون) ما بين سنة 64-67م فاختار أن يصلب منكساً، ليكون رأسه مكان رجلي المسيح ـ بزعمهم ـ لأنه ليس أهلاً أن يصلب على الهيئة التي نسبوها لمعلمه … رسالته الأولى: كتبها من رومه، وقد رمز إليها ببابل لكثرة ما فيها من فساد، فقد كان يضرب المثل بفساد بابل في ذلك الوقت، وانظر سفر الرؤيا (17/5 فصاعدا) يقال أنه كتبها قبل قتله بقليل "وبعث بها إلى النصارى المقيمين في بلاد آسيا الصغرى الذين كان أكثرهم من الوثنيين قبل أن يتحضروا ؛فأوصاهم فيها بالصبر وتحمل الاضطهاد ودفع الشر بالخير لا بالشر. كما أوصاهم بالطاعة للسلطات الحاكمة الوثنية!! انظر قوله (2/13-17): (اخضعوا لكل نظام بشري من أجل ربنا الملك على أنه السلطان الأكبر …) إلى قوله: (اتقوا الله عظموا الملك) أهـ وقد قال الأبوان المعلقان على الطبعة الكاثوليكية للعهد الجديد، ص911: "دعا القديس بطرس المسيحيين إلى تعظيم الملك مع أنه وثني !! لأن كل سلطة هي من الله) أهـ. فتأمل كم يشبه هذا أقاويل علماء السوء ومرجته العصر في طواغيت هذا الزمان، لتعرف عمن يأخذون !! تشابهت قلوبهم.

 أما الرسالة الثانية المنسوبة لبطرس أيضاً … فرغم ورود اسمه في مطلعها: "إلا أن جماعة من النقاد يذهبون إلى أنها ليست من بطرس، وممن رأى هذا الرأي أناس من علماء النصارى الأول، وقالوا قد يكون الكاتب أحد تلاميذ بطرس ،وأنه عبر فيها عما سمعه منه !!) أهـ انظر مقدمتها في الطبعة الكاثوليكية للعهد الجديد ص 919.

ويرجحون أنها كتبت في أواخر القرن الميلادي الأول، وهي رسالة وعظ يحذر فيها كاتبها من (العلماء الذين وصفهم بالكذابين الذي يحدثون بدعاً مهلكة وينكرون الرب الذي افتداهم) أ هـ (2/1-2) وانظر النزاع في قبول ضمها إلى العهد الجديد في المدخل إلى العهد الجديد الطبعة الكاثوليكية ص5.  

([131])  وهذه الرسالة تحتوي على مواعظ فقط، حتى قال بعض المعاصرين: ( ولعلها الرسالة الوحيدة التي لم تتلفها أيدي بولس وأتباعه ) أهـ، يقصد بالتحريف وإدخال عقيدتهم الشركية فيها ؛ وأنى هذا ؟؟ وحي تستفتح بقوله: (من يعقوب عبد الله وعبد الرب يسوع المسيح) وكذا قوله: (والإيمان بربنا يسوع المسيح) أهـ (2/1) ولعل قصد أولئك المعاصرين، أنهم لم يمدوا أيديهم إلى ما حوته من التأكيد على العمل بالشريعة ؛ فإن هذه الرسالة على صغرها، تتميز من بين سائر الرسائل بميزة هامة؛ ألا وهي التركيز على أهمية العمل وربطه بالإيمان، وترد على من يفصلون العمل عن الإيمان، أو يقللون من أهميته، أو يجعلون الإيمان بالمسيح وحده دون العمل كافياً .. ممن نستطيع أن نصطلح على تسميتهم "بمرجئة النصارى" وعلى رأس هؤلاء بولس كما تقدم . ففي هذه الرسالة تقرأ مثلاً (2/20): (أن الإيمان من غير أعمال شيء عقيم) وأيضاً في (2/26): (فكما أن الجسد بلا روح ميت فكذلك الإيمان بلا أعمال ميت)أهـ. وهذا كله مناقض لأقاويل بولس وموافق لما ينسبونه للمسيح في إنجيل متى (7/21-27): (لا يكفي للإنسان أن يقول: ربّ، ربّ ! بل يجب عليه أن يُتم مشيئة الأب السماوي) أهـ، وهو مناقض لعقيدة الفداء التي يدعي النصارى أن المسيح صلب من أجلها.

([132]) وقد زعم بعضهم أنه أحد الاثني عشر، وأن اسمه تداوس، وقد تضمنت هذه الرسالة مواعظ مختلفة، ولم تخل كغيرها من العقائد الكفرية، كقوله تحت رقم (4): (يتسلل إليكم أناس منافقون يجعلون نعمة إلهنا فسقاً، وينكرون سيدنا وربنا يسوع المسيح)! أهـ.

وقد علمت فيما تقدم أنهم يقصدون بقولهم: نعمة إلهنا، جميع عقائدهم الشركية التي تتمثل بأن المسيح ابن الله أرسله الله ليصلب ويفدي البشر ويخلصهم من خطاياهم، ومن ثم فلا داعي للعمل ؛ بل المتعلق بأعمال الشريعة ملعون لأنه يرفض نعمة المخلص !!.

وهذه الرسالة لم تضم إلى العهد الجديد وتعتبر من الكتاب المقدس عند النصارى إلا في القرن الرابع الميلادي. (انظر المدخل إلى العهد الجديد)، الطبعة الكاثوليكية، ص5. 

([133]) ويرجحون أنها كتبت في إيطالية وبعثت إلى نصارى من أصل عبراني (يهودي) تعرضوا للاضطهاد والتشكيك في العقيدة النصرانية، وربما ارتد بعضهم عنها، فكتب إليهم صاحبها يُثبّتهم على إيمانهم بالمسيح!! ويبين أنه أفضل من الدين اليهودي الذي كانوا عليه، ولذلك نراه يستشهد بكثير من أسفار العهد القديم …

 ورحم الله بعض السلف لما رأى ناساً يهنئون مجوسياً تنصّر!! فقال: على أي شيء يهنئونه؟؟ إنما تحول في النارة عن زاوية إلى زاوية أخرى فيها !! 

([134]) وهي جزيرة تجاه البحر عند مدينة أفسس (أزمير في أيامنا) وكانت الحكومة الرومانية تنفي إليها من لا ترضى عنهم، فيزعمون أن كاتبها كان منفيا فيها لأجل دعوته للنصرانية وأنه كتب هذه الرؤيا فيها…

([135]) انظر كتاب (المسيح الدجال، قراءة سياسية في أصول الديانات) لسعيد أيوب.

 

([136]) جزء من حديث رواه البزار والطبراني في الصغير عن أبي ذر مرفوعاً.

([137]) مستفاد من (المدخل إلى العهد الجديد) للأبوان صبحي حموي ويوسف قوشاقجي، في الطبعة الكاثوليكية للعهد الجديد من ص 1-5. 

([138])  كان أبو قسطنطين واسمه قسطنطينوس رغم أصوله الوثنية مبغضاً للأصنام محباً للنصارى فخرج إلى ناحية الجزيرة والرها، فتزوج من بعض قراها بامرأة أعجب بجمالها يقال لها (هيلانة) كانت قد تنصرت على يد أسقف الرها وتعلمت قراءة الكتب، فولدت له قسطنطين هذا سنة 280م في مدينة تيسوس في ما كان يعرف في زماننا بيوغسلافيا، فتعلم حكمة اليونان، ثم تولى حكم الإمبراطورية الرومانية بعد موت أبيه قسطنطين.

انظر هداية الحيارى لابن القيم ص 204 والمائة الأوائل لمايكل هارت.

([139]) تقدم ذكر خبر بناء هذه الكنيسة وسبب تسميتها بالقمامة: عند الكلام على الصليب وتعظيم النصارى له.. 

([140]) القسطنطينية: تسمى اليوم اسطنبول وقد فتحها محمد الفاتح العثماني سنة 857هـ أما رومية، فهي روما عاصمة إيطاليا اليوم، ولتفتحن ولو بعد حين، ذلك ما بشر به الصادق المصدوق.  

 

([141]) إن شئت أن تتعرف على محتواها، فارجع إلى البداية والنهاية (2/102) لابن كثير حيث قال: (يسمونها الأمانة وهي في الحقيقة أكبر الكفر والخيانة ،وجميع الملكية والنسطورية أصحاب نسطوروس. أهل المجمع الثاني واليعقوبية أصحاب يعقوب البرادعي أصحاب المجمع الثالث، يعتقدون هذه العقيدة ويختلفون في تفسيرها ؛ وها أنا أحكيها، وحاكي الكفر ليس بكافر … ثم ساقها..)

([142])  الفصل (1/109) وفي الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح لشيخ الإسلام ابن تيمية: (قال مانيوس: إن آريوس لم يقل إن المسيح خلق الأشياء ولكن قال: به خلقت الأشياء، لأنه كلمة الله التي خلق بها السموات والأرض، وإنما خلق الله الأشياء بكلمته، ولم تخلق الأشياء كلمته)أهـ. والصواب: أن المسيح يقال له كلمة الله من حيث أن الله قال له: كن فكان من غير أب .. فهذه هي كلمة الله التي خلق الله بها السموات والأرض كما خلق المسيح "كن فيكون" وليست كلمة الله التي خلق الله بها الأشياء هي المسيح نفسه ، وكلام آريوس غير واضح وتوضيح مانيوس له يحتاج إلى توضيح، وهذا الغموض والإشكال هو سبب تلبيس بطريك الإسكندرية في مناظرته مع آريوس في حضرة قسطنطين؛ حيث قال رداً على مقالة آريوس: (إن كان الابن مخلوق) كما تقول ،لكنه الكلمة التي خلقت الأشياء، فعبادة الابن الخالق، وإن كان مخلوقاً، أولى من عبادة الأب الذي لم يخلق وإن لم يكن مخلوقاً!)

تعالى الله عن تخليطهم وكفرهم … وانظر هذه المناظرة وغيرها في إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان ج2.

([143]) هم اليونان فالثقافة اليونانية تقوم على تعدد الآلهة .. ومن هنا كان لها أثر على استساغة هؤلاء لعقيدة التثليث. 

([144]) هم الملكانية، كما سيأتي…

([145])  جزء من حديث صحيح رواه ابن ماجة عن عوف بن مالك مرفوعاً..

([146]) في كتابه الرد على الطوائف الملحدة المعروف بالتسعينية. 

([147]) يريدون بالجوهر ذات الله والأقانيم الصفات كالوجود والحياة والعلم وسموها الأب والابن والروح القدس. 

([148]) تأمل محاولات الترقيع لعقائدهم الشركية التي لا ترتقع ، إذ يقال لهم : إن كان القتل وقع على جزء الناسوت، فهلا دفع جزء اللاهوت عن الناسوت ؟  ويقول ابن القيم في إغاثة اللهفان (2/297): ( يقال لعباد الصليب: لا يخلو أن يكون المصلوب الناسوت وحده أو مع اللاهوت ؟ فإن كان المصلوب هو الناسوت وحده، فقد فارقته الكلمة، وبطل اتحادها به، وكان المصلوب جسداً من الأجساد، وليس بإله، ولا فيه شيء من الألهية والربوبية البتة، وإن قلتم: إن الصلب على اللاهوت والناسوت معاً، فقد أقررتم بصلب الإله وقتله وموته، وقدرة الخلق على أذاه، وهذا أبطل الباطل وأمحل المحال)أهـ.

([149]) أي على وجه التخصيص والتنصيص. 

([150]) يوافقهم على هذا السريان كما تقدم 

([151]) ولد عام 1483م في ألمانيا. درس اللاهوت، وبعد أن نال الدكتوراه صار يدرسه، أنتقد الكنيسة في بداية عام 1517م حيث ألصق على باب الكنيسة في (وتنبرغ) الاحتجاجات الـ (95) ومن أهمها صكوك الغفران التي تبيعها الكنيسة، وكان من نتائج دعوته الإصلاحية!! إنشاء المذهب البروتستانتي . وكان للإصلاح الديني الذي نادى به دوراً هاماً في الكنيسة، فقبل عام 1517 كانت هناك كنيسة رسمية واحدة معترف بها وهي الكنيسة الرومانية الكاثوليكية، وكان كل من يخرج على الكنيسة يعاقب لكونه كافراً .. وبعد ذلك تجرأ الناس على الكنيسة، وتعددت الكنائس. وكان لوثر يكره اليهود بشكل فظيع، ولعل لكتاباته شديدة اللهجة ضد اليهود، أثر في تمهيد الطريق لعصر هتلر في ألمانيا أوائل القرن العشرين. 

([152]) الصحيح أن روح القدس هو الملاك جبرائيل، وهو مخلوق، أما كلمة الله فقوله تعالى: "كن فيكون" التي خلق سبحانه بها المسيح من غير أب فالمسيح مخلوق، أما كلام الله فهو منه سبحانه، ولذلك فهو غير مخلوق. 

([153]) فقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم صحابته بأنهم سيفتحون مصر؛ وأوصاهم بأهلها خيراً، كما في الحديث الذي رواه مسلم عن أبي ذر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إنكم ستفتحون مصر ؛ وهي أرض يسمى فيها القيراط، فإذا فتحتموها فأحسنوا إلى أهلها فإن لهم ذمة ورحماً " أو قال " ذمة وصهراً "

والقيراط: جزء من أجزاء الدرهم والدينار كان أهل مصر يستعملونه زمن الفتح .

والذمة: الحرمة والحق.

والرحم: لكون هاجر أم إسماعيل منهم.

أما الصهر: فلكون مارية القبطية أم إبراهيم ابن النبي صلى الله عليه وسلم، منهم .

([154]) نقلاً عن كتاب "المسيح الدجال" لسعيد أيوب هامش ص 74. 

([155]) انظر البخاري (3448) ومسلم (1/93-94) وغيرهما.

[156]