إخباره بفتوح البلدان لأمته


ومن هذه الغيوب ما أخبر عنه e مراراًً من انتشار الإسلام وظهور أمره على الأديان، وبلوغه إلى الآفاق، وهو أمر غيب لا مدخل فيه للتخمين ورجم الظنون، فإما أنه كاذب صادر من دعي، أو هو خبر صادق أوحاه الله الذي يعلم ما يُستقبَل من الأحداث والأخبار.
وشواهد ذلك كثيرة في القرآن والسنة، منها قوله تعالى: } هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون { (التوبة: 33)، وقد صدقه الله فقد ظهر أمره، وتم نوره، وعظُم دينه .
وقد قال r منبئاً عن ملك أمته وسلطانها: ((إن الله زوى لي الأرض، فرأيتُ مشارقَها ومغاربها، وإن أمتي سيبلغ ملكُها ما زوي لي منها، وأعطيتُ الكنزين الأحمرَ والأبيض)).
قال النووي: "وهذا الحديث فيه معجزاتٌ ظاهرة, وقد وقعت كلُّها بحمد اللّه كما أخبر به e ... المراد بالكنزين الذّهب والفضّة, والمراد كنزي كسرى وقيصر ملِكي العراق والشّام، وفيه إشارة إلى أنّ مُلكَ هذه الأمّة يكون معظم امتدادِه في جهتي المشرق والمغرب, وهكذا وقع، وأمّا في جهتي الجَنوب والشَّمال فقليل بالنّسبة إلى المشرق والمغرب". فقد أعلمه الله بانتشار دينه، وبسؤدد أتباعه وأمته من بعدِه على فارس والروم وغيرها من البلاد.
وروى الإمام أحمد مثلَ هذه النبوءة العظيمة بل أعظمَ منها، حين تنبأ e عن بلوغ دينه إلى أقاصي الأرض، فقال: ((ليبلغن هذا الأمر ما بلغ الليلُ والنهار، ولا يترك الله بيت مَدَرٍ ولا وبرٍ، إلا أدخله اللهُ هذا الدين، بعز عزيز، أو بذلِّ ذليل، عزاً يُعز الله به الإسلام، وذُلاً يذل الله به الكفر)).
وكان تميم الداري t يؤكد تحقق هذه النبوءة فيقول: قد عرفتُ ذلك في أهل بيتي، لقد أصاب من أسلمَ منهم الخيرُ والشرفُ والعزُ، ولقد أصاب من كان منهم كافراً الذلُ والصَغارُ والجزيةُ.
ولسوف نعرض لبعض الفتوحات التي بشر بها النبي e ، فتحققت حال حياته ، فكانت دليلاً على نبوته ورسالته:
منها تنبؤه بنصر بدر العظيم في وقت كان المسلمون يعانون في مكة صنوف الاضطهاد ويُسامون سوء النكال؛ وفي وسط هذا البلاء نزل على النبي r قوله تعالى: } أكفاركم خيرٌ من أولئكم أم لكم براءةٌ في الزبر # أم يقولون نحن جميعٌ منتصرٌ # سيهزم الجمع ويولون الدبر# بل الساعة موعدهم والساعة أدهى وأمر { (القمر:43-46).
فقال عمر بن الخطاب [أي في نفسه] : أي جمع يهزم؟ أي جمع يُغلَب؟ فلما كان يوم بدر رأيتُ رسول الله e يثِب في الدرع، وهو يقول : }سيهزم الجمع ويولون الدبر{ فعرفت تأويلها يومئذ.
فهذه الآية نزلت قبل الهجرة بسنوات تتحدث عن غزوة بدر، واندحار المشركين فيها، وتتنبأ بهزيمتهم وفلول جمعهم.
وقبيل معركة بدر أدرك النبي r اقتراب تحقق الوعد القديم الذي وعده الله، فقام إلى العريش يدعو ربه ويناجيه: ((اللهم إني أنشِدُك عهدَك ووعدَك، اللهم إن شئت لم تُعبَد بعدَ اليوم))...
ثم خرج رسول الله r من عريشه، وهو يقول: ] سيهزم الجمع ويولون الدبر # بل الساعة موعدهم والساعة أدهى وأمر [.
وهكذا كان، فقد هزمت جموعهم، وولوا على أدبارهم، وصدق الله نبيَه الوعدَ، وعدَ الله لا يخلف الله الميعاد.
ورأى النبي e في رؤياه أنه يأتي المسجد الحرام ويطوف به، فأخبر أصحابه، فسُروا بذلك، وظنوا أن ذلك يكون في عامهم، فتجهزوا مع النبي e آمّين البيت الحرام معظمين لحرْمَته، فصدتهم قريش عن البيت، وانتهى الأمر بإبرام صلح الحديبية الذي ألزم المسلمين بالعود إلى المدينة، وأن يعتمروا من عامهم القابل.
وشعر الصحابة بغبن الشروط التي تضمنها الصلح، حيث اعتبره بعضهم من الدنية، فجاء عمر بن الخطاب فقال: يا رسول الله، ألسنا على الحق، وهم على الباطل؟ فقال: ((بلى)) فقال: أليس قتلانا في الجنة وقتلاهم في النار؟ قال: ((بلى)) قال: فعلام نعطي الدنية في ديننا؟ أنرجع ولما يحكمِ الله بيننا وبينهم؟ فقال: ((يا ابن الخطاب، إني رسول الله، ولن يضيعني الله أبداً)) ... فنزلت سورة الفتح فقرأها رسول الله e على عمر إلى آخرها، فقال عمر: يا رسول الله أوَفتح هو؟ قال: ((نعم)). وأنزل الله في إثرها آيات من سورة الفتح.
لقد صدق الله رسوله القول: }إنا فتحنا لك فتحا مبيناً{ (الفتح: 1) ، فكانت الآية عزاء للنبي وصحابته على عودهم إلى المدينة من غير أن يطوفوا بالبيت الحرام، فقال e: ((لقد أنزلت علي آية هي أحب إليّ من الدنيا جميعاً)).
قال ابن حجر في تبيان معنى الفتح العظيم الذي حققه المسلمون في صلح الحديبية: "المراد بالفتح هنا الحديبية، لأنها كانت مبدأَ الفتح المبين على المسلمين , لما ترتب على الصلح الذي وقع منه الأمن ورفع الحرب، وتمكن من يخشى الدخول في الإسلام والوصولَ إلى المدينة من ذلك، كما وقع لخالدٍ بنِ الوليد وعمرو بنِ العاص وغيرِهما , ثم تبعت الأسباب بعضَها بعضاً إلى أن كمل الفتح ...
قال (الزهري): لم يكن في الإسلام فتحٌ قبلَ فتح الحديبية أعظمَ منه , وإنما كان الكفر حيث القتال , فلما أمن الناس كلهم؛ كلم بعضُهم بعضاً، وتفاوضوا في الحديث والمنازعة، ولم يكن أحد في الإسلام يعقِل شيئاً إلا بادر إلى الدخول فيه , فلقد دخل في تلك السنتين مثلُ من كان دخل في الإسلام قبل ذلك أو أكثر .
قال ابن هشام : ويدل عليه؛ أنه e خرج في الحديبية في ألف وأربعِمائة، ثم خرج بعد سنتين إلى فتح مكة في عشرةِ آلاف.
وقبل أن يتضح لأصحاب النبي e أبعاد الفتح العظيم عزم النبي e على الرجوع إلى المدينة ؛ وأمر الصحابة بذبح الهدي والعود إلى المدينة، فكرهوا عودتهم من غير أن يأتوا البيت، فيحققوا رؤيا النبي e، فأتى عمر t النبي e فقال: أوليس كنتَ تحدثُنا أنا سنأتي البيت فنطوفَ به؟ قال: ((بلى، فأخبرتُكَ أنّا نأتيه العام؟)) فقال عمر: لا. فقال e: ((فإنك آتيه ومطوفٌ به)).
ونزلت آيات القرآن تؤكد صدقَ ما رآه النبي e في رؤياه وحتميةَ تحققِ ما أوحى الله إليه في رؤياه: } لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين محلقين رؤوسكم ومقصرين لا تخافون { (الفتح: 27)، وقد تحقق ذلك في عمرة القضاء في العام الذي يليه.
قال القرطبي في هذه الآية وغيرِها: " فهذه كلها أخبار عن الغيوب التي لا يقف عليها إلا رب العالمين، أو من أوقفه عليها ربُ العالمين ، فدل على أن الله تعالى قد أوقف عليها رسولَه، لتكون دلالة على صدقه".
وأثاب الله الصحابة على صدق بيعتهم لرسول الله e عند شجرة الرضوان بفتح قريب ومغانم وفيرة، أثابهم بفتح خيبر، فقال: } لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة فعلم ما في قلوبهم فأنزل السكينة عليهم وأثابهم فتحاً قريباً % ومغانم كثيرةً يأخذونها وكان الله عزيزاً حكيماً % وعدكم الله مغانم كثيرةً تأخذونها فعجل لكم هذه وكف أيدي الناس عنكم ولتكون آيةً للمؤمنين ويهديكم صراطاً مستقيماً { (الفتح: 18-20).
لقد وعد الله أصحاب الشجرة بمغيَّبات عدة ، منها الوعد بفتحٍ قريب ومغانمَ كثيرةٍ } وأثابهم فتحاً قريباً % ومغانم كثيرة يأخذونها { (الفتح: 18-19).
قال الطبري: "وأثاب الله هؤلاء الذين بايعوا رسول الله e تحت الشجرة - مع ما أكرمهم به من رضاهُ عنهم وإنزالِه السكينة عليهم وإثابتِه إياهم – فتحاً قريباً ، معه مغانمُ كثيرةٌ يأخذونها من أموال يهود خيبر، فإن الله جعل ذلك خاصة لأهل بيعة الرضوان دون غيرهم".
والتنبؤ بفتح خيبر لم يكن تنبؤاً بأمر ميسور قريب النوال، فإن خيبر حصون منيعة ، وفيها عشرة آلاف من المقاتلين الشجعان ، أي ما يضعف بسبع مرات عدد المسلمين القادمين إليها ، لكنه موعود الله، فما إن لاحت بالأفق حصونها حتى قال e: ((خرِبت خيبر، إنا إذا نزلنا بساحة قوم ]فَسَاء صَبَاحُ ٱلْمُنْذَرِينَ[ (الصافات: 177)، قال أنس: فهزمهم الله)).
قال أبو القاسم الأصبهاني: "وفيه من دلالة النبوة أنه كان كما قال، خرِبت خيبر بعد نزوله r بساحتهم".
وكما أخبر عن فتح خيبر فإنه تحدث عن جلاء اليهود منها ، وقد وقع ذلك زمن خلافة عمر t ، فقد اعتدى بعض أهل خيبر على عبد الله بن عمر؛ قام عمر خطيباً فقال: إن رسول الله e كان عامل يهود خيبر على أموالهم، وقال: ((نقركم ما أقركم الله))، وإن عبد الله بن عمر خرج إلى ماله هناك، فعدي عليه من الليل، ففُدِعت يداه ورجلاه، وليس لنا هناك عدو غيرهم، هم عدونا وتهمتنا، وقد رأيت إجلاءهم.
فلما أجمع عمر على ذلك؛ أتاه أحد بني أبي الحقيق فقال: يا أمير المؤمنين، أتخرجنا وقد أقرنا محمد وعاملنا على الأموال، وشرط ذلك لنا؟
فقال عمر: أظننتَ أني نسيتُ قول رسول الله : ((كيف بك إذا أُخرجت من خيبر تعدو بك قَلوصُك ليلةً بعد ليلة؟)) فقال: كانت هذه هُزَيلة (مزاحاً) من أبي القاسم.
قال: كذبت يا عدو الله.
فأجلاهم عمر، وأعطاهم قيمة ما كان لهم من الثمر مالاً وإبلاً وعروضاً من أقتاب وحبال وغير ذلك.
وقال ابن حجر: " أشار e إلى إخراجهم من خيبر، وكان ذلك من إخباره بالمغيَّبات قبل وقو عها".
ولم يكن فتحُ خيبرَ الوعد الوحيد الذي وعده الله أصحابَ الشجرة، بل قد بشّرهم بغيرِها، فقد بشرهم بفتح مكة ، فقال: } وأخرى لم تقدروا عليها قد أحاط الله بها وكان الله على كل شيءٍ قديراً{ (الفتح: 21).
وهذه الآية الكريمة بشارة بفتح مكة، لأنها البقعة التي رامها المسلمون ولم يقدروا عليها بعد، قال الطبري: " المعني بقوله: } وأخرى لم تقدروا عليها { غير (غيرُ خيبر)، وأنها هي التي قد عالجها ورامها فتعذّرت، فكانت مكةُ وأهلُها كذلك، وأخبر الله تعالى ذِكرُه نبيَه e والمؤمنين أنه أحاط بها وبأهلها، وأنه فاتحُها عليهِم".
وتحقق الوعد بفتح مكة التي بشر الله - من قبل - نبيه بفتحها يوم الهجرة، وهو قريب من الجحفة فقال له مواسياً: } إن الذي فرض عليك القرآن لرادك إلى معاد { (القصص: 85).
قال القرطبي: "ختم السورة [سورة القصص] ببشارة نبيه محمد e برده إلى مكة قاهراً لأعدائه .. وهو قول جابر بن عبد الله وابن عباس و مجاهد وغيرهم".
وقد غادر النبي e الدنيا ولما يرى بأم عينه بعض ما وعده الله تعالى في دينه وأمته، ولكنها تحققت زمن خلفائه وأتباعه عليه الصلاة والسلام.
وأول هذه الاخبار ما ذكره القرآن من وعد للأعراب الذين لم يخرجوا مع النبي e إلى عمرة الحديبية فقال لهم مختبراً صدقهم وإيمانهم: } قل للمخلفين من الأعراب ستدعون إلى قومٍ أولي بأسٍ شديدٍ تقاتلونهم أو يسلمون فإن تطيعوا يؤتكم الله أجراً حسناً وإن تتولوا كما توليتم من قبل يعذبكم عذاباً أليماً { (الفتح: 16).
وقد اختلف المفسرون في هؤلاء القوم أولي البأس الشديد الذين سيدعى الأعراب إلى قتالهم على أقوال، منها أنهم هوازن أو ثقيف أو فارس والروم ، وذكر الواحدي أن جمهور المفسرين على أنهم بنو حنيفة، لقول رافعٍ بنِ خَديج t: (والله لقد كنا نقرأ هذه الآية فيما مضى } ستدعون إلى قوم أولي بأس شديد { فلا نعلم من هم، حتى دعانا أبو بكرٍ إلى قتال بني حنيفة، فعلمنا أنهم هم). فكان هذا الوعد غيباً آخرَ أطلع الله عليه نبيه، حين بشره بالنصر والظفر على قوم أولي بأس شديد، يدعى هؤلاء الأعراب إلى قتالهم، وكان ذلك في حروب المرتدين أتباعِ مسيلمةَ الكذاب.
ومما بشّر به e، فتحقق بعده كما أخبر، بشارتُه بفتوح اليمن والشام والعراق واستيطان المسلمين بهذه البلاد، حيث قال e: (( تُفتَح اليمن فيأتي قوم يُبِسُّون فيتحملون بأهلهم ومن أطاعهم، والمدينة خير لهم لو كانوا يعلمون، وتفتح الشام فيأتي قومٌ يُبِسُّون، فيتحملون بأهليهم ومن أطاعهم، والمدينة خير لهم لو كانوا يعلمون، وتفتح العراق فيأتي قومٌ يُبِسُّون، فيتحملون بأهليهم ومن أطاعهم، والمدينة خير لهم لو كانوا يعلمون)).
قال النووي: "قال العلماء: في هذا الحديث معجزاتٌ لرسول الله e، لأنه أخبر بفتح هذه الأقاليم، وأن الناس يتحملون بأهليهم إليها ويتركون المدينة، وأن هذه الأقاليم تفتح على هذا الترتيب [اليمن ثم الشام ثم العراق]، ووجِد جميعُ ذلك كذلك بحمد الله وفضله".
ويؤكد ابن حجر على تحقق هذه النبوءات النبوية، فينقل عن ابن عبد البر وغيره قولهم: "افتتحت اليمن في أيام النبي e وفي أيام أبي بكر , وافتتحت الشام بعدها , والعراق بعدها ، وفي هذا الحديث علم من أعلام النبوة , فقد وقع على وفق ما أخبر به النبي e وعلى ترتيبه , ووقع تفرق الناس في البلاد لما فيها من السعة والرخاء , ولو صبروا على الإقامة بالمدينة لكان خيرًا لهم".
وأما فتح فارس، فقد بشر به رسول الله r أصحابه، فقال: ((لتفتحن عصابة من المسلمين كنز آل كسرى الذي في الأبيض)).
وذكر ابن كثير أن أول من رأى القصر الأبيض ضرار بن الخطاب، فجعل الصحابة يكبرون ويقولون: هذا ما وعدنا الله ورسوله .
ولما أخبر النبي e بفتح مصر؛ دعا إلى الإحسان إلى أهلها إكراماً لهاجر أم إسماعيل، فقد كانت من أرض مصر، كما أخبر بدخولهم في الإسلام واشتراكهم مع إخوانهم في التمكين له، قال e: ((إنكم ستفتحون مصر .. فإذا فتحتموها فأحسنوا إلى أهلها؛ فإن لهم ذِمة ورحِماً))، في رواية لابن حبان: (( فاستوصوا بهم خيرًا، فإنهم قوة لكم، وبلاغ إلى عدوكم بإذن الله)).
والتفت النبي e إلى أبي ذر فقال: ((فإذا رأيتَ رجلين يختصمان فيها في موضع لَبِنة فاخرج منها))، وقد تحقق ذلك، فكان أبو ذر t ممن فتح مصر وسكنها، يقول t: فرأيت عبدَ الرحمنِ بنَ شرحبيلَ بنِ حسنة وأخاه ربيعة يختصمان في موضع لَبِنة، فخرجت منها.
قال النووي: "وفيه معجزة ظاهرة لرسول الله e، منها إخباره بأن الأمةَ تكون لهم قوة وشوكة بعده، بحيث يقهرون العجم والجبابرة، ومنها أنهم يفتحون مِصر، ومنها تنازع الرجلين في موضع اللَبِنة، ووقع كلُ ذلك ولله الحمد".
وأخبر النبي e عن الفتوح التي تقع على أيدي أصحابه ومن بعدهم، وأنها تستمر إلى ثلاثة أجيال بعده e قبل أن تتوقف، ففي الصحيحين من حديث أبي سعيد الخدري t أن النبي e قال: ((يأتي على الناس زمانٌ يغزو فِئام من الناس، فيقال لهم: فيكم من رأى رسول الله e؟ فيقولون: نعم، فيفتح لهم، ثم يغزو فئام من الناس فيقال لهم: فيكم من رأى من صحب رسولَ الله e؟ فيقولون: نعم، فيفتح لهم، ثم يغزو فئام من الناس فيقال لهم: هل فيكم من رأى من صحب من صحب رسول الله e فيقولون: نعم، فيفتح لهم)).
قال النووي: "وفي هذا الحديث معجزاتٌ لرسول e ، وفضلُ الصحابة والتابعين وتابعيهم".
ولا تتوقف نبوءات النبي e عند فتوح العراق والشام ومصر ، بل يمتد إخبارُه ليحدث عن فتح بلاد بعيدة المنال، إنها القسطنطينيةُ عاصمةُ دولة الروم، يقول e: ((لتُفتحن القسطنطينية فلنِعمَ الأميرُ أميرُها، ولنعم الجيشُ ذلك الجيش))، قال عبد الله بن بشر الخثعمي راوي الحديث: فدعاني مسلمة بن عبد الملك، فسألني فحدثته، فغزا القسطنطينية.
لقد جزم مسلمة بتحقق هذه النبوءة، فأراد أن يحوز شرفها، فغزا القسطنطينية، لكن الله اختبأها لفتى بني عثمان محمدٍ الفاتح رحمه الله، فكان فتحُه لها دليلاً آخر على نبوة النبي e.
ولئن كان تنبؤه e بفتح القسطنطينية قد تحقق بعد ثمانية قرون فإن نبوءة أخرى يختبئها قدر الله للأمة المسلمة، ألا وهو فتح روما، وقد أخبر e أنه يكون بعد فتح القسطنطينية، فقد سـئل عبد الله بن عمرو بن العاص أي المدينـتين تفتح أولاً القسطنطينية أو رومية ؟ فدعا بصندوق له حلق، قال : فأخرج منه كتاباً وقال: بينما نحن حول رسول الله نكتب، إذ سئل رسول الله : أي المدينتين تفتح أولاً القسطنطينية أو رومية؟ فقال رسول الله : ((مدينة هرقل تفتح أولاً : يعني قسطنطينية)).
لكن العجيب المدهش الذي يلوي الأعناق أن بعض هذه الأخبار كانت في وقت ضيق المسلمين وعلى خلاف ما توحي به الأحداث، بل على عكسه ونقيضه ، لقد كان النبي e يتنبأ - وهو في ضنك البلاء وأُوار المحنة - بما لا يمكن لأحد أن يحلُم به ولو في رؤياه.
فقد خرج النبي e على أصحابه وهم يعذبون بالنار والحديد في بطحاء مكة، وفيهم خباب بن الأرت، الذي تقدم إليه شاكياً فقال قال: ألا تستنصر لنا؟ ألا تدعو الله لنا؟ فقال r: ((كان الرجل فيمن قبلكم يُحفر له في الأرض، فيُجعل فيه، فيجاء بالمنشار، فيوضع على رأسه فيُشق باثنتين، وما يصده ذلك عن دينه، ويمشَّط بأمشاط الحديد ما دون لحمه من عظم أو عصب، وما يصده ذلك عن دينه".
ثم بشره النبي e ببشارة عظيمة فقال: " والله ليُتِمنَّ هذا الأمر، حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت، لا يخاف إلا الله أو الذئب على غنمه، ولكنكم تستعجلون)).
إنه r يتنبأ بتمام أمر دينه، وبأمن أصحابه في زمنٍ ما كانوا يجرؤون فيه على إعلان دينهم خوفاً من بطش قريش وعذابها.
وفي المدينة المنورة ألقى الخوف بظلاله على المسلمين، يقول أبي بن كعب في وصف حالهم: لما قدم رسولُ الله e وأصحابُه المدينة، وآواهم الأنصار، رمتهم العرب عن قوس واحدة، وكانوا لا يبيتون إلا في السلاح، ولا يصبحون إلا فيه.
فقالوا: ترون أنـَّا نعيشُ حتى نبيتَ مطمئنين لا نخاف إلا الله عز وجل؟ فنزل قوله تعالى: } وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمناً { (النور: 55) وكان كذلك، فقد أمنهم الله من بعد خوفهم، وسودهم الأرض واستخلفهم فيها من بعد ذلتهم، ومكَّن لهم دينهم في مشارق الأرض ومغاربها.
قال القرطبي : " وقد فَعلَ اللهُ ذلك بمحمدٍ وأمتِه، ملّكَهُم الأرض، واستخلفهم فيها، وأذل لهم ملوكاً تحت سيف القهر بعد أن كانوا أهل عز وكبر، وأورثهم أرضهم وديارهم وأموالهم ومنحهم رقابهم } وعد الله إن الله لا يخلف الميعاد { (الزمر: 20)".
وفي موقف آخر من المواقف الصعبة التي عانى منها الصحابة أتى عدي بن حاتم النبي e، وبينما هو عنده إذ أتاه رجل فشكا إليه الفاقة، ثم أتاه آخر فشكا إليه قطع السبيل.
فالتفت النبي r إلى عَدي، وقال: ((فلعلك إنما يمنعك عن الإسلام أنك ترى من حولي خصاصة، أنك ترى الناس علينا إلْباً)).
ثم ألقى النبي r نبوءة مفاجئة أذهلت عَدياً، فقد قال له: ((يا عدي، هل رأيت الحيرة؟)) فأجابه: لم أرها، وقد أُنبئت عنها، فقال r: ((فإن طالت بك حياة لترين الظعينة (أي المرأة) ترتحل من الحيرة حتى تطوف بالكعبة، لا تخاف أحداً إلا الله)).
يقول عدي، وهو يتشكك من وقوع هذا الخبر: قلت فيما بيني وبين نفسي: فأين دُعَّار [لصوص] طيءٍ الذين سعروا البلاد؟
وقبل أن يفيق عدي من ذهوله وحديثه مع نفسه أسمعه النبي r نبوءة أعظمَ وأبعد، فقال: ((ولئن طالت بك حياة لتُفتحنَّ كنوزُ كسرى)).
ولم يصدق عديٌ مسمعه فقال للنبي r مستوثقاً: كسرى بنِ هُرمز؟ فأجابه النبي r بلسان الواثق من ربه - على ضعف حاله اليوم وفاقة أصحابه - فقال: ((كسرى بنِ هرمز، ولئن طالت بك حياة لتريَنَّ الرجل يُخرج ملء كفه من ذهب أو فضة، يطلب من يقبله منه فلا يجد أحداً يقبلُه)).
ثلاث نبوءات لا يمكن لغير مؤمنٍ أن يُصدق بوقوعها في ذلك الزمان وفي مثلِ تلك الظروف، لكنها دلائل النبوة وأخبار الوحي الذي لا يكذب.
يقول عدي: فرأيتُ الظعينة ترتحل من الحيرة حتى تطوفَ بالكعبة لا تخاف إلا الله، وكنتُ فيمن افتتح كنوز كسرى بنِ هرمز، ولئن طالت بكم حياة لترون ما قال النبي أبو القاسم e [عن الرجل] يخرج ملء كفه.
وصدق t ، فقد تحققت الثالثة زمن الخليفةِ الراشدِ عمرِ بنِ عبد العزيز.
ومثله قوله e: ((لا تقوم الساعة حتى يسير الراكب بين العراق ومكة؛ لا يخاف إلا ضلال الطريق)).
ولما أتت جموع الأحزاب إلى المدينة، وهم يرومون استئصال المسلمين أمر النبي r بحفر الخندق حول المدينة، وبينما هم يحفرون عرضت لهم صخرة حالت بينهم وبين الحفر، فقام رسول الله r وأخذ المعول ووضع رداءه ناحية الخندق، وقال: ]تمت كلمة ربك صدقاً وعدلاً لا مبدل لكلماته وهو السميع العليم[ (الأنعام: 115) فندر ثُلث الحجر، وسلمان الفارسي قائم ينظر، فبرق مع ضربةِ رسول الله r برْقة.
ثم ضرب الثانية والثالثة فكان مثله.
فتقدم إليه سلمان فقال: يا رسول الله رأيتُك حين ضربت، ما تضرب ضربة إلا كانت معها برقة؟ فقال له رسول الله r: ((يا سلمان رأيتَ ذلك؟)) فقال: إي والذي بعثك بالحق يا رسول الله.
قال: ((فإني حين ضربت الضربة الأولى رُفعت لي مدائنُ كسرى وما حولها ومدائنٌ كثيرة حتى رأيتُها بعينيّ)).
فقال له من حضره من أصحابه: يا رسول الله، ادع الله أن يفتحها علينا .. فدعا رسول الله r بذلك.
((ثم ضربتُ الضربة الثانية، فرُفعت لي مدائن قيصر وما حولها حتى رأيتها بعينيّ)). قالوا: يا رسول الله ادع الله أن يفتحها علينا.. فدعا رسول الله r بذلك.
((ثم ضربت الثالثة فرفعت لي مدائن الحبشة وما حولها من القرى حتى رأيتها بعيني)).
ثم بادرهم النبي e بالقول: ((دعوا الحبشة ما ودعوكم، واتركوا الترك ما تركوكم)).
وقد أطلع الله نبيه على ما يكون من أخبار الحبشة والترك، وما تحدثه حروبهم من النكال بالمسلمين، فكره قتالهم ، وأوصى باجتنابهم.
أما الحبشة فإنهم يهدمون الكعبة في آخر الزمان ، فقد قال e : ((يخرب الكعبة ذو السويقتين من الحبشة)).
وأما الترك فمنهم التتار الذين استباحوا بغداد وقتلوا فيها ما يربو على مليونين من المسلمين عام 658هـ.
قال ابن كثير: "وفي هذه السنة [643هـ] كانت وقعة عظيمة بين جيش الخليفة وبين التتار لعنهم الله، فكسرهم المسلمون كسرة عظيمة، وفرقوا شملهم، وهزموا من بين أيديهم، فلم يلحقوهم، ولم يتبعوهم خوفاً من غائلة مكرهم وعملاً بقوله e : ((اتركوا الترك ما تركوكم))".
وعلل بعض أهل العلم الأمر بترك قتالهم بـأنه "لأن بلاد الحبشة وغيرهم، بين المسلمين وبينهم مهامِه وقفار، فلم يكلِّف المسلمين دخول ديارهم لكثرة التعب وعظمة المشقة، وأما الترك فبأسهم شديد، وبلادهم باردة والعرب وهم جند الإسلام كانوا من البلاد الحارة فلم يكلفهم دخول البلاد، فلهذين السِّرين خصصهم".
وانقضت غزوة الأحزاب، وولت جموعهم الأدبار، وقبل أن ينقشع غبار إدبارهم أخبر النبي e بنبوءة أخرى ما كان له أن يطلع عليها لولا إخبار الله له، فقال: ((الآن نغزوهم ولا يغزوننا، نحن نسير إليهم)).
وهكذا كان، إذ كانت غزوة الأحزاب آخر غزاة غزتها قريش في حربها مع النبي r، وقد غزاهم المسلمون بعدها، وفتحوا مكة بعون الله وقدرته، فمن الذي أعلم النبي e أن هذه الألوف التي دهمت المدينة لن تعود إليها بعد هذه الكَرَّة الخاسرة؟ إنه الله رب العالمين.
قال ابن حجر عن قوله e : ((الآن نغزوهم ولا يغزوننا)): "وفيه علمٌ من أعلام النبوة، فإنه e اعتمر في السنة المقبلة، فصدّتهُ قريش عن البيت، ووقعت الهدنة بينهم إلى أن نقضوها، فكان ذلك سببَ فتح مكة، فوقع الأمر كما قال r".