افتراءات المنصرين على القرآن

أنه يؤيد زعم ألوهية المسيح عليه السلام

 

 

 

 

 

 

كتبه

الدكتور/علي بن عتيق الحربي

 

 

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

المقدمـة

الحمد لله الواحد الأحد، الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفواً أحد، المنزه عن الصاحبة والولد، القائل }هو الذي أنزل عليك الكتب منه آيات محكمات هن أم الكتب وأخر متشابهات فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ماتشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله ومايعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا ومايذكر إلا أولو الألباب{ (آل عمران: 7). وأشهد أن لاإله إلا الله وحده لاشريك له وأن محمد عبدالله ورسوله وأن عيسى عبدالله ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، أما بعد:

فعنوان هذا البحث هو:

افتراءات المنصرين على القرآن أنه يؤيد زعم ألوهية المسيح -- "دراسة نقدية".

وقد كتب هذا البحث استجابة للدعوة التي تلقاها الباحث من قبل: الأمين العام لمجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف: رئيس اللجنة التحضيرية لندوة "عناية المملكة العربية السعودية بالقرآن الكريم وعلومه" فضيلة أ.د. محمد سالم بن شديد العوفي –-حفظه الله-.

وإن مما دفع الباحث لاختيار هذا الموضوع:

1-    المشاركة في الدفاع عن كتاب الله بخاصة والإسلام بعامة.

2-  مايعتقده الباحث من خطورة مناهج المنصرين في محاربة الإسلام والمسلمين ولا سيما من خلال التهجم على كتاب الله العظيم: القرآن الكريم.

3- محاولة تنصير المسلمين وبلبلة اعتقاداتهم من خلال مسلماتهم وذلك بمحاولة إنزال معتقدات النصارى على بعض ما قد يكون متشابهاً من آي القرآن تلبيسا على المسلمين ومحاولة لإضلالهم كما ضلوا السبيل.

وعلى الرغم من أن الباحث اطلع على بعض الكتابات المتناثرة حول هذا الموضوع والتي تطرقه من جانب أو آخر إلا أنها تمس جوانب معينة من الموضوع لكنه لم يعثر على دراسة متكاملة لهذا الموضوع –-رغم أهميته- تدرسه تفصيلاً وترد على ادعاءات المنصرين فيه على نحو مفصل.

كما أن المنهج المتبع في دراسة هذا الموضوع فيه محاولة للرد على المنصرين من جهتين: إسلامية (من خلال القرآن ومايرتبط بذلك)، ونصرانية (من خلال التوراة والأناجيل) لرد دعوى النصارى على القرآن وفق منهج يبين كذبهم على كتاب الله ويلزمهم في الوقت نفسه من خلال مسلماتهم بما يدل عليه القرآن المهيمن على ماقبله من الكتاب.

كما أن من منهج الباحث في اقتباس نصوص كتب العهدين أخذها من النسخة العربية الحديثة المعتمدة "للكتاب المقدس": طبعة العيد المئوي (1883-1983م)، طبعة دار الكتاب المقدس بمصر.

كما اصطلح الباحث على مايأتي:-


مصطلحات البحث

1-   التوراة: أي أسفار العهد القديم الحالية وعددها (39) سفراً إلا إذا أشير إلى غير ذلك.

2- الإنجيل أو الأناجيل: أي أسفار العهد الجديد الحالية وعددها (27)سفراً إلا إذا أشير إلى غير ذلك.

اصطلاحات أسفار العهد القديم

اصطلاحات أسفار العهد الجديد

الاصطلاح

المقصود به

الاصطلاح

المقصود به

التكوين

الخروج

التثنية

أشعياء

حزقيال

مزمور/المزامير

(1) صموئيل

(2) صموئيل

(1) الملوك

(2)  الملوك

نشيد الانشاد

سفر التكوين

سفر الخروج

سفر التثنية

سفر أشعياء

سفر حزقيال

أسفار المزامير

سفر صموئيل الأول

سفر صموئيل الثاني

سفر الملوك الأول

سفر الملوك الثاني

سفر نشيد الإنشاد

متى

مرقس

لوقا

يوحنا

رومية

(1)  تسالوينكي

عب

(1)  يوحنا

(2)         بطرس

رؤيا يوحنا

إنجيل متى

إنجيل مرقس

إنجيل لوقا

إنجيل يوحنا

رسالةبولس إلىأهل رومية

رسالةبولس الأولىإلى أهل تسالوينكي

الرسالة إلى العبرانيين

رسالة يوحنا الأولى

الرسالة الثانية لبطرس

سفر رؤيا يوحنا اللاهوتي

-        وإذا كُتِبَ هكذا: (2) تسالونيكي (3: 5-8و13)

فإن هذا يعني: الرسالة الثانية إلى أهل تسالونيكي، الاصحاح الثالث الفقرات من الخامسة إلى الثامنة. والفقرة الثالثة عشرة من الإصحاح نفسه.

وختاماً أسأل الله -–تعالى- التوفيق والسداد فماكان صواباً فمن الله –-سبحانه وتعالى- وماكان من خطأ فمن نفسي وأستغفر الله منه ومن جميع ذنبي. والحمد لله أولاً وآخراً وصلى الله وسلم على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.   


تمهيد:

 

لمحبة تاريخية عن المؤلفات التنصيرية التي تفتري على القرآن تأيده بعض معتقدات النصارى الباطلة:

كان بعض أتباع اليهود والنصرانية في بعض بقاع الجزيرة العربية كالمدينة ،وخيبر، ونجران.وما إن تبينت قوت الإسلام والمسلمين في الجزيرة العربية حتى بدأت وفود القبائل العربية تفد إلى رسول الله من مختلف أنحاء الجزيرة،وكان من أوائل هذه الوفود وفد نصارى نجران الذين جادلوا رسول الله  زاعمين أن القرآن يدل على التثليث ،وعلى ألوهية عيسى وأنه ابن الله تعالى الله عن ذلك علواًكبيراً

وبذلك كانوا أول من سلك هذا الطريق المضل من النصارى في حيات الرسولوقد ذكر ابن هشام ((أن الله –سبحانه وتعالى –أنزل في ذلك من قولهم (أي زعمهم دلالة القرآن على ألوهية عيسى--والتثليث وبنوته)واختلاف أمرهم :صدر سورة آل عمران إلى بضع وثمانين آية منها )).

هذا فيما يتعلق ببداية الافتراءعلى كتاب الله من النصارى وادعاء أنه يؤيد بعض اعتقاداتهم.أما من حيث كتابة المنصرين والنصارى لذلك في مؤلفاتٍفإن أقدم مااطلعت عليه من ذلك يعود الى أواخر القرن الثاني وأوائل القرن الثالث الهجري-وهي "رسالة عبدالمسيح بن اسحاق الكندي إلى عبدالله الهاشمي "-كما سيأتي إن شاء الله-، ثم تتابعت بعد ذلك الكتب والرسائل التنصيرية التي زعمت أن كتاب الله يؤيد بعض معتقدات النصارى: كألوهية المسيح-، أو بنوته،أو التثليث ، أو صلب المسيح، أو أن القرآن يدل على صحت كتب النصارى وأنها ليست محرفة، إلى غير ذلك من مزاعم وافتراءات على كتاب الله أرادوا بها تحقيق أهدافٍعدة منها:

     1-إبعاد النصارى عن الإسلام بزعم أن القرآن يؤيدهم على ماهم فيه من معتقدات باطلة،وأن مافي القرآن موجود في التوراة والإنجيل فَلِمَ الإسلام مادام الأمر –في زعمهم – كذلك؟ 

3- الطعن في القرآن لبلبلة اعتقادات المسلمين، وإبعادهم عن دينهم ،توطئةً لتنصيرهم من خلال القرآن نفسه، بحجة أن ماعليه النصارى ليس باطلاًفضلاً عن أن يكون كفراً، لما زعموه من تأييد القرآن لهم.

وإن المؤلفات النصرانية التي انتهجت الأسلوب الآنف الذكر مايلي:

1-    "رسالة عبدالمسيح إلى الهاشمي يرد بها على الهاشمي ويدعوه إلى النصرانية "وذلك في عصر الخليفة المأمون(198-218)

2-    "رسالة راهب فرنسا إلى المسلمين وجواب القاضي أبي الوليد الباجي عليها" في عصر الباجي (403-474هـ).

3-    "رسالة حنا مقار العيسوي إلى أبي عبيدة الخزرجي "، في عصر أبي عبيدة المتوفي سنة (582هـ).

4-    "الكتاب المنطيقي الدولة خاني المبرهن عن الاعتقاد الصحيح والرأي المستقيم " لبولص الراهب –أسقف صيدا-الأنطاكي ، في عصر شيخ الإسلام ابن تيمية –رحمه الله – المتوفي سنة (728هـ)

5-    "مفتاح الخزائن ومصباح الدفائن "لأحد المنصرين في عهد الشيخ عبدالعزيز آل معمر-رحمه الله (1203-1244هـ).

6-    "الأقاويل القرآنية في كتب المسيحية "لمنصر بروتستاني في أواخر القرن التاسع عشر الميلادي .

7-    "ميزان الحق"للقسيس فندر ،في القرن الثاث عشر الهجري ، التاسع عشر الميلادي .

8-             "الصلب في الإسلام "لحبيب زيات طبع سنة (1935م).

9-             "المسيحية في الإسلام" لإبراهيم لوقا.في بدايات القرن العشرين الميلادي.

10-      "أدلة قرآنية على صحة الديانة النصرانية "لمؤلف مجهول .

11-      "الإنجيل والقرآن"ليوسف درة الحداد .

12-      "القرآن والكتاب "لمؤلف نفسه،وهو منصر لبناني معاصر .

إن هذه المؤلفات غيضٌ من فيضٍ وإلا فإن الكتب والرسائل المشابهة لما سبق بيانهكثيرة وإن كان الغالب في العصر الحاضر –فيما يرى الكاتب –كتابة خلاصات مركزة في مطويات صغيرة مستلة من الكتب القديمة والحديثة في هذا المجال:مسايرة للعصر،ومحاولةً منهم للهجوم على المسلمين من خلال الافتراء علىآي القرآن الكريم؛ للتأثير فيهم وبلبلة أفكارهم؛سعياً لتنصيرهم.والمتوقع اليوم استغلال وسائل الاتصال الأكثرحداثة في عرض هذا الأسلوبوبخاصة: الإنتر نت.

وفيما يلي سوف نستعرض إدعاءات المنصرين التي زعموا فيها أن القرآن يؤيد ماادعوه من ألوهية المسيح.    

   

 


المبحث الأول:

عرض ادعاءات المنصرين

على القرآن أنه يؤيد اعتقادهم بألوهية المسيح

 

الادعاء الأول:-

أن ضمائر الجمع التي تكلم الله بها عن نفسه في القرآن تدل على ألوهية المسيح .

 

الادعاء الثاني:-

أن المسيح - - روح من الله -بجعل (مِنْ) للتبعيض- وكلمته التي تجسدت وصارت إنساناً.

 

الادعاء الثالث:-

أن المعجزات التي أيد الله بها عيسى - - وذكرت في القرآن تدل على ألوهية عيسى ولا سيما إحياء الموتى.

 


المبحث الأول

عرض ادعاءات المنصرين على القرآن

أنه يؤيد اعتقادهم بألوهية المسيح - -u

 

يزعم بعض النصارى، والمنصرين أن القرآن يدل على ألوهية عيسى - - ولهم في ذلك حجج واهيةٌ حاولوا التمسك بها ظناً منهم أنها تؤيد ما يعتقدون، والواقع أنهم سعوا لتسويغ اعتقاداتهم من خلال القرآن الكريم وحملوا آيات الله مالاتحتمل من المعاني بل كذبوا على الله وعلى كتابه، واغمضوا أعينهم عن محكم القرآن وجنحوا إلى ألفاظ زعموا انها تمكنهم من الوصول إلى مقاصدهم الفاسدة.

وإذا نظر المرء إلى زعمهم هذا في تأييد القرآن لما ادعوه من ألوهية عيسى   يجد أن افتراءهم هذا منبثق من جملة ادعاءات من أهمها ثلاثة:

فالادعاء الأول:-

هو: أن ضمائر الجمع التي تكلم الله بها عن نفسه في القرآن تدل على ألوهية المسيح - - لأنها -بزعمهم- تدل على أن الإله ثلاثة أشخاص منهم: المسيح - - فقد كان نصارى نجران ((يقولون [ عن عيسى ]: هو الله، ويقولون: هو ولد الله، ويقولون: هو ثالث ثلاثة ويحتجون بأنه ثالث ثلاثة بقول الله: فعلنا، وأمرنا، وخلقنا وقضينا فيقولون: لو كان الله واحداً ما قال إلا فعلتُ، وقضيتُ وأمرتُ وخلقتُ ولكنه هو وعيسى ومريم))([1])، كما احتجوا على الرسول -بقوله تعالى: إنا نحن(الحجر، :9).  قالوا: وهذا يدل على أنهم ثلاثة))([2]).

كذلك ردَدّ عبدالمسيح الكندي هذا الزعم حيث يقول -مخاطباً عبدالله الهاشمي-: "وفي كتابك أيضاً شبيه بما ذكرنا من قول موسى، ودانيال عن الله تعالى: فعلنا، وخلقنا، وأمرنا، وأوحينا، وأهلكنا، ودمرنا، مع نظائر لهذه كثيرة"([3]) فحجتهم أن الله تكلم عن نفسه في القرآن بصيغة الجمع ومن ثم زعموا أن ذلك دليل على أن عيسى - - واحد من الذين تدل عليهم الضمائر المذكورة، وأن هذا الجمع إنما هو ثلاثة وزعموا بذلك أن القرآن يدل على ألو هية المسيح - -.

ويقول المنصر فندر إن ((مما لا يصح إغفاله إن القرآن يتفق مع الكتاب المقدس([4]) في إسناد الفعل، وضمير المتكلم في صيغة الجمع إلى الله. وفي القرآن ماورد في سورة العلق حيث يقول: سندع الزبانية .. وإنما أوردنا ذلك إشعاراً بأننا لا نخطئ إذا اعتبرنا عقيدة التثليث موافقة لإسناد ضمير الجمع إلى الله في القرآن))([5]).

أما الادعاء الثاني:-

فهو: أن المسيح - -روحٌ من الله بجعل (مِنْ) للتبعيض إذ يرونه إلهً من إلهٍ وكلمة الله التي تجسدت -بزعمهم- وصارت إنساناً أي أن كلمة الله هي عيسى --... إلى غير ذلك مما يتعلق بهذا الزعم.

يقول عبدالمسيح الكندي -مخاطباً عبدالله الهاشمي-: ((...فافهم كيف أوجب [ يقصد الرسول وقد كذب عليه في ذلك ] أن الله تبارك وتعالى ذو كلمةٍ وروح، وصرح بأن المسيح كلمة الله تجسدت وصارت إنساناً))([6]).

كما يقول منصر آخر: ((إذا أردت أن يتغمدك الله [الخطاب موجه لأبي عبيدة الخزرجي رحمه الله ] برحمته، وتفوز بجنته فآمن بالله، وقل: إن المسيح ابن الله الذي هو الله [ تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً]... ألم تسمع ما في الكتاب الذي جاء به صاحب شريعتك أنه [ أي عيسى ] روح الله وكلمته"([7]) مسقطاً بذلك اعتقاد النصارى المعروف المنصوص عليه في مستهل إنجيل يوحنا في قوله "في البدء كان الكلمة والكلمة كان عند الله وكان الكلمة الله))([8]). بجعل الكلمة هي عين عيسى مما يعني أن عيسى هو الله تعالىالله عن ذلك علواً كبيراً.

كما يقول فندر: ((توجد بعض الآيات الأخرى التي تعطي له [ أي لعيسى] أعظم الألقاب التي لم تعط لغيره فيه [ أي في القرآن ] البتة، منها: كلمة الله وهذا اللقب لا يصح أن يسمى به أي مخلوق كان))([9]). لأنه يرى مثل كثير من النصارى اليوم أن كلمة الله -التي هي عندهم عيسى- هي الله تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً. اتباعاً للنص الانجيلي المزعوم السابق.

فالمسيح - - كما يزعم الكندي، والعيسوي، وفندر، وغيرهم من النصارى والمنصرين -ليس مخلوقاً وإنما هو إله بل هو الله- تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً.

والأدهى من ادعائهم هذا -فيما أرى- المناقض للأديان السماوية والفطر السليمة هو البهتان الذي افتروه على الله سبحانه وتعالى بأن كتابه العظيم القرآن الكريم يؤيدهم في كفرهم ووثنيتهم هذه.

أما الادعاء الثالث:-

فهو زعمهم أن المعجزات التي أيد الله بها عيسى - - التي ذكرت في القرآن تدل على ألوهية عيسى - - ولا سيما إحياء الموتى. وقد كان وفد نصارى نجران الذين وفدوا على الرسول ((يحتجون في قولهم [ عن عيسى بأنه ] هو الله بأنه كان يحي الموتى، ويبرئ الأسقام، ويخبر بالغيوب،  ويخلق من الطين كهيئة الطير ثم ينفخ فيه فيكون طائراً))([10]) أي بالمعجزات التي أيد الله بها عيسى - -والتي ذكرت في القرآن.

كما يقول العيسوي مخاطباً أبا عبيدة الخزرجي: ((وفي الكتاب الذي جاء به صاحب شريعتك أنه [ أي عيسى] أحيا الموتى وكفى بذلك دليلاً على أنه هو الله))([11]) تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً.

كما أن المنصر المشهور فندر زعم أن ماورد في القرآن من أن عيسى خلق طيراً من الطين إنما هو من صفات الله وحده ذاهباً إلى أن القرآن يؤيد بذلك ألوهية المسيح([12]).

ويورد المنصر المعاصر يوسف الحداد قولاً مجملاً عن دلالة القرآن على ألوهية المسيح -بزعمه- وتفرده عن غيره من الأنبياء فضلاً عن سائر البشر فيقول: ((إن القرآن يقرر بصورةٍ عامة أن المسيح آيةٌ في حداثته، آيه في رسالته، آيه في قداسته وكماله، آية في شخصيته، آية في انفراده، وأن هذه الشخصية في القرآن تسمو على جميع الأنبياء، وأن الآيات بمجملها لا يمكن إلا أن تترك في نفس القارئ فكرة عظيمة عن سمو المسيح حتى لتخرج به عن طبقة البشر وتترك الباب مفتوحاً لاعتقاد النصارى بألوهيته))([13]).

 

هذه من أبرز الإدعاءات التي زعم المنصرون قديماً وحديثاً إستناداً إليها أن القرآن يؤيد اعتقادهم بألوهية المسيح - - وقد بدأت منذ عصر الرسول - - كما مر آنفاً- على يد نصارى عرب مثل: وفد نصارى نجران، ثم تبعهم فيما بعد عبدالمسيح الكندي، وغيره.

والمنصرون تبعاً لذلك وتطويراً له وصلوا إلى مرحلة خطيرة من التلبيس في عرض بهتانهم هذا وماشابهه على المسلمين، ولا سيما غير المتقنين للعربية. ثم إن هذا الأسلوب أسلوب فكري (هجومي) يخاطب عقل المسلم ويرمي إلى التأثير فيه من خلال مسلماته لزلزلة اعتقاده وإيمانه بربه سبحانه وتعالى، ومحاولة الوصول به في مرحلةٍ تاليةٍ إلى تنصيره إن لم يكن من المرحلة الأولى، ولخطورة هذا الأسلوب ومايتطلبه -فيما يرى الباحث- من مقدمات عامة يُستند إليها في الرد المفصل لاحقاً رُئي نقد هذه الادعاءات التي افتراها المنصرون على كتاب الله -سبحانه وتعالى- في المبحثين الآتيين على نحوٍ مجملٍ أولاً، ثم على نحوٍ مفصل -إن شاء الله تعالى- ثانياً.


المبحث الثاني:

رد إجمالي على ماسبق

من ادعاءات المنصرين على القرآن:

 

هناك أدلة عامة ومجملة تفند ادعاءات المنصرين بأن القرآن يؤيد مازعموه من ألوهية عيسى - - سواء من خلال القرآن نفسه أو من خلال التوراة أو الانجيل.

 

وقد رُتبت هذه الأدلة في الموضوعات الآتية:

أولاً:- وحدانية الله من خلال القرآن وكتب العهدين.

ثانياً:- نفي الألوهية عن عيسى - - من خلال القرآن والأناجيل.

ثالثاً:- بشرية عيسى - - وعبوديته من خلال القرآن والأناجيل.

رابعاً:- نبوة عيسى - -ورسالته من خلال القرآن والأناجيل.

والآن وقت الشروع في تفصيل هذه الموضوعات:

 


 

أولاً: وحدانية الله([14]) من خلال القرآن وكتب العهدين:

أنزل الله -سبحانه وتعالى- التوراة على رسوله موسى وأنزل الإنجيل على رسوله عيسى - - ثم دخلهما التحريف بعد ذلك. وعلى الرغم من هذا إلا أن الموجود منها اليوم فيه مايدل دلالة واضحة على وحدانية الله -سبحانه وتعالى- وأنه لايشاركه في ألوهيته أحدٌ لا نبي مرسل ولا ملك مقرب فهما في هذه الجزئية -المصطلح عليها في هذا البحث- يوافقان القرآن الكريم.

وفيما يلي عرض لهذه الوحدانية في القرآن أولاً ثم في التوراة والإنجيل:

أ- وحدانية الله -سبحانه وتعالى- من خلال القرآن الكريم:

إن النصوص الدالة على وحدانية الله في القرآن الكريم كثيرة جداً بل إن القرآن كله ناطق بتوحيد الله -جل جلاله- حق التوحيد، ولكن لاكتمال الرد على المنصرين ولبيان أنهم ينتقون من القرآن مايزعمون أنه يؤيدهم، وأنه يُمْكِنُ لهم صرفه إلى مرادهم الذي يوافق أهواءهم، ويتركون المحكم الواضح الذي يُرد عليهم افتراءاتهم؛ آثرت الاكتفاء بالآيات التي تبين التوحيد بأكثر من طريق وبخاصة تلك الآيات التي ترد على النصارى مبينةً التوحيد ونافية الشريَك عن الله -سبحانه وتعالى- أو ألوهية غيره، أو كونه ثالث ثلاثة، أو أن له ولداً أو اتخذ صاحبة إلى غير ذلك من الآيات المحكمات التي تبين حقيقة التوحيد صافٍ من أدران الشرك والتثليث والبنوة وغيرها. فمن ذلك:

1- يقول الله -تعالى-: قل هو الله أحد & الله الصمد & لم يلد ولم يولد & ولم يكن له كفواً أحد(الإخلاص).   فهذه السورة الكريمة نص في أن الله واحدٌ أحد، وأنه لم يلد ولم يولد فليس له ابن لا عيسى - - ولا غيره، ولا يشاركه في وحدانيته أحد.

2- يقول تعالى: }وقال الله لا تتخذوا إلهين اثنين إنما هو إلهٌ وحد فإياي فارهبون(النحل،: (51).. وهنا نهى الله -سبحانه وتعالى- عن اتخاذ إلهين وأبان -سبحانه على الحصر أنما هو إله واحد لا إله غيره.

3- يقول تعالى: قل أي شيء أكبر شهــادة قل الله شهيد بيني وبينكم وأوحي إلي هذا القرآن لأنذركم به ومن بلغ أإنكم لتشهدون أن مع الله آلهة أخرى قل لا أشهد قل إنما هو إلهٌ وحد وإنني بريء مما تشركون (الانعام: 19)

4- قال -جل وعلا-: لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا فسبحان الله رب العرش عما يصفون(الانبياء: 22).

5- وقال تعالى: اتخذوا أحبارهم ورهبـانهم أرباباً من دون الله والمسيح بن مريم وما أمروا إلا ليعبدوا إلهاً واحداً لا إله إلا هو سبحـانه عما يشركون (التوبة:31).

6- ويقول –تعالى-: قل لو كان معه آلهةٌ كما يقولون إذاً لابتغوا إلى ذي العرش سبيلاً(الاسراء:42).

7- ويقول -تعالى-: ما اتخذ الله من ولدٍ وما كان معه من إله إذاً لذهب كل إلهٍ بما خلق ولعلا بعضهم على بعضٍ سبحان الله عما يصفون(المؤمنون:91).

8- ويقول تعالى: يـا أهل الكتـب لا تغلوا في دينكم ولا تقولوا على الله إلا الحق إنما المسيح عيسى بن مريم رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه فآمنوا بالله ورسله ولا تقولوا ثلاثة انتهوا خيراً لكم إنما الله إلـه واحد سبحانه أن يكون له ولد له مافي السمـوت ومافي الأرض وكفى بالله وكيلاً(النساء:171).

9- وقال تعالى: لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة ومامن إله إلا إلـه واحد وإن لم ينتهوا عما يقولون ليمسن الذين كفروا منهم عذاب أليمٌ (المائدة:73).

10- وقال -عز وجل-: ...وقالت النصـرى المسيح ابن الله ذلك قولهم بأفواههم يضاهئون قول الذين كفروا من قبل قاتلهم الله أنى يؤفكون(التوبة:30).

هذه الآيات غيض من فيضٍ، ذلك أن القرآن الكريم مليء بأدلة وحدانية الله -سبحانه وتعالى- وتوحيده حق التوحيد كما هو معلوم لكن منهج النصارى والمنصرين التلبيس والتضليل.

ب- وحدانية الله -سبحانه وتعالى- من خلال التوراة:

        تدل التوراة الحالية على وحدانية الله سبحانه وتعالى -وفق مااصطلح عليه سابقاً([15])- بوضوح؛ ولذا فإن هذه الوحدانية من العقائد الأساسية لليهودية التي تخالف فيها النصرانية الحالية مخالفةً جذرية وتتفق فيها مع الإسلام على سبيل الإجمال.

وإن من نصوص التوراة التي تدل على وحدانية الله -سبحانه وتعالى- وأنه الله الذي لا إله غيره مايلي:

1- جاء في التوراة قوله: "اسمع يا إسرائيل الرب إلهنا رب واحدٌ فتحب الرب إلهك من كل قلبك، ومن كل نفسك، ومن كل قوتك ... الرب الـهك تتقي وإياه تعبد وباسمه تحلف، لا تسيروا وراء آلهةٍ أخرى من آلهة الأمم التي حولكم"([16]).

2- وجاء فيها: "أنا الرب وليس آخر، لا إله سواي ... لكي يعلموا من مشرق الشمس ومن مغربها أن ليس غيري أنا الرب وليس آخر"([17]).

3- وجاء فيها: "أليس أنا الرب، ولا إلـه آخر غيري إلـهٌ بار ومخلص ليس سواي"([18]).

4- وجاء فيها: "إنك قد أُريت لتعلم أن الرب هو الإله ليس آخر سواه... فاعلم اليوم وردد في قلبك أن الرب هو الإله في السماء فوق وعلى الأرض من أسفل ليس سواه"([19]).

5- وجاء فيها "أنا الرب إلهك الذي أخرجك من أرض مصر من بيت العبودية لا يكن لك آلهة أخرى أمامي"([20]).

فهذه نصوص واضحة في الدلالة على وحدانية الله -سبحانه وتعالى- من خلال التوراة وهي بذلك تتفق مع ماجاء في القرآن الكريم، ولذا تتفق اليهودية مع الإسلام في هذه العقيدة -على نحو عام- بينما تشذ النصرانية الحالية عن هذين الدينين السماويين وتضاهي الذين كفروا من قبل حيث تعتقد بالتثليث بكل مايستلزمه ذلك من ألوهية لعبدالله ورسوله عيسى بن مريم - - ومن بنوته لله -تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً- إلى غير ذلك من أمور شركية.

ج- وحدانية الله -سبحانه وتعالى- من خلال الأناجيل:

 

على الرغم مما يعتقده النصارى من تثليث وما دخل الأناجيل من تحريف إلا أن في الأناجيل الحالية من الأقوال المنسوبة لعيسى - - مايدل دلالة واضحة على وحدانية الله -سبحانه وتعالى- فمن ذلك:

1- جاء في الإنجيل قوله: "فأجابه يسوع([21]) [ عيسى]: إن أول كل الوصايا هي: اسمع يا إسرائيل الرب إلهنا رب واحد وتحب الرب إلهك من كل قلبك، ومن كل نفسك، ومن كل فكرك، ومن كل قدرتك، هذه هي الوصية الأولى، وثانية مثلها... ليس وصية أخرى أعظم من هاتين فقال له الكاتب جيداً يامعلم بالحق قلت لأنه الله واحد وليس آخر سواه"([22]).

2- جاء فيها قوله "وهذه هي الحياة الأبدية أن يعرفوك أنت الإلـه الحقيقي وحدك وأن يسوع المسيح الذي أرسلته"([23]) ففي هذا النص بيان واضح أن الله هو الإله الحق وحده سبحانه وتعالى- فلا إله غيره، كما أن النص أبان أن عيسى -عليه السلام- هو الرسول الذي أرسله الله آنذاك.

ولذا يذكر عبدالأحدداود أن هذا النص يشبه قولنا: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله([24]). وهو كما قال، بل إن هذا النص وحده كافٍ في بيان وحدانية الله -سبحانه وتعالى- من الأناجيل وأن عيسى عبد الله ورسوله.

3- جاء في الأناجيل -كما زعموا- أن الشيطان طلب من عيسى أن يسجد له فقال له عيسى: اذهب ياشيطان لأنه مكتوب للرب الهك تسجد وإياه وحده تعبد"([25]). وهذا إيضاح من المسيح - - إن كان النص صحيحاً- يرد به على الشيطان أنه لا يسجد إلا لله وحده ولا يعبد إلا إياه. وهذا موضح لوحدانية الله -سبحانه وتعالى- في ربوبيته وفي عبادته وموضح لعبودية عيسى وبشريته .

4- وجاء فيها قوله: "انا قد أتيت باسم أبي ولستم تقبلونني... كيف تقدرون أن تؤمنوا وأنتم تقبلون مجداً بعضكم من بعض والمجد الذي من الإله الواحد لستم تطلبونه"([26]).

5- وجاء فيها قوله: "...قولي لهم: إني أصعد إلى أبي، وأبيكم، وإلهي وإلهكم"([27]) فعيسى - - يصرح أن الله -سبحانه وتعالى- كما أنه إله للحواريين وبني إسرائيل وغيرهم فهو -أيضاً- إلهٌ له- - فالله واحد أحد لا إله سواه وعيسى عبد مربوب لله مثله مثل غيره من الأنبياء والمرسلين يوحد الله -سبحانه وتعالى- كما يجب.

6- وجاء فيها قوله: "... لماذا تدعونني صالحاً ليس أحدٌ صالحاً إلا واحد هو الله"([28]). وهذا يوضح أن عيسى - - ليس له حظ في الألوهية وليس شريكاً لله وإنما الله -سبحانه وتعالى- واحد أحد لذا أفرد عيسى هنا الله -جل وعلا- وحده بالصلاح ونفاه عن نفسه، والله أعلم بالمقصود بذلك إن كان النص صحيحاً. 

إن هذه النصوص تدل على وحدانية الله -سبحانه وتعالى- في الأناجيل الحالية فهو واحد أحد لا إله غيره -عز وجل- وعيسى ليس بإله وإنما إلهه هو الله سبحانه وتعالى إله عيسى وإله غيره.

ثانياً: نفي الألوهية عن عيسى - - من خلال القرآن والأناجيل:

إن الآيات التي مرت سابقاً([29]) والتي تبين وحدانية الله سبحانه وتعالى من خلال القرآن هي نفسها نافية بمفاهيمها ولوازمها لألوهية المسيح - - وبعضها بمنطوقها وكذا ما جاء في التوراة والأناجيل حول وحدانية الله. إلا أن النصارى كثيراً ما يجادلون بالباطل ويتعسفون الأدلة ويؤولونها وفق أهوائهم، ولذا يود الباحث دحض افتراء أن القرآن دال على ألوهية المسيح من خلال طريق آخر سوى ما سبق ألا وهو آيات من القرآن ناطقة بنفي الألوهية عن عيسى نطقاً صريحاً وكذا من خلال الأناجيل لإلزام النصارى والمنصرين من خلال مسلماتهم ومايؤمنون به إن كانوا يعقلون، وذلك كما يأتي:

أ- نفي الألوهية عن عيسى من خلال القرآن:

جاءت في القرآن آياتٌ محكمات متعددة تنفي الألوهية عن المسيح - - منها:

1- قوله تعالى: لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح بن مريم... (المائدة:17) وانظر (72).

2- وقوله تعالى: وإذ قال الله ياعيسى بن مريم أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله قال: سبحانك ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق إن كنت قلته فقد علمته تعلم مافي نفسي ولا أعلم مافي نفسك إنك أنت علاّم الغيوب(المائدة :116). فهذا عبدالله ورسوله إلى بني اسرائيل يكذب النصارى في دعوى تأليههم له وينزه الله -سبحانه وتعالى -عن أن يقول قولاً لا ينبغي له أن يقوله وهو أنه دعا النصارى إلى تأليهه.

3-وقوله: }اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله والمسيح بن مريم وما أمروا إلا ليعبدوا إلهاً واحداً لا إله إلا هو سبحانه عما يشركون(التوبة:31).

4- وقوله: لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة ومامن إله إلا إله واحد وإن لم ينتهوا عما يقولون ليمسن الذين كفروا منهم عذاب أليم(المائدة :73) وانظر  النساء 171:).فالله واحدٌ أحدٌ ليس معه إله غيره، وهذا تهديد وتحذير من الله للنصارى عن القول بالتثليث وتأليه أحدٍ معه ومن أول ذلك تأليه المسيح - - لأن الخطاب للنصارى.

5- وقوله تعالى: ...وقالت النصارى المسيح ابن الله ذلك قولهم بأفواههم يضاهئون قول الذين كفروا من قبل قاتلهم الله أنى يؤفكون(التوبه :30). فقد شابهوا من كان يقول إن للآلهة أبناء من وثنيي اليونان والرومان وغيرهم من الوثنيين([30]).

6- وقوله تعالى: ذلك عيسى بن مريم قول الحق الذي فيه يمترون ماكان لله أن يتخذ من ولد سبحانه إذا قضى أمراً فإنما يقول له كن فيكون(مريم: 34-35).   

7- وقوله: ماالمسيح بن مريم إلا رسول قد خلت من قبله الرسل وأمه صديقة كانا يأكلان الطعام انظر كيف نبين لهم الآيات ثم انظر أنى يؤفكون(المائدة :75).

يقول ابن تيمية رحمه الله- في تفسير قوله تعالى }كانا يأكلان الطعام{-: "وهذا من أظهر الصفات النافية للإلهية لحاجة الآكل إلى مايدخل في جوفه ولما يخرج منه مع ذلك من الفضلات"([31]).

 

ب- نفي الألوهية عن عيسى - - من خلال الأناجيل:

يقوم هذا الموضوع على ما نسب لعيسى - - من أقوال يثبت فيها صفاتٍ وأسماء لله نفاها هو عن نفسه - - فإضافة إلى كل عوارض البشرية التي طرأت على المسيح وتطرأ عليه -مما سوف يمر([32])- والدالة على الحدوث والتغير من حالٍ إلى حالٍ وأنه لا يختلف في شيء عن غيره من الرسل إلا ما اختصه الله به. إضافة إلى ذلك جاء في الأناجيل:

1- قوله: "فقال [ أي عيسى] لها [ لأم ابني زبدي ] ماذا تريدين؟ قالت له: قل، أن يجلس ابناي هذان واحداً عن يمينك والآخر عن اليسار في ملكوتك فأجاب يسوع وقال لستما تعلمان ما تطلبان... أما الجلوس عن يميني وعن يساري فليس لي أن أعطيه إلا للذين أعدِّ لهم من أبي"([33]).

2- قوله: "فأجاب يسوع وقال لهم الحق أقول لكم لا يقدر الابن أن يعمل من نفسه شيئاً إلا ماينظر الأب يعمل"([34]). وقال: "ليس كل من يقول يارب يدخل ملكوت السموات بل الذي يفعل إرادة أبي الذي في السموات"([35]). 

ففي النصوص السابقة نفى عيسى - -القدرة على إدخال من شاء ملكوت الله وأبان أنه لايدخل ملكوت الله إلا من أراد الله وحده له ذلك وليس ذلك للمسيح لأن مشيئة المسيح تحت مشيئة الله، وقدرته تحت قدرة الله كما في النص -الآنف الذكر- حيث يقول: "لا يقدر الابن [ المسيح] أن يعمل من نفسه شيئاً الا ما ينظر الأب [ الله ] يعمل" فالله وحده -سبحانه- هو القادر على كل شيء قدرة تليق بجلاله وعظمته. وقد جاء في نص آخر " ... لأنه ليس شيء غير ممكن لدى الله"([36]) وكذا القول المنسوب إلى المسيح - - نفسه "عندالناس غير مستطاع ولكن ليس عندالله لأن كل شيء مستطاع عندالله"([37]).

أما قدرة المسيح فهي قدرة محدودة تناسب مقامه وليس له إلا ما أقدره الله عليه. ومشيئة المسيح تحت مشيئة الله وبإذن الله كما قال المسيح -فيما نسب إليه-: "... ياأبتاه إن أمكن فلتعبر عني هذه الكأس ولكن ليس كما أريد أنا بل كما تريد أنت"([38]).

3- نسب إلى عيسى في الإنجيل قوله: "لا يقدر أحد أن يُقبل إلي إن لم يجتذبه الأب الذي أرسلني"([39]). 

فهنا الاجتذاب أو الهداية هداية توفيق خاصة بالله سبحانه وتعالى وليس للمسيح أن يهدي أحداً إلا أن يشاء الله له الهداية على يد المسيح أو غيره.

4- نسب إلى عيسى قوله: "وأما ذلك اليوم وتلك الساعة فلا يعلم بهما أحد ولا الملائكة الذين في السماء ولا الابن إلا الأب"([40]) وفي نصٍ آخر عن الموضوع نفسه -"إلا أبي وحده"([41]) وهذه النصوص في سياق إخباره لبني اسرائيل عن تهدم الهيكل([42]). فعيسى -هنا- يخبر النصارى بأمر مستقبلي- وإن صح النقل عنه فهو بإعلام الله له- وعلى الرغم من هذا حينما سُئل عن وقت التهدم نفى علمه بوقت ذلك وأخبر أنه لا أحد يعلم ذلك لا الملائكة ولا هو - - وإنما الذي يعلم ذلك هو علام الغيوب وحده وهو الله سبحانه وتعالى وليس للمسيح من علم الغيب شيء إلا ما أطلعه الله عليه.

وجاء في نص آخر "وفي الغد لما خرجوا من بيت عينا جاع فنظر شجرة تينٍ من بعيد عليها ورق وجاء لعله يجد فيها شيئاً فلما جاء إليها لم يجد شيئاً إلا ورقاً لأنه لم يكن وقت التين"([43]) فسبحان الله هذا النص ظاهر جلي في بشرية عيسى - - ونفي لألوهيته من وجوه منها: 

- أنه لا يعلم من الغيب إلا ماأطلعه الله عليه فلو كان إلهاً -تعالى الله عن قولهم علواً كبيراً لما كلف نفسه مشقة الذهاب إلى الشجرة الخالية من اثمار التين.

- ثم لو كان إلهاً لعلم أن هذا ليس وقت إثمار أشجار التين، فهل يجهل الإله أمراً كهذا؟

- ثم لو كان إلهاً لأمر الشجرة أن تنبت تيناً فأنبتت.

-ثم هل الإله يجوع؟ إن هذا نقص في إلههم المزعوم أما الله الإله الحق فهو الغني جل وعلا.

6- ينسب إلى عيسى قوله: "… لو كنتم تحبونني لكنتم تفرحون لأنني قلت أمضي إلى الأب لأن أبي أعظم مني"([44]) فعيسى يصرح أن الآب  [ الله ] أعظم منه فهناك فارق كبير عبر عنه بأفعل التفضيل بينه وبين ربه وخالقه سبحانه وتعالى وإذا كان عيسى قد نطق بأن الله أعظم منه فإن هذا وفق مفهوم المخالفة يعني أن عيسى أقل من الله، وهو مايوضح أنه ليس هو الله، ولا ابن الله كما تزعم النصارى حيث يقولون إنه ابن الله الذي هو: (الله في المسيح) ([45]) تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً.

7- ينسب إلى عيسى قوله "وإن سمع أحد كلامي ولم يؤمن فأنا لا أدينه [ أحاكمه وأحاسبه ] لأني لم آت لأدين العالم بل لأخلص العالم من رذلني فله من يدينه"([46]) إذاً يوضح عيسى أن مالك الحساب والجزاء إنما هو غيره فعيسى لا يملك هذا وإنما الذي يملكه هو الله سبحانه وتعالى وحده كما يوضحه السياق بعده([47])، وكما يوضحه قوله السابق "أبي أعظم مني" وهذا -أيضاً- نفي لألوهية عيسى - -.

8- قال عيسى ".. اذهبي إلى إخوتي وقولي لهم: إني أصعد إلى أبي وأبيكم وإلهي وإلهكم"([48]) فيُسَمي المؤمنين به (إخوتي) ثم يقول "أبي وأبيكم وإلهي والهكم" فمثله مثل المؤمنين به، ربه الله، وإلهه الله -سبحانه وتعالى- وهذا اعتراف بألوهية الله، وفي الوقت نفسه نفي قوي على لسانه لألوهيته المفتراة على الله -سبحانه وتعالى- ثم عليه ثم كيف يكون هو إله نفسه؟

9- جاء في الإنجيل أن "الله لم يره أحد قط"([49]) وقول المسيح عن الله سبحانه وتعالى: "لم تسمعوا صوته قط ولا أبصرتم هيئته"([50]) بينما أبصروا المسيح وسمعوا صوته، وكلمهم وكلموه، بل وأكل وشرب معهم وتفل على التراب فعجن الطين وطلى به أعين عُمْيٍ إلى غير ذلك مما سوف يمر([51]) من دلائل بشريته. وهذا كله ينفي الألوهية عن المسيح - -.

10- كثرت النصوص الإنجيلية التي توضح أن عيسى كان يدعو الله -سبحانه وتعالى- ويسجد له، ويخضع له، ويصوم له، حتى بلغ صيامه أربعين نهاراً وأربعين ليلة([52]). وأنه يفعل مايرضي الله -سبحانه- ويحفظ أقواله([53]). فلمن يتوجه عيسى - - بهذه العبادات؟ أ يعبد عيسى نفسه؟ أم هل يدعو نفسه؟ أم هل يصوم لنفسه؟ هل العابد هو عين المعبود؟ إن هذا محال عقلي، مثبت لعدم ألوهية عيسى -عليه الصلاة والسلام- وأن الإله هو غير عيسى وهو الذي يتوجه له عيسى بأنواع العبادات: أنه الله -سبحانه وتعالى- وحده.


ثالثاً: بشرية عيسى - - وعبوديته من خلال القرآن والأناجيل:

ينقسم هذا الموضوع إلى الفقرتين التاليتين:

 

أ- بشرية عيسى وعبوديته من خلال القرآن:

أخبر الله سبحانه وتعالى في القرآن الكريم أن عيسى عبد من عبيد الله كما قال تعالى: لن يستنكف المسيح أن يكون عبداً لله... (النساء :172).

وكما قال تعالى: قال إني عبد الله آتاني الكتب وجعلني نبياً(مريم :30). يقول ابن كثير: "أول شيء تكلم به أن نزه جناب ربه تعالى وبرأه عن الولد وأثبت لنفسه العبودية لربه"([54]).

وقد جاء في آيات اخرى قوله ...أن اعبدوا الله ربي وربكم... (المائدة :117).وقوله تعالى: وإن الله ربي وربكم فاعبدوه هذا صراط مستقيم(مريم :36). فهو إنسان مخلوق خلقه الله سبحانه وتعالى كما خلق آدم من تراب قال تعالى: إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون(آل عمران:59). وكما قال تعالى -على لسان مريم-: قالت رب أنى يكون لي ولد ولم يمسسني بشر قال كذلك الله يخلق ما يشاء إذا قضى أمراً فإنما يقول له كن فيكون(آل عمران :47).

فعيسى - -ولد لمريم خلقه الله ووهبه لها كما قال تعالى ...لأهب لك غلاماً زكياً (مريم:19). فهو ولد لمريم مخلوق وليس بإله ولا ابن إله فنسبه بشري عائد إلى أمه فهو في القرآن الكريم: المسيح عيسى بن مريم بنت عمران من بني اسرائيل ومن ذرية إبراهيم([55]) ومن ذرية نوح([56]) وقد حملت([57]) به والدته كما أراد الرحمن –سبحانه وتعالى- من أم بلا أب ووضعته بعد مخاض([58]) وجاءت به قومها تحمله([59]) في المهد صبيا (مريم :29).، وكان يأكل الطعام هو وأمه كما قال تعالى كانا يأكلان الطعام…(المائدة :75).بكل مايعنيه ذلك من حاجة للطعام ولإخراجه والنمو والتحول من حال إلى حال وهو كما خلق من تراب بعد أن لم يكن شيئاً وولد بعد أن كان جنيناً واكتهل بعد أن كان صبياً فسوف يموت بعد نزوله في آخر الزمان([60])، ثم يبعث حياً كما قال تعالى على لسان عيسى والسلام علي يوم ولدت ويوم أموت ويوم أبعث حياً(مريم:33). فهو إنسان يطرأ عليه ما يطرأ على أمثاله من البشر من عوارض. وهو عبد من عباد الله. خلقه الله سبحانه وتعالى من أم بلا أب آية للعالمين ومثلاً لبني اسرائيل. كما قال تعالى وجعلنا ابن مريم وأمه آية وآوينـاهما إلى ربوة ذات قرار ومعين(المؤمنون:50).

وكما قال تعالى: إن هو إلا عبد أنعمنا عليه وجعلنه مثلاً لبني اسـرائيل(الزخرف:59).

كما أوصاه الله سبحانه بعبادته مادام حياً كما قال تعالى على لسان عيسى وأوصني بالصلاة والزكوة مادمت حياً(مريم:31).

فمحكم القرآن يدل على أن عيسى عليه الصلاة والسلام إنسان مخلوق خلقه الله سبحانه وتعالى كما شاء واقتضته حكمته وهو عبد من عباد الله الذين أنعم الله عليهم ولن يستنكفوا عن عبادته سبحانه وتعالى.

ب- بشرية عيسى - - وعبوديته من خلال الأناجيل:

تدل الأناجيل الحاليه على بشرية عيسى - - وعبوديته دلالة بينة حيث جاء في بعضها فيما ينسب إلى عيسى قوله: "... ولكنكم الآن تطلبون أن تقتلوني وأنا إنسان قد كلمكم بالحق الذي سمعه من الله"([61]) فعيسى - -وضع نفسه في الموضع اللائق به وهو أنه إنسان رسول يدعوهم ويبلغهم بما أوحاه الله إليه وكفى بذلك دليلاً على بشريته وعبوديته وأنه ليس بإله حيث أثبت بشريته وأثبت لنفسه العبودية والخضوع لمن أرسله وهو الله -سبحانه وتعالى- إلهه وإله بني إسرائيل والخلق أجمعين كما جاء فيما نسب إليه قوله "إني أصعد إلى أبي وأبيكم وإلهي وإلهكم"([62]) وقوله "إذهب ياشيطان لأنه مكتوب للرب إلهك تسجد وإياه وحده تعبد"([63]) .

وفي الأناجيل مايدل على عبادة عيسى - - وطاعته لله سبحانه وتعالى حيث صام([64]) و"خر على وجهه وكان يصلي قائلاً: ياأبتاه إن أمكن فلتعبر عني هذه الكأس ولكن ليس كما أريد أنا بل كما تريد أنت"([65]).

كما أنه "خرج إلى الجبل ليصلي وقضى الليل كله في الصلاة لله"([66]) . وسبحان الله قضى الليل كله يصلي لخالقه، وإلهه، وربه، فأنى يكون إله، أو يكون هو الله -تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً-؟ أنى يكون العابد هو عين المعبود؟ ولاسيما انه كان "يصلي بأشد لجاجة"([67]) لله سبحانه وتعالى.بل جاء -فيمانسب إليه- في الأناجيل أنه قال "... لم يتركني الآب وحدي لأني في كل حين أفعل مايرضيه"([68]) فهو مجتهد في عبادة ربه سبحانه وتعالى- خاضع له ومطيع له في كل وقت وحين.

ثم إن نظرة معاصري عيسى - -له لم تكن إلا على أنه إنسان وليس بإله. من ذلك قوله "أجاب الخدام: لم يتكلم قط إنسان هكذا مثل هذا الإنسان فأجابهم الفريسبون: ألعلكم أنتم أيضاً قد ضللتم ... ألعل ناموسنا يدين إنساناً لم يسمع منه أولاً"([69]). وفي نص آخر "فقالوا له كيف انفتحت عيناك [ لرجل أعمى أبصر بإذن الله على يد عيسى] أجاب ذاك وقال: إنسان يقال له يسوع..." ([70]).

كما أن نسب عيسى وفق الأناجيل أنه: المسيح عيسى بن مريم([71])، من نسل داود ومن ذرية إبراهيم([72]) -عليهم الصلاة والسلام -خلقه الله من أم بلا أب([73]) بقدرته كما خاطب جبريل مريم -عليهما السلام- حيث قال لها: "لأنه ليس شيء غير ممكن لدى الله"([74]) حينما تعجبت واستفهمت من جبريل "كيف يكون هذا [ أي الحمل بعيسى وولادته ] وأنا لست أعرف رجلاً"([75]). فأمه مريم وتزعم الأناجيل أن له إخوة وأخوات ممن ادعت أنه زوج أمه([76]) وهو يوسف النجار([77]) ونسيبة أمه -كما جاء في الأناجيل هي أليصابات أم يحيى ([78])وهي من بنات هارون وبذلك يحيى وزكريا من قرابة عيسى([79]).

كذلك من أدلة بشرية -عيسى -كما جاء في الأناجيل: أن أمه حملت به عدة الحمل كاملة، ثم ولدته بعد أن لم يكن شيئاً([80])، وختن بعـد أن كـان أغلفاً([81])، واكتهل بعد أن كان صبياً([82])، وتعلم القراءة والكتابة. وكتب بإصبعه على الأرض([83])، وجاع([84])، وطعم([85])، بل أكل الفصح مع حواريه([86])، كما شرب الماء([87])، ومشى فتعب وتصبب عرقاً حتى بلغ عرقه الأرض([88]) ثم جلس من التعب([89])، وامتطى الجحش([90])، وتفل على الأرض، وصنع من التفل طيناً، وطلى بالطين عيني الأعمى([91])، وحزن واكتأب ثم بكى([92]). وكان يجثو على ركبتيه([93])، ويخر على وجهه([94]) إلى الأرض ساجداً لله سبحانه وتعالى، إلى غير ذلك مما جاء في الأناجيل.

كما أن من الأمور التي تجلي عبودية عيسى - - وبشريته سوى ما ذكر هنا ماأثبته عيسى - - من أسماء وصفات لله وحده نافياً إياها عن نفسه مثل: أن الله هو القادر وحده، وأنه هو الهادي وحده، وأنه هو علام الغيوب، وأنه العظيم ومالك يوم الدين، وأنه لايُرى في الدنيا إلى آخر مامر([95]).

لذا ولغيره ذكر أبو الوليد الباجي -رداً على راهب من فرنسا- أن عيسى "بشر مخلوق وعبد مربوب لا يعدو عن دلائل الحدوث من ..... والتغير من حال إلى حال وأكل الطعام والموت الذي كتب على جميع الأنام ... ولو جوزنا كونه - - مع هذه الصفات والأحوال المحدثات إلهاً قديماً لنفينا أن يكون العالم أو شيء مما فيه محدثاً مخلوقاً لأنه ليس في شيء مما ذكرنا من البشر والعالم ومافيه من الحيوان والجماد من دلائل الحدوث غير ما في عيسى "([96]).

إن ماسبق مثبت لبشرية عيسى وعبوديته فماذا عن نبوة عيسى ورسالته؟ هذا ماسوف يُدرس تالياً.

رابعاً: نبوة عيسى - -ورسالته من خلال القرآن والأناجيل:

ينقسم هذا الموضوع إلى فقرتين:-

أ- نبوته ورسالته - - من خلال القرآن:

يوضح القرآن أن المسيح عيسى - - نبي رسول وهو من أولي العزم من الرسل صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين([97]).

وهذه بعض الآيات الدالة على رسالة عيسى ونبوته:

يقول تعالى : }ماالمسيح بن مريم إلا رسول قد خلت من قبله الرسل...{ (المائدة :75). ويقول تعالى: }يـا أهل الكتـب لا تغلوا في دينكم ولا تقولوا على الله إلا الحق إنما المسيح عيسى بن مريم رسول الله...{ (النساء :171). ويقول تعالى على لسان عيسى }ورسولاً إلى بني إسرائيل أني قد جئتكم بآية من ربكم..{ (آل عمران :49).كما يقول تعالى: }وإذ قال عيسى ابن مريم يابني إسرائيل إني رسول الله إليكم مصدقاً لما بين يدي من التوراة ومبشراً برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد... {(الصف:6).. ويقول تعالى: }قال إني عبدالله آتاني الكتب وجعلني نبياً{(مريم :30).

فعيسى نبي رسول من رسل الله وظيفته طاعة الله وإبلاغ رسالة ربه -سبحانه وتعالى- التي أرسله بها وأمره بإبلاغها وحث بني اسرائيل على عبادة الله كما قال تعالى عن عيسى}ما قلت لهم إلا ما أمرتني به أن اعبدوا الله ربي وربكم وكنت عليهم شهيداً مادمت فيهم فلما توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم وأنت على كل شيء شهيد{(المائدة :117). وكما قال تعالى عن عيسى. }إن الله ربي وربكم فاعبدوه هذا صراط مستقيم{( آل عمران:51).

ب- نبوته ورسالته من خلال الأناجيل:

كذلك تدل الأناجيل الموجودة اليوم على نبوة عيسى ورسالته فقد جاء في الأناجيل نصوص عدة منها:

1- "أما يسوع فقال لهم: ليس نبي بلا كرامة إلا في وطنه وفي بيته"([98]) فهذا مما ينسب إليه من أقوال يشير بها إلى نفسه.

2- ومما يوضح نظرة بعض المدعويين من بني اسرائيل له وأنه نبي قوله: "ولما سمع رؤساء الكهنة والفريسيون أمثاله عرفوا أنه تكلم عليهم، وإذ كانوا يطلبون أن يمسكوه خافوا من الجموع لأنه كان عندهم مثل نبي"([99]).

3- وقوله "ولما دخل أورشليم أرتجت المدينة كلها قائلة من هذا فقالت: الجموع هذا يسوع النبي الذي من ناصرة الجليل"([100]).

4- مر بنا قول عيسى "وهذه هي الحياة الأبدية أن يعرفوك أنت الإله الحقيقي وحدك ويسوع الذي أرسلته"([101]).

5- وقوله: "فنادى يسوع وهو يعلم في الهيكل قائلاً: تعرفونني وتعرفون من أين أنا ومن نفسي لم آت بل الذي أرسلني هو حق الذي أنتم لستم تعرفونه أنا أعرفه لأني منه وهو أرسلني"([102]).

فهذا من أقواله التي يوضح فيها أنه رسول من رسل الله.

إن ما سبق من نصوص تدل على نبوة عيسى ورسالته من خلال الأناجيل على أن هناك نصوصاً أخرى تضيف إلى ماسبق بيان مهمة عيسى ووظيفته التي أرسله الله من أجلها ألا وهي الدعوة إلى الله وإلى عبادته وطاعته وإبلاغ ما أمره الله أن يبلغه لبني إسرائيل من دين الله الذي أنزل على يديه آنذاك وهو النصرانية الصحيحة الموحدة التي نسخها الله بالإسلام ولذا يسمى عيسى في الأناجيل معلم([103]). وهي وظيفة الرسل حيث يعلمون الناس الخير ويبلغونهم دين الله سبحانه وتعالى.

وإن النصوص الدالة على ذلك:

1- قول الإنجيل "وبعدما  أسلم يوحنا جاء يسوع إلى الجليل يكرز [يدعو] ببشارة ملكوت الله ويقول قد كمل الزمان واقترب ملكوت الله فتوبوا وآمنوا  بالإنجيل([104])" فهاهو عيسى يدعو بني إسرائيل إلى التوبة والإنابة إلى الله سبحانه وتعالى والإيمان بالإنجيل كتاب الله الذي أنزله عليه.

2- قوله "فقال لهم إنه ينبغي لي أن أبشر المدن الأخر أيضاً بملكوت الله لأني لهذا قد أرسلت فكان يكرز في مجامع الجليل"([105]).

3- قوله "فقال لهم لنذهب إلى القرى المجاورة لأكرز هناك أيضاً لأني لهذا خرجت"([106]).

4- وجاء في الإنجيل قوله: "كان يسوع يطوف كل الجليل يعلم في مجامعهم ويكرز ببشارة الملكوت([107])"

5- كما جاء قوله "حينئذٍ ابتدأ يوبخ المدن التي صنعت فيها أكثر قواته [ المعجزات التي أظهر الله على يديه ] لأنها لم تتب: ويلٌ لك ياكورزين، ويل لك يابيت صيدا... وأنت ياكفرنا حوم"([108]).

6- جاء قوله "... ينبغي أن أعمل أعمال الذي أرسلني مادام نهار، يأتي ليل حين لا يستطيع أحد أن يعمل"([109]).

7- قوله "... لأني لم أتكلم من نفسي لكن الآب الذي أرسلني هو أعطاني وصية ماذا أقول وبماذا أتكلم وأنا أعلم أن وصيته هي حياة أبدية فما أتكلم أنا به فكما قال لي الآب هكذا أتكلم"([110]). يصدق هذا ما جاء في القرآن على لسان عيسى }ما قلت لهم إلا ما أمرتني به...{ ( المائدة:117).

فعيسى عليه -الصلاة والسلام- كما تدل عليه الأناجيل نبي رسول جاء لإبلاغ بني اسرائيل رسالة ربه ليتوبوا من معاصيهم وآثامهم ويتبعوا كتاب الله الذي أنزله الله عليهم آنذاك على يد عيسى وهو الإنجيل.

هذه ردود مجملة وسوف يتكلم فيما يأتي على الردود المفصلة.  


المبحث الثالث:

رد تفصيلي على ماسبق من ادعاءات المنصرين على القرآن

 

سبق ذِكْرُ ادعاءات ثلاثة([111]) يعرضها النصارى والمنصرون على أنها أدلة لهم يستندون إليها في زعمهم أن القرآن يؤيد ألوهية المسيح عليه السلام. وفي هذا المبحث سوف تُدرس هذه الادعاءات ويُرد عليها على نحو مفصل كما يأتي:

 

المطلب الأول: الرد على ادعاء المنصرين أن ضمائر الجمع التي تكلم الله بها عن نفسه في القرآن تدل على ألوهية المسيح.

 

المطلب الثاني: الرد على ادعاء المنصرين أن المسيح روح من الله -بجعل من للتبعيض- وكلمته التي تجسدت وصارت إنساناً.

 

المطلب الثالث: الرد على ادعاء المنصرين أن المعجزات التي أيد الله بها عيسى والتي ذُكرت في القرآن ولاسيما إحياء الموتى دليل على ألوهية المسيح.

 

وهذا أوان دراسة هذه الادعاءات والرد عليها تفصيلاً.


المطلب الأول : الرد على ادعاء المنصرين أن ضمائر الجمع التي تكلم الله بها عن نفسه في القرآن تدل على ألوهية المسيح:

يزعم النصارى والمنصرون أن ضمائر الجمع التي تكلم الله بها عن نفسه في القرآن مثل: إنا، ونحن، ونا الفاعلين، وضمائر المتكلمين المستترة وجوباً  ... إلخ – تدل على ثلاثة آلهة أحدهم المسيح الذي يسعون لإثبات ألوهيته من خلال آيات القرآن. وادعاؤهم هذا قال به نصارى نجران -كما مر-([112]) ويقول به غيرهم من المنصرين إلى اليوم.

وضمائر الجمع الآنفة الذكر إما أن تكون دالة من حيث اللغة على الظاهر وهو الجمع، أو دالة على غيره وهو المفرد أو المثنى:

ففي الحالة الأولى وهي: دلالة ضمائر الجمع على ظاهرها (الجمع) فإن هناك أموراً عدة منها:

1- ماحد الجمع حينئذ؟ إن حد الجمع لغةً: ثلاثة فما زاد، أو اثنان فما زاد([113]).

فإن كان أقل الجمع اثنين فإنه لاحجة للنصارى والمنصرين البتة في ظاهر ضمائر الجمع حينئذ ويكون ذلك هادماً لادعائهم من أركانه.

وإذا كان أقل الجمع ثلاثة فإنه ظاهر الضمائر حينئذ يدل على الثلاثة فما زاد أي: ثلاثة أو أربعة، أو خمسة، أو ألف، أو ألف ألف..إلخ. فما المسوغ الذي حصر الجمع في الثلاثة فقط؟ إنه لايوجد مسوغ واحد في القرآن قد يوحي ولو من بعيد بأن ضمائر الجمع المذكورة آنفاً يمكن أن تدل حصراً على الثلاثة ولا يمكن أن يوجد ذلك في القرآن لأن مما يبطل احتمال وجود هذا ويجتثه من جذوره: الآيات المحكمات الواضحات الكثيرة الدالة على وحدانية الله ونفي الشريك معه –سبحانه وتعالى- بعامة ونفي ألوهية المسيح وبنوته بخاصة، فليس لدى النصارى أي مسوغ من خلال القرآن لدعواهم هذه وإنما هي معتقداتهم النصرانية أرادوا إنزالها على آي القرآن الكريم تعسفاً ومغالطة.

وخلو دعواهم من الدليل أوالمسوغ الذي يحصر الضمائر في ثلاثة يفتح الباب عليهم، فلو ادعى مدع أنها كما تدل على التثليث تدل على التربيع أو التخميس أو التسديس ..إلخ وهو ظاهر الجمع لما استطاعوا دفع ذلك على نحو مقبول؛ مما يبطل دعواهم ومزاعمهم في حصر دلالة الجمع على الثلاثة فقط. وحينئذ تتساوى الدلالات والاحتمالات مع عدم وجود مرجح أو قرينة تؤيد هذا دون ذاك، فتكون ضمائر الجمع الآنفة الذكر حينئذ قابلة لما سبق ذكره من التثليث أو التسبيع .. إلخ. فيبطل وجه استشهادهم بضمائر الجمع على ألوهية المسيح فيما لو قلنا على سبيل الفرض إنها على ظاهرها.

2 - لنفترض –جدلاً- أن ضمائر الجمع تدل على الثلاثة حصراً فما طبيعة هذا الجمع حينئذ؟ وما كنهه؟ وما معنى ذلك؟

لو قال قائل نحن فعلنا كذا وكذا. أليست الدلالة اللغوية حينئذ- بعد افتراضنا حصر الجمع في الثلاثة- هي أن هؤلاء الجماعة (الثلاثة) الذين يدل عليهم الضمير (نحن) هم: ثلاثة ذوات: المتكلم ومعه أثنان آخران غيره: أليسوا هم: فلاناً بكل ماله من هيئة وخلقه، وصفات وشخصية... إلخ وفلاناً بكل ماله من طول، وعرض، وصفات وملامح تختلف عن الأول... إلخ، وفلاناً الثالث المختلف في ذاته وملامحه...إلخ عن الاثنين السابقين، مما يجعل الضمير يدل على ثلاثة ذوات منفصل بعضها عن بعض؛ لذا يقول عبدالرحمن الجزيري: "لنفرض أن ذلك الضمير للجماعة بخصوصها فإنما يدل على جماعةٍ متعددةٍ متباينةٍ كما إذا قال شخص: قمنا أو قعدنا وكان معه غيره فإنه لايفهم منه لغة إلا أن المتكلم معه زيد وعمرو وهما غيره، فمن أين يأتي هذا الاتحاد والتركيب المزجي"([114]) ؟

كما يقول ابن تيمية: "وقوله: إنا نحن لفظ يقع في جميع اللغات على من كان له شركاء وأمثال وعلى الواحد"([115]). ولذلك إن كان الضمير-فرضاً- دالاً على الثلاثة فإنه يعني-كما مر- ثلاثة ذوات مختلفة إحداهن عن الأخريين. وهذا أمر يرفضه النصارى أنفسهم إذ يتناقض مع مايعتقدونه من أن إلههم ذات واحدة وليس ثلاثة ذوات، وتفصيل اعتقادهم –كما هو معروف- ثلاثة أقانيم في ذات واحدة في مصادمة للعقل والمنطق لايقبلها سليم عقل البتة، بينما ضمائر الجمع تدل على ثلاثة ذوات متغايرة، وذلك بعد افتراضنا الحصر على الثلاثة.

وعليه ليس للنصارى مُتمسَّك في ضمائر الجمع إن دلت على ظاهرها لأنها سوف تدل على اثنين فأكثر دون وجود مسوغٍ يحصر الدلالة في الثلاثة وهذا كما مر آنفاً مسقط لدعواهم.

فإن حصرت فرضا في ثلاثة دلت على ثلاثة ذوات متباينة ومتغايرة، وهو كسابقه مسقط لدعواهم في محاولة إثبات التثليث من خلال الضمائر الآنفة الذكر ومن ثم محاولة إثبات ألوهية عيسى من خلال القرآن الكريم.

فكيف إذا كانت هناك مسوغات بل آيات محكمة وحجج وبراهين قاطعة من القرآن والتوراة والأناجيل تجعل ضمائر الجمع –-آنفة الذكر- تدل بداهة على خروجها عن ظاهرها إلى مايخالف الظاهر فتدل حينئذ على وحدانية الله -سبحانه وتعالى- وأنه لاشريك له وأنه واحدٌ أحدٌ صمدٌ لم يلد ولم يولد، وأن عيسى عبد الله ورسوله، بشرٌ مخلوق من تراب مثله كمثل آدم -عليهما السلام- وليس إلهاً ولا ابن إله وأنه سوف يموت... إلخ

إن ذلك وحدة كافٍ في إيضاح وجهة دلالة ضمائر الجمع الآنفة الذكر وأنها تدل على الوحدانية ليس إلا. فكيف إذا انضاف إلى ذلك أن من الأساليب العربية الفصيحة الشائعة في اللغة استخدام ضمائر الجمع للدلالة على غير الجمع ولاسيما المفرد؟ وهذا مايدعو إلى دراسة الحالة الثانية تفصيلاً. وهي:-

خروج ضمائر الجمع عن الظاهر (الجمع) إلى غيره ولاسيما المفرد:

وهنا موضوعان:

الأول: مايقوله بعض علماء اللغة عن هذا الأسلوب والشواهد اللغوية المستخرجة من القرآن الكريم، والشعر الجاهلي.

الأخر: النصوص اللغوية التوراتية والإنجيلية في الموضوع نفسه.

أما عن الموضوع الأول فهناك نقاط عدة منها:

1 -– أن هذا أسلوب سائغ لغة يقول ابن قتيبة "ومنه [ أي من خروج ضمير الجمع عن ظاهره إلى مايخالف الظاهر] أن يخاطب الواحد بلفظ الجمع كقوله سبحانه ...قال رب ارجعون(المؤمنون: 99). وأكثر من يخاطب بهذا الملوك لأن مذاهبهم أن يقولوا: نحن فعلنا يقوله منهم يعني نفسه فخوطبوا بمثل ألفاظهم"([116]).

كما يقول ابن فارس -–رحمه الله-: "ومن سنن العرب مخاطبة الواحد بلفظ الجمع فيقال للرجل العظيم: انظروا في أمري وكان بعض أصحابنا يقول: إنما يقال هذا لأن الرجل العظيم يقول: نحن فعلنا: فعلى هذه الابتداء خوطبوا في الجواب"([117]). فهل هناك من هو أعظم من مالك الملك وأولى منه بمثل هذا الأسلوب؟

يقول ابن تيمية –-رحمه الله- إن ضمير الجمع يقع "على من كان له شركاء وأمثال وعلى الواحد المطاع العظيم الذي له أعوان يطيعونه وإن لم يكونوا شركاء ولانظراء، والله تعالى خلق كل ماسواه فيمتنع أن يكون له شريك أو مثيل والملائكة وسائر العالمين جنوده تعالى... فإذا كان الواحد من الملوك يقول: إنا ونحن ولايريدون أنهم ثلاثة ملوك فمالك الملك رب العالمين، ورب كل شيء ومليكه هو أحق بأن يقول: إنا ونحن مع أنه ليس له شريك، ولامثيل بل له جنود السموات والأرض"([118]).

2 -  اللغة العربية مليئة بالشواهد على خروج ضمائر الجمع عن ظاهرها للدلالة على المفرد ومن ذلك مافي الشعر الجاهلي:

يقول امرؤ القيس-حين رأى قبر امرأة في سفح جبل عسيب الذي مات عنده -:"

 

أجارتنا إن الخطوب تنوب
أجارتنا إنا غريبان ههنا
فإن تصلينا فالقرابة بيننا
أجارتنا مافات ليس يؤوب

 

وإني مقيم ما أقام عسيب
وكل غريب للغريب نسيب
وإن تصرمينا فالغريب غريب
وما هو أتٍ في الزمان قريب"([119])

 

 

ويقول عمرو بن كلثوم متغزلاً:

قفي قبل التفرق ياظعينا
قفي نسألك هل أحدثت صرما

 

نخبرك اليقين وتخبرينا
لوشك البين أم خنت الأمينا([120])

 

ويقول زهير بن أبي سلمى مخاطباً هرم بن سنان والحارث بن عوف:

سألنا فأعطيتم وعُدْنا فـعــدتـمُ

 

ومن اكثر التَّسْآل يوماً سيحرمِ([121])

 

ويقول الحارث بن حلِّزة متغزلاً:-

آذَنتنا ببَيْنِها أسـماء

 

رب ثاوٍ يمل منه الـثــــواء([122])

 

ويقول الجميح: منقذ بن الطماح في زوجته:

أمست أمامة صمتاً ماتكلمنا
فإن تقري بنا عيناً وتختفضي

 

مجنونة أم أحست أهل خَرُّوبي
فينا وتنتظري كري وتغريبي([123])

فضمائر المتكلمين في: أجارتنا، وتصلينا، وتصرمينا، ونخبرك، وتخبرينا، ونسألك وسألنا وعدنا وآذنتنا، كلها ضمائر جمع للمتكلمين قصد بها الواحد كما هو واضح من السياق.

3- من الشواهد اللغوية في القرآن التي استخدمت فيها ضمائر الجمع للدلالة على غير الجمع مع أن الضمائر فيها تعود إلى غير الله سبحانه وتعالى مايأتي :

قوله تعالى وداود وسليمان إذ يحكمان في الحرث إذ نفشت فيه غنم القوم وكنا لحكمهم شاهدين(الأنبياء :78). وقوله تعالى ثم استوى إلى السماء وهي دخان فقال لها وللأرض ائتيا طوعاً أو كرها قالتا أتينا طائعين(فصلت :11).فالضمير في قوله (لحكمهم) ضمير جمع يدل على المثنى وليس على الثلاثة فأكثر ولا على الواحد وكذلك ياء الجماعة في (طائعين) ومثل ذلك قوله (أتينا) هذه بعض أمثلة استخدام ضمائر الجمع للدلالة على المثنى.

أما استخدام ضمائر الجمع في القرآن للدلالة على المفرد فشواهدها:

قوله تعالى عن الخضر وأما الغلام فكان أبواه مؤمنين فخشينا أن يرهقهما طغياناً وكفرا @ فأردنا أن يبدلهما ربهما خيرا منه زكاة وأقرب رحما(الكهف :80-81).. وقال تعالى …..قلنا يـاذا القرنين إما أن تعذب وإما أن تتخذ فيهم حسنا @ قال أما من ظلم فسوف نعذبه ثم يرد إلى ربه فيعذبه عذاباً نكراً @ وأما من آمن وعمل صـلحاً فله جزاءً الحسنى وسنقول له من أمرنا يسرا (الكهف :86-88).. وقال تعالى وورث سليمان داود وقال يا أيها الناس علمنا منطق الطير وأوتينا من كل شيء إن هذا لهو الفضل المبين (النمل :16).

فالضمائر في: (فخشينا) و (فأردنا) و (نعذبه) و (سنقول) و (أمرنا) و (علمنا) و (أوتينا) ضمائر جمع تدل على واحد وليس على اثنين أو ثلاثة أو أكثر.

4—- من العجيب ان عبد المسيح الكندي نفسه استخدم ضمير الجمع للدلالة على المفرد على نفسه هو في عرض شبهته نفسها حيث قال: "…..وشبيه بما ذكرنا.." ([124]). وهذا في رسالته كثير فهل هو ثالث ثلاثة؟ وهكذا القسيس فندر حيث قال:" وإنما أوردنا ذلك إشعاراً باننا لانخطئ"([125]) إن هذا دليل على أن هذا الأسلوب شائع مستخدم بكثرة ولاسيما في الكتب وعند الكتاب ويجري في سليقة العرب وسنن العربية قديماً وحديثاً وليس فيه أدنى غرابة أو شبهة لكن النصارى قوم مُلبسون.

 

 

أما الموضوع الآخر:

فهو نصوص لغوية من خلال التوراة والأناجيل تدل على المفرد أو المثنى وهي في صورة الجمع:

أولاً: شواهد توراتية وهي إما ان تدل: علىالمفرد أو على المثنى:

أ ) شواهد تدل على المفرد منها:

( 1 ) جاء في سفر التكوين "وقال الله نعمل الإنسان على صورتنا"([126]).

( 2 ) وجاء فيه: " وقال الرب الإله هو ذا الإنسان قد صار كواحدٍ منا"([127]).

( 3 ) وجاء فيه "هلم ننزل و نبلبل هناك لسانهم"([128]).

فهذه ضمائر جمع تدل على المفرد وعلى الرغم من أن النصارى قد يحرفونها كما حاولوا ذلك في القرآن إلا أن ممايوضح دلالتها على المفرد النصوص التوراتية التي تدل على الوحدانية –-كما مر سابقاً -([129])كما يؤيد ذلك أن اليهود الذين نزلت التوراة بلغتهم على مختلف عصورهم وتعدد أنبيائهم مافهموا من ضمائر الجمع هذه إلا دلالتها على المفرد إذ إن ذلك هو معتقد الدين اليهودي كما هو معروف.

( 4 ) جاء في نشيد الإنشاد "ارجعي ارجعي ياشولميت ارجعي ارجعي فننظر إليك"([130]).

وسياق هذا النص تشبيب من حبيب بمحبوبته ودلالة هذا النص على الواحد واضحة جداً إذ يقوله محب –بزعمهم- في محبوبته، وسياق هذا السفر كله غزلي.

ب ) شواهد تدل على المثنى:

جاء في العهد القديم قوله " تعال ياحبيبي لنخرج  إلى الحقل ولنبث  في القرى لنبكرن إلى الكروم لننظر هل أزهر الكرم"([131]).

وقوله "اجذبني وراءك فنجري"([132]) فهذه ضمائر جمع أريد بها المثنى كما هو واضح من السياق.

ثانياً: شواهد إنجيلية:

من الشواهد الإنجيلية لاستخدام ضمائر المتكلمين التي تدل على الفرد: قول بولس: "كما هو مكتوب أحببت يعقوب وأبغضت عيسو فماذا نقول ألعل عند الله ظلماً حاشا"([133]). ويقول أيضاً: "إذاً نحسب أن الإنسان يتبرر بالإيمان بدون أعمال الناموس .. أفنبطل الناموس بالإيمان حاشا بل نثبت الناموس"([134]). ويقول أيضاً: "فماذا نقول إن أبانا إبراهيم قد وجد حسب الجسد"([135]). ويقول: "فماذ نقول إن الأمم الذين لم يسعوا في أثر البر أدركوا البر الذي بالإيمان"([136]). بل قال بولس: "لذلك أردنا أن نأتي إليكم أنا بولس مرة ومرتين وإنما عاقنا الشيطان"([137]).

فقوله: (فماذا نقول) و (نحسب) و (أفنبطل) و (نثبت) و (أردنا) و (نأتي) و(عاقنا) تشتمل على ضمائر جمع مستترة وجوباً أو ضمائر ظاهرة أسندت إلى أفعال وهي تدل على مفرد هو بولس وحده وليس ثلاثة هو ثالثهم.

وهكذا نرى أن من الأساليب المعهودة في اللغة العربية التي نزل بها القرآن وترجمت إليها التوراة والإنجيل استخدام ضمائر الجمع للدلالة على المثنى أو على المفرد فقط وقد استخدمت لتعود إلى غير الله مما يبين فساد دعوى النصارى والمنصرين في أن ضمائر الجمع المسندة لله سبحانه وتعالى في القرآن تدل على ألوهية عيسى بزعم دلالتها على التثليث، وإنماهو أسلوب من أساليب التعظيم أولى به الخالق سبحانه وتعالى من كل مخلوق، واستخدامه جرى على لسان العرب كثيراً حتى النصارى -كما مر- وهو إلى اليوم معهود غير مستغرب سواء في مخاطبات الملوك أو غيرهم.


 

المطلب الثاني:  الرد على ادعاء المنصرين أن المسيح روح من الله-بجعل مِنْ للتبعيض- وكلمة الله التي تجسدت وصارت إنساناً:

 

يزعم المنصرون أن (الكلمة) هي عيسى -عليه السلام- وإدعاؤهم هذا تابع من إسقاط اعتقاداتهم ومعانيهم الباطلة على الآيات التالية أو بعضها:

قوله تعالى يـاأهل الكتـاب لاتغلوا في دينكم ولاتقولوا على الله إلا الحق إنما المسيح عيسى بن مريم رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه فـآمنوا بالله ورسله ولاتقولوا ثلاثة انتهوا خيرا لكم إنما الله إله واحد سبحانه أن يكون له ولد له مافي السمـوات ومافي الأرض وكفى بالله وكيلا( النساء :171).. وقوله تعالى فاتخذت من دونهم حجاباً فأرسلنا إليها روحنا فتمثل لها بشراً سوياً (مريم:17). وقوله تعالى والتي أحصنت فرجها فنفخنا فيها من روحنا وجعلناها وابنها آية للعالمين(الأنبياء:91). وقوله تعالى ومريم بنة عمران التي أحصنت فرجها فنفخنا فيه من روحنا وصدقت بكلمت ربها وكتبه وكانت من القانتين (التحريم:12). وقوله تعالىفنادته الملائكة وهو قائم يصلي في المحراب أن الله يبشرك بيحيى مصدقاً بكلمةٍ من الله وسيداً وحصوراً ونبياً من الصالحين (آل عمران:39). وقوله تعالى إذ قالت الملائكة يامريم إن الله يبشرك بكلمة منه اسمه المسيح عيسى بن مريم وجيهاً في الدنيا والآخرة ومن المقربين(آل عمران:45).

 

وادعاءات المنصرين هنا تنقسم إلى قسمين:

القسم الأول: مايتعلق بكون عيسى كلمة الله أوكلمة من الله.

والقسم الثاني: مايتعلق بكون عيسى روحاً من الله أوروح الله.

أما القسم الأول ففيه نقاط عدة:

أ  - زعم الكندي أن القرآن "صرح بأن المسيح كلمة الله تجسدت وصارت إنساناً"([138]). فهو يشير إلى معتقد النصارى المعروف وهو أن عيسى هو الكلمة والكلمة هي الله فعيسى هو الله –-تعالى الله عن ذلك علواً كبيرا- وهذا صريح في إنجيل يوحنا كما مر سابقاً([139]).

ونِسبة هذا الكفر إلى القرآن بهتان عظيم وكذب صريح على القرآن المحفوظ كما أنزل فليأت النصارى بنص يدل على هذا المعنى الباطل. إنما الذي في القرآن إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون (آل عمران:59)..

فمن الواضح أن عيسى مخلوق ليس هو الكلمة (كن) وإنما بها كان وسمي بكلمة الله لأنه بها خُلق وليس له أب وسوف يمر بنا هذا تفصيلاً([140]).

ب -– آية سورة النساء -السابق ذكرها (171)- تكفي وحدها للرد على إدعاءات النصارى واستنتاجاتهم المزعومة من خلال قوله تعالىوكلمة ألقاها إلى مريم أو بكلمة منه أو مايشاكل ذلك من الآيات.

فالآية تدل على أمور منها:

1 ) نهي النصارى عن الغلو في دينهم وتحذيرهم بأن لايقولوا على الله -سبحانه وتعالى- إلا الحق ومن أول ذلك: عدم الغلو في المسيح فهو ليس إلا رسول الله -سبحانه وتعالى- وعبد من عبيده.

2 ) نسبت الآية عيسى نسباً بشرياً بيناً إلى أمه مريم بنة عمران عليهما السلام.

3 ) حذر الله النصارى عن أن يقولوا بالتثليث ومنه إدخال عيسى واحداً من الثلاثة المزعومين بإعتباره أنه إله منهم.

4 ) أوضحت الآية على سبيل الحصر أن الله -سبحانه وتعالى- ليس إلا إلهاً واحداً منزهاً عن أن يكون له ولد وهذا يرد على إدعائهم أن عيسى ابن الله.

5 ) هذه الآية حجة برهانية قاطعة تثبت بلغة الأرقام أن الله واحد أحد وحدانية لايشوبها أدنى احتمال للشراكة معه وذلك من خلال نفيها للثلاثة والتثليث وإثباتها في الوقت نفسه أن الله واحد احد صمد لم يلد ولم يولد وليس واحداً في ثلاثة أو ثلاثة في واحد مع تحذير النصارى عن القول بالتثليث وتوعدهم على القول به.

6 ) أبانت الآية أن عيسى -- كلمة الله ألقاها إلى مريم فماالمقصود بأنه كلمة الله؟ أو كلمة منه؟

يقول الإمام أحمد –رحمه الله-: "المعنى في قوله جل ثناؤه إنما المسيح عيسى بن مريم رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم(النساء:171).فالكلمة التي ألقاها إلى مريم: حين قال له كن، فكان عيسى بكن وليس عيسى هو كن، ولكن بكن كان. فالكن من الله قول، وليس الكن مخلوقاً. وكذب النصارى والجهمية على الله في أمر عيسى … وقلنا نحن إن عيسى بالكلمة كان وليس عيسى هو الكلمة"([141]).

ويقول أبو عبيد القاسم بن سلام:  "وأما المسيح فالمراد أن الله خلقه بكلمة لا أنه هو الكلمة لقوله }ألقاها إلى مريم ولم يقل ألقاه ويدل عليه قوله تعالى إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون{"([142]) وكذلك قال شاذان بن يحيى: "ليس الكلمة صارت عيسى ولكن بالكلمة صار عيسى"([143]).

كما يقول ابن كثير -في قوله تعالى- إنما المسيح عيسى بن مريم رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه-: "أي إنما هو عبد من عباد الله وخلق من خلقه قال له كن فكان، ورسول من رسله وكلمته ألقاها إلى مريم أي خلقه بالكلمة التي أرسل بها جبريل – إلى مريم فنفخ فيها من روحه بإذن ربه عز وجل وكانت تلك النفخة التي نفخها في جيب درعها فنزلت حتى ولجت فرجها بمنزلة لقاح الأب الأم والجميع مخلوق لله عز وجل ولهذا قيل لعيسى إنه كلمة الله وروح منه لأنه لم يكن له أب تولد منه وإنما هو ناشئ عن الكلمة التي قال له بها كن فكان والروح التي أرسل بها جبريل"([144]).

كما يقول ابن كثير -في تفسير قوله تعالى إن الله يبشرك بكلمة منه إسمه المسيح.. (آل عمران:45).: "أي بولد يكون وجوده بكلمة من الله أي يقول له كن فيكون وهذا تفسير قوله مصدقاً بكلمة منه كما ذكر الجمهور"([145]). ويقول ابن جرير: "قال آخرون: بل هي [ أي قوله كلمة منه ] اسم لعيسى سماه الله بها كما سمى سائر خلقه بما شاء من الأسماء"([146]).

ويروي بإسناده عن قتادة أنه قال:"قوله بكلمة منه قال: قوله كنفسماه الله عز وجل كلمته لأنه كان عن كلمته"([147]). وقال أبو عبيد: "كلمته: كن فكان"([148]).

وكلمة الله التي قيلت لعيسى في القرآن وسمي بها هي مضافة إلى الله سبحانه وتعالى وقد قسم ابن تيمية رحمه الله المضاف إلى الله تعالى إلى قسمين: إضافة صفات وإضافة أعيان "فالصفات إذا أضيفت إليه تعالى كالعلم والقدرة والكلام والحياة والرضا والغضب ونحو ذلك دلت الإضافة على أنها إضافة وصف له قائم به ليست مخلوقة لأن الصفة لاتقوم بنفسها ولابد لها من موصوف تقوم به، فإذا أضيفت إليه علم أنها صفة له لكن قد يعبر باسم الصفة عن المفعول بها، فيسمى المقدور قدرة والمخلوق بالكلمة كلاماً والمعلوم علماً والمرحوم به رحمة"([149]).فعيسى عليه السلام ليس هو عين الكلمة وإنما قيل له كلمة الله لأنه خلق بالكلمة ولم يكن له أب تولد منه وإنما هو ناشئ ومخلوق عن الكلمة: كن.

ثم إن الإضافة من حيث اللغة "نسبة بين اسمين"([150]). ويشترط فيها أن "لايضاف الاسم إلى مرادفه فلا يقال: ليث أسدٍ"([151]).

بينما يزعم النصارى أن عيسى هو الكلمة وأن الكلمة هي الله([152]) مما يعني تبعا لذلك أن اسم عيسى ولفظ الجلالة (الله) اسمان ومسميان مترادفان عند النصارى –-والعياذ بالله - تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً مما يبطل هذه الإضافة لغة وعقلاً لأنها حينئذ حسب اعتقاد النصارى تصبح مكونة من اسمين مترادفين ولاتصح هذه الإضافة إلا إذا كانت تدل على اسمين وذاتين يختلف كل منهما عن الأخرى.

ثم من جهة أخرى فإن هذا التركيب المكون من المضاف والمضاف إليه يدل لغة على معنى يختلف عن المقصود بالمضاف إليه وحده فقط، أو بالمضاف فقط فإذا قلنا: محمد رسول الله فإن المراد بالتركيب الإضافي في هذه الجملة -وهو قولنا (رسول الله)- المكون من المضاف (رسول) ومن المضاف إليه لفظ الجلالة (الله) هو رسول الله محمد بن عبدالله الإنسان المخلوق، أما المضاف إليه وحده فإنه لفظ الجلالة إسم الله سبحانه وتعالى وشتان مابين الرسول المخلوق والمرسِل الخالق سبحانه وتعالى فالمضاف إليه يدل على مسمى معين والتركيب من المضاف والمضاف إليه يدل على مسمى آخر مختلف كلياً عن مايدل عليه المضاف إليه.

وهذا يعني من حيث اللغة أن: كلمة الله (المضاف والمضاف إليه) التي قيلت لعيسى والتي هي اسم له ليست هي المضاف إليه هنا وهو لفظ الجلالة (الله) فهذان اسمان يدلان على ذاتين مختلفتين ذات عيسى المخلوقة التي تليق ببشريته وذات الخالق -سبحانه وتعالى- التي تليق بجلاله وعظمته وشتان مابين ذات الخالق وذات المخلوق. فكل مافي الأمر أن (كلمة الله) قيلت لعيسى اسماً له لأنه مخلوق بالكلمة كما مر فادعاء النصارى أن الكلمة تجسدت وصارت عيسى أمر مكذوب على القرآن لأنه يدل على أن عيسى بها صار ولم يكن هو الكلمة. فعيسى -- مخلوق وكلمة الله: كن ليست مخلوقة.

فهذه اعتقادات النصارى حاولوا تلبيساً إنزالها على بعض نصوص القرآن والقرآن بريء من ذلك إضافة إلى عدم قبول اللغة لهذا وكذا العقل بل إن أسفار العهد الجديد توافق هذا حيث جاء في بعضها قوله " ويدعى [ أي عيسى] اسمه كلمة الله"([153]).

وقد شرح أحد النصارى المقصود بكلمة الله التي وردت في بعض النصوص([154]) بأنها ماجاءت في التوراة في قوله "قال فكان هو أمر فصار"([155]). وقوله "قال الله ليكن نور فكان نور"([156]). فكلمة الله هنا مع الانتباه إلى سوء الترجمة إنما هي: كن فيكون. هذا فيما يتعلق بكلمة الله.

أما إن زعم المنصرون والنصارى أن( مِنْ)ْ في قوله تعالى "بكلمة منه" للتبعيض فإنه ليس لهم متمسك في هذا البتة؛ إذ إن (مِنْ) في الآية ليست للتبعيض كما يزعم بعض النصارى لأن "علامتها إمكان سد بعض مسدها"([157]) ولكنها لابتداء الغاية "وهو الغالب عليها حتى ادعى جماعة [ كما يذكر ابن هشام ]. أن سائر معانيها راجعة إليه"([158]). فلو افترض أن من للتبعيض لكان المعنى كالتالي: إن الله يبشرك بعيسى بعض من الله ولأصبح المعنى فاسداً فساداً بيناً من ناحية نصرانية فضلاً عن بطلانه قبل ذلك من ناحية إسلامية ولغوية ذلك أن اعتقاد النصارى هو أن الكلمة هي عيسى فحينئذ يكون المعنى كالتالي: إن الله يبشرك بعيسى بعض من الله ـ تعالى الله عن ذلك علوا كبيراً ـ وهذا أمر يبطله النصارى والمنصرون قبل غيرهم لأنهم يعتقدون أن عيسى (الابن) هو الكلمة وأن الكلمة هي الله ومن ثم عيسى هو الله فهو مساوٍ لله -في زعمهم تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً- وليس هو بأقل من الله بله أن يكون بعضاً منه؛ ولذلك أول من يجب عليه إبطال أن (مِنْ) للتبعيض كما ترى هم النصارى أنفسهم وبحسب اعتقاداتهم الباطلة.

وقد جاءت من لابتداء الغاية في القرآن كثيراً وفي كتبهم أيضاً وعلى نحو لايصح أن تأتي للتبعيض في مثل قوله "امتحنوا الأرواح هل هي من الله نحن من الله فمن يعرف الله يسمع لنا ومن ليس من الله لايسمع لنا وكل من يحب فقد ولد من الله"([159]).

ولكنهم يحاولون التلبيس على المسلمين لتحقيق أغراضهم ولو كانت حقيقة اعتقاداتهم تناقض دعاواهم وافتراءاتهم على كتاب الله.

أما عن القسم الثاني وهو: مايتعلق بكون عيسى روح من الله أو روح الله:

فإن في ذلك أموراً عدة:-

( 1 ) مامعنى قوله تعالى وروح منه؟

يقول الإمام أحمد: (( وأما قوله تعالى وروح منه يقول من أمره كان الروح فيه كقوله }وسخر لكم مافي السموات ومافي الأرض جميعاً منه{ يقول من أمره وتفسير روح الله إنما معناه أنها روح بكلمة الله خلقها كما يقال: عبدلله وسماء الله وأرض الله)) ([160]).

ويقول ابن جرير: ((وأما قوله }وروح منه{ فإن أهل العلم اختلفوا في تأويله فقال بعضهم: معنى قوله "وروح منه" ونفخة منه لأنه حدث عن نفخة جبريل في درع مريم بأمر الله إياه بذلك فنسب إلى أنه روح من الله لأنه بأمره كان))([161]).

ويقول ابن كثير في تفسير قوله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه إي عيسى ((إنما هو عبد من عباد الله وخلق من خلقه قال له كن فكان ورسول من رسله وكلمته ألقاها إلى مريم أي خلقه بالكلمة التي أُرسل بها جبريل إلى مريم فنفخ فيها من روحه بإذن ربه عز وجل وكانت تلك النفخة التي نفخها في جيب درعها فنزلت حتى ولجت فرجها بمنزلة لقاح الأب والأم والجميع مخلوق لله عز وجل ولهذا قيل لعيسى إنه كلمة الله وروح منه لأنه لم يكن له أب يولد منه وإنما هو ناشئ عن الكلمة التي قال له بها كن فكان والروح التي أرسل بها جبريل))([162]).

( 2 ) أن (مِنْ) في قوله (وروح منه) لإبتداء الغاية وليست للتبعيض يقول ابن كثير: ((وليست من للتبعيض كما تقول النصارى عليهم لعائن الله المتتابعة بل هي لابتداء الغاية كما في الآية الأخرى وسخر لكم مافي السمـوات ومافي الأرض جميعاً منه ( الجاثية:13).وقد قال مجاهد في قوله }وروح منه{ أي رسول منه وقال غيره ومحبة منه والأظهر الأول وهو أنه مخلوق من روح مخلوقة وأضيفت الروح إلى الله على وجه التشريف كما أضيفت الناقة والبيت إلى الله))([163]). ويقول الشنقيطي: ((ولكن من هنا لابتداء الغاية يعني أن مبدأ ذلك الروح الذي ولد به عيسى حياً من الله تعالى لأنه هو الذي أحياه به … ويدل لما ذكرنا ماروي عن أبي بن كعب أنه قال: خلق الله أرواح بني آدم لما أخذ عليهم الميثاق ثم ردها إلى صلب آدم وأمسك عنده روح عيسى فلما أراد خلقه أرسل ذلك الروح إلى مريم فكان منه عيسى "([164]).

ولو فرض أن (مِنْ) هنا للتبعيض لفسد المعنى نصرانياً كما سبق بيانه في قوله تعالى بكلمة منه فلو قلنا على سبيل الفرض: وروح بعض منه باعتبار أن الروح هو عيسى عينه لكان المعنى فاسداً من وجوه منها: أن عيسى يصبح جزءاً وبعضاً من الإله. والبعض ليس مساوياً للكل عقلاً، والنصارى يعتقدون أن المسيح (الابن) بزعمهم إله مساوٍ للأب في الجوهر وليس جزءاً منه بل يعتقدون أن الكلمة كما مر آنفاً –-وهي عيسى –- هي الله فعيسى ليس بعضاً من الله سواء كان هو الروح أو هو الكلمة بحسب اعتقادهم . وهذا مبطل لكون (مِنْ) للتبعيض، فضلاً عما مر سابقاً من استخدام (مِنْ) لابتداء الغاية في كتبهم على نحو يمنع من خلال السياق أن تكون للتبعيض وهو مايماثل ما ههنا.

( 3 ) وعلى كل حال إذا قيل لعيسى كلمة الله أو كلمة منه أو روح الله أو روح منه فإنه لايغير من حقيقته البشرية شيئاً لما مر من الآيات المحكمة القاطعة في القرآن([165]) والنصوص الكثيرة في الأناجيل([166]) الدالة على أن عيسى بشر مخلوق من تراب تطرأ عليه عوارض الحدوث والتغير من حال إلى حال بل من حال الضعف في الطفولة إلى حال القوة في الكهولة ثم الموت بعد ذلك إلى غير ذلك من أمور.

لكن الذين في قلوبهم مرض وزيغ يغمضون أعينهم عما عظم من المتشابه عندهم كتسمية موسى إلهاً بنص التوراة الحالية([167])، ويأخذون من القرآن "بالمتشابه الذي يمكنهم أن يحرفوه إلى مقاصدهم الفاسدة وينزلوه عليها لإحتمال لفظه لما يصرفونه فأما المحكم فلا نصيب لهم فيه لأنه دافع لهم وحجة عليهم ولهذا قال الله تعالى ابتغاء الفتنة أي الإضلال لأتباعهم إيهاماً لهم أنهم يحتجون على بدعتهم بالقرآن وهو حجة عليهم لا لهم كما لو احتج النصارى بأن القرآن قد نطق بأن عيسى روح الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه وتركوا الإحتجاج بقوله إنْ هو إلا عبد أنعمنا عليه وبقوله إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون وغير ذلك من الآيات المحكمة المصرحة بأنه خلق من مخلوقات الله وعبد ورسول من رسل الله"([168]).

( 4 ) أما قوله تعالى روحنا  في مثل قوله فأرسلنا إليها روحنا:

فيقول ابن كثير "يعني جبرائيل "([169]). وكذلك روح القدس في مثل قوله تعالى قل نزله روح القدس من ربك بالحق (النحل :102).. يذكر ابن كثير أنه جبريل([170]).

ويقول ابن تيمية "إن المضاف في الثاني [ أي القسم الثاني ] ([171]) من أقسام المضاف إلى الله مملوك لله مخلوق له بائن عنه لكنه مفضل مشرف لما خصه الله به من الصفات التي اقتضت إضافته إلى الله تبارك وتعالى كما خص ناقة صالح من بين النوق وكما خص بيته بمكة من بين البيوت وكما خص عباده الصالحين من بين الخلق ومن هذا الباب قوله تعالى فأرسلنا إليها روحنا فإنه وصف هذا الروح بأنه تمثل لها بشراً سوياً وأنها استعاذت بالله منه إن كان تقياً، وأنه قال: إنما أنا رسول ربك ...وهذا كله يدل على أنها عين قائمة بنفسها"([172]). كما يقول رحمه الله عن الموضوع نفسه "فأخبر هذا الروح الذي تمثل لها بشراً سوياً أنه رسول ربها فدل الكلام على أن هذا الروح عين قائمة بنفسها ليست صفة لغيرها وأنه رسول من الله ليس صفة من صفات الله ولهذا قال جماهير العلماء: إنه جبريل فإن الله سماه الروح الأمين وسماه روح القدس وسماه جبريل"([173]).

وهذا يوضح أنه ليس لهم أدنى شبهة في هذا إذ المقصود بالروح القدس(وروحنا): جبريل وليس المسيح بل إن البعض جعل معنى الروح في قوله تعالى وروح منه أيضاً جبريل يقول ابن جرير "وقال آخرون معنى الروح ههنا: جبريل قالوا: ومعنى الكلام: وكلمته ألقاها إلى مريم وألقاها أيضاً إليها روح من الله قالوا: فالروح معطوف به على مافي قوله "ألقاها" من ذكر الله بمعنى أن إلقاء الكلمة إلى مريم كان من الله ثم من جبريل "([174]).

( 5 ) الروح أو الروح القدس أو روح الله عند النصارى هو الأقنوم الثالث في ثالوثهم الوثني([175]) وهذا مبطل لادعاء النصارى على القرآن فيما يتعلق بقوله وروح منه أو روحنا من أساسه. لأن القرآن قال عن عيسى إنه روح من الله سبحانه وتعالى أو سماه بذلك بينما المسيح عند النصارى هو الابن أو "الأقنوم الثاني" بزعمهم وليس هو روح الله؛ لأن روح الله، أو الروح، أو الروح القدس عندهم ليس عيسى وإنما هو الأقنوم الثالث ولكل أقنوم بحسب اعتقاداتهم وظائف وأعمال ومهمات لايقوم بها الأقنوم الآخر فجعلهما أقنوماً واحداً لاشك أنه مبطل للتثليث النصراني جملة وتفصيلاً.

وقد جاء في الأناجيل مايوضح أن عيسى كان يخرج الشياطين بروح الله مما يعني أن عيسى شيء والمقصود بروح الله شيء آخر إذ ينسب إلى عيسى قوله "ولكن إن كنت أنا بروح الله أخرج الشياطين فقد أقبل عليكم ملكوت الله"([176]). وفي نص آخر يقول: "وأما التجديف على الروح فلن يغفر للناس ومن قال كلمة على ابن الإنسان [ أي عيسى بزعم النصارى] يغفر له وأما من قال على الروح القدس فلن يغفر له لافي هذا العالم ولا في الآتي"([177]) وفي نص آخر "لأن الذي حُبل به فيها هو من الروح القدس"([178]) وفي غيره "فلما اعتمد يسوع صعد للوقت من الماء وإذا السموات قد انفتحت له فرأى روح الله نازلاً مثل حمامة وآتيا عليه"([179]).

فروح الله أو الروح أو الروح القدس الواردة في النصوص السابقة لاشك أن المقصود بها غير عيسى والمقصود بذلك عند النصارى: الأقنوم الثالث (الروح القدس). والذي هو غير عيسى مما يبطل كل شبههم التي يحاولون من خلالها تأليه عيسى استناداً إلى كتاب الله القرآن العظيم منطلقين من إنزال بعض معتقداتهم الفاسدة على قوله تعالى "وروح منه" أو "روحنا" ومخفين بعضاً.

والعجيب أن في الأناجيل مايدل على أن المقصود بالروح أو الروح القدس أو روح الله إنما هو الملك جبريل وليس ما افتروه من أقنوم ثالث أو رابع فإنجيل لوقا يوضح ويشرح النص الآنف الذكر وهو "لأن الذي حبل به فيها هو من الروح القدس" فيبين لمن يعقل أن هذا الروح القدس إنما هو جبريل حيث يقول في قصة حمل مريم بعيسى: ((وفي الشهر السادس أُرسل جبرائيل الملاك من الله إلى مدينة من الجليل اسمها ناصره إلى عذراء.."([180]) ويقص قصة حمل مريم عليها السلام بعيسى إلى أخرها.

فالمنصرون والنصارى يكيلون بمكيالين وينظرون بمنظارين فاعتقاداتهم المعتمدة لديهم تبطل أن يكون الروح أو روح الله أو الروح القدس -وهو الأقنوم الثالث- هو المسيح لأنه عندهم الابن وهو الأقنوم الثاني بزعمهم لكنهم إذا جاؤوا للقرآن أخفوا معتقداتهم هذه ـ تلبيساً على المسلمين ـ وزعموا أن القرآن يدل على ألوهية عيسى استنتاجاً بزعمهم من أنه قال عنه أو جعله روح الله أو روحاً منه وهو عين ماترفضه معتقداتهم ـ كما مر آنفا ـ لأن جمعهما في أقنوم واحد مبطل حسب اعتقاداتهم لأقانيم النصارى وتثليثهم من أصوله وهو تناقض بيِّن بين مايّدعونه على القرآن ومايعتقدونه فهم يسيرون وفق مبدأ الغاية تبرر الوسيلة.


المطلب الثالث: الرد على ادعاء المنصرين: أن المعجزات التي أيد الله بها عيسى والتي ذكرت في القرآن ولاسيما إحياء الموتى تدل على ألوهية المسيح :

والمعجزات التي ذكرت في القرآن هي:

    1-      كلام عيسى في المهد بإذن الله([181]).

    2-      خلقه من الطين كهيئة الطير فينفخ فيه فيكون طيراً بإذن الله([182]).

    3-      إبراء الأكمه والأبرص بإذن الله([183]).

    4-      إحياء الموتى بإذن الله([184]).

    5-      إنباؤه لبني إسرائيل بما يأكلون ومايدخرون في بيوتهم بإعلام الله له بذلك([185]).

    6-      المائدة التي أنزلها الله -سبحانه وتعالى- على عيسى وحوارييه([186]).

ولإيضاح الرد على المنصرين قسم هذا المبحث إلى الموضوعين التاليين:

الموضوع الأول: معجزات كمعجزات عيسى وذلك من خلال القرآن.

والموضوع الثاني: معجزات كمعجزات عيسى من خلال التوراة والأناجيل.

أما الموضوع الأول فهو:

معجزات كمعجزات عيسى من خلال القرآن:

فقد مر آنفاً بيان المعجزات التي أيد الله بها عيسى والتي ذكرت في القرآن الكريم. ومعلوم أن بعض هذه المعجزات لم يرد فيها شيء البتة في الأناجيل الحالية  ولايعلم النصارى عنها شيئا –فيما اطلع عليه الباحث- من خلال الأناجيل إلا ما اطلعوا عليه من خلال القرآن الكريم، وذلك مثل: كلام عيسى في المهد وكهلاً . ومثل: خلقه من الطين كهيئة الطير فيكون طيراً بإذن الله، ومثل: إنبائه لهم بما يأكلون ومايدخرون في بيوتهم([187]). وإن كان قد ورد أنه أنبأهم ببعض الأمور المستقبلية كتهدم الهيكل مثلاً([188]).

وهذا يدل على جهل النصارى بكثير من أحوال عيسى سواء معجزاته –- كما مر- أو حياته قبل الثلاثين من عمره أو غير ذلك حيث ((لانجد ذكراً لعيسى [ في الأناجيل ] إلا حينما كان طفلاً لايتجاوز عمره ثمانية أيام - أي حينما ختن- ثم لاتدلك الأناجيل على شيء من حياته حتى يبلغ اثنتي عشرة سنة فتذكر أنه (لما كانت له اثنتا عشرة سنة صعد إلى أورشليم كعادة العيد) ثم لاتتكلم الأناجيل عن شيء من أحوال عيسى حتى يبلغ الثلاثين من عمره فتذكر أنه بعث آنذاك))([189]) كما ذكرت الأناجيل أنه ذهب إلى مصر وهو صبي هو وأمه مع يوسف النجار([190]) - والله أعلم بذلك –- إضافة إلى مازعمت الأناجيل أنه نَسَبٌ للمسيح ذلك النسب المضطرب اضطراباً كبيراً كما هو معروف([191]). لعل هذا -فيما اطلع عليه الباحث–- هو أغلب مايعرفه النصارى من تاريخ عيسى إلى مبعثه انطلاقاً من الأناجيل الحالية ولذا فإن القرآن الكريم يقص على بني إسرائيل أكثر الذي هم فيه يختلفون(النمل:76).

لهذا كله سوف يُقتصر في الرد عليهم من خلال القرآن على أهم المعجزات التي بنى بعض النصارى والمنصرين عليها دعوى ألوهية المسيح ولاسيما إحياء الموتى والإخبار بالغيب.

وقبل الدخول في هذا الموضوع لابد من بيان مايأتي:

1) أن هذه المعجزات بإذن الله كما قال جل وعلا على نحو عام: وماكان لرسول أن يأتي بـاية إلا بإذن الله … (الرعد: 38).

وكما قال تعالى علم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا# إلا من ارتضى من رسول فإنه يسلك من بين يديه ومن خلفه رصدا (الجن:26-27).

وكما قال تعالى على نحو خاص في عيسى :وإذ تخلق من الطين كهيــة الطير بإذني فتنفخ فيها فتكون طيراً بإذني وتبرئ الأكمه والأبرص بإذني وإذ تخرج الموتى بإذني (المائدة :110) وقوله تعالى ورسولاً إلى بني إسرائيل أني قد جئتكم بـآية من ربكم أني أخلق لكم من الطين كهيـئة الطير فأنفخ فيه فيكون طيراً بإذن الله وأبرئ الأكمه والأبرص وأحيي الموتى بإذن الله(آل عمران :49).

فكما هو صريح في هذه الآيات فإن المعجزات المذكورة كلها بإذن الله تعالى وهي آية لبني إسرائيل ليؤمنوا برسالة عيسى وليتقوا الله ويطيعوه فيما أرسله الله به.

2) لو انفرد عيسى - على سبيل الفرض- بهذه المعجزات لما كان ذلك دليلاً على ألوهيته لأنه أوتيها بإذن الله تعالى كما مر آنفاً. فكيف وقد شاركه غيره من الرسل والأنبياء في أنواع المعجزات التي أنعم الله بها عليه، إضافة إلى من ليس بنبي ولارسول، وإن من أول ماشورك به: إحياء الموتى بل سوف يقوم بإحياء ميت بإذن الله فتنة للناس وابتلاء  لهم –-إنسان كافر كفراً بواحاً ألا وهو: المسيح الدجال([192]). وهذه الأمور كلها تقطع بأن المعجزات التي جاء بها المسيح ليست دليلاً على الألوهية البتة.

وسوف ندرس موضوع إحياء الموتى أولاً ثم الإخبار بالغيب.

أولاً: إحياء الموتى:

ذكر القرآن الكريم معجزات عدة لإحياء الموتى إنعاماً من الله على بعض رسله وإجابة لدعواتهم وتأييداً لهم وتحدياً لأعدائهم من ذلك:

1) أَخْذ إبراهيم للطيور الأربعة بأمر الله له بعد دعائه الله أن يريه كيف يحيى الموتى وتمزيقه لهن وتفريقه لأجزائهن على كل جبل منهن جزءا ثم دعوته لهن أن يأتينه، فأتينه سعياً، يقول تعالى وإذ قال إبراهم رب أرني كيف تحيي الموتى قال أولم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي قال فخذ أربعة من الطير فصرهن إليك ثم اجعل على كل جبل منهن جزءاً ثم ادعهن يأتينك سعياً واعلم أن الله عزيز حكيم (البقرة :260).

فهل حدوث هذه المعجزة على يد إبراهيم الذي هو أب لعيسى -من خلال القرآن ومن خلال الأناجيل- مسوغ لاتخاذ إبراهيم إلهاً؟

2) إلقاء موسى لعصاه الجماد التي لاروح فيها،ثم تحولها إلى ثعبان عظيم عند فرعون والملأ من قومه قال تعالى وقال موسى يافرعون إني رسول من رب العـلمين $ حقيق على أن لاأقول على الله إلا الحق قد جئتكم ببينة من ربكم فأرسل معي بني إسرائيل$ قال إن كنت جئت بـآية فأت بها إن كنت من الصادقين $ فألقى عصاه فإذا هي ثعبان مبين(الأعراف :104-107). وقوله تعالى وأوحينا إلى موسى أن ألق عصاك فإذا هي تلقف مايأفكون (الأعراف :117).

فهذه معجزة عظيمة أنعم الله بها على موسى إذ أحيا الله هذه القطعة الصغيرة من الخشب الجماد التي لاحياة فيها وجعلها حية عظيمة تسعى وتبتلع بفيها ماوضعه السحرة من عصي وحبال .. إلخ.

3) إحياء الميت الذي قُتل في بني إسرائيل في عهد موسى بإذن الله بعد أمر الله لهم أن يضربوا الميت ببعض البقرة التي ذكرها الله سبحانه وتعالى في القرآن([193]). يقول تعالى وإذ قتلتم نفساً فادارأتم فيها والله مخرج ماكنتم تكتمون$ فقلنا اضربوه ببعضها كذلك يحيي الله الموتى ويريكم آياته لعلكم تعقلون ( البقرة : 72-73).

فهؤلاء الذين ضربوا الميت ببعض لحم البقرة فقام حياً بإذن الله ليسوا من الرسل -على مايظهر- وعلى الرغم من هذا حدثت على أيديهم هذه المعجزة بإذن الله فهل كان هذا مدعاة لتأليه أحد منهم؟ أو تأليه موسى؟

إن النصارى زعموا أن علة تأليه عيسى هي إحياؤه للموتى([194]) ولو فرض أنها علة لتأليه أحد ما من البشر، لكان العقل موجباً أن يؤله كل من اشترك في هذه العلة فقام بمثل هذه المعجزات أو الأمور الخارقة للعادة. وقد شارك عيسى غيره في معجزة الإحياء كما مر آنفاً، مما يبطل ادعاء النصارى في تأليه عيسى لإحيائه الموتى على نحو عام ويبطل نسبة هذا التأليه إلى القرآن على نحو خاص لأن القرآن أوضح أن كل ذلك بإذن الله وأن هناك من أنعم الله عليه بمثل معجزات عيسى في إحياء الموتى، ولم يجعل ذلك منهم آلهة.

ثانياً: الإخبار بالغيب

أخبرنا الله سبحانه وتعالى في القرآن العظيم عن بعض من أنعم عليهم: بإطلاعهم –من لدنه- على بعض الغيوب من ذلك:

أ) ماأنزل على سيد الأولين والآخرين محمد بن عبدالله صلوات الله وسلامه عليه من الغيوب سواء في القرآن الكريم أو السنة الصحيحة وهو شيء كثير لايتسع المقام لذكره، مثل الأخبار عن الأقوام السابقين له صلوت الله وسلامه عليه وعن رسلهم وماجرى لهم مع أقوامهم ومثل الإخبار عن قصة سليمان والهدهد وملكة سبأ إلى غير ذلك من أمور غيبية ماضية بل وأمور غيبية مستقبلية([195]).

ولما كانت الدعوى (دعوى الألوهية ومايرتبط بها) مدعاة من النصارى والمنصرين على القرآن ولأن بعض أهل الكتاب كما يقول ابن تيمية يقول "لانصدق إلا بمافي القرآن"([196]). أي من معجزات الرسول ([197]) فإنه يحسن ذكر بعض ماأنزله الله سبحانه وتعالى على عبده ورسوله في القرآن من الأخبار الغيبية ولاسيما بعض مايرتبط بعيسى وأمه مما انفرد به القرآن الكريم ومن ذلك:

1) أن مريم حملت بعيسى فانتبذت به مكاناً قصياً$فأجاءها المخاض إلى جذع النخلة قالت يليتني مت قبل هذا وكنت نسياً منسياً$ فناد اها من تحتها ألا تحزني قد جعل ربك تحتك سريا $ وهزي إليك بجذع النخلة تساقط عليك رطباً جنيامريم :22-25)..

2) أن عيسى تكلم في المهد وقال إني عبد الله آتاني الكتب وجعلني نبيا $ وجعلني مباركاً أينما كنت وأوصاني بالصلاة والزكاة مادمت حيا $وبراً بوالدتي ولم يجعلني جباراً شقياً $ والسلم علي يوم ولدت ويوم أموت ويوم أبعث حيا(مريم :30-33).

3) أن عيسى خلق من الطين كهيئة الطير فنفخ فيه فصار طيراً بإذن الله([198]).

4) أن عيسى كان ينبئهم بما يأكلون ومايدخرون في بيوتهم([199]).

كل هذه الأخبار الغيبية لايعلمها حتى النصارى أنفسهم وفق أناجيلهم الحالية، كما مر([200]). فإنما أنزلها الله على يد عبده ورسوله في القرآن.

ب) ماجاء في القرآن من إخبار نبي من أنبياء بني إسرائيل لهم عن آية ملك طالوت عليهم. قال تعالى وقال لهم نبيهم إن آية ملكه أن يأتيكم التابوت فيه سكينة من ربكم وبقية مما ترك آل موسى وآل هرون تحمله الملائكة إن في ذلك لآية لكم إن كنتم مؤمنين(البقرة :248) فهذا نبي من بني إسرائيل يخبرهم عن أمور غيبية مستقبلية لم تحدث بعد آنذاك فما جعل ذلك منه إلهاً.

ج) ماأعطاه الله سبحانه وتعالى –للخضر من العلم الغيبي الذي لم يُعطَه رسول من أولي العزم من الرسل وهو موسى صلوات الله وسلامه عليهم، فإن الخضر خرق سفينة المساكين الذين يعملون في البحر حفاظاً عليها لأن الله أعلمه أن وراءهم ملكاً يأخذ كل سفينة غصباً، وقتل الغلام خشية أن يرهق أبويه طغياناً وكفراً، وأقام الجدار الذي كان يريد أن ينقض، إذ كان لغلامين يتيمين في المدينة وكان تحته كنز لهما فأراد الله سبحانه وتعالى أن يبلغا أشدهما ويستخرجا كنزهما رحمة منه([201]).

كل ذلك من الإنباء بالغيب الذي منحه الله تعالى للخضر مما لم أطلع على أن عيسى أعطي مثله لا في القرآن ولا في الأناجيل.

هذا فيما يتعلق بمعجزات مشابهة لمعجزات عيسى من خلال القرآن .

فماذا عن المعجزات المشابهة من خلال التوراة والأناجيل؟ هذا هو الموضوع التالي .

الموضوع الثاني:

معجزات كمعجزات عيسى من خلال التوراة والأناجيل:

إن المعجزات التي أنعم الله بها على عبده ورسوله عيسى تأييداً له وتصديقاً لرسالته ونبوته ليست بدعاً من المعجزات. فقد جاء في التوراة والأناجيل معجزات كمعجزات المسيح ولاسيما إحياء الموتى.

وقبل الخوض في ذكر ذلك لابد من الإشارة إلى أن معجزات المسيح التي وردت في الأناجيل إنما هي -بنص الأناجيل- بإذن الله تعالى يدل على ذلك من الأناجيل مايلي:

 1)   قوله "فرفعوا الحجر حيث كان الميت موضوعاً ورفع يسوع عينه إلى فوق وقال أيها الآب أشكرك لأنك سمعت لي وأنا أعلم أنك في كل حين تسمع لي ولكن لأجل هذا الجمع الواقف قلت ليؤمنوا أنك أرسلتني ولما قال هذا صرخ بصوت عظيم: لِعَازَر هلم خارجاً فخرج الميت.."([202]) فانظر كيف رفع عيسى بصره إلى السماء ودعا الله ومجده، وأوضح النص أن هذه المعجزة إنما هي من أجل أن يُصدقوا به رسولاً من عند الله، وقد استجاب الله دعاءه فخرج الميت حياً بإذن الله.

 2)   قوله "فأجاب يسوع وقال لهم: الحق الحق أقول لكم لايقدر الابن أن يعمل من نفسه شيئاً إلا ماينظر الآب"([203]). وينسب إلى عيسى أنه قال: "والآن علموا أن كل ماأعطيتني هو من عندك"([204]). فكل ماأوتيه المسيح من إحياء للموتى، ومن إنباء بالغيب إلى غير ذلك من معجزات إنما هو بنص أقوال المسيح من عند الله وبإذن الله سبحانه وتعالى وهذا مثبت أنه ليس له من الأمر شيء ومبطل لدعوى ألوهية المسيح من خلال الأناجيل كما بطلت هذه الدعوى قبل من خلال القرآن .

 3)  جاء في نص آخر: "فقالت مرثا ليسوع: ياسيد لو كنت ههنا لم يمت أخي لكن الآن أعلم أن كل ماتطلبه من الله يعطيك إياه"([205]). فهذه المرأة تعلم أن الأمر ليس بيده وإنما إذا دعا الله أعطاه الله سؤله فإحياء الموتى الذي حدث على يد المسيح إنما هو بإذن الله سبحانه وتعالى.

 4)  وفي نص آخر: "أيها الرجال الإسرائيليون اسمعوا هذه الأقوال: يسوع الناصري رجل [!] قد تبرهن لكم من قبل الله بقوات وعجائب وآيات صنعها الله بيده في وسطكم كما أنتم تعلمون"([206]). فالأمر بدهي عند المؤمنين بعيسى آنذاك من بني إسرائيل: أن المعجزات التي جاء بها إنما أوجدها وصنعها الله وليس عيسى وإنما حصلت على يد عيسى فهي من (قبل الله) أو من عند الله وبإذن الله وأوجدها الله سبحانه وتعالى وماعيسى إلا (رجل) أو عبد من عبيد الله ورسول من رسله ثبت صدقه بما أنزله الله على يديه من المعجزات (القوات والعجائب).

ولذا على الرغم من إحياء عيسى للموتى بإذن الله، لم يجعل ذلك منه عند الجموع التي قام بالمعجزات في وسطها إلا أنه نبي فقط فلم يتجاوزوا به طور البشرية. جاء في الأناجيل "فقال [ أي عيسى ] أيها الشاب لك أقول قم فجلس الميت وابتدأ يتكلم فدفعه إلى أمه فأخذ الجمع خوف ومجدوا الله قائلين قد قام فينا نبي عظيم وافتقد الله شعبه"([207]).

وفي النص الذي قبل هذا قالوا عن عيسى إنه (رجل تبرهن لكم من قبل الله)، ولم يقولوا: إله، أو ابن إله. وهذا مما يوضح حقيقة عيسى وأنه عند بني إسرائيل الذين أرسل إليهم وآمنوا به إنما هو رسول نبي وعبد من عباد الله لأن المعجزات التي جاء بها إنما كانت بإذن الله سبحانه وتعالى ومن عنده وليست من عند المسيح ابتداءً .

وقد جاء في الأناجيل أن عيسى قال للحواريين "اشفوا مرضى طهروا برصاً أقيموا موتى أخرجوا شياطين مجانا"([208]). وهذا دليل على أن إحياء الموتى ليس علة ولامبرراً لتأليه أحد من البشر مما يسقط دعوى النصارى في ألوهية عيسى استناداً إلى إحيائه للموتى فعلى فرض صحة هذا النص وافتراض تحققه من قبل الحواريين يوضح بجلاء أن إحياءهم للموتى لم ولن يجعل منهم آلهة وليس هذا مسوغاً لتأليه أحد من البشر فإن زعم النصارى أن ذلك بسلطة أو بإذن من الله سبحانه وتعالى فإن هذا الكلام هو عين الرد عليهم في حالة إحياء عيسى للموتى إذا أحيا عيسى الموتى بإذن الله كما أوضحت ذلك آيات القرآن ونصوص الأناجيل الآنفة الذكر.

هذا فيما يتعلق بكون معجزات عيسى بإذن الله سبحانه وتعالى كما تدل عليه الأناجيل فما المعجزات التي تشبه معجزات عيسى ؟

إن من المعجزات التي كمعجزات عيسى من خلال التوراة والأناجيل مايلي:

أولاً- إحياء الموتى:

جاء في سفر الملوك الأول:"...قال [ إيليا ] يارب إليه لترجع نفس هذا الولد إلى جوفه فسمع الرب لصوت إيليا فرجعت نفس الولد إلى جوفه فعاش...وقال إيليا [ لأم الولد] انظري ابنك حي فقالت المرأة لإيليا هذا الوقت علمت أنك رجل الله وأن كلام الرب في فمك حق"([209]). فأقصى ماقالته المرأة لإيليا بعد أن أحيا الله على يديه ابنها "إنك رجل الله" أي نبي الله. ولم تغل فيه فتقول له: إنك إله.

كما جاء في التوراة قوله "ودخل أَليِشَع البيت وإذا بالصبي ميت ومضطجع على سريره فدخل وأغلق الباب على نفسيهما كليهما وصلى إلى الرب... فعطس الصبي سبع مرات ثم فتح الصبي عينيه ... فدعاها [ أي أم الصبي ] ولما دخلت إليه قال احملي ابنك"([210]). فما اتخذ اليسع إلهاً لذلك الإحياء الذي هو بإذن الله وهو كمعجزات عيسى .

كما جاء فيها قوله "ومات أَليِشَع فدفنوه وكان غزاة موآب تدخل على الأرض  عند دخول السنة وفيما كانوا يدفنون رجلاً إذا بهم قد رأوا الغزاة فطرحوا الرجل في قبر أَليشع فلما نزل الرجل ومس عظام أليشع عاش وقام على رجليه"([211]) فاليشع فيما تروي التوراة حتى وهو ميت تحيي عظامه بإذن الله ميتاً.

وجاء عن حزقيال أنه أحيا جيشاً عظيماً جداً جداً بإذن الله كانت عظام أفراده رميماً([212]).

فهؤلاء أحيوا بإذن الله أمواتاً وبعضهم أحيا جيشاً عظيماً من الأموات فلِمَ لم يكونوا آلهة مثل عيسى -تدرجا مع زعم النصارى؟ علماً أن العلة التي ادعاها النصارى والمنصرون لتأليه عيسى هي: إحياء الموتى، وهؤلاء اشتركوا مع عيسى في العلة نفسها وقاموا بالأفعال أو المعجزات نفسها. مما يوجب على النصارى –عقلاً الاشتراك مع عيسى في النتيجة نفسها وهي الألوهية فعدم تأليه النصارى لمن شارك عيسى في الفعل والعلة (المقدمة الصغرى والكبرى) مكابرة ومعاندة يرفضها العقل فهي من باب التفريق بين المتماثلات والمتطابقات لأن تطابق المقدمات مفضٍ لتطابق النتائج.

ومنطقياً كل من شارك عيسى بإحياء الموتى فهو إله كعيسى بجامع إحياء الموتى وتأليه هؤلاء البشر نتيجة كاذبة يكذبها النصارى قبل غيرهم ولما كانت النتائج كاذبة والمقدمات (الصغرى) مسلمة - ولاسيما المقبول منها عند المسلمين والنصارى- ثبت عقلاً أن العلة – أو المقدمة الكبرى في قياس الشمول- هي سبب بطلان النتائج وكذبها. وهذا ماتدل عليه آيات القرآن ونصوص التوراة والأناجيل من أن حصول معجزة إحياء الموتى على يد أحد من البشر وإن كان نبياً أو صالحاً ليس دليلاً على ألوهيته. مما يسقط دعوى النصارى في تأليه عيسى لأنه أحيا موتى إذ تبين أن هذا ليس علة للألوهية حيث قام بهذا الإحياء مَنْ ليس بإله مِن الرسل والأنبياء بإذن الله بل ومن ليس من الأنبياء أو الرسل.

ثم كيف وقد نص القرآن قبل هذا وورد في الأناجيل فيما يختص بعيسى أن معجزاته كانت بإذن الله سبحانه وتعالى([213]) خالق عيسى وإلهه وإله الخلق أجمعين. كما مر([214])  من الآيات والنصوص الدالة على بشرية عيسى وعبوديته الشيء الكثير. إن هذا كما أنه نافٍ لألوهية عيسى مبين لكذب دعواهم على القرآن أنه قد يلمح إلى ألوهية المسيح فضلاً عن أن يؤيدها..

 

ثانياً: الإخبار بالغيب:

من أمثلة ذلك ماجاء في العهد الجديد وهو قول بولس "والآن أنذركم أن تسيروا لأنه لاتكون خسارة نفس واحدة منكم إلا السفينة لأنه وقف بي هذه الليلة ملاك الإله الذي أنا له والذي أنا أعبده قائلاً لاتخف يابولس ينبغي لك أن تقف أمام قيصر وهو ذا قد وهبك الله جميع المسافرين معك"([215]).

وفي العهد القديم أخبر صموائيل شاول أخباراً مستقبلية متعددة مما كان سيمر بها شاول إلى أن ينتهي الأمر بنبوة شاول([216]).

والإخبار بالنبوات المستقبلية من الأنبياء السابقين كثيرة في العهدين القديم والجديد ولاسيما في العهد القديم، وهي من الإخبار بالغيب الذي أذن الله به لمن يشاء من عباده وإن من أول ذلك البشارة بالرسول المبثوثة في كثير من أسفار العهدين وسواء قصد بهذه البشارات محمد كما هو الحق أو عيسى كما يزعمه النصارى فهي إنباء بالغيب من أنبياء ورسل بشر لم يجعلهم ذلك آلهة أو أبناء ألهة باتفاق المسلمين والنصارى فضلاً عن أن كل ذلك بإذن الله سبحانه وتعالى .


الخاتمة

أولاً: الخلاصة:-

الحمد لله أولاً وآخراً والصلاة والسلام على رسول الله أما بعد:

فعنوان هذا البحث هو: افتراءات المنصرين على القرآن أنه يؤيد زعم ألوهية المسيح ، "دراسة نقدية". وهو مكون من مقدمة، وتمهيد وثلاثة مباحث وخاتمة.

ففي المقدمة: أوضحت أهمية الموضوع وسبب اختياره والمنهج المتبع وشيء من الدراسات السابقة والمصطلحات. أما في التمهيد فقد ألقى الباحث نظرة تاريخية على المؤلفات التنصيرية في الموضوع وأوضح أن بدايات الافتراء على كتاب الله في هذا الموضوع بدأت منذ عهد الرسول .

أما في المبحث الأول: فقد استعرض الباحث ادعاءات النصارى التي زعموا أنها تدل على أن القرآن يؤيد زعمهم في ألوهية المسيح وهي: زعمهم أن ضمائر الجمع التي تكلم الله بها عن نفسه في القرآن تدل على ألوهية المسيح، وزعمهم أن القرآن جعل المسيح روحاً من الله وكلمة الله التي تجسدت وصارت إنساناً والمعجزات التي ذكرها القرآن للمسيح ولا سيما إحياء الموتى.

أما المبحث الثاني: فكان رداً على ادعاءات النصارى آنفة الذكر على نحو مجمل وذلك من خلال دراسة الأمور الآتية: وحدانية الله من خلال القرآن والتوراة والأناجيل، ثم دراسة ماينفي الألوهية عن المسيح من خلال القرآن والأناجيل، ودراسة بشرية عيسى وعبوديته ونبوته ورسالته أيضاً من خلال القرآن والأناجيل.

أما المبحث الثالث: فكان رداً تفصيلياً على ادعاءات المنصرين التي ذُكرت في المبحث الأول. وكان ذلك في ثلاثة مطالب. ففي المطلب الأول رُد على زعمهم أن ضمائر الجمع التي أسندت إلى الله في القرآن تؤيد ألوهية المسيح وذلك من ناحية لغوية . أما في المطلب الثاني فقد رُد عليهم فيما ادعوه من أن القرآن جعل المسيح روحاً من الله أو كلمة من الله على المعاني النصرانية التي حاولوا إنزالها على آي القرآن الكريم. وفي المطلب الثالث رُد على ادعائهم أن المعجزات التي أنعم الله بها على المسيح ولا سيما إحياء الموتى تدل على ألوهية المسيح.

وأخيراً الخاتمة وفيها خلاصة موجزة وبعض النتائج والتوصيات.

ثانياً: النتائج والتوصيات:

مما توصل إليه الباحث من نتائج وتوصيات مايأتي:

1- أن المنصرين يدعون المحكم الواضح من آي القرآن ويأخذون بما قد يكون متشابهاً ليصرفوه إلى مايوافق معتقداتهم الباطلة، وإن كان في حقيقته لايدل على مايدَّعون.

2- سَعْيُ المنصرين والنصارى لتضليل المسلمين والهجوم عليهم من خلال مسلماتهم، ولا سيما القرآن الكريم، وذلك منذ أيام الإسلام الأولى.

3- عدم تورُّع النصارى عن ادعاء دعاوٍ على القرآن وإن كانت كاذبة أو مما تخالف معتقداتهم -في حقيقتها- مادامت تخدم غاياتهم وأهدافهم.

4- خطورة منهج المنصرين في محاولة إثبات بعض معتقداتهم الباطلة من خلال القرآن؛ مما يحتاج إلى مواجهة تتناسب مع ذلك.

5- بطلان ماافتراه المنصرون على القرآن وكذبه من أن القرآن يؤيد زعم ألوهية المسيح بل ثبوت بشريته وعبوديته ورسالته وعدم ألو هيته سواء من القرآن أو الأناجيل.

6- يوصي الباحث بالاهتمام بمنهج المنصرين في محاولة التهجم على القرآن من خلال آياته، وذلك: بمواجهة هذا الأسلوب بحثيا وعلميا وكشف زيف دعاوى المنصرين، وتوعية المسلمين بذلك، وترجمة مايصلح من الدراسات في هذا الجانب إلى لغات المسلمين ولا سيما الذين تشتد بينهم الهجمات التنصيرية الفكرية المرتبطة بهذا الموضوع.

7- يوصي الباحث أن تُضَمَّن كتب تفسير القرآن ولاسيما المختصرة والمترجمة إلى لغات المسلمين مايغرس في ذهن القارئ –ابتداءً- الجواب على الشُّبه التي يزعمها النصارى على القرآن وعلى نحو غير مباشر مع عدم ذكر الشبهة.

8- يوصي الباحث بدراسة موضوعات تنصيرية أخرى تحاول التهجم على القرآن مدعية أنه يؤيد معتقداتهم مثل: محاولة إثبات أن القرآن يبين صحة كتبهم الحالية، وعدم تحريفها -ولعل هذا من أخطر موضوعاتهم المعاصرة في هذا الجانب فيما أرى- وادعاء أن القرآن مقتبس من التوراة، وزعم أن القرآن يقول بصلب المسيح، وادعاء أن في القرآن أخطاء لغوية، أو تاريخية إلى غير ذلك من افتراءات وأباطيل على القرآن الكريم.

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.


فهرس المصادر والمراجع

أولاً: القرآن الكريم.

ثانياً: كتب العهدين.

ثالثاً: كتب عامة:-

1- "أدلة اليقين في الرد على كتاب ميزان الحق وغيره من مطاعن المبشرين المسيحين في الإسلام": عبدالرحمن الجزيري. (الطبعة الأولى (1353هـ-1934م)).

2-  "أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن": محمد الأمين بن محمد المختار. (طبع على نفقة سمو الأمير أحمد بن عبدالعزيز عام 1403هـ-1983م).

3- "إظهار الحق": رحمت الله بن خليل الهندي. (تحقيق عمر الدسوقي). (المكتبة العصرية في بيروت).

4- "إعجاز القرآن العلمي": محمود مهدي الاستانبولي. (الطبعة الثانية مكتبة السوادي للتوزيع –جدة).

5-   "الإنجيل والصليب": عبدالأحد دواود. (تعريب مسلم عراقي) (القاهرة،1350هـ).

6- "بماذا يؤمن المسيحيون": جورجيا هاركنس (ترجمة إسحاق مسعد القاهرة. (دار التأليف والنشر للكنيسة الأسقفية).

7- "تأويل مشكل القرآن": عبدالله بن مسلم ابن قتيبة. شرح ونشر السيد أحمد صقر، المكتبة العلمية. المدينة المنورة (الطبعة الثالثة(1401هـ/1981م).

8-  "تفسير انجيل متى": مجموعة من أشهر مفسري الكتاب المقدس: (مكتبة النيل المسيحية).

9- "تفسير القرآن العظيم": إسماعيل بن كثير القرشي. (دار المعرفة –بيروت-لبنان 1403هـ-1983م).

10-  "تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان": عبدالرحمن بن ناصر السعدي. (مؤسسة الرسالة، بيروت، الطبعة الخامسة، 1417هـ-1997م).

11-  "جامع البيان عن تأويل آي القرآن": محمد بن جرير الطبري. (دار الفكر-1405م).

12-  "جامع الدروس العربية": مصطفى الغلاييني. (الطبعة الثامنة عشرة (1405هـ-1985م).

13-   "الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح": أحمد بن عبدالحليم بن عبدالسلام ابن تيمية. (تحقيق وتعليق د.علي بن حسين ناصر ود.عبدالعزيز العسكر ود.حمدان الحمدان. الطبعة الثانية (1419هـ-1999م).

14-      "ديوان امرئ القيس": دار بيروت للطباعة والنشر (1392هـ/1972م).

15-  "الرد على الجهمية والزنادقة فيما شكوا فيه من متشابه القرآن وتأولوهُ على غير تأويله: أحمد بن محمد بن حنبل. قام بتصحيحه والتعليق عليه: إسماعيل الأنصاري، نشر وتوزيع: رئاسة إدارات البحوث العلمية والأفتاء والدعوة والإرشاد بالمملكة العربية السعودية.

16-  "رسالة راهب فرنسا للمسلمين وجواب القاضي ابي الوليد الباجي عليها: دراسة وتحقيق: د.محمد عبدالله الشرقاوي. طبع ونشر الرئاسة العامة للبحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد، الرياض، الطبعة الثانية،1407هـ.

17-  "رسالة عبدالله بن إسماعيل الهاشمي إلى عبدالمسيح بن إسحاق الكندي يدعوه إلى الإسلام ورسالة عبدالمسيح إلىالهاشمي يرد بها عليه ويدعوه إلى النصرانية. طبع مصر عام (1895م).

18-  "روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني": محمود الألوسي. (إدارة الطباعة المنيريه).

19-  "السيرة النبوية": عبدالملك بن هشام الحميري. (تحقيق مصطفى السقا وآخرون مؤسسة علوم القرآن.

20-  "شرح المعلقات العشر": الحسين بن أحمد الزوزني. (طبعة عام 1983م) دار مكتبة الحياة.بيروت.

21-  "الصاحبي": أحمد بن فارس. (تحقيق السيد أحمد صقر) (مطبعة عيسى البابي الحلبي وشركاه.

22-  "صحيح أبي عبدالله البخاري": محمد بن اسماعيل بن إبراهيم البخاري.تحقيق وتعليق: محمد النواوي ومحمد أبو الفضل إبراهيم ومحمد خفاجي.  - ثلاثة مجلدات، تسعة أجزاء. الطبعة الثانية (1404هـ-1984م). الناشران: مكتبة النهضة الحديثة مكة، ومكتبة الرياض الحديثة –الرياض.

23-      "العقائد الوثنية في الديانة النصرانية": محمد طاهر التنير-بيروت-1330هـ.

24-  "فتح الباري بشرح صحيح البخاري": أحمد بن علي بن حجر العسقلاني تحقيق الشيخ عبدالعزيز بن باز وآخرون دار المعرفة "بيروت".

25-  "القاموس الموجز للكتاب المقدس": حنا الله جرجس ووهيب مالك طبع مكتبة كنيسة الأخوة – مصر – عام 1983م.

26-      "القرآن والمبشرون" الطبعة الثانية: محمد عزة دروزة (1392هـ،1972م).

27-      "المسيحية" أحمد شلبي ط(7) القاهرة مكتبة النهضة المصرية (1983م).

28-  "معالم حضارات الشرق الأدنى القديم" محمد عصفور ، لبنان دار النهضة 1981م.

29-  "مغني اللبيب عن كتب الأعاريب": عبد الله بن هشام الأنصاري، تحقيق محمد محيي الدين عبدالحميد، دار إحياء التراث العربي.

30-  "المفضليات": المفضل بن محمد الضبي: تحقيق وشرح: أحمد محمد شاكر وعبدالسلام هارون، الطبعة السابقة، دار المعارف "مصر".

31-      "من معجزات النبي " عبدالعزيز السلمان، الطبعة الثانية، 1420هـ،1999م.

32-      "النحو الوافي" عباس حسن، الطبعة الخامسة، دار المعارف بمصر.

33-  "نزول عيسى بن مريم آخر الزمان": جلال الدين السيوطي: دراسة وتحقيق محمد عبدالقادر عطا. ط(1) دار الكتب العلمية ببيروت.

34-  "نصرانية عيسى ونصرانية بولس" دراسة مقارنة من خلال أسفار العهد الجديد: علي عتيق الحربي بحث ماجستير عام 1407هـ.


فهرس المحتويات

 

المقدمـة.............................................. 1

مصطلحات البحث................................... 3

تمهيد:............................................... 5

المبحث الأول: عرض ادعاءات المنصرين على القرآن أنه يؤيد اعتقادهم بألوهية المسيح - -u...................................... 9

الادعاء الأول:-.................................... 9

الإدعاء الثاني:-.................................. 11

الإدعاء الثالث:-.................................. 12

المبحث الثاني:رد إجمالي على ماسبق من ادعاءات المنصرين على القرآن     15

أولاً: وحدانية الله من خلال القرآن وكتب العهدين: 16

ثانياً: نفي الألوهية عن عيسى - - من خلال القرآن والأناجيل:  23

ثالثاً: بشرية عيسى - - وعبوديته من خلال القرآن والأناجيل:   31

رابعاً: نبوة عيسى - -ورسالته من خلال القرآن والأناجيل:      38

المبحث الثالث: رد تفصيلي على ماسبق من ادعاءات المنصرين على القرآن   43

المطلب الأول : الرد على ادعاء المنصرين أن ضمائر الجمع التي تكلم الله بها عن نفسه في القرآن تدل على ألوهية المسيح:....... 44

المطلب الثاني:  الرد على ادعاء المنصرين أن المسيح روح من الله-بجعل مِنْ للتبعيض- وكلمة الله التي تجسدت وصارت إنساناً: 55

المطلب الثالث: الرد على ادعاء المنصرين: أن المعجزات التي أيد الله بها عيسى والتي ذكرت في القرآن ولاسيما إحياء الموتى تدل على ألوهية المسيح     71

الخاتمة............................................. 76

أولاً: الخلاصة:-................................. 76

ثانياً: النتائج والتوصيات:........................ 76

فهرس المصادر والمراجع........................ 76

فهرس المحتويات.................................. 76

 

 


 

 

 

 



([1]) ابن هشام: "السيرة النبوية". ج1 ص: (575).

([2]) انظر: ابن تيمية "الجواب الصحيح" ج3، ص: (448).

([3]) "رسالة عبدالمسيح الكندي إلى الهاشمي يرد بها عليه ويدعوه إلى النصرانية"، طبعت في مصر سنة 1895م، ص38.

([4]) الكتاب المقدس عندالنصارى هو المكون من قسمين: العهد القديم والعهد الجديد، وتبلغ أسفار العهد القديم (أو التوراة): (39) سفراً كما هو عند البروتستانت و: (46) سفراً عند الكاثوليك والأورثوذكس، أما العهد الجديد (أو الأناجيل) فتبلغ أسفاره: (27) سفراً. [ انظر: علي الحربي: "نصرانية عيسى   u ونصرانية بولس دراسة مقارنة من أسفار العهد الجديد" بحث ماجستير (1407هـ) ص (4و6) ].

([5]) نقلاً عن: عبد الرحمن الجزيري: "أدلة اليقين في الرد على كتاب ميزان الحق وغيره من مطاعن المبشرين المسيحين في الإسلام" الطبعة الأولى (1353-1943م) ص(219).

([6]) "رسالة عبدالمسيح إلى الهاشمي يرد بها عليه ويدعوه إلى النصرانية" ص (42).

([7]) "بين الاسلام والمسيحية" ص75-76.

([8]) يوحنا (1:1).

([9]) نقلاً عن : الجزيري: "أدلة اليقين"ص(359).

([10]) ابن هشام: "السيرة النبوية" ج1، ص: (575).

([11]) "بين الإسلام والمسيحية"، ص: (75-76).

([12]) عبدالرحمن الجزيري: "أدلة اليقين" ص:(363).

([13]) نقلاً عن: محمد عزة دروزة: "القرآن والمبشرون" الطبعة الثانية (1392هـ-1972م)، ص: (399).

([14]) المقصود بالوحدانية -في هذا البحث- ما يقابل التثليث، أي أن الله سبحانه وتعالى- واحدٌ أحدٌ ليس معه إلهٌ غيره فضلاً عن آلهة أخرى، كما أنه ليس ثالث ثلاثة كما يزعم النصارى وليس المقصود بذلك وحدانية الله في أسمائه وصفاته وعبادته وربوبيته ذلك أن اليهود -كما هو معلوم- في باب الصفات مجسمة، والنصارى مجسدة، والمسلمون السائرون على منهج السلف الصالح -رضوان الله عليهم -من الصحابة ومن تبعهم بإحسانٍ يؤمنون بما وصف الله به نفسه ووصفه به رسوله r من غير تحريف ولا تمثيل ولا تشبيه ولا تعطيل ولا تكييف. فالجزئية التي سوف يُستدل عليها من التوراة أو الأناجيل هي هذه الوحدانية المصطلح عليها آنفاً فقط.

([15]) انظر ص: (10).

([16]) التثنيه: (6:4-14).

([17]) اشعياء: (45: 5-6).

([18]) اشعياء: (45: 21).

([19]) التثنية: (4: 35-39).

([20]) التثنية: (5: 6-7)، وانظر النص نفسه مكرراً في الخروج: (20: 2-3).

([21]) يسوع هي: الصيغة اليونانية للاسم العبري (يشوع). [ انظرحناالله جرجس ووهيب مالك: القاموس الموجز للكتاب المقدس: ج(2)، ص: (743)] والمقصود به عيسى u.

([22]) مرقس: (12: 28-34) وانظر: متى (2: 35-39).

([23]) يوحنا (17: 3).

([24]) انظر: عبد الأحدداود: "الإنجيل والصليب" تعريب مسلم عراقي، (القاهرة، 1350هـ) ص:159.

([25]) متى: (4: 10).

([26]) يوحنا: (5: 43-44).

([27]) يوحنا: (20: 17).

([28]) لوقا: (18: 19) وانظر: متى (19: 17).

([29]) انظر ص: (10).

([30]) انظر حول هذا الموضوع: محمد طاهر التنير: "العقائد الوثنية في الديانة النصرانية" - (1330هـ) ص: (20-21)؛ وأحمد شلبي: "المسيحية"، ط(7) القاهرة مكتبة النهضة المصرية (1983م)، ص(130). ومحمد عصفور: "معالم حضارات الشرق الأدني القديم" (لبنان: دار النهضة العربية -1981م) ص: (216).

([31]) ابن تيمية، "الجواب الصحيح" ج2 ص: (171).

([32]) انظر ص: (19).

([33]) متى (20: 21-23).

([34]) يوحنا (5: 19).

([35]) متى (7: 21).

([36]) لوقا (1: 37).

([37]) مرقس (10: 27).

([38]) متى (26: 39).

([39]) يوحنا (6: 44).

([40]) مرقس (13: 32).

([41]) متى (24: 36).

([42]) أنظر: متى الإصحاح الرابع والعشرين كاملاً.

([43]) مرقس (11: 12-14).

([44]) يوحنا (14: 28).

([45]) جوجيا هاركنس "بماذا يؤمن المسيحيون" ترجمة إسحق مسعد (القاهرة دار التأيف والنشر للكنيسة الأسقفية) ص: (69).

([46]) يوحنا (12: 47).

([47]) يوحنا (12: 48).

([48]) يوحنا (20: 17).

([49]) يوحنا (1: 18).

([50]) يوحنا (5: 37).

([51]) انظر ص (21).

([52]) انظر متى (4: 1-3) وانظر ص (21).

([53]) يوحنا (8: 55).

([54]) إسماعيل بن كثير القرشي:تفسير القرآن العظيم"دار المعرفة بيروت–-لبنان-(1403هـ-1983م) جـ2 ص(119).

([55]) انظر سورة الأنعام:84 .

([56]) انظر سورة الحديد:26.

([57]) سورة مريم: 22

([58]) سورة( مريم :22.

([59]) سورة (مريم :27).

([60]) انظر: جلال الدين السيوطي "نزول عبسى بن مريم آخر الزمان" دراسة وتحقيق، محمد عبدالقادر عطا ط(1)، دارة الكتب العلمية –-بيروت- ص(61-86) وانظر: محمد أنور شاه الكشميري: "التصريح بما تواتر في نزول المسيح" تحقيق عبدالفتاح أبو غدة ط(3) مكتب المطبوعات الإسلامية ودار الفرقان –- بيروت ص (91-فما بعد).

([61]) يوحنا (8: 39-40).

([62]) يوحنا (20: 17).

([63]) متى (4: 9-10).

([64]) متى (14: 3).

([65]) متى (26: 39).

([66]) لوقا (6: 12).

([67]) لوقا (22: 44).

([68]) يوحنا (8: 29).

([69]) يوحنا (7: 46-53).

([70]) يوحنا (9: 10-11) وانظر يوحنا (9: 16) ويوحنا (9: 24-25).

([71]) انظر لوقا (1: 26-37).

([72]) متى (1:1) وأنظر كونه من نسل داود متى (12: 23) ولوقا (1 : 32) ويوحنا (7: 42).

([73]) انظر لوقا (1: 26-37).

([74]) لوقا (1: 37).

([75]) لوقا (1: 36).

([76]) ذكرت الأناجيل: أن مريم بعد ولادة عيسى تزوجت من يوسف النجار الذي كانت مخطوبة له قبل الحمل بعيسى إلا أن الله يقول -على لسان أم مريم-: }رب إني نذرت لك مافي بطني محرراً{ [ آل عمران (35)] والمحرر كما نقل الألوسي "من لا يعمل للدنيا ولا يتزوج ويتفرغ لعمل الآخرة ويعبد الله تعالى ويكون في خدمة الكنيسة قاله ابن عباس رضي الله عنهما" [ محمود الألوسي: "روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني" إدارة الطباعة المنيرية، ج1 (3) ص133] وعلى هذا يكون زعم زواج مريم -عليها السلام- زعماً غير صحيح والله أعلم.

([77]) متى (13: 54-56).

([78]) لوقا (1: 36).

([79]) في السنة الصحيحة أن عيسى ويحيى -عليهما السلام- ابنا خالة. انظر: محمد بن إسماعيل البخاري "صحيح أبي عبدالله البخاري" تحقيق وتعليق: محمود النواوي وآخرون ط(2) (1404/1984م) مكتبة النهضة الحديقة (مكة) ومكتبة الرياض الحديثة (الرياض) مجلد(2) كتاب (54) باب (43) حديث (105). ج(2) ص 130، ومسلم كتاب الإيمان باب الإسراء برسول الله r إلى السموات ج(1) ص (145) حديث رقم 259).

([80]) متى (2: 1-6) ولوقا (2: 4-7) وأنظر لوقا (1: 26-37).

([81]) لوقا (2: 21).

([82]) أنظر لوقا (3: 23).

([83]) يوحنا (8: 6و9).

([84]) أنظر متى (4: 2) ومتى (11: 12).

([85]) أنظر متى (26: 17-25) ومرقس (14: 1).

([86]) أنظر مرقس (14: 12-18).

([87]) أنظر يوحنا (4: 7-10).

([88]) أنظر لوقا (22: 44).

([89]) أنظر متى (5: 1)و (13: 1-2) ويوحنا (4: 6).

([90]) أنظر متى (21: 7) ومرقس (11:  7) ولوقا (19: 35-36).

([91]) مرقس (7: 33) ويوحنا (9: 6).

([92]) متى (26: 37) ومرقس (14: 33-34).

([93]) متى (26: 39).

([94]) لوقا (22: 41).

([95]) انظر ص (15)

([96]) "رسالة راهب فرنسا إلى المسلمين وجواب القاضي أبي الوليد الباجي عليها" ص (59-60).

([97]) انظر تفسير ابن كثير ج4 ص172.

([98]) متى (13: 57) ولوقا (4: 24) و (13: 33).

([99]) متى (21: 45).

([100])  متى (21: 11) وانظر سوى مامر يوحنا (6: 14) و (7: 40) و(9: 17) ولوقا (7: 19) ومرقس  (6: 15) ويوحنا (9: 17).

([101]) انظر ص (13).

([102]) يوحنا (7: 28-29) و (16-17) و (8: 16،18،26،29،42) و (17: 8و25).

([103]) انظر متى (8: 19) و (9: 11) و (12: 38) ومرقس (5: 35) و (9: 38) و (10: 35) ولوقا (8: 49) وغيرها كثير.

([104])  مرقس (1: 14-15).

([105]) لوقا (4: 43-44).

([106]) مرقس (1: 38).

([107]) متى (4: 23-25).

([108]) متى (11: 20-23).

([109]) يوحنا (9: 4) وأنظر يوحنا (4: 31).

([110]) يوحنا (12: 49-50) وأنظر يوحنا (4: 31) و (8: 26و28) و يوحنا (17: 7-8).

([111]) انظر ص (4-8)

([112]) انظر ص (5).

([113]) انظر عباس حسن :" النحو الوافي" الطبعة الخامسة، دار المعارف بمصر، ج(1) ص(119و137).

([114]) الجزيري: "أدلة اليقين" ص (220-221)

([115]) ابن تيمية "الجواب الصحيح "ج3/ص 448).

([116]) عبدالله بن مسلم ابن قتيبة "تأويل مشكل القرآن" شرح السيد أحمد صقر الطبعة الثالثة (1401هـ/1981م) ص293.

([117]) أحمد بن فارس: "الصاحبي" تحقيق السيد أحمد صقر مطبعة عيسى الباجي الحلبي وشركاه ص: (353).

([118]) ابن تيمية "الجواب الصحيح" ج3 ص(448).

([119]) "ديوان امرئ القيس" دار بيروت للطباعة والنشر (1392هـ/ 1972م) ص(79).

([120]) الحسين بن أحمد الزوزني: "شرح المعلقات العشر" طبعة (1983م) دار مكتبة الحياة، بيروت ص(202).

([121]) المرجع السابق ص(155).

([122]) المرجع السابق ص (263).

([123]) المفضل بن محمد الضبي: "المفضليات" تحقيق وشرح أحمد محمد شاكر، وعبدالسلام هارون، الطبعة السابعة، دار المعارف مصر، ص(34-35).

([124]) انظر ص: (5).

([125]) انظر ص: (6).

([126]) التكوين (1: 26).

([127]) التكوين (22:3).

([128]) التكوين (11 : 7).

([129]) انظر ص(12).

([130]) نشيد الإنشاد: (6: 13).

([131]) نشيد الإنشاد ( 7 : 11).

([132]) نشيد الإنشاد (1 : 4).

([133]) رومية (9 : 13-14).

([134]) رومية (3: 28-31).

([135]) المصدر نفسه (4: 1).

([136]) المصدر نفسه (9: 30).

([137]) (ا) تسالونيكي (2: 18).

([138]) انظر ص(7).

([139]) انظر ص (7).

([140]) انظر ص(37).

([141]) الإمام أحمد بن محمد بن حنبل: "الرد على الجهمية والزنادقة فيما شكوا فيه من متشابه القرآن وتأولوه على غير تأويله" ويليه: كتاب السنة" صححه وعلق عليه إسماعيل الأنصاري، نشر وتوزيع: رئاسة إدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد، ص(43).

([142]) أحمد بن علي بن حجر العسقلاني: "فتح الباري بشرح صحيح البخاري" تحقيق الشيخ بن باز وآخرين، دار المعرفة-بيروت. ج (13)، ص (498).

([143]) تفسير ابن كثير ج(1) ص(590).

([144]) المرجع السابق ج(1) ص: (590).

([145]) تفسير ابن كثير ج(1) ص(363).

([146]) محمد بن جرير الطبري: "جامع البيان عن تأويل آي القرآن" دار الفكر –1405هـ –ج(3)  ص(269).

([147]) المرجع السابق ج (3) ص(269).

([148])  صحيح البخاري ج(4) كتاب (54) باب (46) حديث (109) ص(132).

([149]) ابن تيمية "الجواب الصحيح" ج2 ص(158).

([150]) مصطفى الغلابيني "جامع الدروس العربية" الطبعة الثامنة عشرة (1405هـ-1985م) جـ (3)، ص(205).

([151]) المرجع السابق ج(3)ص(211).

([152]) انظر ص (7).

([153]) رؤيا يوحنا (19: 13).

([154]) بطرس (3: 5) و (عب 11،3).

([155])  المزمور (3 : 9).

([156]) التكوين ( 1: 3).

([157]) عبد الله بن هشام الأنصاري "مغني اللبيب عن كتب الأعاريب" تحقيق محمد محيي الدين عبدالحميد دار إحياء التراث العربي ج(1) ص(319).

([158]) المرجع السابق ج(1) ص (318).

([159]) (1 يوحنا 4: 1-7).

([160]) ابن حنبل: الرد على الجهمية ص (43).

([161]) تفسير ابن جرير ج6 ص35-36.

([162]) تفسير ابن كثير ج1 ص590.

([163]) تفسير ابن كثير ج1 ص590.

([164]) محمد الأمين بن محمد المختار الشنقيطي: "أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن" طبع على نفقة سمو الأمير أحمد بن عبدالعزيز عام 1403هـ-1983م.ج1 ص494-495.

([165]) انظر ص (19).

([166]) انظر ص (20)

([167]) جاء في التوراة الحالية فيما نسب إلى الله مخاطباً موسى أنه قال له "وانت تكون له [ لهارون]إلهاً" الخروج [4: 16]وجاء قوله "أنا جعلتك إلهاً لفرعون وهارون أخوك يكون نبيك" [ الخروج(7: 1)]

([168]) تفسير ابن كثير ج1 ص(345).

([169]) المرجع السابق ج2 ص(115).

([170]) تفسير ابن كثير ج2 ص(586).

([171]) انظر كلامه عن القسم الأول ص (38).

([172]) الجواب الصحيح ج2 ص(156-157).

([173]) المرجع السابق ج1 ص(240).

([174]) تفسير ابن جرير ج6 ص236.

([175]) انظر: "القاموس الموجز للكتاب المقدس" ج1 ص(304-305).

([176]) متى (12: 28).

([177]) متى (12 : 13 - 32)

([178]) متى (1 : 20)

([179]) متى (3: 16).

([180]) (1) لوقا ( 1 : 26-38)

([181]) آل عمران آية (46).

([182]) آل عمران آية (49).

([183]) آل عمران آية (49).

([184]) آل عمران آية (49).

([185]) آل عمران آية (49).

([186]) المائدة آية (112-115).

([187]) انظر: علي الحربي: "نصرانية عيسى u ونصرانية بولس"، ص(23-24).

([188]) انظر ص (17).

([189]) علي الحربي "نصرانية عيسى عليه السلام ونصرانية بولس" ص 33.

([190]) متى (2: 13-15) .

([191]) انظر متى (1: 1-17) ولوقا (3: 23-38).

([192]) انظر حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه المتفق عليه الذي يقتل فيه الدجال شاباً ثم يحييه بإذن الله البخاري كتاب (85) باب (28) حديث (85). ج(9) ص (109) حديث رقم (57) ومسلم بن الحجاج القشيري: "صحيح مسلم" تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي طبعة دار إحياء التراث العربي كتاب الفتن وأشراط الساعة باب ذكر الدجال ج(4) ص (2256) حديث رقم (2938) وحديث النواس بن سمعان عند مسلم ج4 ص2250-2255 حديث رقم 2937]

([193]) سورة البقرة الآيات (67-71).

([194]) انظر ص (7).

([195]) انظر رحمت الله الهندي "اظهار الحق" ج2 ص:(81) فما بعد، وعبد العزيز السلمان "من معجزات النبي r" الطبعة الثانية والعشرون 1420هـ/1999م ومحمود مهدي الاستانبولي "إعجاز القرآن العلمي" الطبعة الثانية ، مكتبة السوادي للتوزيع ، جدة.

([196]) ابن تيمية الجواب الصحيح ج6، ص (68).

([197]) لاشك أن هذا من باب الجدل فقط وعلى زعم محاولة إلزام المسلم من خلال مسلماته، فيما يعتقدون أنه حجة لهم مثل: معجزات عيسى u أوغيرها.

([198]) انظر ص (45).

([199]) انظر سورة آل عمران (49).

([200]) انظر ص (45).

([201]) انظر سورة الكهف الآيات 60-82.

([202]) يوحنا (11: 41-43).

([203]) يوحنا (5: 19).

([204]) يوحنا (17 : 7).

([205]) يوحنا (11: 21-22).

([206]) أعمال الرسل (2 : 22)، وانظر: أعمال الرسل (10: 38).

([207]) لوقا (7: 14-16).

([208]) متى (10: 8)

([209]) (17 : 21-24).

([210]) الملوك الثاني (4: 32-36).

([211]) الملوك الثاني (13: 20-21).

([212]) حزقيال (37: 1-10).

([213]) انظر ص (46)

([214]) انظر ص(19و20)

([215]) أعمال الرسل (27: 22-24).

([216]) انظر: صموئيل الأول (10: 1-10).