الخلاص

من المسيحية إلى الإسلام

 

 

 

 

 

 

 

 

بقلم

فادي كباتيلو

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

مباحث الكتاب : -

 

-        الخطيئة والكفارة .

-        اعتراضات من الكتاب المقدس.

-        اعتراضات عقلية .

-        الخلاص الذي جاء به المسيح.

-        بين المسيح ومحمد – عليهما الصلاة والسلام-.

-        براهين تتطلب قرارا.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

المقدمة :-

الحمد لله والصلاة والسلام على رسل الله ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين أما بعد ، فإن هذه المقدمة لم تكتب لتقرأها قراءة عابرة أو سطحية ، بل لتمعن النظر فيها وتكرره ؛ إذ إنها تعالج سببا مهما من الأسباب التي تحول بين المرء وقبوله للحق مما يستلزم أن تكون واضحة راسخة في النفس ، وإلا فإن بإمكانك أن تتجاوزها إلى الكتاب مكتفيا بالنظر في عنوانه ، وقائمة مباحثه  مع مراعات التجرد لمعرفة الحق عند قراءته .

إن المشكلة الكبرى هي في أناس اتهموا عقولهم الموافقة لظواهر النصوص المقدسة بالقصور ، وأخرجوا تلك النصوص عن ظاهرها ، وفهموها فهما محرفا حتى تتفق مع ما تعلموه في بيوتهم أو في مدارس الأحد !! مع أن المفترض في الكتاب الذي يكتب بوحي من الله  أن يكون فيه البيان الواضح والشافي لمسائل الإيمان ، وأن يستقل بذلك حتى تتم الهداية التامة للناس التي هي المقصود الأساسي من كتابته بمجرد قراءته ، والتأمل في ظواهر معانيه ، وربما كانت هذه المشكلة مشكلة كثير من المسيحيين في العالم ، وليعذروني على هذه الصراحة التي ربما تسبب الأذى لبعضهم ، إلا أنني سأضرب مثالا يوضح ما أقول ويدلل عليه حتى يحكم القارئ بنفسه .

لنأخذ مسألة التثليث وألوهية المسيح على اعتبار أن المسيح جزء من الثالوث المقدس عند المسيحيين ، هذه المسألة التي تربى عليها الكثير من المسيحيين حتى أصبحت مسلمة تفسر من خلالها نصوص الكتاب المقدس تفسيرات محرفة على حساب ظواهر النصوص ، ويتهم العقل بالعجز والقصور لأجلها ، بل يطرد من الإيمان المسيحي كل من لا يؤمن بها .

        وحتى يتبين ما أقول ليتأمل معي القارئ في قول المسيح وهو يخاطب الآب في إنجيل يوحنا (3:17) [ وهذه هي الحياة الأبدية أن يعرفوك أنت الإله الحقيقي وحدك ويسوع المسيح الذي أرسلته ] فالحياة الأبدية أن تعرف أن الآب هو الإله الحقيقي وحده أي أن الابن والروح القدس ليسوا آلهة حقيقية ، وإن أطلق على أحدهما ، إله فإن المقصود أنه صارت إليه كلمة الله ، وهذا المعنى يشترك فيه المسيح واليهود ، فعندما اتهم اليهود المسيح بالتجديف لأنه جعل نفسه إلها وهو إنسان كما جاء في إنجيل يوحنا (33:10-35) ، أجابهم المسيح: [ أليس مكتوبا في ناموسكم أنا قلت : إنكم آلهة ، إن قال آلهة لأولئك الذين صارت إليهم الكلمة ] فهو لم يقصد أنه إله على الحقيقة ، لأن الإله الحقيقي وحده هو الآب والمسيح مرسل من عنده ، إلا أن المسيحي الذي تربى على خلاف هذه المعلومة الواضحة التي علمها المسيح سيسارع إلى القول بأن مقصود المسيح هو أن الحياة الأبدية هي أن يعرفوا أن الإله الحقيقي هو الآب ، و يسوع المسيح الذي أرسله الآب أيضا إله حقيقي ، أو أن المسيح له طبيعتان ؛ طبيعة بشرية وطبيعة إلهية وعندما قال هذا الكلام فإنما كان يتكلم عن طبيعته البشرية أما طبيعته الإلهية فهي أنه إله حقيقي مع الآب .

وهذان التفسيران كما ترى ما هما إلا تحريف لمراد المسيح ولي للنصوص حتى تتفق مع ما تعلمه المرء ونشأ عليه ، وبهذا التحريف لا تعود كلمة الله مستقلة في بناء العقائد الإيمانية ، بل ستصبح تابعة لأفهام البشر يذهبون بها حيث شاؤوا دون مراعاة لحرمتها وما تدل عليه من معان قصد إيصالها لقارئها ، إذ إن المسيح قال :[ أنت الإله الحقيقي وحدك ] أي أنت فقط من غير أن يكون أحد معك ، لا أن المسيح أيضا إله معك ، أو أنه إله معك بطبيعته الإلهية ، وإلا لما صار الآب هو الإله وحده .

        أما أن قضية التثليث تتناقض مع ضرورة العقل ، فلأن المسيحيين يعتقدون أن الآب إله كامل ، والابن إله كامل ، وكذلك الروح القدس ، والآب ليس هو الابن ، وهذان ليس واحد منهما هو الروح القدس ، إلا أن هؤلاء الثلاثة ليسوا ثلاثة آلهة بل إله واحد ، وهذه النتيجة مناقضة للمقدمتين السابقتين أشد المناقضة ، ولا يمكن أن تكون صحيحة إلا في حالتين : الأولى : أن يكون الآب جزءا من الله ، وليس إلها كاملا وكذلك الابن و الروح القدس ، ومجموع هؤلاء يساوي الله ،كالشمس تتكون من حرارة وقرص وضوء وهذه الأجزاء الثلاثة تكون ، الشمس وليست واحدة منها شمسا كاملة ، والحالة الثانية : أن يكون الآب هو نفسه الابن والروح القدس فهي ثلاثة مسميات لشيء واحد ، وليس كل واحد منهم شيئا غير الآخر ،كإنسان يكون عاملا وزوجا ووالدا ، فالعامل ليس شيئا آخر غير الزوج وإنما هي مجرد أوصاف لشيء واحد ، إلا أن المسيحيين على العموم لا يقولون بأي من هاتين الحالتي ،ن ويصرون على القول بأن التثليث لا يعني وجود ثلاثة آلهة ، بل إله واحد ، فإذا ما ووجهوا بهذا التناقض العقلي البدهي في قولهم ، اتهموا العقل بالقصور عن فهم هذه القضية ليسلم لهم إيمانهم الذي تربوا عليه من الطعن . 

        نعم ربما حاول بعض الأفراد أن يقنع نفسه بأن ما هو عليه هو الصواب ، باستناده إلى فقرات من الكتاب المقدس يحتمل ظاهرها عدة تفسيرات ، من بينها التفسير الذي يريده ، فيتمسك بهذا التفسير - ولا أقول بهذا النص لأن النص يحتمل عدة تفسيرات وليس حمله على تفسيره هو بأولى من حمله على تفسير آخر مناقض لتفسيره – ويترك سائر التفاسير المحتملة ، ويحرف ما تبقى من نصوص الكتاب المقدس التي لا تحتمل إلا معنى واحدا مناقضا لتفسيره وإيمانه ، بدلا من أن يجعل النص الذي لا يحتمل إلا تفسيرا واحدا هو الأساس الذي تفهم من خلاله النصوص التي تحتمل أكثر من معنى ، وإنما يلجأ إلى هذا التحريف حتى يبقى منسجما مع ما تربى عليه موهما نفسه بأنه يستند في إيمانه إلى نصوص الكتاب المقدس .

        ومثال هذا أنك تجده يستدل على ألوهية الابن بقول المسيح :[ أنا والآب واحد ] إنجيل يوحنا (30:10) وهذا النص يحتمل إن أخذ وحده أن يفسر عدة تفاسير ، منها أن المسيح هو نفسه الآب ، أو أن المسيح والآب واحد في كونه إلها مثله ، أو أن المسيح والآب واحد في كونه يتكلم بنفس التعاليم التي أرسله بها ، هذه التفسيرات الثلاثة محتملة في كلام المسيح ، وليس أحدها بأولى من الآخر إن أخذ قول المسيح هذا وحده مجردا عن باقي أقواله التي تبين قصده ، إلا لمن أراد أن يفسرها على وفق ما تربى ونشأ عليه من معتقدات من غير مراعاة لقصد المسيح الحقيقي ثم يحاول أن يثبت بهذا النص أن إيمانه مستمد من كلام المسيح ، أما إذا أردنا أن نعرف مراد المسيح من خلال كلامه هو فإننا سنلغي التفسير الأول لوجود النصوص الكثيرة التي تبين أن المسيح كان يدعو الآب ويتضرع إليه أو التي تبين أنه مرسل من عنده كما في النص الأول الذي ذكرناه ، مما يدل على أن المسيح شخص آخر غير الآب ،كذلك سنرد التفسير الثاني لأنه يدل على أن هناك إلها حقيقيا آخر مع الآب وهو ما يخالف قول المسيح :[ أنت الإله الحقيقي وحدك ] ، وعليه فلن يبقى أمامنا إلا التفسير الثالث ، وهكذا نكون قد فسرنا النصوص المقدسة من خلال النصوص المقدسة ذاتها ، لا من خلال المعتقدات المسبقة ، أو من خلال التفسيرات الفلسفية والنظريات المعقدة التي يتيه فيها العلماء فضلا عن العامة.

        على أن هذه العملية التي يقوم بها المرء من تفسير النصوص المقدسة بناء على خلفيته الإيمانية ، والتي تحاول أن تجد لنفسها مستندا من خلال النصوص المحتملة لأكثر من معنى ، هذه العملية تتم في كثير من الأحيان بشكل تلقائي من غير أن يشعر المرء بها سواء أقام هو بهذه العملية أم سمعها من غيره ممن يشاركه في خلفيته الإيمانية ، مما يستلزم ممن أراد الحق أن يتجرد تجردا كبيرا ، وأن ينظر من خارج الإطار الذي وضع فيه حتى يستطيع أن يفهم الأمور على حقيقتها ، وهذا ما نتأمله من القارئ لهذا الكتاب ممن نشأ على خلفية مناقضة لما جاء فيه ، وذلك أننا قمنا بطرح قضايا أساسية ومهمة في الإيمان المسيحي لإعادة النظر فيها من منظور آخر تتعلق بالخطيئة الموروثة ، وعالمية رسالة المسيح ، وصلبه تكفيرا عن خطايا البشر ، وألوهيته ، ومسائل أخرى متعلقة بما ذكرنا . وقد ذكرت من الأدلة والبراهين والمناقشات ما يكفي المنصف الذي رضي لنفسه أن ينظر إلى إيمانه من المنظور الذي أوضحناه له ، ثم بينت حاجة العالم إلى رسول بعد المسيح يبين للناس طريق الله الذي التبس عليهم ، والذي تمثل في محمد صلى الله عليه وسلم ، وبينت بعض البراهين الضرورية التي تدل على صدقه ، وأجبت المسيحين عما يثار حول شخصه الكريم من افتراءات جوابا عاما يكفي ويشفي لمن أراد الحق ، والله أسأل أن يوفقنا لما هو صواب ، وأن يدلنا على الخير حيث كان ، إنه ولي ذلك والقادر عليه ، وهو المجيب لمن دعاه مخلصا .

الخطيئة والكفارة: -

يعد صلب المسيح وقيامته من أجل تكفير خطايا البشر من أهم الركائز التي تقوم عليها الديانة المسيحية ، ومن المفيد أن نعطي فكرة موجزة عن هذه العقيدة حتى يسهل على القارئ فهم المباحث التي تأتي بعدها، و يمكن أن نعرض هذه العقيدة في النقاط التالية مستشهدين بفقرات من الكتاب المقدس :-

1-      دخلت الخطيئة إلى آدم عندما عصى أمر الله فحكم عليه بالمـوت أي بالانفصـال عن الله، [ وأوصى الرب الإله آدم قائلا: من جميع شجر الجنة تأكل أكلا وأما شجرة معرفة الخير والشر فلا تأكل منها لأنك يوم تأكل منها موتا تموت] ( سفر التكوين 2: 16-17).

2-      دخلت الخطيئة إلى جميع أبناء آدم بسبب سقوط أبيهم باعتباره نائبا عنهم ؛ ولهذا حكم عليهم بالموت: [ من أجل ذلك كما بإنسان واحد دخلت الخطيئة إلى العالم وبالخطيئة الموت وهكذا اجتاز الموت إلى الجميع إذ أخطأ الجميع ] رومية (12:5).

3-      وبمـا أن الله قدوس فقد فصلت خطايا الإنسان بينه و بين الله ، فلم يعـد يسمع صلاتهـم ، [ آثامكم صارت فاصلة بينكم وبين إلهكم وخطاياكم سترت وجهه عنكم حتى لا يسمع ] سفر إشعياء (2:59).

4-      ولأن الله عادل فإنه لن يغفر للإنسان الخاطئ من غير أن ينال عقابه،والعقاب هو الموت أي الانفصال عن الله ، ولهذا لن يقدر الإنسان على العودة إلى الله : [ حاشا لك أن تفعل  مثل هذا أن تميت البار مع الأثيم فيكون البار كالأثيم حاشا لك أدَيّان كل الأرض لا يصنع عدلا ] سفر التكوين (25:18) لأن [ أجرة الخطيئة هي الموت ] رومية (23:6).

5-   أراد الله أن يعيد الإنسان الخاطئ إليه ويحرره من آثامه ؛ لأن الله محبة ، لكن الله قدوس ؛ فلن تنفع الصلاة من الخاطئ ، لأنه انفصل عن الله ، والله عادل فلن يرجع عن حكمه على الإنسان بالموت ، فأنزل ابنه المسيح على هيئة البشر ليحمل عن الناس آثامهم بموته على الصليب [ بـهذا أظهرت محبة الله فينا أن الله قد أرسل ابنه الوحيد إلى العالم لكي تحيا به هذه هي المحبة ليس أننا نحن أحببنا الله بل إنه هو أحبنا وأرسل ابنه كفارة لخطايانا ] رسالة يوحنا الأولى (4: 9-10).

6-              وكان لا بد أن تتوفر في الذي يريد أن يحمل الخطيئة الصفات التالية:-

أ‌-       أن يكون خاليا من الخطيئة وإلا لاحتاج إلى من يحمل عنه خطيئته [ لأن لنا رئيس كهنة غير قادر أن يرثي لضعفائنا بل مجرب في كل شيء مثلنا بلا خطية ] عبرانيين (15:4).

ب‌-        أن يكون موته كافيا لتكفير خطايا الكثيرين ؛ ليكون ذبيحة مقبولة عند الله [ واسلكوا في المحبة كما أحبنا المسيح أيضا وأسلم نفسه من أجلنا قربانا وذبيحة لله رائحة طيبة ] أفسس (2:5).

ت‌-        أن يكون من جنس البشر ؛ لأن الإنسان هو الذي يمثل الإنسان أمام الله [ من ثم كان ينبغي أن يشبه إخوته في كل شيء لكي يكون رحيما ورئيس كهنة أمينا فيما لله حتى يكفر خطايا الشعب] عبرانيين (17:2).

 ولا يوجد أحد تتوفر فيه هذه الشروط غير المسيح ؛ فكل البشر ورثوا الخطيئة من أبيهم آدم ، وغير البشر لا يصلحون ليمثلوا البشر أمام الله، ثم إن أي شيء محدود،بينما خطايا البشر غير محدودة فهي بحاجة إلى شيء غير محدود وهو ابن الله فلهذا تجسد ومات على الصليب [ ولكن لما جاء مِلْءُ الزمان أرسل الله أبنه مولودا من امرأة مولودا تحت الناموس ليفتدي الذي تحت الناموس لننال التبني ] غلاطية (4:4-5).

7-      وكان لا بد بعد موت المسيح على الصليب أن يقوم من الموت ؛ ليبرهن للناس أنه هو الكفارة الحقيقية ، وإلا كان إيمان الناس به باطلا [ إن لم يكن المسيح قد قام فباطلة كرازتنا…وإن لم يكن المسيح قد قام فبالباطل إيمانكم أنتم بعد خطاياكم ] (1) كورنثوس (14:15-17 ).

8-      كل من يؤمن بالمسيح أنه مات وقام من أجل تكفير خطاياه سيقوم من موته ويعود إلى الله [ لأنه إن كنا نؤمن أن يسوع مات وقام فكذلك الراقدون بيسوع سيحضرهم الله أيضا معه ] (1) تسالونيكي (4: 14).

9-              أما الذي يرفض المسيح على أنه مخلص له فسيكون في يدي الشرير [ نعلم أننا نحن من الله والعالم كله قد وضع في الشرير ] (1) يوحنا (19:5).

        وبـهذا اجتمعت محبة الله وعدله في المسيح، ظهرت محبته عندما أوجد للناس من يحمل عنهم خطاياهم ، وظهر عدله عندما تحمل المسيح هذه الخطايا عن الناس حتى لا يعاقبوا عليها.

        وإذا أخذنا بعين الاعتبار  أن النصرانية مر على وجودها ما يقرب من ألفي عام ، فلا شك أن هناك الكثير من الأسئلة والمناقشات التي دارت حول الإيمان المسيحي بين مؤيد له ومعارض ، وبالأخص مسألة الخطيئة والكفارة ، بل إن هذه المسألة قد نوقشت قبل مجيء المسيح فإن الكثير من الديانات الوثنية القديمة كالهندوكية والبوذية تبنت فكرة الخطيئة والكفارة وجعلتها ركنا من أركانها ، فالبوذيون مثلا يؤمنون ببوذا ابن الله المتجسد في العذراء مايا ، ولد في 25/12 و مات ليحمل خطايا البشر ، ثم قام من الموت وصعد إلى السماء (1) ، وهذه هي الأفكار الرئيسية لمبدأ الخطيئة والكفارة ، يقول السير آرثر فندلاي في كتابه " الكون المنشور" ص(78) :" إن قصة الصليب قيلت قبل عيسى على ستة عشر إلها مخلصا ، وقصص حياتهم على الأرض من المهد إلى اللحد ثم البعث كلها متشابهة ، وكأن كل ديانة ترث من سابقتها " (2) .

      ومن المؤكد أننا لن نستطيع أن نحيط بكل تلك المناقشات أو الاعتراضات ، ولكن التاريخ حفظ لنا الكثير منها ، وما سنقوم به هو عرض لبعض هذه الاعتراضات عليك ، وسنترك القرار لك بعد ذلك ، سائلين الله أن يدلك على ما فيه خيرك وينير حياتك بنور هدايته ، نعم يمكنك أن تغلق أذنيك وتغمض عينيك وترفض قراءة ما كتبناه ، بل قد يصل الأمر بالبعض إلى تمزيقه أو إحراقه كما فعلت الكنيسة بإنجيل برنابا مثلا ، ولكن هذا الفعل لن يغير من التاريخ شيئا ، وستجد هذه الإشكالات الكثيرين ممن لا يخافون من مواجهة الحقيقة يتوقون لقراءتها والاستفادة منها.

 

 


اعتراضات من الكتاب المقدس:-

 

        لم تكن مسألة صلب المسيح وموته مسألة متفقاً عليها بين طوائف النصارى كما يتوهم البعض ؛ فقد كان هناك العديد من الطوائف التي تنكر فكرة الصلب ، وتعتبر أن مثل هذا الشيء لا يليق بشرف المسيح ومنـزلته عند الله ، ومن هذه الطوائف طائفة (الباسيليديون) وطائفة (السرئتيون) إلا أن آراء هذه الطوائف أبيدت بسبب الاضطهاد والقتل ، بل إن مئات الأناجيل المقدسة القانونية قد ضاعت بسبب إهمال آباء الإيمان الأوائل لها ، فما ظنك بما سيحدث للأناجيل التي لم يعترف بها رجال الكنيسة واعتبروها شهادة زور ، يقول اللاهوتي عبد الفادي في تفسيره للإصحاح الأول من إنجيل مرقس المسمى " من هو المسيح " : " لقد كتب الكثيرون من شهود العيان عن التقاءاتهم مع المسيح . ويعتبر كل من هذه الأخبار التي سجلوها بشرى سارة أو إنجيلا مقدسا . فلا توجد أربعة أناجيل فقط ، بل مئات لأن كل شهادة صالحة عن سيرة المسيح وأقواله معناها " إنجيل ". وأما آباء الإيمان فاختاروا من إثباتات شهود العيان عن حياة يسوع ، أربعة أناجيل بارزة ".

         ويقول السير آرثر فندلاي في كتابه " صخرة الحق " ص(59) :" إن الأناجيل الحالية لم تستقر إلا في القرن الرابع الميلادي عقب مجمع قرطاجنة عندما تقرر أي الكتابات يحتفظ بها ، وأيها يرفض ويستبعد ، وقبل ذلك التاريخ سنة 379م لم يكن هناك شيىء اسمه العهد الجديد الذي نعرفه اليوم . ويعلل أحد رجال الكنيسة القديس آيرونيوس اختيار أربعة أناجيل في القرن الثاني بأن الأرض لها أربعة أركان " (1). وبالرغم من إبادة وتضييع وإهمال هذا الكم الهائل من المراجع القانونية أو غير القانونية في نظر الكنيسة المسيطرة في ذلك الوقت ، إلا أننا سنحاول في هذا الباب أن نبين بعض ما يمكن أن تكون تلك الطوائف المخالفة لفكرة الصلب قد استدلت به من نصوص الكتاب المقدس لإبراز صحة كلامها معتمدين على ما هو متوفر بين أيدينا من مراجع .

1-      جاء في سفر أخبار الأيام الثاني (4:25) [لا تموت الآباء لأجل البنين ولا البنين لأجل الآباء بل كل واحد يموت لأجل خطيئته] فإن كان المرء يموت لأجل خطيئته لا لأجل خطيئة غيره ، فلا شك أن المسيح لم يمت على الصليب لأجل خطايانا ، ثم من ناحية أخرى فإن النص المذكور يدل على أن البشر لا يمكن أن يرثوا خطيئة أبيهم آدم.

2-      إن وجود أبرار على سطح الأرض قبل موت المسيح يدل دلالة واضحة على أن البشر لم يرثوا خطيئة أبيهم آدم ، أو أنهم ورثوها لكنهم استطاعوا تطهير أنفسهم بأعمالهم الصالحة ، وهذا حال نبي الله داود ، حيث يزعم الكتاب المقدس أنه قتل قائد جنده وزنى بزوجته أنظر صموئيل الثاني (11) ، لكنه عاد إلى طريق الرب واستطاع تطهير نفسه بمجرد أن اعترف بذنبه كما جاء في صموئيل الثاني (13:12) [ فقال داود لناثان : قد أخطأت إلى الرب فقال ناثان لداود: الرب أيضا قد نقل عنك خطيئتك لا تموت ] ، يقول اللاهوتي المسيحي أ.م.رينيك عن نبي الله داود :" لقد اعترف صراحة بخطيئته التي ارتكبها ضد الله ، وبرغم حكمه على نفسه بالموت دون أن يدري فإن الله في رحمته قد غفر له خطيئته ، وأبقى حياته" (1) بكل هذه البساطة يرفع الله حكمه بالموت – أي العذاب الأبدي ، والانفصال عن الله – عن داود ، يقول اللاهوتي المسيحي وليم مارش مؤكدًا هذا المعنى :" لا يموت داود الموت الثاني - أي العذاب الأبدي - لأن خطيئته غُفرت له " (2)، يبدوا أنه لم يكن هناك حاجة لسفك دم أحد حتى تكفر عنه خطيئته ، وجاء في سفر الملوك الأول (6:3) [ فقال سليمان، إنك قد فعلت مع عبدك داود أبي رحمة عظيمة حسبما سار أمامك بأمانة وبر واستقامة قلب معك ]. وقد استطاع نبي الله نوح أن يطهر نفسه أيضا دون حاجة لأحد ، حيث جاء في سفر التكوين (1:7) [ لأني إياك رأيت بارا ] .

          ويوضح لنا المسيح نوع الناس الذين جاء من أجلهم فيقول في إنجيل متى (13:9) [لا يحتاج الأصحاء إلى طبيب بل المرضى فاذهبوا وتعلموا ما هو إني أريد رحمة لا ذبيحة لأني لم آت لأدعو أبرارا بل خطاة إلى التوبة ]، إذن فهناك أبرار ، وهناك خطاة ، فإن كان المرء باستطاعته أن يطهر نفسه ، فلماذا يصلب المسيح ويموت ؟!.

3-      " إن التعليم الذي يتضمنه هذا الإصحاح وخلاصته في العدد (20) يجب أن يوضع في سياق السفر بمجمله كي يتسنى الحكم عليه بإنصاف فغرضه الرئيسي تبرير عدالة الله ، وفي الذهن أزمة معينة . إذ عزا معاصروا النبي العقاب النازل بهم إلى مجازاة خطايا الجيل السابق لهم فأعلن حزقيال أن الله لا يتصرف على هذا النحو بل يعتبر كل إنسان مسؤولا عن أعماله وسيجازيه الجزاء الذي يستحق عليها "، هذا ما يقوله ج.ر. بيسلي مورّاي أحد كبار اللاهوتيين المسيحيين عن الإصحاح (18) من سفر حزقيال (3)، ودعونا نذكر العدد (20) الذي أشار إليه ج.ر. بيسلي وثلاثة أعداد بعده حتى تتضح لنا الصورة بشكل أفضل حيث جاء فيها: [ النفس التي تخطي هي تموت الابن لا يحمل إثم الأب والأب لا يحمل من إثم الابن بر البار يكون عليه وشر الشرير يكون عليه فإذا رجع الشرير عن جميع الخطايا  وحفظ جميع فرائضي وفعل حقا وعدلا فحياة يحيا لا يموت كل معاصيه لا تذكر ،في بره الذي عمل يحيا ، هل مسرة أُسرُّ بموت الشرير إلا برجوعه عن طريقه فيحيا ] سفر حزقيال (20:18-24) ، ويدل هذا النص على عدم موت المسيح على الصليب من أربعة وجوه:-

أ‌-             أن النفس التي تخطي هي تموت ، والمسيح لم يرتكب خطأ فلن يموت بسبب ذنوبنا.

ب‌-       أن الابن لا يحمل إثم الأب ، إذن فليس هناك خطيئة موروثة ليموت المسيح   من أجلها.

ت‌-       أن بر البار يكون عليه ، وهذا يدل على أن الأبرار موجودون على الأرض ، وبالطبع فهم لا يحتاجون لموت المسيح.

ث‌-   أن الشرير إذا رجع عن خطاياه التي فعلها ، وحفظ جميع فرائض الله ، وفعل حقا وعدلا ، سينال المغفرة من الله و سيحيا حياة أبدية من غير أن يكون بحاجة إلى من يموت عنه ليكفر عنه خطاياه ، يقول ج.ر. بيسلي :" فالإنسان ليس بريئا فقط من خطيئة أبيه ، بل يمكنه أيضا أن يتحرر من ماضيه الشخصي إذا رغب ، إنه يستطيع أن يتوب حالاً " (2).

4-      في سفر إشعياء (15:1-18) [ فحين تبسطون أيديكم أستر عيني عنكم وإن كثرتم الصلاة لا أسمع أيديكم ملآنة دما اغتسلوا تنقوا اعزلوا شر أفعالكم من أمام عيني كفوا عن فعل الشر تعلموا فعل الخير … هلمَّ نتحاج يقول الرب إن كانت خطاياكم كالقرمز تبيض كالثلج ] إن الذي يقع في المعاصي يبتعد وينفصل عن الله ، ولا يسمع الله صلاته إلا إذا رجع إلى فعل الخير ، وندم عما صنع ، هذا ما يقوله إشعياء النبي ، لكن أهل سدوم وعمورية رفضوا الرجوع إلى طريق الرب ، واستمروا في طغيانهم ، فأهلكهم الله ، وعلى عكسهم أهل نينوى ؛ لما رجعوا عن آثامهم وتابوا إلى الله ، رجع الله عن حكمه عليهم بالموت ، وترك المدينة من غير أن يقتل أحدا ليكفر عن خطاياهم ، جاء في سفر يونان (10:3) [ فلما رأى الله أعمالهم أنهم رجعوا عن طريقهم الردية ندم الله على الشر الذي تكلم به أن يصنعه بهم فلم يصنعه ] ، يقول د.و.ب. روبنسن :" فإنما كان يونان هرب إلى ترشيش لأنه يعلم العلم اليقين أن الله سيشفق على نينوى إن هي تابت ، أما وقد تابت نينوى الآن ، يعلم يونان أن الدينونة لن تحل بها " (2)، والسؤال هو : كيف رجع الله عن حكمه عليهم بالموت ؟ أين ذهب عدل الله ؟! والأمر أبسط مما يتصوره الكثيرون ؛ فإن الله أصدر حكمه بالموت على من لم يتب من خطيئته ، أما من تاب فإن ما جاء في سفر إشعياء وما حدث لأهل نينوى يدل على أن الله لم يصدر عليه الحكم بالموت ، إن د.و.ب. روبنسن يصف كون الله رحيما بعباده إذا تابوا بأنه :"من طبيعة الله اللامتغيرة " (1)، إذا فلا حاجة لموت شخص لا ذنب له إن كانت التوبة تنفع المذنبين ، يقول اللاهوتي و.فتش في تفسيره لسفر إشعياء :" ليس لعصيان الإنسان إلا جواب واحد حاسم ألا وهو غفران الله المجاني " (3).

5-      يعطينا إنجيل متى (17:19) إجابة مهمة عن سؤال مهم جداً ، قام بطرحه شاب غني جاء إلى المسيح حيث سأل ذلك الشاب :[ أيها المعلم الصالح أي صلاح أعمل لتكون لي الحياة الأبدية ؟ ] فماذا كان جواب المسيح ؟ لقد قال له :[ إن أردت أن تدخل الحياة الأبدية فاحفظ الوصايا ] ، وعندها يطلب الشاب مزيدا من التوضيح فيسأل[ أية وصايا ؟ ] فيجيبه المسيح:[ لا تقتل لا تزن لا تسرق لا تشهد بالزور أكرم أباك وأمك أحب قريبك كنفسك ] ، إن المسيح لم يذكر للشاب الغني شيئا عن موته وصلبه ، الذي سيتم من أجل تكفير خطاياه ؛ لماذا ؟ هل كانت الأعمال الصالحة كافية لنيل الحياة الأبدية من غير حاجة إلى موت أحد ؟ ! يبدوا أنها كافية في رأي المسيح ، ويبقى أن تجيب عن رأيك !

6-      ويعطينا إنجيل متى (34:25) فكرة مماثلة عن أولئك الذين سيرثون ملكوت السماوات فيقول: [ ثم يقول الملك للذين عن يمينه تعالوا يا مباركي أبي رثوا الملكوت المعد لكم منذ تأسيس العالم لأني جعت فأطعمتموني عطشت فسقيتموني كنت غريبا فآويتموني عريانا فكسوتموني مريضا فزرتموني محبوسا فأتيتم إلي ] وعند ذلك يسأل الأبرار متعجبين متى فعلنا هذه الأمور معك! فيقول :[ الحق أقول لكم بما أنكم فعلتموه بأحد إخوتي هؤلاء الأصاغر فبي فعلتم ] ، ومرة أخرى يوضح المسيح أن ملكوت السماوات ينال بالبر والأعمال الصالحة ، لا بموت شخص لا ذنب له .

7-      قال المسيح لتلاميذه في إنجيل متى (5:10) [ إلى طريق أمم لا تمضوا، وإلى مدينة للسامرين لا تدخلوا بل اذهبوا بالحري إلى خراف بيت إسرائيل الضالة ] ، وهذا يدل دلالة واضحة على أن المسيح لم يأت للموت على الصليب تكفيرا عن خطايا البشر ؛ إذ إنه لم يرسل إلا إلى بني إسرائيل ، تقول دائرة المعارف البريطانية :" إن أسبق حواريي المسيح ظلوا يوجهون اهتمامهم إلى جعل المسيحية دينا لليهود ، وجعل المسيح أحد أنبياء بني إسرائيل إلى بني إسرائيل " (1).

         وقد يقول بعض الناس إن المسيح أرسل لجميع الناس ، ويستدل لذلك بما جاء في إنجيل يوحنا (16:10) [ ولي خراف أخرى ليست من هذه الحظيرة ، وينبغي أن آتي بتلك ] وما جاء في نفس الإنجيل (32:12) [ وأنا إن ارتفعت عن الأرض أجذب إليَّ الجميع ] ، ونسأل من يقول هذا هل سيجذب المسيح إليه جميع الناس من آمن به ومن لم يؤمن ؟ الجواب :لا ، إذن من قصد المسيح بالجميع ؟ ومن قصد بالخراف الذين من الحظائر الأخرى ؟ قد يقول قائل: قصد بهم كل من يؤمن به من جميع الأمم ، نقول هذا رأيك ، أما بالنسبة لنا ، فقصد المسيح نعرفه من قوله في إنجيل متى (24:15) [ لم أرسل إلا إلى خراف بيت إسرائيل الضالة ] فلا بد أنه قصد من آمن به من اليهود من حظيرته ، أي سبطه ، ومن سائر الحظائر ، أي الأسباط الإحدى عشر الأخرى .

8-      من أهم الأشياء التي تنفي صلب المسيح تلك النصوص التي تدل على أن المسيح لم يكن يريد أن يموت ، فقد طلب من الله أن ينجيه من تلك الساعة -ساعة الصلب - حيث جاء في إنجيل يوحنا (27:12) [ الآن نفسي قد اضطربت وماذا أقول أيها الآب نجني من هذه الساعة ] ، ولا بد أن الله قد سمع لصلاة المسيح ، ويظهر هذا بوضوح في رسالة العبرانيين (7:5) حيث يقول كاتبها :[ الذي في أيام جسده ( يعني المسيح ) إذ تقدم بصراخ شديد ودموع طلبات وتضرعات للقادر أن يخلصه من الموت وسمع له من أجل تقواه ] ، إن هذه التضرعات هي التي ذكرها إنجيل متى (36:26-44) .

وقد يقول قائل: إن الله استجاب لدعاء المسيح لا بإنقاذه من الصلب ، بل بأن أقامه من الموت في اليوم الثالث، ويؤسفني أن أقول: إن من يقول هذا الكلام لم يقرأ الإنجيل ؛ لأن المسيح كان عالما بأنه سيقوم من الموت بعد ثلاثة أيام لو مات فقد جاء في إنجيل متى (23:17) [ ابن الإنسان سوف يسلم إلى أيدي الناس فيقتلونه وفي اليوم الثالث يقوم ] وعليه فلن يحتاج المسيح لتلك التضرعات والدموع ، أما لو كان يريد أن لا يحدث الأمر الذي كان من المفتروض أن يحدث والذي أخبر به عدة مرات ، فإنه بحاجة لتلك التضرعات والصرخات حتى يخلصه الله من الموت .

9-      لقد قال المسيح عبارة مهمة جداً عند وداعه لأورشليم تدل بكل وضوح على أن المصلوب لم يكن المسيح ؛ حيث جاء في إنجيل لوقا (13 :33) قول المسيح :[ بل ينبغي أن أسير اليوم وغداً وما يليه لأنه لا يمكن أن يهلك نبي خارج عن أورشليم ] وهو بهذا يخبر عن نفسه كما هو واضح من الكلام ، ولا شك أنه لم يقصد الإخبار عن جميع الأنبياء أنهم لا يهلكون إلا في مدينة أورشليم ، هذا أمر لا شك فيه ، وقد تتساءل : ما دخل هذه العبارة بكون المصلوب شخصا آخر غير المسيح ؟ فأقول : إن الأمر سهل وواضح لمن يقرأ الإنجيل ، فقد جاء في إنجيل يوحنا (20:19) :[ فقرأ هذا العنوان كثيرون لأن المكان الذي صلب فيه يسوع كان قريبا من المدينة ] ، وأظن المسألة قد انتهت ، وصارت واضحة ، فإن الموضع الذي تم فيه الصلب كان خارج مدينة أورشليم على مقربة منها ، ولم يكن في المدينة ، بينما أخبر المسيح أن المكان الذي سيهلك فيه سيكون في المدينة ، لا بالقرب منها ، وبالتالي فلا شك أن الذي مات على الصليب كان شخصا آخر غير المسيح .

10-     ويعطينا إنجيل متى عبارة واضحة تدل على أن المصلوب كان شخصا آخر غير المسيح حيث قال المصلوب: [ إلهي إلهي لماذا تركتني ؟ ] متى (46:27) فهذه العبارة تدل على ثلاثة أمور:

أ‌-                 أن الله ترك الشخص المصلوب .

ب‌-            أن المصلوب لم يكن راضيا عن ترك الله له.

ت‌-            أن المصلوب لم يكن راضيا عما يحدث له.

         وهنا نسأل:هل يمكن أن يكون المصلوب هو المسيح ، لقد قال المسيح في إنجيل يوحنا (29:8):[ والذي أرسلني هو معي ولم يتركني الآب وحدي لأني في كل حين أفعل ما يرضيه ] ولكننا نجد أن الله ترك المصلوب.

         لقد أخبر المسيح أنه سيكون راضيا عن إرادة الله وإن خالفت إرادته ، حيث قال في بإنجيل لوقا (41:22) [ إن شئت فلتعر عني هذه الكأس لكن لتكن لا إرادتي بل إرادتك ] ولكننا نجد أن المصلوب لم يكن راضيا عن ترك الله له.

 ثم إن قلنا : إن المصلوب هو المسيح فإن العبارة تدل على أنه لم يكن راضيا عما يحدث له ، فكيف نقول : إنه نزل وتحضر لأجل هذه الساعة ساعة الصلب ؟!

إن هذه العبارة تدل بكل وضوح على أن المصلوب كان شخصا آخر غير المسيح ، إلا أن أحدا من التلاميذ لم يستطع أن يدرك ذلك ، لقد تركوا المسيح في تلك الليلة ، فلا أحد منهم يستطيع أن يعرف ماذا حصل له ، هذا ما تنبأ به المسيح في إنجيل يوحنا (32:16) [ هو ذا تأتي ساعة وقد أتت الآن تتفرقون فيها كل واحد إلى خاصته وتتركوني وحدي ولست وحدي لأن الآب معي ] وهذا ما حدث بالفعل ، فعندما جاء الجند للقبض على المسيح تركه الجميع وهربوا ، أنظر إنجيل مرقس (50:14) ولهذا فقد ظن التلاميذ أن الجند قبضوا على المسيح وصلبوه ، ولو أنهم تأملوا قول المصلوب [ إلهي إلهي لماذا تركتني ] لعرفوا أنه شخص آخر.

 إن هذه النصوص - وغيرها الكثير - تدل بشكل واضح على أن فكرة الخطيئة والصلب بعيدة عن تعاليم المسيح ، وقبل أن ننهي الكلام في هذا الفصل دعونا نجيب عن ثلاثة أسئلة مهمة:-

         الأول: إن كان المصلوب شخصا آخر فأين ذهب المسيح ؟

         الثاني: ألم يقم المسيح من الموت في اليوم الثالث ؟

        الثالث: أين ذهبت جثة المصلوب ؟

وحتى نجيب عن السؤال الأول دعونا نرجع إلى ما قاله المسيح للخدم الذين أرسلهم الكهنة والفريسيون ليمسكوه [ وقال لهم يسوع: أنا معكم زمانا يسيرا بعد ثم أمضي إلى الذي أرسلني ستطلبونني ولا تجدونني وحيث أكون لا  تقدرون أنتم أن تأتوا ] وهذا يدل بوضوح على أن المسيح سيذهب إلى الذي أرسله ، أي سيصعد إلى السماء .

 وعاد المسيح وأكد هذا الكلام في الليلة التي جاء الجند فيها للقبض عليه ، حيث قال في إنجيل يوحنا ( 4:17-6) [ أنا مجدتك على الأرض، العمل الذي أعطيتني لأعمل قد أكملته والآن مجدني أيها الآب عند ذاتك بالمجد الذي كان لي عندك قبل كون العالم أنا أظهرت اسمك الناس الذين أعطيتني من العالم ] ثم قال في العدد (11) [ ولست أنا بعد في العالم وأما هؤلاء فهم في العالم وأنا آتي إليك ] ثم قال في العدد (13) [ أما الآن فأنا آتي إليك ] وتشير هذه النصوص إلى عدة أمور:

1-              أن المسيح أكمل عمله الذي جاء من أجله ، إذن فهو لم يأت ليصلب.

2-              أنه طلب من الآب أن يمجده.

3-              أن هذا المجد كان يستحقه منذ القدم.

4-              أنه سيذهب الآن إلى الآب ، أي سيصعد إلى السماء.

5-              أنه عرف اسم الله وأظهره للناس.  

لقد صعد المسيح إلى السماء ، لقد كان هذا واضحا في كلامه ، تأمل العدد (11) والعدد (13) لم يبق المسيح في العالم ، وهذا الذي ذكره المسيح هو ما تنبأ به المزمور (9:91-15) ، حيث جاء فيه: [ لأنك قلت أنت يا رب ملجئ جعلت العلي مسكنك لا يلاقيك شر ولا تدنو ضربة من خيمتك لأنه يوصي ملائكته لكي يحفظوك في كل طرقك على الأيدي يحملونك لئلا تصطدم بحجر رجلك … لأنه تعلق بي أنجيه أرفعه لأنه عرف اسمي يدعوني فأستجيب له معه أنا في الضيق أنقذه وأمجده ] ، فقد جاء في هذا المزمور أن الله مجد هذا الذي دعاه ، وهو ما طلبه المسيح ليلة القبض عليه، وجاء أنه عرف اسم الله وهو ما أخبر به المسيح ، وجاء فيه أن الله سيرفعه ، وهو ما أخبر به المسيح من ذهابه إلى الآب ، وقد ذكرنا فيما سبق أن المسيح دعا الله لكي ينجيه من الموت، إن الله قد سمع دعاءه واستجاب له ، وهذا ما جاء في النبوءة .

       وجاء في المزمور (1:20-6) [ يستجيب لك الرب في يوم الضيق ليرفع اسمك إله يعقوب ليرسل لك عونا من قدسه ومن صهيون ليعضدك … نترنم بخلاصك باسم إلهنا نرفع رايتنا ليكمل الرب كل سؤلك الآن عرفت أن الرب مخلص  مسيحه يستجيبه من سماء قدسه بجبروت خلاص يمينه ]نعم ، لقد خلص الله المسيح كما جاء في هذا المزمور.

أما ما يستدل به بعضهم من نبوءات عن صلب المسيح ، فإما أنها تتحدث عن شخص آخر أو أن الله ألغاها للصرخات التي قدمها المسيح للعلي القدير ليخلصه.

فإن كنت غير مصدق بعد بنجاة المسيح وصعوده إلى السماء ، فتأمل قول المقبوض عليه في إنجيل لوقا (67:22) عندما سأله رؤساء الكهنة والكتبة [ إن كنت أنت المسيح فقل لنا، فقال لهم، إن قلت لكم لا تصدقون وإن سألت لا تجيبونني ولا تطلقونني، منذ الآن يكون ابن الإنسان جالسا عن يمين قوة الله ] (1)وبالفعل فإنهم لم يصدقوه ولم يطلقوه عندما أخبرهم أنه ليس المسيح ؛ لأن المسيح حسب كلامه سيكون جالسا الآن عن يمين قوة الله ، فهل ستصدقه أنت أم ستفعل كما فعل رؤساء الكهنة والكتبة ؟

ومن المؤسف أن الذين طبعوا الإنجيل طبعة الترجمة العربية المشتركة من اللغة الأصلية عندما أدركوا هذه الحقيقة ، حرفوا النص وجعلوه [ لكن أبن الإنسان سيجلس بعد اليوم عن يمين الله القدير ] وأظنك تدرك الفرق بين " منذ الآن " و " بعد اليوم "، وكان الأجدر بهم أن يعترفوا بنجاة المسيح وصعوده إلى السماء ، ولكن ليصدق عليهم قول إرميا (8:8): [ كيف تقولون نحن حكماء وشريعة الرب معنا حقا إنه إلى الكذب حولها قلم الكتبة الكاذب ].

أما إجابة السؤال الثاني فيمكنك أن تعرفها إذا رجعت إلى موقف التلاميذ من الشخص الذي ظهر لهم بعد ثلاثة أيام ، هذا الموقف الذي تمثل في شك التلاميذ بذلك الشخص ، وتوقفهم في التصديق بأنه المسيح في أول الأمر ، فقد شكت مريم المجدلية وظنته البستاني ، كما يروي إنجيل يوحنا (14:20 - 15) ، وشك التلاميذ عندما ظهر لهم كما يروي إنجيل لوقا (36:24 - 37) ، وظنوا أنهم رأوا روحا ، وشك توما عندما أخبره التلاميذ بأنهم شاهدوا المسيح ، وبقي غير مصدق حتى بعد أن رآه إلى أن نظر أثر المسامير في يديه يوحنا (25:20 - 29) ، وشك بعض التلاميذ عندما صعد ذلك الشخص إلى السماء في آخر لقاء به كما يروي إنجيل متى (17:28) ، ولهذا فمن حقنا أن نشك في ذلك الشخص أيضا ، لقد شك فيه أقرب الناس إليه بعد أن رأوه فكيف بالذي لم يره أصلا!

ولهذا علينا أن نتساءل عن هوية هذا الشخص  ؟ يمكنك أن تعرف الجواب إذا ما رجعت إلى ما قاله ذلك الشخص الذي ادعى أنه المسيح وأنه قد قام من الموت وإلى ما قاله المسيح الحقيقي ، حيث جاء في إنجيل لوقا (39:24) أن ذلك الشخص قال للتلاميذ عندما لم يصدقوا أنه المسيح [ انظروا يدي ورجلي إني أنا هو ] إن التلاميذ لم يكونوا بحاجة إلى أن يقول لهم ذلك الشخص " إني أنا هو " حتى يعرفوا أنه المسيح لأنهم كانوا أقرب الناس إلى المسيح . ولكن لابد أن يتم ما تنبأ به المسيح في نفس الإنجيل إنجيل لوقا (8:21) عند حديثه عن المسحاء الدجالين ، فقد حذر تـلاميذه من هـذا الشخص قـائلا: [ سيأتون باسمي قائلين إني أنا هو والزمان قد اقترب فلا تذهبوا وراءهم ] ، إن عبارة ذلك الشخص " إني أنا هو" هي نفس العبارة التي أخبر المسيح أن المسحاء الدجالين سيقولونها للتلاميذ (1)، ولهذا فنحن لا نشك أن ذلك الشخص الذي ظهر للتلاميذ هو أحد المسحاء الدجالين الذين حذر منهم المسيح تلاميذه ، وأخبرهم بأنه سيأتي إليهم قريبا لا لأحد غيرهم وأن عليهم أن لا يتبعوه ، وبهذا نستطيع أن نفسر لماذا كان التلاميذ في أول الأمر يشكون في ذلك الشخص ولا يصدقون بأنه المسيح كلما ظهر .

لكن التلاميذ نسوا كلام معلمهم ، لقد دخلوا جميعهم في التجربة التي حذرهم منها المسيح عندما كان يصلي في بستان جثسيماني حيث جاء في إنجيل متى (41:26) [ اسهروا وصلوا لئلا تقعوا في التجربة ] إلا أنه كان يجدهم في كل مرة نياما ، لقد علمهم المسيح كيف يصلون ، كما جاء في إنجيل متى (9:6-13) وكان من ضمن هذه الصلاة أن يقول المرء : [ ولا تدخلنا في تجربة ولكن نجنا من الشرير ] وعندما احتاج التلاميذ لهذه الصلاة ذهبوا وناموا ، ونتج عن ذلك عدم نجاتهم من الشرير ، ودخولهم في التجربة التي كان المسيح يخشى عليهم من الدخول فيها كما هو واضح من كلامه لهم في البستان .

ولن نتعجب إن سمعنا هذا الشرير يقول للتلاميذ [فاذهبوا وتلمذوا جميع الأمم وعمدوهم باسم الآب والابن والروح القدس ]  كما جاء في إنجيل متى (19:28) ليهدم بذلك قول المسيح في نفس الإنجيل (5:10)  [ إلى طريق أمم لا تمضوا والى مدينة للسامرين لا تدخلوا بل أذهبوا  بالحري إلى خراف بيت إسرائيل الضالة ] ، فقد أراد هذا الشخص أن يضل مع التلاميذ العالم بأسره.

أما إجابة السؤال الثالث فإن الإنجيل يعطينا احتمالين بإمكانك أن تختار أيهما تريد ، الأول :أن يكون أشخاص مجهولين قد أخذوا الجثة ، وهذا ما قالته مريم المجدلية في أول الأمر عندما لم تجد الجثة كما جاء في إنجيل يوحنا (2:20) [ وقالت لهم: أخذوا السيد من القبر ولسنا نعلم أين وضعوه ] ، الثاني: أن يكون بعض أتباع المسيح قد أتوا ليلا وسرقوا الجثة كما طلب اليهود من الحراس أن يقولوا ، أنظر إنجيل متى (13:28) .

أما مسألة حراسة القبر فإن الحراس الذين قبلوا الرشوة من اليهود يمكن أن يقبلوها من أي شخص آخر ، وبالأخص إن طمأنهم بأنه سيستعطف الوالي حتى لا يعاقبهم كما فعل اليهود عندما طلبوا من الحراس أن يقولوا إن التلاميذ جاؤوا ليلا وسرقوا الجثة ، متى (14:28). ثم لا ننسى أن حراسة القبر كانت في اليوم التالي لدفن الجثة ،كما جاء في إنجيل متى (62:27-63) وهذا يتيح الفرصة لمن يريد أن يأخذ الجثة أن يأخذها دون عناء .

وبهذا ننهي ما يمكن أن تكون قد استدلت به الطوائف المسيحية المعارضة لفكرة الخطيئة والكفارة ، لننتقل إلى الفصل الثالث الذي يتضمن بعض الاعتراضات العقلية حول مبدأ الخطيئة والكفارة.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

اعتراضات عقلية:-

 

لقد حاول القائلون بمبدأ الخطيئة والكفارة أن يجدوا حلا منطقيا للجمع بين عدل الله ومحبته ، فخرجوا بفكرة الإنسان السماوي الذي يموت ليحمل عن الناس آثامهم ، وأنا لا أتهم المسيحيين بهذا فقد ذكرت أن هذه الفكرة كانت موجودة عند الكثير من الديانات الوثنية ، إلا أن هذا الحل الذي أوجدوه أوقعهم في إشكالات كثيرة لا يمكن للعقل أن يقبلها، ولا شك أنك عندما تقرأ ما كتبناه من اعتراضات ، ستدرك أنها أكبر بكثير من الإشكال الذي حاولوا حله ، وإليك بعض هذه الاعتراضات:-

1-     ( محبة الله ) : إن الذي دفع الله إلى قتل المسيح على الصليب هو محبته للعالم ، والسؤال الذي يتبادر إلى الذهن هو: هل من المعقول أن يحب الله البشر الخطاة أكثر من حبه للمسيح البار فيضحي به من أجلهم ؟! ويسمح بضربه وشتمه وإهانته ؟!.

2-     ( عدل الله ) : إن كان الله قدم المسيح كفارة عن خطايا البشر من أجل عدله ، فلنا أن نسأل: هل من العدل أن يعذب الله المسيح ويقتله على الصليب من أجل ذنب لم يقترفه ولم تكن له أي علاقة به ؟! وكأن هم الله أن يجمع بين عدله ومحبته بأي طريقة ، ولو كان فيها ظلم لمن ليس له ذنب أبدا ، يقول روي ديسكون سميث في كتابه " ضوء على البعث " ص(321) :" لا يوجد متدين مهما كان مذهبه أو فرقته يعتقد أن الله العظيم قد أرسل ابنه الوحيد إلى هذه البشرية التي لا توازي – في مجموعها منذ بدء الخلق إلى نهايته – كوكبا من الكواكب المتناهية في الصغر لكي يعاني موتا وحشيا فوق الصليب ، لترضية النقمة الإلهية على البشرية ، ولكي يساعد جلالته في أن يغفر للبشرية ، على شرط أن تعلن البشرية اعترافها بهذا العمل الهمجي الذي لا يستسيغه عقل ألا وهو الفداء " (1).

 وقد  يقول قائل: إن المسيح رضي بذلك ، ولا أدري ما هو نوع العقول التي تفكر بهذه الطريقة ، وكأنهم يقولون أن الله يريد أن يتلذذ برؤية الدم ترضية لنفسه فقط ، من غير مراعاة لكون المقتول هو الشخص المذنب أم لا ، فإن سفك دم أي منهما يصلح لإطفاء هذا الغضب الإلهي ، يقول آرثر ويجال في كتابه " الوثنية في ديانتنا المسيحية " عن هذا النوع من التفكير :" وهذه بالطبع وجهة نظر يتقزز منها العقل العصري ، والتي قد تكون شرطا لعقيدة بشعة ليست منفصلة عن ميول التلذذ بالقسوة للطبيعة البشرية البدائية . وفي الواقع إن هذه العقيدة دخيلة من مصدر وثني في الإيمان " (2).

على أننا قدمنا في الفصل السابق فقرات من الكتاب المقدس تدل على أن المسيح والشخص المصلوب لم يكونا راضيين عن هذا الفعل (1).

3-      ( صفات الله ) : كل من يؤمن بالله يقر بأن الله متصف بكل صفات الكمال منـزه عن كل صفات النقص، فذات الله كاملة لا تشوبها شائبة نقص ، والسؤال هو: هل من كمال ذات الله أن تتجسد في المسيح ؟ لا تتسرع بالإجابة ، فإن كان من كمال ذات الله أن تتجسد في المسيح ، فهذا يعني أن ذات الله كانت ناقصة قبل التجسد ، وإن كان من كمال ذات الله أن لا تتجسد في المسيح فهذا يعني أن ذات الله صارت ناقصة بعد التجسد ، ولهذا فنحن نقول: إن الله منـزه عن التجسد ؛ لأنه إما أن يكون ناقصا قبل التجسد ، أو ناقصا بعد التجسد ، وكلا الأمرين لا يرضاهما أحد من المؤمنين.

4-      ( عقاب الله ) : لاشك أن الله يعاقب من يستحق العقاب بقدر ذنوبه ، هذا هو العدل فهل يكون عقاب من نهي عن الأكل من شجرة وأكل بأن يلقى في جهنم وأبناؤه إلى أبد الآبدين؟! إن إلها يفعل هذا لن يكون أكثر رحمة من هتلر .

5-     ( طرق الله ) : إن الله قادر على أن يعطينا عددا لا يحصى من الوسائل حتى يكفر عنا خطايانا ، وإلا استطاع البشر بخطاياهم أن يحدوا الله بطريقة واحدة أو بعدد معين من الطرق حتى يكفر عن خطايا الناس ، فلماذا اختار الله طريقة يعذب ويهان ويصلب فيها ؟

لقد أنصف اليهودي  سعد كمونة في كتابه " تنقيح الأبحاث في الملل الثلاث " ص(57) حين قال :"إن الله أكرم من أن يقال … إنه لم يستطع أن يقضي أمره وهو في ملكه ، حتى نزل على الأرض ليهديهم وينجيهم من الشيطان ، وإنه جاء ليهدي الناس من الضلالة ، ويطهرهم من الخطايا ، فعبث به اليهود وعذبوه وصلبوه وأهانوه ". وقد يجيب أحدهم : بأن الله أراد أن يظهر محبته لنا بموته على الصليب من أجلنا، ونحن بدورنا نقول: ألم يكن بمقدور الله أن يظهر محبته لنا بطريقة أخرى ؟.

6-     ( قداسة الله ) : إن كانت الخطيئة الساكنة في الإنسان تحول بينه وبين الله ؛ لأن الله قدوس فأين كانت قداسته عندما أرسل الأنبياء وكلم موسى وأعان داود وسليمان على أعدائهما؟! لماذا لم تحل طبيعة الخطيئة فيهم بينهم وبين الله ؟!!

7-      ( ذبيح الله ) : إن كان الله قدم المسيح على الصليب ذبيحا ، ووضع عليه آثام الخطاة فسيطرد المسيح من رحمة الله لأجل ذلك ، حتى قال كاتب رسالة غلاطية : [ المسيح افتدانا من لعنة الناموس إذ صار لعنة لأجلنا ] (13:3) يقول أتكنسون في تفسيره لإنجيل متى (46:27) :" إن المسيح وقعت عليه لعنة الله لكونه حاملا الخطايا "، فلماذا لم يفد الله المسيح من هذه الآثام ويحرره منها ؟ .

8-      ( حكم الله ) : إن كان الله قد حكم على الناس بالموت لأجل الخطيئة التي ورثوها عندما أكل آدم من الشجرة ، فهل من المعقول أن يحكم عليهم بالحياة والعودة إليه عن طريق خطيئة أعظم من الخطيئة الأولى وهي صلب المسيح وقتله ! يقول كمونة في كتابه المذكور آنفا :" أي خطيئة كانت قبل المسيح أو بعده أعظم من الخطيئة التي كانت في زمانه عندكم ؟ "

9-      ( فرح الله ) : هل فرح الله لظلم اليهود للمسيح وقتلهم إياه فيكون قد فرح بارتكاب الناس للخطيئة ؟! أم كان ساخطا عن هذا الفعل مع أنه اختاره ليجمع فيه بين عدله ورحمته وضحى بالمسيح من أجله ؟! يقول روي يسكون سميث في كتابه " ضوء على البعث " :" إذا كان الله أذن بالصلب لأجل ترضيته فإنه يكون مشتركا في الذنب مع السفاكين الذين يكونون قد قاموا بمهمة إلهية " (1).

10-    ( تجسد الله ) : إن كان الله قد تجسد وولد من مريم ومات بجسده على الصليب من أجل تكفير الخطايا ، فهل يكفي هذا الجسد المحدود لتكفير خطايا الكثيرين ؟ ثم لماذا لا يكون جسد المسيح قد ورث الخطيئة من أمه مريم كما ورثها سائر البشر ؟ هل طهر الله مريم من الخطيئة حتى لا يرثها المسيح ؟ إذن فلماذا لا يطهر جميع البشر كما طهر مريم ؟

وقبل الانتهاء من هذه الاعتراضات أقول : قد يقف البعض واضعا كل ما ذكرناه جانبا ليقول:  إن المسيح غير حياتي ، ونحـن نقول لمثل هؤلاء: إنك إن كنت لا تريد الاقتناع بما قلناه فلن نستطيع أن نقنعك ولا أن نجبرك، لكن تذكر أنه كما غير المسيح حياتك عندما آمنت به مخلصا لك، فكذلك غير بوذا حياة كثير من البوذيين الذين آمنوا به مخلصا لهم ، وغير كرشنا حياة كثير من الهنادكة الذين آمنوا به مخلصا لهم ، فمن هو المخلص الحقيقي ؟ لا تقل إنه المسيح، فإنك لم تجرب غيره ممن غيروا حياة الكثيرين !

             

 

 

 

 

 

 

 

الخلاص الذي جاء به المسيح:-

       

       والآن وبعد الانتهاء من ذكر بعض الاعتراضات ، اعتقد أنه صار من الواضح لكل منصف أن فكرة الخطيئة والكفارة فكرة دخيلة على المسيحية التي جاء بها المسيح، وأن نفي صلب المسيح وقيامته حقيقة غابت عن الكثيرين ، وقد أرسل الله محمدا – صلى الله عليه وآله وسلم – ليكشف هذه الحقيقة وغيرها، لقد جاء رسول الله محمد – صلى الله عليه وآله وسلم – بالخلاص الذي جاء به المسيح – عليه السلام – والذي يتمثل في ثلاثة أمور:-

1-     الإيمان بإله واحد يخص بجميع أنواع العبادة ، وأن المسيح مجرد بشر أرسله الله لهداية الناس : وهذا هو ما قاله المسيح في إنجيل يوحنا (3:17) [ وهذه هي الحياة الأبدية أن يعرفوك أنت الإله الحقيقي وحدك ويسوع المسيح الذي أرسلته ] لقد كان المسيح يوجه كلامه إلى الآب ، فالحياة الأبدية أن تعرف أن الآب هو الإله الحقيقي وحده أي أن الابن والروح القدس ليسوا آلهة حقيقية ، وإن أطلق على أحدهما إله فإن المقصود أنه صارت إليه كلمة الله ، وهذا المعنى يشترك فيه المسيح واليهود ، لهذا عندما اتهم اليهود المسيح بالتجديف لأنه جعل نفسه إلها وهو إنسان كما جاء في إنجيل يوحنا (33:10-35) ، أجابهم المسيح: [ أليس مكتوبا في ناموسكم أنا قلت : إنكم آلهة ، إن قال آلهة لأولئك الذين صارت إليهم الكلمة ] فهو لم يقصد أنه إله على الحقيقة ، لأن الإله الحقيقي وحده هو الآب والمسيح مرسل من عنده .

        يقول أميل لودفيغ في كتابه " ابن الإنسان " ص(96) :" ويُعِدُّ الجميع المعلم الجديد نبياً ، ويبدو المعلم الجديد نبيا ، ولم يفكر يسوع في أنه أكثر من نبي " (1).

        ونحن إن كنا لا نرضى عن تسمية الله بالآب ، فذلك لأن الكثيرين فهموا هذه الكلمة على غير المعنى الذي تستعمل له في الكتاب المقدس -وهو المربي- ، فذهب فريق إلى أن المقصود منها الأبوة الحقيقية ، وأن المسيح ابن الله بطريق الاتصال الجنسي ، وذهب آخرون إلى أن الله هو الآب لأن المسيح انبثق وانفصل عنه ، ولهذا فهو إله يحمل نفس صفات الآب وكلا المعنيين خطأ.

       أما الأول فلأن الله ليس مثل البشر حتى يكون أبا بالمعنى البشري ، جاء في سفر إشعياء (5:46) [ بمن تشبهونني وتسوونني وتمثلونني لنتشابه].

       وأما المعنى الثاني فلأن المسيح لا يملك صفات الله  فهو لا يعلم وقت الساعة كما أخبر هو عن نفسه في إنجيل مرقس (32:13) [ أما ذلك اليوم وتلك الساعة فلا يعلم بها أحد ولا الملائكة الذين في السماء ولا الابن إلا الآب]. إذا فتلك الساعة لا يعلمها إلا الآب ، لا يعلمها الابن ولا الملائكة ولو كان الابن إلها حقيقيا لعلمها.

        وقد يقول قائل: إن الابن له طبيعتان: طبيعة إلهية تعرف كل شيء ، وطبيعة بشرية لا تعرف وقت الساعة ، والمسيح عندما أخبر أن الابن لا يعرف موعد الساعة كان يتكلم عن الطبيعة البشرية لا الإلهية.

 ونجيب فنقول: إن المسيح لم ينف فقط عن الابن عدم معرفة وقت الساعة حتى نقول إنه نفى عن الابن بطبيعته البشرية  لا الإلهية معرفة وقت الساعة ، وإنما حصر معرفة وقت الساعة بعد نفيها  عن الابن بالآب فقط ، فقد قال: [ إلا الآب ] أي إن الآب وحده هو الذي يعرف ذلك الوقت وعليه فلا يمكن أن يكون الابن إلها حقيقيا منبثقا عن الآب .

       وإنما سمي المسيح ابن الله ؛ لأنه إنسان بار كما هو حال كل من يسير في طريق الله ، جاء في إنجيل متى (9:5) [طوبى لصانعي السلام لأنهم أبناء الله يدعون ] وجاء في رسالة رومية (14:8) [لأن كل الذين ينقادون بروح الله فأولئك هم أبناء الله ] فليس الآب للمسيح وحده ، بل لجميع المؤمنين ولهذا علمهم المسيح أن يقولوا: [أبانا الذي في السماوات ] متى (9:6).

أما  معجزات المسيح وغفرانه للخطايا ، فكل ذلك بقدرة الله وسلطانه الذي أعطاه له ، كما حدث بذلك إنجيل متى (2:9) عندما قال المسيح للمفلوج: [ مغفورة لك خطاياك ] فاعترض عليه الكتبة فقال المسيح لهم: [أيما أيسر أن يقول مغفورة لك خطاياك أم أن يقال قم وامش ولكن لتعلموا أن لابن الإنسان سلطانا على الأرض أن يغفر الخطايا حينئذ قال للمفلوج قم احمل فراشك واذهب إلى بيتك فقام ومضى إلى بيته فلما رأى الجموع تعجبوا ومجدوا الله الذي أعطى الناس سلطانا مثل هذا ] فالمسيح لا يملك هذا السلطان لولا أن الله أعطاه إياه .

ولهذا قال بطرس [ أيها الرجال الإسرائيليون اسمعوا هذه الأقوال يسوع الناصري رجل قد تبرهن لكم من قبل الله بقوات وعجائب وآيات صنعها الله بيده في وسطكم كما أنتم تعلمون ] أعمال الرسل (22:2) فمن عرف هذه الحقيقة وهي أن الرب – الآب في الكتاب المقدس – هو الإله الحقيقي وحده ، وأن المسيح عبده ورسوله فسينال الحياة الأبدية؟

وهذا الذي أخبر به المسيح قريب جدا مما أخبر به رسول الله محمد – صلى الله  عليه وآله وسلم -  حين قال: " من شهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأن محمدا عبده ورسوله ، وأن عيسى عبد الله ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم  وروح منه (1)، وأن الجنة حق والنار حق أدخله الله الجنة على ما كان من عمله ".

2-    التوبة إلى الله والرجوع عن الذنب : فقد جاء المسيح رحمة للناس يدعوهم إلى التوبة ، ولم يأت ذبيحة لهم ، كما قال في إنجيل متى (13:9) [ فاذهبوا وتعلموا ما هو إني أريد رحمة لا ذبيحة لأني لم آت لأدعو أبرارا بل خطاة إلى التوبة] ولهذا فقد علم المسيح الناس أن يقولوا [ واغفر لنا ذنوبنا كما نغفر نحن أيضا للمذنبين إلينا ] متى (12:6). وكذلك حث القرآن الناس على أن يقولوا [ ربنا اغفر لنا ذنوبنا وكفر عنا سيئاتنا وتوفنا مع الأبرار ] سورة آل عمران (193).

        وقد ضرب المسيح أمثلة كثيرة ليحث الناس على التوبة مبينا لهم فرح الله بتوبة عبده ، فضرب لهم مثل الخروف ، وقال: [ افرحوا معي لأني وجدت خروفي الضال أقول لكم إنه هكذا يكون فرح في السماء بخاطئ واحد يتوب ] إنجيل لوقا (4:15-7) وكذلك ضرب رسول الله محمد – صلى الله عليه وآله وسلم – مثل الذي فقد ناقته ، فقال: " فلله أشد فرحا بتوبة العبد المؤمن من هذا براحلته وزاده ". وهكذا فإن الله يقبل توبة عبده من غير ذبيح وواسطة ، كما قبل الرجل خروفه وقبل الآخر بعيره من غير أن يذبح خروفا أو بعيرا آخر.

        وإن كان الله سيغلق بابه دوننا ، فمن الذي سيفتحه ويقبل توبتنا ؟‍‍‍‍‍‍! لهذا قال الله في القرآن [والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم ومن يغفـر الذنوب إلا الله ] سورة آل عمران (135). ومثل هذا ما جاء في المزمور (130 :3-4) [ إن كنت تراقب الآثام يا رب يا سيد فمن يقف بريئا لأن عندك المغفرة لكي يخاف منك].

       وإنما تكون التوبة بالرجوع عن المعاصي وترك الآثام حتى ينال المرء الملكوت ، كما جاء في حزقيال (30:18) [ توبوا وارجعوا عن كل معاصيكم ولا يكون لكم الإثم مهلكة ] وجاء في القرآن قوله تعالى: [ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون أولئك جزاؤهم مغفرة من ربهم وجنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ونعم أجر العاملين ] سورة آل عمران (135-136).

       والذي يرفض هذه التوبة التي أمر بها الله فسيكون مصيره الهلاك ، كما قال المسيح في إنجيل لوقا(3:13) [ أقول لكم إن لم تتوبوا فجميعكم كذلك تهلكون ] وقال تعالى: [ ومن لم يتب فأولئك هم الظالمون ] سورة الحجرات (11). وقبل أن ننتقل إلى الأمر الثالث الذي يؤدي إلى الخلاص نطلب منك أن تقرأ بتمعن ، وتتفكر في هاتين الفقرتين من الكتاب المقدس والقرآن:-

          [ ولكن الآن يقول الرب ارجعوا إلىّ بكل قلوبكم وبالصوم وبالبكاء والنوح ومزقوا قلوبكم لا ثيابكم وارجعوا إلى الرب إلهكم لأنه رؤوف رحيم بطئ الغضب وكثير الرأفة ] سفر يوئيل (12:2 - 13).

        [ قل يا عبادي الذي أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا إنه هو الغفور الرحيم وأنيبوا إلى ربكم وأسلموا له من قبل أن يأتيكم العـذاب ثم لا تنصرون ] سورة الزمر (53-54).

 

3-      العمل الصالح : وذلك بعمل وصايا الله واتباع تعاليم أنبيائه ، فعندما جاء الشاب الغني إلى المسيح وقال له: [ أيها المعلم الصالح أي صلاح أعمل لتكون لي الحياة الأبدية فقال له لماذا تدعوني صالحا ليس أحد صالح إلا واحد وهو الله ولكن إن أردت أن تدخل الحياة فاحفظ الوصايا … قال له الشاب: هذه كلها حفظتها أثناء حداثتي فماذا يعوزني بعد ؟ قال له يسوع : إن أردت أن تكون كاملا فاذهب وبع أملاكك و أعط الفقراء فيكون لك كنز في السماء وتعال واتبعني ] متى (16:19-21).

 لقد نبه المسيح الشاب أولا إلى عبادة الله وحده وأنه ليس بإله ، ثم أمره بعمل الوصايا وباتباعه ؛ وذلك لأنه رسول من عند الله ، والله لم يرسل الرسل إلا لتحكم بين الناس بحكم الله ، فمن فعل هذا نال الحياة الأبدية ، وبهذا أمر الله رسوله محمدا – صلى الله عليه وآله وسلم – أن يأمر الناس حيث قال في سورة آل عمران (32): [ قل أطيعوا الله والرسول فإن تولوا فإن الله لا يحب الكافرين ].

 يقول السير آرثر في كتابه " الكون المنشور" ص(184) :" لا يعتبر عيسى إلها أو مخلصا ، وإنما هو رسول من الله ، خدم في حياته القصيرة في علاج المرضى ، وبشر بالحياة الأخرى ، وعلم بأن الحياة الدنيا ما هي إلا إعداد لحياة أخرى ، للملكوت الإلهي ، لحياة أفضل لكل من يعمل صالحا " (1).

       وعندما وعظ المسيح الناس على الجبل قال لهم :[ إن لم يزد بركم عن الكتبة والفريسيين لن تدخلوا ملكوت السماوات] متى (20:5) وقال لهم :[ فكونوا أنتم كاملين كما أن أباكم الذي في السماوات هو كامل ] متى (48:5) وقال مؤكدا على ضرورة العمل بتعاليم الله :[ ليس كل من يقول لي يا رب يا رب يدخل ملكوت السماوات بل الذي يفعل إرادة أبي الذي في السماوات] متى (21:7) وهذا ما قاله الله - تعالى – في القرآن في سورة طه (75) [ ومن يأته مؤمنا قد عمل الصالحات فأولئك لهم الدرجات العلى].

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

بين المسيح و محمد – عليهما الصلاة والسلام - :-

 

       هذا هو طريق الخلاص الذي جاء به المسيح - عليه السلام – والذي جاء رسول الله محمد – صلى الله عليه وآله وسلم – ليوضحه ويبينه للناس،  لقد جاء رسول الله بمسيحية المسيح ، ولا عجب أن نرى هذا التوافق والانسجام بين تعاليم المسيح وتعاليم محمد –عليهما الصلاة والسلام – ، فكلاهما كان رسولا من عند الله ، ودين الله واحد على مر العصور ،كما قال تعالى في القرآن الكريم: [شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه ] ولهذا قال المسيح في إنجيل متى (17:5) :[ لا تظنوا أني جئت لأنقض الناموس أو الأنبياء ما جئت لأنقض بل لأكمل ].

        وعندما سمع النجاشي ملك الحبشة - وكان نصرانيا- شيئا من القرآن قال : "إن هذا والذي جاء به موسى ليخرج من مشكاة واحدة " ثم سأل صحابة رسول الله : "ما تقولون في عيسى ؟ فقال له جعفر :" نقول فيه ما جاء به نبينا هو عبد الله ورسوله وروحه وكلمته ألقاها إلى مريم العذراء البتول"، فضرب النجاشي يده إلى الأرض فأخذ عودا ثم قال: "ما عدا عيسى ما قلت هذا العود ." ثم دخل في الإسلام ، وهكذا فقد جاء محمد – صلى الله عليه وآله وسلم – مصدقا لما جاء به المسيح ، قال تعالى :[ يا أيها الذين أوتوا الكتاب آمنوا بما نزلنا مصدقا لما معكم ].

          لقد جاء محمد –صلى الله عليه وآله وسلم – ليصحح المسار ويبطل التحريف الذي تعرض له دين الله ، يقول كيرت في كتابه " The Old Testament : Its Original Composition " :" إن الكتاب المقدس المتداول حاليا لا يحتوي على التوراة والإنجيل المنزلين من الله ، ولقد اعترف علماء باحثين أنفسهم باللمسات البشرية في إعداد هذا الكتاب المقدس " (1).

          ولنفس هذا السبب الذي جاء من أجله محمد –صلى الله عليه وآله وسلم – جاء الأنبياء من قبله فها هو إرميا يقول :[ أما وحي الرب فلا تعودوا تذكروه بعد لأن كلمة كل إنسان تكون وحيه إذ قد حرفتم كلام الإله الحي رب الجنود إلهنا ] سفر إرميا (36:23) وقال إشعياء :[ ويل للذين يتعمقون ليكتموا رأيهم عن الرب فتصير أعمالهم في الظلمة ويقولون: من يبصرنا ومن يعرفنا. يا لتحريفكم ! ] سفر إشعياء (15:29-16)ولهذا الأمر جاء المسيح فقد قال في إنجيل متى (6:15-9) :[ قد أبطلتم وصية الله بسبب تقليدكم. يا مراؤون حسنا تنبأ عنكم إشعياء قائلا: يقترب إلى هذا الشعب بفمه ويكرمني بشفتيه وأما قلبه فمبتعد عني بعيدا وباطلا يعبدونني وهم يعلمون تعاليم هي وصايا الناس ] وقال الله – عز وجل – عن محمد – صلى الله عليه وآله وسلم – مخاطبا أهل الكتاب من اليهود والنصارى: [ يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبين لكم كثيرا مما كنتم تخفون من الكتاب ويعفو عن كثير قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين ] سورة المائدة (15).

       لقد جاء المسيح بالتعاليم التي تناسب الإغراق المادي الذي كان يعيش فيه اليهود ، فقال: [ قد سمعتم أنه قيل للقدماء: لا تزن وأما أنا فأقول لكم إن كل من ينظر إلى امرأة ليشتهيها فقد زنى بها في قلبه فإن كانت عينك اليمنى تعثرك فاقلعها وألقها عنك ] متى (28:5-29) وقال: [ وقيل من طلق امرأته فليعطها كتاب طلاق وأما أنا فأقول لكم إن من طلق امرأته إلا لعلة الزنا يجعلها تزني ومن يتزوج مطلقة فإنه يزني ] متى (31:5-32) وقال: [ سمعتم أنه قيل عين بعين وسن بسن وأما أنا فأقول لكم لا تقاوموا الشر بل من لطمك على خدك الأيمن فحول له الآخر أيضا ومن أراد أن يخاصمك ويأخذ ثوبك فاترك له الرداء أيضا ] متى (38:5-40) وقال :[ لا تهتموا لحياتكم بما تأكلون وبما تشربون ولا لأجسادكم بما تلبسون ] متى (25:6) إلا أن المسيح اعترف بأن الذي جاء به ليس كاملا ، بمعنى أنه لا يصلح لكل زمان ومكان ، وأن هناك أمورا  أخرى يجب أن يخبرهم عنها ، فقد قال في إنجيل يوحنا (12:16) [ إن لي أمورا كثيرة أيضا لأقول لكم ولكن لا تستطيعون أن تحتملوا الآن ] (1).

          وأنت إذا نظرت إلى تعاليم المسيح السابقة أدركت أنه لا يمكن تطبيقها في هذا الزمان ، فكان لا بد من إرسال رسول يكمل ما لم يخبر به المسيح ليصبح دين الله صالحا لجميع الأزمنة والأمكنة ، فأرسل الله محمدا – صلى الله عليه وآله وسلم – بشريعة تكمل شريعة الأنبياء ، جمع فيها بين احتياجات الإنسان الروحية والمادية ، فكان مما جاء به قول الله تعالى في القرآن الكريم [ وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة ولا تنس نصيبك  من الدنيا وأحسن كما أحسن الله إليك ولا تبغ الفساد في الأرض إن الله لا يحب المفسدين].

          لم يأمر الله الناس في شريعة محمد – صلى الله عليه وآله وسلم – بترك الطعام كما فعل المسيح في الإنجيل ، بل أمرهم أن يأكلوا من طيبات ما رزقهم ، لكنه ربط ذلك بشكر الله على هذه النعمة فقال :[ يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم واشكروا لله إن كنتم إياه تعبـدون ]

          ولم يأمر محمد – صلى الله عليه وآله وسلم – الناس بترك اللباس ، بل أخبر بأنه نعمة من نعم الله يستر بها المرء عورته ، لكنه نبه إلى أن التقوى أهم عند الله من اللباس الظاهر ، فلا يجوز أن نهتم به ونتركها ، فجاء في القرآن [ يا بني آدم قد أنزلنا عليكم لباسا يواري سوآتكم وريشا ولباس التقوى ذلك خير ].

          ولم يمنع محمد – صلى الله عليه وآله وسلم – المرء من أن يقتص ممن ظلمه ، لكنه أخبر أن عدم الانتقام للنفس والصفح عند المقدرة خير عند الله ،كما قال تعالى :[ وجزاء سيئةٍ سيئةٌ مثلها فمن عفا وأصلح فأجره على الله إنه لا يحب الظالمين ].

          بهذه الشريعة ختم الله الدين وأتم نعمته على عباده ، قال تعالى :[ اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا ] فمن رضي لنفسه ما رضي الله له واتبع ما جاء به محمد – صلى الله عليه وآله وسلم – فسينال السعادة في الدنيا لاتباعه الشريعة الإلهية التي تلبي جميع احتياجات البشر ، وسيسكن الفردوس في الآخرة لأنه رضي بما رضي الله له وآمن برسوله.

إن ما ذكرناه من ضرورة إرسال محمد – صلى الله عليه وآله وسلم – والتي تتمثل في تصحيح التحريف الذي أصاب الرسالات السابقة ، ومن ثم إتمامه لها لتصبح شريعة كاملة صالحة للجميع على مر العصور - إن ما ذكرناه من هذه الضرورة قد يكون سببا كافيا عند بعض الناس ليؤمنوا  بمحمد – صلى الله عليه وآله وسلم – على أنه رسول من عند الله ويتبعوه ، إلا أن بعضهم الآخر  يريد براهين من نوع آخر لإثبات هذه الحقيقة ، وسنقوم في الفصل القادم بتقديم هذه البراهين ولكنها تتطلب منك قراراً.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

براهين تتطلب قرارا:-

 

سنتكلم في هذا الفصل عن أربعة براهين يدل كل منها على نبوة محمد –صلى الله عليه وآله وسلم –.

البرهان الأول: البرهان التقليدي:-

ونعني به المعجزات وهي: أمر خارق للعادة يجريه الله على يد نبيه دليلا على صدقه ، ومنها شفاء المرضى على يد نبي الله موسى ، انظر سفر العدد (46:16-49) ومنها إحياء الموتى على يد نبي الله عيسى حيث جاء في إنجيل لوقا (14:7-16) [ ثم تقدم ولمس النعش فوقف الحاملون فقال: أيها الشاب لك أقول: قم فجلس الميت وابتدأ يتكلم فدفعه إلى أمه فأخذ الجميع خوف ومجدوا الله قائلين: قد قام فينا نبي عظيم وافتقد الله شعبه ]. فقد كان هذا العمل دليلا عند الناس على نبوة عيسى – عليه السلام – .

وقد جاء نبي الله محمد – صلى الله عليه وآله وسلم – بالمعجزات الكثيرة ، ومن ذلك نبع الماء من أصابعه فقد جاء في الحديث عن عبد الله بن مسعود – رضي الله عنه – "كنا مع رسول الله – صلى الله عليه وآله وسلم – في سفر فقل الماء ، فقال : " اطلبوا فضلة من ماء " فجاءوا بإناء فيه ماء قليل فأدخل يده في الإناء ، وقال: "حي على الطهر المبارك والبركة من الله " فلقد رأيت الماء ينبع من بين أصابع النبي – صلى الله عليه وآله وسلم – ، ومن معجزاته تكثير الطعام ورد البصر إلى الأعمى وغيرها، وإنما تكفي الآية الواحدة لمن أنصف !.

 وثبوت هذه المعجزات تاريخيا أقوى من ثبوت المعجزات لأي نبي آخر ، فإن أردت إنكارها فلماذا لا تنكر معجزات موسى والمسيح  - عليهما السلام- ؟!

وقد يقول أحدهم :إن محمدا كان يصنع المعجزات بقوة الشيطان وهذا ليس شيئاً جديداً يتهم به الأنبياء ، فقد قال الفريسيون هذا عن المسيح -عليه السلام- كما جاء في إنجيل متى (24:12) [ أما الفريسيون فلما سمعوا قالوا هذا لا يخرج الشياطين إلا ببعلزبول رئيس الشياطين ]إلا أن المسيح أجابهم وقال [ كل مدينة أو بيت منقسم على ذاته لا يثبت فإن كان الشيطان يخرج الشيطان فقد انقسم على ذاته فكيف تثبت مملكته ].

 ونحن نقول: إن كان الشيطان أمر محمدا – صلى الله عليه وآله وسلم – في القرآن أن يستعيذ بالله من الشيطان فقد انقسم على ذاته فكيف تثبت مملكته ؟! وإن كان الشيطان أمر محمدا – صلى الله عليه وآله وسلم – بأن يمجد الله حتى ينبع الماء من أصابعه عندما قال :" البركة من الله "، فقد انقسم على ذاته ؛ لأنه مجد الله فكيف تثبت مملكته ؟!.

 ثم تابع المسيح جوابه لهؤلاء قائلا:[ وإن كنت أنا ببعلزبول أخرج الشياطين فأبناؤكم بمن يخرجون ] متى (25:12-27) وكأنه يقول لهم : لماذا تقولون هذا عني ولا تقولونه عن الآخرين ؟ ونحن نقول : إن كان محمد –صلى الله عليه وآله وسلم –يصنع المعجزات بقوة الشيطان فالأنبياء الذين تؤمنون بهم بماذا صنعوها ؟

وقد أجاب الشاب الأعمى الذي شفاه المسيح الفريسيين عن هذا فقال: [ نعلم أن الله لا يسمع للخطاة ولكن إن كان أحد يتقي الله ويفعل مشيئته فلهذا يسمع منذ دهور لم نسمع أحدا فتح عيني أعمى لو لم يكن هذا من الله لم يقدر أن يفعل شيئا ] يوحنا (31:9-33).

 

البرهان الثاني: هل طلب مجده ؟

لقد كان محمد – صلى الله عليه وآله وسلم – طوال بعثته يدعو الناس إلى عبادة الله دون أن يلتفت إلى ما يعانيه من تعب بسبب ذلك ؛ فإن همه إرضاء الله لا شيء آخر ، وهذا أكبر دليل على أنه صادق لأنه إن لم يكن يطلب مجد نفسه فلا حاجة له إلى الكذب ولهذا قال المسيح لليهود في إنجيل يوحنا (17:7-18) [ إن شاء أحد أن يعمل مشيئته يعرف التعليم هل هو من الله أم أتكلم أنا في نفسي من يتكلم في نفسه يطلب مجد نفسه وأما من يطلب مجد الذي أرسله فهو صادق ولا ظلم فيه ].

 لقد جاء كفار قريش إلى محمد -صلى الله عليه وآله وسلم - ، وعرضوا عليه أن يعطوه من مالهم حتى يصبح أكثرهم مالا ، ويزوجوه بأجمل نسائهم ، ويجعلوه ملكا عليهم ، بشرط أن يترك الدعوة إلى الله ، لكنه رفض كل هذا ، وتمسك بالدعوة إلى توحيد الله ، وقد قالت عائشة –رضي الله عنها – تصف حال نبي الله محمد –صلى الله عليه وآله وسلم – :" وما انتقم رسول الله –صلى الله عليه وآله وسلم – لنفسه في شيء قط إلا أن تنتهك حرمة الله فينتقم " فهل يمكن أن يكون كاذبا في ادعائه النبوة من  هذا حاله ؟ إن المسيح يقول: لا

 

 

 

البرهان الثالث: ثمرة تعاليم محمد – صلى الله عليه وآله وسلم - :

لقد قال المسيح في إنجيل متى (15:7-17) [ احترزوا من الأنبياء الكذبة يأتونكم بثياب الحملان الوديعة ولكنهم من الداخل ذئاب خاطفة من ثمارهم تعرفونهم هل تجتنون من الشوك عنبا أو من الحسك تينا هكذا كل شجرة جيدة تصنع أثمارا  جيدة وأما الشجرة الردية فتصنع أثمارا ردية ] فمن أراد أن يعرف النبي الصادق من الكاذب فلينظر إلى تعاليمه . فما هي ثمار محمد – صلى الله عليه وآله وسلم – ؟.

لقد أجاب عن هذا السؤال جعفر بن أبي طالب – رضي الله عنه – عندما سأله النجاشي ملك الحبشة "ما هذا الدين الذي فارقتم فيه قومكم ولم تدخلوا في ديني ولا في دين أحد من هذه الأمم؟ فقال جعفر : أيها الملك ، إنا كنا قوما أهل جاهلية ؛ نعبد الأصنام ، ونأكل الميتة ، ونأتي الفواحش ، ونقطع الأرحام ، ونسيء الجوار ، ويأكل القوي منا الضعيف ، فكنا على ذلك حتى بعث الله إلينا رسولا منا ، نعرف نسبه وصدقه وأمانته وعفافه ، فدعانا إلى الله لنوحده ، ونعبده ، ونخلغ ، ما كنا نعبد وآباؤنا من دونه من الحجارة والأوثان ، وأمر بصدق الحديث ، وأداء الأمانة ، وصلة الرحم ، وحسن الجوار ، والكف عن المحارم ، والدماء ، وأمرنا أن نعبد الله لا نشرك به شيئا ، وأمرنا بالصلاة والزكاة ، – فعدد عليه أمور الإسلام – فصدقناه وآمنا به واتبعناه " فهذه هي ثمار محمد – صلى الله عليه وآله وسلم – ولو كان كاذبا لما خرجت منه مثل هذه الثمار إذ كيف يأمر الناس بصدق الحديث ثم يكذب هو على الله ؟! ولهذا قال المسيح [ لا تقدر شجرة جيدة أن تصنع أثمارا ردية ولا شجرة ردية أن تصنع أثمارا جيدة كل شجرة لا تصنع ثمرا جيدا تقطع  وتلقى في النار فإذن من ثمارهم تعرفونهم ] متى (18:7-20) لقد كان من ثمار المسيح أن قال: [ فكل ما تريدون أن يفعل الناس بكم افعلوا هكذا أنتم أيضا بهم لأن هذا هو الناموس والأنبياء ] متى (12:7).

 أي إن هذه الثمرة يأمر بها الناموس والأنبياء ، ولهذا فلا عجب أن يقول محمد – صلى الله عليه وآله وسلم – :" من أحب أن يزحزح عن النار ويدخل الجنة فلتدركه المنية وهو يؤمن بالله واليوم الآخر ويأتي إلى الناس الذي يحب أن يؤتى إليه "؛ لأنه كان نبيا.

لقد كان السؤال عن الثمرة أحد الأسئلة التي وجهها هرقل – عظيم الروم – إلى أبي سفيان وكان مشركا ليتأكد من صدق نبوة محمد – صلى الله عليه وآله وسلم – فقال: ماذا يأمركم ؟ فقال أبو سفيان: " يقول اعبدوا الله وحده ولا تشركوا به شيئا ، واتركوا ما يقول آباؤكم ، ويأمرنا بالصلاة والصدق والعفاف والصلة".

وكان هذا الجواب من الأسباب التي أدت إلى إيمان هرقل بنبوة محمد – صلى الله عليه وآله وسلم – إلا أنه خاف من ضياع ملكه وقيام الناس عليه إن ترك دينه ، فلم يتبع ما جاء به محمد – صلى الله عليه وآله وسلم – وهذا بعينه ما حصل مع المسيح ، فقد آمن به الكثير من الرؤساء لكنهم خافوا  من الفريسيين أن ينـزعوا منهم مجدهم ،كما جاء في إنجيل يوحنا (32:12-43) [ ولكن مع ذلك آمن به كثيرون من الرؤساء أيضا غير أنهم لسبب الفريسيين لم يعترضوا به لئلا يصيروا خارج المجمع لأنهم أحبوا مجد الناس أكثر من مجد الله ]‏

 

البرهان الرابع: إنه نبي صادق

إن الذين لا يؤمنون بنبوة محمد –صلى الله عليه وآله وسلم – يواجههم سؤال مهم وهو: إن لم يكن محمد – صلى الله عليه وآله وسلم – نبيا فماذا يكون ؟ لقد أوضح الله تعالى في القرآن الكريم أن محمدا – صلى الله عليه وآله وسلم -   رسول من الله إلى الناس جميعا ، حيث قال: [ قل يا  أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا ] سورة الأعراف (158) وقال :[تبارك الذين نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيرا ] سورة الفرقان (1) وقال محمد – صلى الله عليه وآله وسلم - :"وكان كل نبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس عامة "، فالذين لا يؤمنون بأنه نبي ليس أمامهم إلا أن يقولوا: إنه كذاب تعمد الكذب ، بل كان منافقا دجالا مخادعا ، ونحن نقول لهؤلاء :

لقد أهين محمد – صلى الله عليه وآله وسلم – وعذب من قبل قومه عندما دعاهم إلى الإسلام ، لكنه بقي مصرا على كذبه – في نظركم – ، ثم إنه رأى أتباعه يعذبون ويموتون تحت التعذيب ، لكنه بقي مصرا على كذبه – في نظركم – ، ورمي بالحجارة حتى سال الدم من قدميه ، لكنه بقي مصرا على كذبه – في نظركم – ، وجاء كفار قريش إليه وهو يعاني ما يعانيه من الاضطهاد فعرضوا عليه المال والملك والنساء ، لكنه رفض هذا وبقي مصرا على كذبه – ، في نظركم – وحاصره المشركون هو وقومه فمنعوا عنهم الماء والطعام ، فأصابتهم مجاعة مات بسببها بعض أصحابه ، لكنه بقي مصرا على كذبه – في نظركم – ، وماتت زوجته أمامه وهو محاصر لكنه بقى مصرا على كذبه – في نظركم – ، وعندما اشتد الظلم والاضطهاد والتعذيب لم يرجع عن كذبه ، بل وعد الذين آمنوا به بالنصر وأخبرهم عن انتشار الإسلام (1) وهو يعلم أنه كاذب ، ولم تكن مدة هذه المحن يوماً أو يومين أو أسبوعاً أو أسبوعين أو شهرا أو شهرين أو سنة أو سنتين بل استمرت ثلاثة عشر سنة ، وهو مصر على كذبه طوال هذه المدة كما تقولون دون أن يضعف أو يتراجع ، فأي كذب هذا الذي تتحدثون عنه ؟!

إن المحنة الواحدة من هذه المحن تكفي لكي يرجع المرء عن كذبه ، فكيف إذا اجتمعت، بل قد  يرجع كثير من الناس عن قول الحق خوفا من الاضطهاد ، فحري بالكاذب أن يرجع عن كذبه ، وبالأخص إن لم يكن له مصلحة في الكذب ، فمن لا يرجع عن كلامه – وحاله كهذه الحال إما أن يكون صادقا أو أن يكون مجنونا، أما أن يكون كاذبا فلا ، ولا أظن أحدا من العقلاء يمكن أن يتهم مؤسس أكبر حضارة في التاريخ بالجنون -وهو يعني ما يقوله- ، فلم يبق إلا أن نقول إن محمدا – صلى الله عليه وآله وسلم – نبي صادق.

قد يحاول بعض الناس أن يقول إن محمدا مصلح اجتماعي ، لكن محمدا – صلى الله عليه وآله وسلم – لم يقل هذا ، لقد قال: إنه رسول الله للناس كافة فإما أن نقول إنه صادق أولا أما إن قلت إنه مصلح اجتماعي من غير أن يكون نبيا ، فهذا يعني أنك تتهمه بالكذب ، فلا داعي لأن تقول إنه مصلح اجتماعي.

والآن، وبعد هذه البراهين فإن بإمكانك أن تقبل نبوة محمد – صلى الله عليه وآله وسلم – وبإمكانك أن ترفضها ، وقد يحول دون قبولها تلك الصورة البشعة التي أعطاها الإعلام الغربي أو غيره عن محمد – صلى الله عليه وآله وسلم – ، فقد أثيرت حوله العديد من الافتراءات والشبهات للانتقاص من شأنه وإظهاره بصورة مشوهة ، ولن يتسع المجال هنا لرد هذه الافتراءات ، ولا لذكرها فليس هذا هو موضوع الكتاب لكننا نذكر ردا مجملا على ذلك فنقول:

لو سلمنا بصحة كل تلك الافتراءات ، فإنها لن تكون مانعا دون قبول نبوته ، فإن حاله لن تصل ولا بأي صورة من الصور إلى حال الأنبياء كما يصورها الكتاب المقدس فسليمان – عليه السلام – على سبيل المثال يتزوج سبعمائة من النساء ويملك ثلاثمائة من السراري ، ويُلنَّ قلبه نحو آلهة أخرى فيعبدها ، ويبني لها المعابد ، انظر سفر الملوك الأول (1:11-12) ، وداود – عليه السلام – يزني بزوجة جاره ، ويقتل زوجها بحيلة بشعة ، انظر سفر صموئيل الثاني (11) ، وموسى يأمر بقتل النساء والأطفال بعد سبيهم من المعركة ، كما جاء سفر العدد (17:31) ولوط يشرب الخمر حتى يسكر ويزني بابنتيه ، كما جاء في سفر التكوين (32:19-36) ومع كل هذه الفضائح فإنها لم تكن مانعا للمسيحيين من قبول نبوتهم جميعا.

ونحن – المسلمين – نرفض وبشدة كل تلك الافتراءات التي قيلت عن نبينا محمد – صلى الله عليه وآله وسلم – ونبرئه منها كما نبرئ غيره من الأنبياء عن كل الفظائع التي نسبت إليهم ، ونعتقد أنها من التحريف الذي حاول أعداء الأنبياء إدخاله على ديانة الله ليشوهوا صورة أنبيائه ، وبالتالي يطعنوا في صدق نبوتهم ، فإن الله لا يختار حثالة البشر ليمثلوه أمام الناس ، تعالى الله عن ذلك.

قد لا تكون الأدلة التي ذكرناها خفية أو صعبة ولكن الله يعمي عنها قلوب الذين لا يريدون إلا التمسك بما عرفوه وتربوا عليه ،كما جاء في إنجيل يوحنا (39:12-40): [ لهذا لم يقدروا أن يؤمنوا لأن إشعياء قال أيضا : قد أعمى عيونهم وأغلظ قلوبهم لئلا يبصروا بعيونهم ويشعروا بقلوبهم ويرجعوا فأشفيهم ] وقال تعالى في سورة الكهف (57) :[ ومن أظلم ممن ذكر بآيات ربه فأعرض عنها ونسي ما قدمت يداه إنا جعلنا على قلوبهم أكنه أن يفقهوه وفي آذانهم وقرا وإن تدعهم إلى الهدى فلن يهتدوا إذاً أبداً ].

وقبل أن أنهي حديثي ، فإني أقدم اعتذاري إن كنت قد أخطأت في حق أحد فيما كتبت ، فليس من مقصودي الإساءة ، وإنما رجائي وأملي أن يعبد الله على الوجه الذي يريد ، وبقى لك أن تسأل نفسك ما الذي تعنيه كل هذه الأدلة والبراهين لي؟ وهل ستغير حياتي؟ أرجو ذلك.

[ فلنستمع ختام الأمر كله ، اتق الله واحفظ وصاياه ، لأن هذا هو كل واجب الإنسان ، لأن الله سيدين كل عمل مهما كان خفياً ، سواء كان خيراً أم شراً ] نهاية سفر الجامعة .

[ واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله ثم توفى كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون ] سورة البقرة (281) (1).

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين

                                           

                                                              وكتبه العبد الفقير إلى الله

أبو عبد الله فادي مأمون كباتيلو

                                                                                                                              غفر الله له ولوالديه

 

 

 



(1) انظر في هذا كتاب " الملاك المسيح" لبنصون ، نقل عنه الأستاذ محمد طاهر التنير في كتابه " العقائد الوثنية في الديانة النصرانية ".

(2) نقلا عن كتاب " محمد صلى الله عليه وسلم في التوراة والإنجيل والقرآن " للقس المهتدي للإسلام إبراهيم خليل أحمد .

(1) نقل عن السير آرثر هذا الكلام الأستاذ إبراهيم خليل أحمد في كتابه المذكور آنفا.

(1) تفسير سفر (صموائيل الثاني) أ. م. رينيك ضمن كتاب " تفسير الكتاب المقدس ".

(2) تفسير " السنن القويم في تفسير أسفار العهد القديم "، لوليم مارش .

(3) تفسير سفر (حزقيال) ج.ر. بيسلي ضمن كتاب " تفسير الكتاب المقدس ".

(2) المرجع السابق .

(2) تفسير سفر (يونان) د.و.ب. روبنسن ضمن كتاب " تفسير المتاب المقدس ".

(1) المرجع السابق .

(3) تفسير سفر (إشعياء) و. فتش ضمن " تفسير الكتاب المقدس "

(1) نقلا عن كتاب " الميزان في مقارنة الأديان " للمستشار محمد عزت الطهطاوي .

(1) يبدو أن هناك خلافا ظاهرا بين الأناجيل حول إخبار المقبوض عليه عن هويته عندما سأله رؤساء الكهنة عما إن كان هو المسيح ، فبينما رد عليهم المتهم بقوله [ أنت قلت ] كما في إنجيل متى (64:26) وهو ما يعني أن هذا هو قولك أنت لا قولي ، وهذا ما يشبه في المعنى ما جاء في إنجيل لوقا ، نجد أن المتهم يجيب بقوله في إنجيل مرقس (62:14) [ أنا هو ] وهو ما يمكن أن يفهم منه أن المتهم صرح بأنه المسيح.

والظاهر أن سبب هذا الخلاف يرجع إلى عدم وجود علامات الترقيم في النسخ المخطوطة من الإنجيل ، وهو ما أدى إلى هذا التعارض فنحن إن حملنا قول المقبوض عليه " أنا هو " على أنه سؤال استنكاري ، زال هذا التعارض واتفقت الأناجيل ، وهذا لا يمكن معرفته إلا إذا وضعت علامة السؤال الاستنكاري بعد العبارة هكذا " أنا هو ؟ " وهو ما نرجحه حتى لا نقع في تناقض مع محتوى الأناجيل الأخرى بخلاف ما إذا كانت علامة الترقيم هي النقطة هكذا " أنا هو ." بحيث تصبح الجملة تقريرية وهذا ما لا دليل عليه أعني أن تكون علامة الترقيم هي النقطة .

(1) لاحظ أن المسيح تنبأ بأن المسحاء الكذبة سيقولون هذه العبارة لتلاميذه المؤمنين به ، أما اليهود والرومان فإن المسيح لم يتنبأ بأن المسحاء الكذبة سيقولون لهم :" إني أنا هو " ، لهذا نجد المسيح قد قال هذه العبارة لليهود والرومان كما جاء في إنجيل يوحنا (8:18).

(1) نقلا عن كتاب "محمد صلى الله عليه وسلم في التوراة والإنجيل والقرآن " لإبراهيم خليل .

(2) نقلا عن كتاب " الغفران بين المسيحية والإسلام " لإبراهيم خليل .

(1) أنظر النقطة الثامنة ، والعاشرة من الفصل السابق .

(1) نقلا عن كتاب "محمد صلى الله عليه وسلم في التوراة والإنجيل والقرآن " لإبراهيم خليل .

(1) نقلا عن كتاب " النصرانية من التوحيد إلى التثليث "، للدكتور محمد أحمد الحاج .

(1) المقصود من أن المسيح كلمة الله هو أنه كان بالكلمة أي إن الله قال له: كن فكان عيسى في رحم مريم كما خلق آدم ، قال تعالى: [ إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له: كن فيكون] ومعنى أنه روح منه أي روح من عند الله ، وقد ذكر الرسول – صلى الله عليه وآله وسلم – ذلك للرد على اليهود الذين اتهموا مريم بالزنا فرد الله عليهم بأنه قادر على أن يخلق المسيح من غير اتصال جنسي كما خلق آدم بقوله: كن ، ونفخ في مريم بروح من عنده ، فوهب الحياة للمسيح كما نفخ في آدم ، فليس هناك ما يبرر اتهامها بالزنا ، وبالأخص بعد الذي عرف عنها من طهارة وعفة وانقطاع للعبادة وحسن خلق وزهد ، ثم لا يكتفي اليهود بهذه التهمة بل يضيفون إليها تهمة أخرى وهي أنها كذبت على الله عندما قالت بأن الله هو الذي خلق المسيح فيها من غير أن تتصل برجل ، فهل يمكن لمن كانت حالها كحالها – رضي الله عنها – أن تكذب على الله ثم تصر على كذبها هذا، حاشاها ولكن الذين لا يريدون الهداية لا يبصرون هذا البرهان . 

 

(1) نقلا عن كتاب "محمد صلى الله عليه وسلم في التوراة والإنجيل والقرآن " لإبراهيم خليل أحمد .

 

(1) نقلا عن كتاب "محمد صلى الله عليه وسلم في التوراة والإنجيل والقرآن " لإبراهيم خليل أحمد .

 

(1) لقد قال المسيح هذا الكلام في معرض حديثه عن روح الحق الذي سيأتي ليوبخ الناس على البر وعلى الدينونة ، وسيخبر الناس عن الأمور التي لم يخبرهم بها المسيح وبينما يقول المسيحيون إن روح الحق هذا  هو الروح القدس يعتقد المسلمون أن محمد صلى الله عليه وسلم هو روح الحق الذي حدث عنه المسيح لأن الروح القدس لم يوبخ الناس على شيء ، ولم يحدثهم بالأمور الكثيرة التي أخبر المسيح أنه سيحدثهم عنها ، وإنما حدثهم عن أشياء قليلة جداً ، وعلى أي حال فليس هدفنا هنا بيان أدلة الفريقين ، وعلنا نرجئ هذا إلى كتاب آخر ، والمقصود هنا بيان أن المسيح عليه السلام ترك الحديث عن الكثير من الأشياء ، وبالتالي لم تكتمل رسالة الله إلى البشر على يده.

 

(1)  تكرر إخباره  – صلى الله عليه وآله وسلم –عن انتشار الإسلام في أكثر من موضع ، منها قوله  – صلى الله عليه وآله وسلم -   وهو يحفر الخندق عندما هاجم الأحزاب المدينة :" الله أكبر  أعطيت مفاتيح الشام "، ثم قال: " الله أكبر أعطيت مفاتيح فارس "، ثم قال: " الله أكبر أعطيت مفاتيح اليمن"، وقد دخل الإسلام هذه البلاد كلها كما أخبر عليه الصلاة والسلام – . وفي هذا دليل على صدق نبوته كما جاء في سفر التثنية (21:18-22) [ فإن قلت في قلبك كيف تعرف الكلام الذي لم يتكلم به الرب فما تكلم به النبي باسم الرب ولم يحدث ولم يصر فهو الكلام الذي لم يتكلم به الرب بل بطغيان تكلم به النبي فلا تخف ] والكلام الذي تكلم به محمد – صلى الله عليه وآله وسلم – كان مبدوءاً باسم الله ، وقد حدث إذن فلا بد أن يكون هذا الكلام مما تكلم به الرب.

 

(1) جمهور علماء المسلمين على أن هذه الآية هي آخر آية أنزلها الله في القرآن .