شفاء المرضى


ولما أرسل الله نبيه وكلمته المسيح عليه السلام، آتاه من الآيات ما يقيم به الحجة على بني إسرائيل، ومن ذلك إبراء الله الأكمه والأبرص على يديه ]وإذ تخلق من الطين كهيئة الطير بإذني فتنفخ فيها فتكون طيراً بإذني وتبرئ الأكمه والأبرص بإذني [ (المائدة: 110)، فكان برهاناً ساطعاً ودليلاً قاطعاً عند قومه على نبوته e.
وكذلك أيد الله خاتم أنبيائه وعظيم رسله بمثل هذا الدليل والبرهان ، حين شفى على يديه بعضاً من أصحاب النبي e.
ومن ذلك أنه ما جاء في الصحيحين من حديث سهل بن سعد t أن النبي e قال يوم خيبر: ((لأعطين هذه الراية رجلاً يفتح الله على يديه، يحبُ اللهَ ورسولَه، ويحبُه اللهُ ورسولُه))، قال: فبات الناس يدوكون (أي يتحدثون) ليلتهم أيهم يعطاها، قال: فلما أصبح الناس غَدوا على رسول الله e كلهم يرجون أن يُعطاها.
فقال عليه الصلاة والسلام: ((أين عليُ بنُ أبي طالب؟)) فقالوا: هو يا رسول الله يشتكي عينيه، فقال: ((فأرسلوا إليه))، فأُتي به t، فبصق رسول الله e في عينيه، ودعا له فبرأ، حتى كأن لم يكن به وجع، فأعطاه الراية. قال الشوكاني: "فيه معجزة ظاهرة للنبي e ".
وفي رواية لابن ماجه أنه e تفل في عينيه وقال: ((اللهم أذهب عنه الحر والبرد)) قال علي: فما وجدت حراً ولا برداً بعد يومِئذ ، وكان أصحابه ربما رأوه يلبس ثياب الصيف في الشتاء وثياب الشتاء في الصيف.
وقبل أن يغادر النبي e أرض خيبر حقق آية أخرى تدل على نبوته ورسالته، فقد شفى الله بنفثه ساق سلمة بن الأكوع الذي أصيب في الغزوة، فقد روى البخاري في صحيحه عن يزيد بن أبي عُبيد قال: رأيت أثرَ ضربةٍ في ساق سلمة، فقلت: يا أبا مسلم، ما هذه الضربة؟ فقال: هذه ضربة أصابتني يوم خيبر، فقال الناس: أُصيب سلمة، فأتيت النبي e، فنفث فيه ثلاث نَفَثات، فما اشتكيتها حتى الساعة.
إن الجموع التي رأت ساق سلمة مضرجة بدمائها، ثم رأوه لا يشتكي منها ألماً ولا وجعاً ببركة ريق النبي e ونفثه عليها، إن هذه الجموع لا يسعها أمام هذه المعجزة الباهرة إلا أن تشهد للنبي e بالنبوة والرسالة، إذ مثل هذا لا يقدر عليه بشر، إنه دليل من دلائل نبوته e.
ويرسل النبي e عبدَ الله بن عتيك ورجالاً من الأنصار لردع سلّامِ بنِ أبي الحُقَيق، وبينما هو راجع في الطريق وقع، فانكسرت ساقه، فعصبها بعمامة، يقول: فانتهيت إلى النبي e، فقال: ((ابسط رجلك))، فبسطت رجلي، فمسحها، فكأنها لم أشتكِها قطّ.
لقد تكرر ذلك منه e مراراً وعلى مراى من الصحابة الكرام، ومن ذلك ما رواه ابن حبان في صحيحه عن عبد الله بن بريدة رضي الله عنه قال: سمعت أبي يقول: إن رسول الله e تفل في رجل عمرو بن معاذ حين قطعت رجله فبرأ. فهل كان هذا من فنون الطب أم معجزة وبرهاناً من براهين نبوته e.
ويروي الشيخان آية أخرى من آيات صدقه وبراهين نبوته، ففي الصحيحين من حديث السائب بن يزيد قال: ذهبت بي خالتي إلى النبي e فقالت: يا رسول الله، إن ابن أختي وجِع، فمسح رأسي، ودعا لي بالبركة، ثم توضأ، فشربتُ من وَضُوئه، ثم قمت خلف ظهره، فنظرت إلى خاتم النبوة بين كتفيه مثل زر الحَجَلة.
وهذا الخبر فيه دليلان من دلائل نبوته e أولهما: شفاء السائب النبي e حين شرب من ماء وُضُوئه، والثاني رؤيته خاتم النبوة بين كتفي النبوة e.
ويروي الإمامان أحمدُ وابنُ ماجه عن أمُ جُندُب أنها رأت رسول الله e يرمي جمرة العقبة .. فأتته امرأة (خثعمية) بابن لها فقالت: يا رسول الله، إن ابني هذا ذاهب العقل، فادع الله له. قال لها: ((ائتيني بماء)). فأتته بماء في تَورٍ من حجارة، فتفل فيه، وغسل وجهه، ثم دعا فيه، ثم قال: ((اذهبي، فاغسليه به، واستشفي الله عز وجل)).
قالت أم جُندب: فقلت لها: هبي لي منه قليلاً لابني هذا، فأخذت منه قليلاً بأصابعي، فمسحت بها شِقَّة ابني، فكان من أبر الناس.
فسألت المرأة بعد: ما فعل ابنها؟ قالت: برئ أحسن بَرء.
قال السندي: "وفي الحديث معجزة عظيمة له e". أقول: لا، بل هما معجزتان : إحداهما شفاء ابن الخثعمية ببركة مجة النبي e في الماء الذي غسلته أمه فيه، والأخرى: هداية ابن أم جندب بمسح أمه وجهَه ببعض هذا الماء.
ويروي أحمد في المسند عن محمد بن حاطب دليلاً آخر من دلائل نبوة نبينا عليه الصلاة والسلام، فقد أقبلت به أمه أم جميل إلى النبي e، وقد انكفأت قدر تغلي على ذراعه، تقول أم جميل: فأتيتُ بك النبي e فقلت: بأبي وأمي يا رسول الله، هذا محمد بن حاطب، فتفل في فيك، ومسح على رأسك، ودعا لك، وجعل يتفل على يديك ويقول: ((أذهب البأس رب الناس، واشف أنت الشافي، لا شفاء إلا شفاؤك، شفاء لا يغادر سقماً)) فقالت: فما قمت بك من عنده حتى برأت يدك.
ويمضي حديث الحديبية لينقل لنا دليلاً آخر من دلائل نبوته، يمكننا تلمسه من حال الصحابة مع النبي r كما يخبرنا عنه وفدُ قريش، يقول عروة - وهو يومئذ على الكفر -: فوالله ما تنخم رسولُ الله نخَامة إلا وقعت في كف رجل منهم، فدلك بها وجهَه وجِلده، وإذا أمرهم ابتدروا أمره، وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وَضوئه، وإذا تكلم خفضوا أصواتهم عنده وما يحـدون إليه النظر تعظيماً له.
فرجع عروة إلى أصحابه فقال: أي قومِ، والله لقد وفدت على الملوك، ووفدت على قيصر وكسرى والنجاشي، والله إنْ [أي ما] رأيت مَلكاً قط يعظِّمُه أصحابُه ما يعظـم أصحاب محمد e محمداً.
فوقوع هذه الأخبار غير معتاد ولا مألوف مع أحدٍ من الناس، وحتى الملوكُ لا يُصنَعُ لهم ذلك، وقد فعله أصحاب النبي r معه، لتحققهم من بركة النبي e، ولما عاينوه من آثارها، وهذا النوع من التبرك بشخص النبي r حال حياته مشروع أجمعت الأمة على مشروعيته، وهو دليل آخر من دلائل نبوته e.
و من أعلام نبوته ودلائل رسالته e أنه لما قدم المدينة كانت كما وصفتها أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها أوبأَ أرض الله، فقال e: ((اللهم حبِّب إلينا المدينة كحبنا مكة أو أشدّ، وصحِّحْها، وبارك لنا في صاعها ومُدّها، وانقل حُّماها، فاجعلها بالجُحفة)). لقد رفع الله الوباء والحمى عن المدينة بدعوة النبي e، فهي أطهر البقاع وأصحها وأبركها بدعوة النبي e.
قال النووي: "وفي هذا الحديث علم من أعلام نبوة نبينا e ، فإن الجحفة من يومئذ مُجتنبة، ولا يشرب أحد من مائها إلا حُمّ". وقد صدق رحمه الله، فهي مهجورة إلى يومنا هذا.