تم تصدير هذا الكتاب آليا بواسطة المكتبة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة المكتبة الشاملة على الإنترنت)


الكتاب : الغارة التنصيرية على أصالة القرآن الكريم
المؤلف : د . عبد الراضي محمد عبد المحسن
عدد الصفحات : 95
مصدر الكتاب : موقع الإسلام
http://www.al-islam.com
[ ضمن مجموعة كتب من موقع الإسلام ، ترقيمها غير مطابق للمطبوع ، وغالبها مذيلة بالحواشي ]

الغارة التنصيرية على أصالة القرآن الكريم
إعداد:
د. عبد الراضي محمد عبد المحسن
المقدمة
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم. وبعد:
لعلّ أطروحة صمويل هنتنجتون التي دوَّت في الهزيع الأخير من القرن الميلادي المنصرم، كانت أمثل تعبير عن حقيقة ما يعتور عالمنا المعاصر من صراع حضاري ذي جوهر دينيّ.
ولم يكن سيل الكتابات الغربية التي تجعل من الإسلام وأمته وحضارته وعالمه عدوّ الغرب الحاليّ والمستقبليّ الذي يمثل إمبراطورية الشر بعد زوال المعسكر الشيوعي، إلا تجسيدًا لأحد أبعاد ذلك الصراع الضاري (1) .
وهذا الجانب الملتهب من جوانب الصراع وإن كان هو المستحوذ على غالب الاهتمام، إلا أن هنالك جوانب أخرى تماثله في الأهمية، بل قد تفوقه في الخطورة؛ لأن المستهدف فيها هو القلوب النابضة والعقول المحركة للقاطرة البشرية.
_________
(1) يأتي في مقدمة تلك الكتابات دراسة بعنوان Christianity and Islam للكاتب البريطاني Edward Mortimer وأخرى بعنوان Islam and Marxism للعالم الأنثروبولوجي Ernest Gellmer، وقد نشرت الدراستان كملف خاص عن الإسلام في مجلة « International Affairs B:67. 1 Junuary 1991» وشهادة ثالثة جاءت على لسان سياسي بارز ومسؤول كبير كان يشغل منصب رئيس المجلس الوزاري الأوربي ووزير خارجية إيطاليا «جياني ديميكليس» عندما برَّر سبب وجود حلف الأطلنطي بعد زوال المواجهة مع حلف وارسو، بأن المواجهة مع العالم الإسلامي هي مبرر بقاء الحلف. راجع: د. محمد عمارة، إستراتيجية التنصير في العالم الإسلامي، ص 28، مركز دراسات العالم الإسلامي. مالطة، ط1، 1992م.

ومن تلك الجوانب حرب المعتقدات ومعركة الثقافة، التي تأتي في مقدمتها الغارة التنصيرية على القرآن الكريم, تلك الغارة الشرسة التي استهدفت أصالة القرآن الكريم بوصفه كلام الله المنزل على خاتم رسله محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم، فكانت الدافع إلى هذه الدراسة بفعل ما خلَّفته من افتراءات وشبهات ودعاوى رَوَّجتها الجدليات التنصيرية، فقد كانت هذه الافتراءات قوية الأثر إلى الحد الذي انخدع له بعض الدارسين (1) .
ولم تكن الردود على تلك الافتراءات تدانيها في الأثر، في الوقت الذي كان ينبغي أن تكون الردود أقوى حتى لا تُبقي مجالا للشكوك أو الشبهات.
وربما يعود ذلك في جانب منه إلى عدم التخصص المنهجي للدارسين، حيث جاءت هذه الردود عَرَضًا في سياقات مختلفة من الحديث عن الإسلام أو الفكر الإسلامي وعلاقته بالغرب من غير المتخصصين، وقد مثَّل ذلك التناول الثانوي ثاني أسباب قصور تلك الردود.
بينما يتطلب هذا النوع من الدراسات إلمامًا بجوانب معرفية عديدة، مثل: تاريخ الأديان، المعتقدات الدينية لدى أهل الكتاب، مضمون الكتب المقدسة، مناهج النقد العلمي: كالمنهج المقارن ومنهج نقد النصوص، والنقد الشكلي والنقد التاريخي.
_________
(1) منهم على سبيل المثال فيما يخص موضوعنا: طه حسين ـ محمد خلف الله ـ محمد أركون ـ نصر أبو زيد.

وتهدف هذه الدراسة إلى تحصين المسلم المعاصر وتزويده بنظرة نقدية للفكر التنصيري حول القرآن الكريم، وتاريخ الجدل ضد أصالته، ومسالك المنصرين في جدلياتهم ضد أصالة القرآن الكريم بما يتمكن معه المسلم المعاصر من الفكاك من أسر الأطروحات التي قدمها التنصير خلال مراحل ارتقائه التاريخي منذ نشأته حتى يومنا هذا.
كما تهدف الدراسة من جانب آخر إلى توجيه الدعاة إلى الله بين غير المسلمين إلى الردود والشواهد العقلية والنقلية، والبراهين العلمية، والحقائق التاريخية التي تعينهم في الدعوة إلى كتاب الله، وتمكنهم في الوقت نفسه من تصحيح المفاهيم المغلوطة التي روّجها المنصِّرون حول القرآن الكريم بغرض صرف الناس عنه.

وقد جاءت الدراسة في خمسة مباحث، وفق الخطة التالية:
المبحث الأول: حقيقة التنصير
مفهوم التنصير
خطورة التنصير في مجال القرآن الكريم
ضرورة مواجهته
المبحث الثاني: دوافع الجدل التنصيري ضد أصالة القرآن الكريم
1 ـ صرف الأنظار بعيدًا عن القرآن
2 ـ موقف القرآن من كتب أهل الكتاب ومعتقداتهم
3 ـ إبطال المعجزة القرآنية
المبحث الثالث: تاريخ الجدل التنصيري ضد أصالة القرآن الكريم
أ ـ دور التأسيس ( جدليات المشرقيين )
1 ـ يوحنا الدمشقي
2 ـ تيودور أبو قرة
3 ـ بارشولوميو الرهاوي
4 ـ عبد المسيح الكندي
5 ـ بولس الأنطاكي
6 ـ ابن كمونة اليهودي
ب ـ الجدل البيزنطي
جـ ـ مرحلة الأندلس
د ـ مرحلة الحروب الصليبية
1 ـ بطرس المحترم
2 ـ روجر بيكون الراهب الفرنسيكاني
3 ـ وليم الطرابلسي
4 ـ ريموند مارتني
هـ ـ مرحلة التنصير المؤسَّسي
المؤسسة الأولى: التبشير
المؤسسة الثانية: الاستشراق
المبحث الرابع: مسالك الجدل التنصيري ضد أصالة القرآن الكريم
المسلك الأول: ترجمة القرآن
المسلك الثاني: البحوث التنصيرية حول القرآن
المسلك الثالث: إصدار الدوريات والقواميس ودوائر المعارف المتخصصة
المسلك الرابع: ترويج المزاعم وإثارة الشبهات

المبحث الخامس: تفنيد مزاعم الجدل التنصيري ضد أصالة القرآن الكريم
1 ـ دلائل تهافت الدعوى الأولى (( القرآن تلفيق من اليهودية والنصرانية)):
أولا: شخصية الرسول صلى الله عليه وسلم
ثانيًا: تاريخ كتب العهدين القديم والجديد
النسخة العربية
تعدد نسخ العهد القديم والجديد
ثالثًا: إعجاز النظم القرآني
رابعًا: الاختلاف بين اليهودية والمسيحية والإسلام في أصول الإيمان
خامسًا: أثر القرآن والتوراة والإنجيل في الارتقاء بجوانب الحضارة الإنسانية
الجانب الأول: الأخلاق
الجانب الثاني: المجتمع
الجانب الثالث: العلم
سادسًا: تأثير الإسلام في اليهودية والنصرانية
2 ـ دلائل تهافت الدعوى الثانية (( القصص القرآني تكرار لقصص التوراة والإنجيل )):
الدليل الأول: اختلاف منهج القصص في القرآن عن المنهج القصصي في التوراة والإنجيل
الدليل الثاني: تباين أهداف القصص في القرآن والتوراة والإنجيل
الدليل الثالث: القصص الذي انفرد به القرآن
الدليل الرابع: نتائج المقارنة بين القصص المتناظر في القرآن والتوراة والإنجيل
أ ـ رواية خلق العالم
ب-الطوفان
ج-قصة يوسف
مصادر ومراجع البحث

المبحث الأول:
حقيقة التنصير
التنصير يطلق على النشاط الذي تمارسه أفراد وهيئات ومنظمات أجنبية في الأراضي الإسلامية ضد العقيدة والمجتمع في الإسلام.
وقد طرحت الكلمة ترجمة للمصطلح الأوربي Missions بديلا عن كلمة (( التبشير )) (1) ، وهو ما نختلف معه، وذلك لأسباب تتعلق بصحة ترجمة اللفظ وبمفهومه، وهي: ـ
1 ـ الترجمة الصحيحة لكلمة Mission هي ( التبشير بالدين المسيحي ـ المأمورية ـ البعثة ) وليس التنصير (2)
2 ـ الهدف النهائي لذلك النشاط الهدام ليس إدخال المسلمين في النصرانية، كما سيتبين لنا فيما يأتي.
3 ـ لا مسوغ لعدم الرضا عن مصطلح التبشير خشية ظلاله الحسنة؛ لأن التبشير قد عبّر به القرآن الكريم عن الحسن والطيب، وعبَّر به كذلك عن السوء والشر وما لا تُحمد عقباه، كما قال تعالى: { فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ } (آل عمران / 21) وكقوله تعالى: { وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ } . { يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ } (النحل / 58 ـ 59 ) وكقوله تعالى: { فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ } (لقمان / 7). فالعبرة بمضمون البشارة وليس بظلال المصطلح.
_________
(1) راجع هذا الاتجاه لدى: محمد عثمان بن صالح، النصرانية والتنصير أم المسيحية والتبشير، ص: 69، مكتبة ابن القيم، المدينة المنورة 1410هـ ـ 1989م ـ د. علي النملة، التنصير، ص: 17، 1413هـ ـ 1993م بدون بيانات ـ د. عبد العزيز العسكر، التنصير ومحاولاته في الخليج العربي، ص: 14، مكتبة العبيكان، ط1، الرياض 1414هـ ـ 1993 م ـ د. علي جريشة، الاتجاهات الفكرية المعاصرة، ص: 27.
(2) Goetz schregle , Deutsch - Arabisches Woerterbuch, S: 830 London - Beirut 1977 .

4 ـ أن المستهدف بهذه الإرساليات والبعثات الدينية ليس المسلمين وحدهم، بل إن التبشير يمارس ضد طوائف النصارى الشرقيين من أرمن وقبط وأرثوذكس (1) .
5 ـ كثير من أفراد البعثات التبشيرية قد انضم إليها لتحقيق أغراض ومآرب شخصية، مثل: السياحة والتجارة وغير ذلك (2) .
6 ـ التبشير هو إحدى مؤسسات التنصير وليس كلّ التنصير؛ مما يجعل من قصر مصطلح التنصير على العمل التبشيري وتخصيصه به تمويهًا على المستهدفين بالتنصير وتحويل أنظارهم بعيدًا عن نشاط المؤسسات التنصيرية الأخرى، التي ربما يفوق تأثيرها الهدَّام تأثير التبشير.
7 ـ أن كلّ مبشِّر منصِّر، لكن ليس كلُّ منصِّر مُبشِّرًا
أما عن مفهوم التنصير في البيئة الإسلامية فقد صِيغ المفهوم وتحددت وظيفته فيما يؤدي إلى إخراج المسلمين من دينهم وليس بالضرورة إدخالهم في النصرانية (3) .
وهذا المفهوم الحديث للتنصير يلمس أحد أبعاد العمل التنصيري، لكن هناك أبعاد أخرى لحقيقة التنصير لا يمكن الوقوف عليها إلا بإدراك طبيعة الصراع الكوني بين الديانات الكبرى من أجل استحقاق شرف ريادة الإنسانية وقيادتها، تلك القيادة التي تستمد مشروعيتها من امتلاك الحقيقة المطلقة المؤسَّسة على الوحي.
_________
(1) د. علي النملة، التنصير، ص 15.
(2) د. فروخ - الخالدي، التبشير والاستعمار في البلاد الإسلامية، ص 49، 50، المكتبة العصرية. بيروت 1986م.
(3) د. فروخ ـ الخالدي، التبشير والاستعمار، ص 39.

ولمَّا كان الإسلام قد أثبت صدق دعواه امتلاك الحقيقة المطلقة والقدرة على قيادة الإنسانية باختلاف أجناسها وشعوبها وتطلعاتها وآمالها، وذلك بما أنجزه في حيّز التطبيق الفعلي لذلك الاستحقاق، حيث استطاع في قرن ونصف من الزمان أن يجمع تحت رايته أكثر من ثلثي المسكونة من بيض وسود، وعرب وعجم، وبربر وترك وهنود وقوقاز، سوّى بينها في الحقوق والواجبات، وصهرها في بوتقة ألَّفت أزهى عصور التاريخ: حضارة وعلمًا وأخلاقًا.
فإن تلك القدرة الهائلة للإسلام قد أذهلت أهل الكتاب الذين قعدت بهم دياناتهم عن تبوّء تلك المنزلة أو ما يدانيها، على الرغم من الفترة الزمنية السحيقة التي قرعت العالم فيها نواقيس اليهودية والنصرانية.
لهذا أدرك أهل الكتاب خسارتهم معركة التحدي الكونية، بسبب فقد ديانة العهد القديم والعهد الجديد المقومات الذاتية اللازمة لقيادة الإنسانية والارتقاء بها حضاريًّا وأخلاقيًّا، فعمدوا إلى سلوك طريق آخر يستهدف إقصاء الإسلام (1) عن الحلبة الكونية نهائيًا؛ حتى يتسنى لهم قيادة السفينة وامتلاك مقدراتها بما يدّعون من حقٍّ إلهي مقدس.
_________
(1) يصرح المنصرون برغبتهم في إقصاء الإسلام؛ فالمنصر جسب يود أن يمحو الإسلام من العالم، ويصرح غيره بأن الغاية من عملهم هي: (( القضاء على الأديان غير النصرانية )). راجع: فروخ، الخالدي، مرجع سابق، ص 36، 45.

فكانت المواجهة مع الإسلام والصراع ضده هي السبيل لتحقيق ذلك الهدف، وقد اتخذ ذلك الصراع شكلين أساسيين هما الحروب العسكرية التدميرية، وحرب العقيدة والفكر التي تسعى للنيل من الإسلام، ونبيِّه، وكتابه، ومعتقداته، وشرائعه، ونُظُمه؛ بهدف زعزعة عقيدة المسلم وتشكيكه في دينه، مما يقود إلى الخروج من الإسلام وليس بالضرورة الدخول في النصرانية (1) .
ويكشف لنا هذا الغرض النهائي من حرب العقيدة والفكر سرّ المشاركة الفعالة لليهود في الصراع ضد الإسلام جنبًا إلى جنب مع النصرانية رغم كراهيتهم واحتقارهم لها؛ إذ إن المسلم الذي يخرج عن دينه لن يصلح للإنسانية في شيء فيكون خروجه نكاية من اليهودية في الإسلام، فإذا اعتنق النصرانية فذلك نكاية من اليهودية في الإسلام والنصرانية معًا. قال تعالى: { وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ } ( البقرة: 109 ).
_________
(1) راجع في هدف الإرساليات والوعاظ من النصارى واليهود: -مصطفى الخالدي- عمر فروخ، التبشير والاستعمار في البلاد الإسلامية، ص 46. إبراهيم الجبهان، ما يجب أن يعرفه المسلم من حقائق عن النصرانية والتبشير، ص 27، الرئاسة العامة للبحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد. الرياض 1404هـ.

وعلى ذلك يكون الصراع ضد الإسلام عملا يهوديًّا نصرانيًّا مشتركًا تنوعت فيه الأدوار وتوزعت التخصصات ما بين: الخبراء، وشركات الأعمال، والمؤسسات، والإرساليات، والجيوش، ووزارات الخارجية، ووكالات الاستخبارات، وأساتذة الجامعات، والمراكز والمعاهد العلمية، والمستشرقين، وصانعي السياسة (1) .
وهذا الصراع الذي يؤلف جوهر الغارة التنصيرية على العالم الإسلامي (2) ، يجعل من حصرنا فعاليات التنصير في نشاط الإرساليات التبشيرية فهمًا قاصرًا لطبيعة التنصير وأبعاده وأدواته، فما هذا النشاط إلا أحد آليات التنصير، ولذلك فإن تخصصه وحده باسم التنصير وصرف الهمم تجاهه وحده واستنزاف الجهد في تتبع وسائله وممارساته؛ ليكون وجهًا ثانيًا من وجوه القصور في فهم طبيعة الغارة التنصيرية في جانبها العقدي، فهذا الجانب يشتمل على: جدليات، ودعاوى، ومزاعم، وشبهات مثارة من قِبَل دوائر تنصيرية عديدة إلى جانب الإرساليات التبشيرية ووعاظها، منها: الاستشراق، وكالات الاستخبارات، وسائل الإعلام، مراكز البحوث والمعاهد العلمية.
_________
(1) بتصرف من: إدوارد سعيد، الاستشراق، ص 300، بترجمة كمال أبو ديب، مؤسسة الأبحاث العربية. بيروت ط2: 1984 م.
(2) ربما يكون الأستاذ عبد الرحمن الميداني قد وقف على الطبيعة الشمولية لعداء أهل الكتاب للإسلام، ذلك العداء المتمثل في الصراع ضد الإسلام بما أسماه: أجنحة المكر الثلاثة: الاستعمار ـ التنصير ـ الاستشراق. راجع كتابه: (( أجنحة المكر الثلاثة ))، دار العلم، دمشق ط 5، 1407هـ ـ 1986 م.

من جهة ثانية فإن أخطر نتاج الغارة التنصيرية الذي يجب أن يكون محل الاهتمام عبر دوائر التنصير المختلفة هو الجدليات التي استهدفت أصالة القرآن الكريم؛ نظرًا للتلازم بين القرآن والرسول صلى الله عليه وسلم كما قال تعالى: { سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ } (فصلت / 53 ).
فالضمير في (أنه الحق) كما يقول شيخ الإسلام ابن تيمية : " يرجع إلى القرآن، فإذا كان القرآن حقًّا لزم كون الرسول الذي جاء به صادقًا يجب التصديق بما أخبر وإطاعة ما أمر واجتناب ما نهى" (1) .
_________
(1) ابن تيمية، الجواب الصحيح لمن بدَّل دين المسيح ( 4 / 250 ) وانظر ( 4 / 21 ـ 22 ) مطبعة المدني، مصر، بدون ترقيم.

وتكمن خطورة الجهد التنصيري في هذا المجال ليس فقط فيما يستهدفه، بل في كثرة المؤسسات والمنظمات التنصيرية التي تقوم به وتنوعها ما بين علمية وثقافية ودينية واجتماعية، فقد أثمر ذلك الجهد الهائل عن نجاح، إن لم يكن في تحقيق المسعى بتحويل المسلمين عن دينهم، فقد تمثل في تنشئة طبقة من المثقفين المتعاطين لمنتجات الفكر التنصيري الثقافية والعقدية، وإسهام هذه الطبقة في حقل الجدل التنصيري ضد القرآن الكريم ربما يكون أكبر بسبب ما لها من سلطة فكرية وحضور ثقافي ومكانة علمية برّاقة، مَكّنتها من القيام بدور المخبر الثقافي والنائب المحلّي للفكر التنصيري في بلاد العالم الإسلامي.
ومثل هذا الجهد التنصيري الضخم يتطلب لمواجهته عملا جماعيًّا منظمًا لا يفي به بحث هنا أو مقال هناك, إن متابعة هذا النشاط الواسع لا تقوم به إلا مؤسسات، ونحن نفتقد حتى يومنا هذا مؤسسة متخصصة في هذا النشاط والرد على جدلياته.

المبحث الثاني:
دوافع الجدل التنصيري ضد أصالة القرآن الكريم
تتعدد دوافع الجدل التنصيري ضد القرآن الكريم، فمنها دوافع خاصة بأهل الكتاب ومنها دوافع عامة لكل خصوم القرآن من كتابيين وغيرهم, ومن تلك الدوافع التي يمكن رصدها:
1 ـ صرف الأنظار بعيدًا عن القرآن.
وقد كان ذلك هدفًا لمشركي مكة، وسعوا إلى تحقيقه بوسائل عدة منها: صدُّ الناس عن القرآن، والتصفيق والصفير عند تلاوته وإثارة المزاعم والشكوك حوله.
وكان ظن المشركين أن ذلك مجلبة للغلبة والنصر، قال تعالى: { وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ } (فصلت / 26).
وهذا ما اعتقده المنصرون تمامًا، يقول المنصرّ وليم جيفورد بالكراف : "متى توارى القرآن ومدينة مكة عن بلاد العرب يمكننا حينئذ أن نرى العربي يتدرج في سبيل الحضارة التي لم يبعده عنها إلا محمد وكتابه" (1) .
والمقصود بالحضارة التي حَالَ القرآن بين المسلمين وبينها فيما أشار إليه المنصِّر هي الحضارة ذات المفهوم الغربي للكون والحياة، ذلك النموذج الذي أكد " جياني ديميكليس " رئيس المجلس الوزاري الأوربي على ضرورة فرضه وإلا فالحرب هي الخيار (2) .
_________
(1) جلال العالم، دَمِّرُوا الإسلام وأبيدوا أهله، ص 63، مكتبة الصحابة جدة ـ مكتبة التابعين، القاهرة. 1994م. والمعنى نفسه كرره المبشر وليم موير: « إن سيف محمد والقرآن هما أكثر أعداء الحضارة والحرية والحقيقة الذين عرفهم العالم عنادًا حتى الآن» إدوارد سعيد، الاستشراق، ص 168، مرجع سابق.
(2) د. محمد عمارة، إستراتيجية التنصير، ص 29. مرجع سابق.

ولا شك أن المناعة الذاتية الجبارة التي خلقها القرآن في المسلمين قد حالت بينهم وبين الاندحار الحضاري أو السقوط المدوي أمام التكالب الأممي لجحافل التتار والصليبيين في الماضي وأمام الغزو الاستعماري في العصر الحديث، وكذلك جعلت من إمكان تنصير المسلمين مرهونة بإبعادهم عن القرآن وصرف أنظارهم عنه، وقد تجلَّى انكشاف تلك الحقيقة الثمينة في تأكيد غلاد ستون أحد موطدي دعائم الإمبراطورية البريطانية في الشرق الإسلامي: "ما دام هذا القرآن موجودًا فلن تستطع أوربا السيطرة على الشرق، ولا أن تكون هي نفسها في أمان" (1) .
_________
(1) محمد أسد، الإسلام على مفترق الطرق، ص 41، دار العلم للملايين، بيروت، 1987م.

2 ـ موقف القرآن الكريم من كتب أهل الكتاب ومعتقداتهم.
حدد القرآن الكريم بوضوح وجلاء موقفه من الكتب السابقة، متمثلا في:
أ - الهيمنة عليها، قال تعالى: { وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ } ( المائدة / 48 ).
ب - أفضليته وكماله، قال تعالى: { اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ } (الزمر / 23 )، وترجع أفضلية القرآن على غيره من الكتب إلى كماله من جهتين:
أولاهما: تبيانه لكل شيء، قال تعالى: { مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ } (الأنعام / 38 )، وقال تعالى: { وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ } (النحل / 89). والثانية: إرشاده إلى غاية ما يصبو إليه الإنسان وما يحقق له كمال الدنيا والدين، قال تعالى: { إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ } (الإسراء / 9 ).

جـ - كشف التحريف والتبديل الواقع فيها: بالإخفاء والكتمان: { قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا } (الأنعام / 91)، أو بالنسيان: { وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ } (المائدة / 14)، أو بالوضع: { فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ } (البقرة / 79 )، أو بالتغيير المتعمد: { أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ } (البقرة / 75 ).

ورفض القرآن زعم اليهود والنصارى أنهم أبناء الله وأحباؤه، وبكَّتهم وذمَّ أخلاقهم وفضح خطيئاتهم بما يعنيه ذلك من طعن في مشروعية امتلاك حق مقدس في قيادة البشرية, قال تعالى: { وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ } ( المائدة / 18 ).
وأنكر عليهم دعواهم صلب المسيح؛ { وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا } . { بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا } (النساء: 157 ـ 158).
وكفّر الذين قالوا ببنوة المسيح وألوهيته: { وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ } (التوبة / 30 ).

وقال تعالى: { لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ } (المائدة / 17 ).
وقد كان هذا الموقف القرآني الدقيق من العهدين القديم والجديد ومعتقداتهما جدارًا صلبًا أمام نجاح الفكر التنصيري أو ما يرتبط به من رؤى حضارية في اختراق الحياة الروحية أو صمود العقيدة الإسلامية، مما دفع بدهاقنة العمل التنصيري إلى التساؤل بعد أربعة عشر قرنًا من بدء الغارة التنصيرية (1) :
- هل من الممكن حقا إقناع المسلم بأن النصارى لم يزوِّروا الكتاب المقدس؟ أو أنهم ليسوا مشركين؟ أو أن المسيح هو أكثر من كونه ابن مريم كما هو مذكور في القرآن؟ أو أن صلب المسيح وبعثه قد تم فعلا؟.
هل الإسلام بوصفه دينًا قائمًا على الكتاب ( القرآن ) يعقِّد عملية قبول النصرانية أو ييسِّرها؟ وبأية وسيلة؟
كيف يمكننا التغلب على النصوص القرآنية التي تكذِّب بعض الأجزاء المهمة من رؤية العهد الجديد؟
_________
(1) التنصير: خطة لغزو العالم الإسلامي ( الترجمة الكاملة لأعمال مؤتمر كلورادو التبشيري ) ص 188، 203، دون بيانات.

3 ـ إبطال المعجزة القرآنية
لما كان القرآن الكريم هو دليل نبوة محمد صلى الله عليه وسلم ـ الأكبر، وبرهانها الساطع وحجتها البالغة وأخص آياتها, وأظهر علاماتها بسبب اجتماع الوحي المدَّعى والدليل المعجز الذي تحدى به النبي صلى الله عليه وسلم ـ العالم إنسه وجنّه: { قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا } (الإسراء / 88 ).
لذلك فقد أدرك المنصرون أن القرآن أقوى أسلحة المسلمين وأمضاها في صراعهم ضد جحافل التنصير، فعملوا جاهدين على إبطال فاعلية هذا السلاح، بتحجيم قيمته، من مضمونه، ونفي أصالته، تمهيدًا لمحاولة سلب محمد صلى الله عليه وسلم شرف النبوة بحجة: "عدم وجود معجزة تؤيد نبوته" (1)
وقد حدد الواعظ التنصيري " جون تاكلي " هذا الباعث من الجدل التنصيري ضد أصالة القرآن الكريم، قائلا: " يجب أن نستخدم كتابهم وهو أمضى سلاح في الإسلام ضد الإسلام نفسه لنقضي عليه تمامًا, يجب أن يرى الناس أن الصحيح في القرآن ليس جديدًا وأن الجديد فيه ليس صحيحًا" (2) .
_________
(1) تيودور أبو قرة / ميمر في وجود الخالق والدين القويم، ص 85، بتحقيق: إغناطيوس ديك. بيروت 1982م. وانظر Adel The odore Khoury , Der theologi sche Streit der B.yzantiner mit dem Islam , S : 38 - 39 .
(2) مصطفى خالدي ـ عمر فروخ، التبشير والاستعمار في البلاد الإسلامية، ص 40، مرجع سابق.

ويمكن القول بأن افتراض نجاح الجهد التنصيري في فك التلازم الضروري في الإسلام بين القرآن والوحي والرسول المبلِّغ، ذلك التلازم المستند إلى إلهية مصدر القرآن، لسوف يؤدى إلى " الضعف التدريجي في الاعتقاد بالفكرة الإسلامية وما يتبع هذا الضعف من الانتقاص والاضمحلال الملازم له، وسوف يفضي بعد انتشاره في كل الجهات إلى انحلال الروح الدينية من أساسها" (1) .
_________
(1) أ. ل شاتليه، الغارة على العالم الإسلامي، ص 9، مرجع سابق، نشرة محب الدين الخطيب. بيروت، د. ت.

1 يوحنا الدمشقي (ت 750م).
يوحنا الدمشقي (ت:750م) أحد أكبر آباء الكنيسة الأرثوذكسية، وبسبب قيمته الدينية الكبرى نال لقبين ذوي شأن، فلقِّب بـ " القديس يوحنا " ، " يوحنا ينبوع الذهب "، وبحكم كونه في خط الصراع الأول ضد الإسلام فإنه سارع بالعكوف على القرآن الكريم تفليةً ونبشًا، مسخِّرًا إتقانه العربية، وموظِّفًا إلمامه بالبيئة الثقافية الإسلامية التي يعيش في رحابها ويعايش أعلى مستوياتها العلمية والسلطوية حيث كان من كبار موظفي بلاط الخلافة الأموية (1) .
وقد عُدَّ يوحنا الدمشقي بالنسبة للكنيسة الشرقية مثل توما الإكويني بالنسبة للكنيسة الغربية بسبب استخدامه الدلائل العقلية إلى جانب الدينية في خدمة الإيمان الأرثوذكسي وتسويغه وذلك باستخدامه الفلسفة اليونانية والهللينستية في تفسير الدين والدفاع عنه (2) .
_________
(1) د. جواد علي، يوحنا الدمشقي، مجلة الرسالة ( مصر )، ( عدد 610 )، ص 243، ربيع الأول 1364 هـ ـ مارس 1945 م.
(2) Christiondom Dena John Geanakoplos , Byzantine East and Latin West : Two Worlds of in Middle Ages and Renaissance , PP.22F. Harpertoneh Books , New York 1966 . وللتوسع في معرفة أثر يوحنا الدمشقي ، ومن ثمّ فضل المجادلين الشرقيين على المجادلات التنصيرية ضد الإسلام في الغرب ، راجع : Anton Pegis , « St . Anselm and the Argument of the Proslogion » , Mediaeval Studies 28 ( 1966 ) 228 - 267 , 231 , 233 - 234 . وفي المجلّة نفسها راجع مقالة دياني دوبرول بالعدد رقم 32 عام 1970 م ، ص 128 ـ 137.

وقد انتهى يوحنا الدمشقي إلى عدة آراء جدلية ضد الإسلام والقرآن والرسول، لخّصها في كتابه ( ينبوع المعرفة ) الذي قسمه ثلاثة أقسام، أولها عن المنطق والفلسفة والثاني عن البدع والثالث شرح لمبادئ الدين القويم، وقد خصص الفصل ( 100 / 101 ) في قسم البدع للجدل ضد الإسلام، وتتلخص رؤية يوحنا الدمشقي للإسلام ونبيه وكتابه فيما يلي (1) : ـ
أ ـ التشكيك في كون الإسلام امتدادًا لحنيفية إبراهيم لذلك يصف المسلمين على نحو لا يخلو من الخبث، بالسرازانيين (2) (Saracens ) ويعد أول كاتب مسيحي يستخدم هذا التشويه الإتيمولوجي لأغراض الجدل العنيف، كذلك يصف المسلمين بـ "المفسدين" وهي التسمية التي ستكثر في الجدليات التالية ليوحنا .
ب ـ يعالج الإسلام على أنه هرطقة مسيحية.
جـ ـ يقدم الإسلام على أنه مُؤْذن بالمسيح الدجّال.
د ـ يجعل الرسول صلى الله عليه وسلم أحد أتباع آريوس كما يجعله على عقيدة المذهب النسطوري، وذلك بسبب تأكيده على أن المسيح مخلوق وإنسان مجرد، وذلك ما قال به آريوس ونسطور .
هـ ـ يحصر ما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم في أمرين:
_________
(1) دانييل ساهاس، جدل يوحنا الدمشقي مع الإسلام، ص 123 ـ 128، الاجتهاد. بيروت، عدد (28) السنة السابعة ( 1416هـ ـ 1995م ). جورج عطية، الجدل الديني المسيحي ـ الإسلامي في العصر الأموي وأثره في نشوء علم الكلام، ص 415 ـ 416، كتاب المؤتمر الدولي الرابع لتاريخ بلاد الشام ـ جامعة اليرموك. عمَّان 1989م. د. جواد علي، يوحنا الدمشقي، ص 307، مجلة الرسالة. مصر. عدد (612) ربيع الآخر 1364هـ ـ مارس 1945م.
(2) السرازانيين نبذ بالألقاب للمسلمين إذ تعني الكلمة: الذين أبعدتهم سارة باحتقار.

أولهما: معرفته الضحلة بما قَلَّتْ قيمته من أسفار العهدين القديم والجديد اللذين وقع عليهما النبي صلى الله عليه وسلم مصادفة.
الثاني: ما أخذه النبي صلى الله عليه وسلم عن الراهب الأريوسي ( بحيرا ).
والقرآن نتاج لأحلام اليقظة؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم تلقاه وهو نائم.
ويمكن القول بأنه لا خلاف على ريادة يوحنا الدمشقي للجدل التنصيري ضد الإسلام، كذلك يمكننا القول بأن جدليات يوحنا ضد القرآن هي الأهم في تاريخ الجدل التنصيري ضد القرآن حيث وضع الدمشقي آراءه في قوالب جدلية مكثفة أصبحت ركيزة الجدل التنصيري في كل أدواره ومراحله التالية، فقد ردد جميع المجادلين بعده بعض أو كلّ قوالب الدمشقي: "الإسلام هرطقة مسيحية ـ القرآن تلفيق من العهد القديم والعهد الجديد ـ تعلم النبي صلى الله عليه وسلم من بحيرا الراهب ـ المسلمون سراسنة ".

2 ـ تيودور أبو قرة (ت 826م)
تلميذ ليوحنا الدمشقي وقد تبع رأي أستاذه في النبي والقرآن، فعدّ النبي محمدًا صلى الله عليه وسلم نبيًّا أريوسيًّا مزيفًا (1) .
_________
(1) Klaus Hock , Der Islam im Spiegel westlicher Theologie , S : 99 , 101 , 112 . Deutschland 1989 . وانظر: رشا الصباح، الإسلام والمسيحية في العصور الوسطى، ص 706، مجلة عالم الفكر، عدد (3) المجلد الخامس عشر . وزارة الإعلام ، الكويت .

3 بارشولوميو الرهاوي (ت حوالي القرن الثاني عشر الميلادي)
تركزت جدلية بارشولوميو من مدينة الرها في أخذ النبي صلى الله عليه وسلم القرآن عن راهب نسطوري، يقول الرهاوي : "فعندما شهد ذلك الراهب الفاسق سذاجة القوم رأى أن يمنحهم عقيدة وشريعة على غرار مذهب أريوس وغيره من ألوان الكفر والزندقة التي حرم من أجلها فراح يسطر كتابًا هو الذي يسمونه القرآن، وهو شريعة الله ناثرًا فيه كل ما أودع من مروق.... وعند ذلك أعطى كتابه لتلميذه ( مؤمد ) وأبلغ أولئك البلهاء أن ذلك الكتاب أنزل على محمد من السماء حيث كان في حفظ جبريل الملك فصدقوه فيما قال، وبذلك مكّن الراهب لذلك القانون الجديد" (1) .
_________
(1) د. محمد الفيومي، الاستشراق رسالة استعمار، ص 364 ـ 365، دار الفكر العربي. القاهرة 1413هـ ـ 1993م.

4 ـ عبد المسيح الكندي (عاش في القرن العاشر الميلادي تقريبًا)
كان عاملا في بلاط الخليفة المأمون وكتب ردًّا على رسالة الهاشمي التي يدعوه فيها إلى الإسلام، وقد لقيت رسالة عبد المسيح الكندي عناية كبيرة من دوائر التنصير حيث نشرت أكثر من مرة لخدمة الإرساليات ليتعلموا منها أساليب مجادلة المسلمين حول القرآن والنبي (1) .
_________
(1) أ. ل شاتليه، الغارة على العالم الإسلامي، مرجع سابق، ص 30. توماس أرنولد، الدعوة إلى الإسلام، ص 104، مكتبة النهضة المصرية، الطبعة الثانية. د. قاسم السامرائي، الاستشراق بين الموضوعية والافتعالية، ص 57، دار الرفاعي ـ الرياض 1403 هـ ـ 1983م.

5 بولس الأنطاكي (عاش في القرن السابع الميلادي تقريبًا)
بولس الراهب الأنطاكي وقيل إنه أحد أساقفة سوريا: إما أن يكون أسقف مدينة صيدا أو أسقف مدينة أنطاكية.
وله عدة رسائل مطوّلة ضد الإسلام (1) ، أهمها رسالته إلى أحد المسلمين التي ضمَّنها خلاصة معتقد النصارى في الإسلام وفي عقائد النصرانية، حيث يدلل على صحة الديانة النصرانية، وعلى عدم حاجة العالم إلى القرآن ؛ إذ جاءت التوراة بشريعة العدل وجاء الإنجيل بشريعة الفضل، ولا يتبقى بعدهما جديد يحتاج الناس إليه (2) .
وتكشف الرسالة عن معرفة جيدة ودقيقة بالقرآن، فأكثرها نقول قرآنية احتج بها المؤلف -جدلا وشغبًا- على المعتقدات النصرانية في الصلب والتثليث والفداء وصحة الأناجيل.
_________
(1) رشا الصباح. الإسلام والمسيحية في العصور الوسطى، ص 85، مرجع سابق.
(2) الرسالة منشورة بمجلة المشرق المسيحي، العدد (15) من السنة السابعة، عام 1904م. ونسخة أخرى -ننقل عنها- نشرها لويس شيخو في كتابه: «مقالات دينية قديمة لبعض مشاهير الكتبة النصارى» ص / 15 ـ 26، طبع الآباء اليسوعيين.

وعلى الرغم من أهمية الرسالة فإن صاحبها مجهول، حتى إن لويس شيخو ظن أن بولس الأنطاكي كان يعيش في القرن الثالث عشر الميلادي (1) ، وهذا غير صحيح، فالرسالة من أوائل الجدليات التنصيرية، ولو تأمل لويس شيخو قول بولس الأنطاكي في نص الرسالة عند حديثه عن الأناجيل: "وأما تعظيمه لإنجيلنا وكتبنا التي في أيدينا فقوله: { وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَآتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ } (المائدة / 46)، ثم قوله أيضًا: { فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ } (يونس / 94)، فثبت بهذا المعنى ما معنا ونُفِيَ عن إنجيلنا وكتبنا التهم بالتبديل لها والتغيير لما فيها بتصديقه إياها.
قلت: فإن قال قائل: إن التبديل قد يجوز أن يكون بعد هذا القول.
قالوا: هذا ما لا يجوز لقائل أن يقوله لأن كتبنا قد جاز عليها من نحو ستمائة سنة وصارت في أيدي الناس يقرؤونها باختلاف ألسنتهم" (2) .
_________
(1) لويس شيخو، مقالات دينية قديمة، ص 1، مرجع سابق. لويس شيخو، المخطوطات العربية لكتبة النصرانية، ص 69، طبع الآباء اليسوعيين، بيروت 1924م.
(2) رسالة بولس أسقف صيدا الراهب الأنطاكي، ص 17 من نشرة لويس شيخو، مرجع سابق.

فالنص واضح في تحديد زمن كتابة الرسالة بالنصف الأول من القرن السابع الميلادي ـ الأول الهجري.

6 ـ ابن كمونة اليهودي (ت 1284م)
يُعَدُّ ابن كمونة أول مجادل تنصيري من اليهود ضد القرآن الكريم، وقد ضمّن جدلياته ضد القرآن كتابه تنقيح الأبحاث للملل الثلاث، فعقد فصلا للقرآن الكريم أورد فيه خمسة عشر اعتراضًا على القرآن، منها ثلاثة تتعلق بأصالة القرآن الكريم: ـ
أ- لِمَ لا يجوز أن يكون القرآن أنزل إلى نبي آخر دعا محمدًا أولا إلى دينه وإلى هذا الكتاب فأخذه محمد منه وقتله (1) ؟
ب- يحتمل أن محمدًا طالع في كتب من تقدمه أو سمعها فانتخب أجودها، وضمّ البعض إلى البعض (2) .
جـ ـ كيف يستبعد سماعه ذلك من الآخرين وقد سافر إلى الشام قبل دعواه النبوة مرتين، وهي مملكة أهل الكتاب؟ وأيضا فقد كان في العرب من أهل الكتاب جماعة فلا يبعد أنه سمع ذلك منهم (3) .
وقد تسببت جدليات ابن كمونة ضد أصالة القرآن الكريم في هياج العامة عليه ومحاصرة داره إلا أنه تمكن من الهرب واختفى عدة أيام توفي بعدها (4) .
_________
(1) سعد بن منصور بن كمونة، تنقيح الأبحاث للملل الثلاث، ص 70، نشره موسى برلمان، مطبوعات جامعة كاليفورنيا.
(2) السابق.
(3) السابق ص 89 .
(4) ابن الفوطي، الحوادث الجامعة والتجارب النافعة في المائة السابعة، ص 441 ـ 442، بتحقيق مصطفى جواد، بغداد 1932م. وانظر: الدكتور سعد العتيبي، نفوذ اليهود في عهد المغول الإيلخانيين، ص 518 ـ 519، مجلة الدرعية ( عدد 6، 7 ) ربيع الآخر ـ رجب 1420هـ / أغسطس، نوفمبر 1999م

وتعد مرحلة بدايات الجدل التنصيري في المشرق من أهم أدوار الجدل التنصيري وأخطرها؛ إذ ألّفت قاعدة الجدل والأساس الذي بنى عليه المنصرون جدلياتهم في مراحل التنصير وأدواره المختلفة، وبالإضافة إلى هذه الملاحظة هناك ملاحظتان أخريان جديرتان بالرصد، هما:
1 ـ أن الجدل في هذه المرحلة جهد فردي يتوقف على قدرات المجادل وثقافته، لكن بسبب إجادة المجادلين للغة القرآن الكريم، فقد جاءت مجادلاتهم مكتظة باستشهادات مغلوطة من النصوص القرآنية مما أعطى لها نفوذًا روحيًّا وفكريًّا وعقديًّا على التراث الجدلي التنصيري بأكمله، ولا يخفى - في هذا الشأن- المكانة المرموقة التي تبوّأتها جدليات يوحنا الدمشقي الذي امتُدح بأنه لم يأت برأي أصيل إلا في الإسلام (1) ، وجدليات بولس الأنطاكي التي تلقتها الأوساط التنصيرية بالتقدير لما تمتاز به في نظرهم من ألفاظ جيدة وآراء سديدة صائبة وبراهين واستدلالات وحجج جلية (2) ، إلى حد دعوة بعضهم إلى الاكتفاء بها في بيان موقف النصرانية من الإسلام (3) .
وكذلك جدل عبد المسيح الكندي في رسالته الشهيرة التي أصبحت عمدة العمل التنصيري في مجال الإرساليات (4) .
_________
(1) بابا دوبولس، تاريخ كنيسة أنطاكية، ص 528، منشورات النور، بيروت 1984م. لويس غرديه ـ جورج قنواتي، فلسفة الفكر الديني (2 / 43 ) دار العلم للملايين، ط1، بيروت 1967م.
(2) لويس شيخو، مقالات دينية قديمة، ص 1، مرجع سابق.
(3) ابن العسال، الصحائح في جواب النصائح، ص 40، القاهرة سنة 1643 قبطية.
(4) أ. ل شاتيله، الغارة على العالم الإسلامي، ص 30 / مرجع سابق.

2 ـ عقم الجدل الذي تمثله تلك المرحلة؛ إذ إن المجادلين على اختلاف مشاربهم لم يزيدوا على تكرار الشبهات الجدلية لمشركي مكة، بعد أن قاموا بإحلال رموز يهودية ـ نصرانية محل رموز المشركين في الدعاوى التالية:
الدعوى الأولى: القرآن قول شاعر بإلهام شيطان الشعر، حيث كان العرب يتوهمون أن لكل شاعر شيطانًا من الجن يقول الشعر على لسانه (1) ، وهذا ما نفاه الله عن القرآن في قوله تعالى: { وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ } (الحاقة / 41 )، وفي قوله تعالى: { وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ } (التكوير / 25 ).
فاستبدل مجادلو التنصير شيطان الشعر الجاهلي، وأحلوا محله الراهب النسطوري الفاسق الملحد كما تصور بارشولوميو الرهاوي أو أحلام اليقظة كما اقترح يوحنا الدمشقي .
الدعوى الثانية: بشرية مصدر القرآن
زعم المشركون أن الرسول صلى الله عليه وسلم: { إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ } (النحل / 103 ).
_________
(1) د. حسن طبل، حول الإعجاز البلاغي للقرآن، ص 113، مكتبة الإيمان، ط1، مصر 1420هـ ـ 1999م.

فجعل الدمشقي وتلميذه أبو قرة من هذا البشر هو بحيرا الراهب الأريوسي ولما زعم المشركون جماعية مصدر تعليم الرسول القرآن: { وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ } (الفرقان / 4 )، زاوج ابن كمونة في احتمالاته وأرجحها بين بحيرا الراهب أو أحد أهل الكتاب ممن كانوا بمكة أو الشام.
الدعوى الثالثة: القرآن من أساطير الأولين. قال تعالى: { وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ فَقَدْ جَاءُوا ظُلْمًا وَزُورًا }{ وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا } (الفرقان / 4 ـ 5 ).
ففسر مجادلو المشرق كلهم أساطير الأولين بأنها قصص التوراة والإنجيل.

ب ـ الجدل البيزنطي
البيزنطيون هم أول من كتب من الأوربيين ضد الإسلام والقرآن (1) .
وكان أول هجوم مفصل على القرآن في أعمال " نيكتياس البيزنطي " في مقدمة كتابه "نقد الأكاذيب الموجودة في كتاب العرب المحمديين" أما أكبر هجوم جدلي ضد القرآن فهو ما قام به إمبراطور بيزنطة جان كنتا كوزين في كتابيه "ضد تمجيد الملة المحمدية"، "ضد الصلوات والتراتيل المحمدية" وكان هذا الهجوم باللغة اليونانية (2) .
_________
(1) عبد اللطيف الطيباوي، المستشرقون الناطقون بالإنجليزية، ص 517، الترجمة العربية الملحقة بكتاب الفكر الإسلامي الحديث. د. محمد البهي. مكتبة وهبة، ط 8، 1975م. محمد الفيومي، الاستشراق رسالة استعمار، ص 373، مرجع سابق.
(2) عبد الرحمن بدوي، دفاع عن القرآن ضد منتقديه، ص 5، دار الجليل، ط1، بترجمة كمال جاد الله. القاهرة 1997 م.

جـ ـ مرحلة الأندلس
كانت فترة الحكم الإسلامي للأندلس عصر ازدهار علمي وحضاري في مختلف الجوانب، وفيها ارتفع صوت الحرية الدينية والنقاش حول قضايا الأديان والعقائد، وقد استغل المنصرون ذلك فصنَّفوا مؤلفات جدلية كثيرة ضد الإسلام وتصدى لهم علماء الإسلام ردًّا وتفنيدًا، مثل: ابن حزم والقرطبي وأبو الوليد الباجي .... إلخ.
وتكمن أهمية هذا الدور من أدوار الجدل التنصيري ضد القرآن في أنه كان معبرًا انتقلت خلاله الجدليات التنصيرية إلى الغرب.
وأبرز الأمثلة على ذلك كتاب ( نقض الفقهاء Contrarietas elfolica ) لأحد النصارى الأسبان، الذي كان له تأثير بالغ في ريكولدو دي مونت كروس الحانق على الإسلام، وقد أفاد كروس من هذا الكتاب في تصنيف أشهر كتبه ( تفنيد القرآن Canfutatia Alcorani ) الذي عُني به مارتن لوثر وسارع إلى ترجمته للألمانية عام 1542م (1) .
_________
(1) قاسم السامرائي، الاستشراق به الموضوعية والافتعالية، ص 61 مرجع سابق.

1 بطرس المحترم ( 1092 ـ 1156م )
بطرس المحترم هو أول جدليّ ضد الإسلام في الكنيسة الغربية كما يقول المنصرِّ إديسون (1) ، وهو راهب لاهوتيّ رئيس لدير "كلونd" الذي سيقوم بدور كبير في حركة الجدل التنصيري ضد أصالة القرآن.
وقد قام برحلة إلى الأندلس، ألّف عقب عودته منها كتابًا في الرد على الإسلام والقرآن عام 1143 م، وأمر بترجمة القرآن إلى (2)
_________
(1) قاسم السامرائي، مرجع سابق، ص 78.
(2) اللغة اللاتينية Trevor - Roper , Hugh , The Rise of Christian Europe , P 145 , Oslo - London 1978 .

2 ـ روجر بيكون الراهب الفرنسيسكاني ( 1214 ـ 1294م )
وجّه بيكون رسالة إلى البابا أكليمنص الرابع سنة 1266 م ضمَّنها دعوته إلى (1) :
وجوب إدخال اللغات الأجنبية إلى مناهج الدراسات الجامعية وبخاصة اللغة العربية للإفادة منها وسيلة للتبشير ضد الإسلام.
دراسة أحوال المسلمين للوقوف على الطرق التي يمكن النفاذ منها إلى هدم عقيدتهم وتقويضها.
_________
(1) نجيب العقيقي، المستشرقون (1 / 120)، دار المعارف، ط4، مصر.

3 ـ وليم الطرابلسي (1273م)
صنف جدلا ضد أصالة القرآن، جاء فيه: " بعد أن مات ( محمد ) أراد أنصاره أن يعالجوا العقيدة والشريعة معالجة شاملة قائمة على تعاليمه، فلما تبينوا أن الرجل الذي نيط به العمل لم يرزق الكفاية اللازمة لأداء ذلك على الوجه الأكمل طلبوا إلى اليهود والمسيحيين الذين أسلموا أن يساعدوه، وعند ذلك رأى هؤلاء من الأفضل أن ينتقوا فقرات مناسبة من العهد القديم والجديد، وأن يمزجوها بالكتاب كيفما اتفق، وبذا أصبح الكتاب على عظيم من الرونق والجمال المنقول من الكتب المنزلة ما بين مسيحية ويهودية" (1) .
_________
(1) محمد الفيومي، الاستشراق رسالة استعمار، ص 368.

4 ـ ريموند مارتيني ( 1220 ـ 1284 م )

راهب مبشر دومينيكاني أسباني، تبحر في دراسة القرآن، واجتهد في الجدل ضده، فألف كتابًا بعنوان: " الخلاصة ضد القرآن" وبلغت به رغبته في تفنيد القرآن أن حاول معارضته بعد أن علم أنه معجزة النبي صلى الله عليه وسلم، فوضع سورة غاية في السخافة والسقامة (1) : (( بسم الله الغفور الرحيم، أعارض قرآن مَنْ آخر اسمه الدال وأوله الميم، بلسان فصيح عربي مبين، لا يمنعني منه سيف ولا سكين، إذ قال لي بلسان الإلهام سيد المرسلين: قل المعجزة لا شريك فيها لرب العالمين وفي الفصاحة يشترك كثير كثيرين يغلب فيها أحيانًا الصالح الطالح والكافر المؤمنين، فليست الفصاحة ولو في النهاية آية ولا معجزة اللهم إلا عند الذين أوطاهم عشوة معلم مجنون حتى قالوا عنه خاتم الأنبياء وسيد المرسلين، مع أنه بإقراره في سورة الأحقاف لم يدر قط ما يُفْعل به ولا بتباعه أجمعين أكتعين، فقل يا من اسمه / رمند ولقبه مرَتْيِن: آه، لقومٍ يقبل الباطل والخرافات والترهات كأنها اليقين، وإن كنتم في شك مما ألهمنا إليه عبدنا يا معاشر المسلمين فأتوا بحلِّ هذه الحجة، وبمثل هذه السورة وادعوا لذلك إخوانكم من الجن إن كنتم مهتدين. فإن لم تقدروا، ولن تقدروا فقد زهق
_________
(1) عبد الرحمن بدوي، موسوعة المستشرقين، ص 213 ـ 215، دار العلم للملايين، ط2، بيروت 1989م.

الباطل، وانتقام اليقين والحمد والشكر لله آمين، آمين)) (1) .
وبصرف النظر عن مدى سقم محاولة مارتيني إلا أنها تكشف عن قفزة كبيرة وتطور في مستوى الجدل التنصيري في عهد الحروب الصليبية، وانتقاله من مجرد الطعن في أصالة القرآن إلى محاولة المعارضة، وفي هذا دليل كاف على عدم دقة ما ذهب إليه الدكتور عبد الرحمن بدوي من أن الجدل ضد القرآن بدأ في المسيحية الغربية على يد نيقولا دي كوزا (1401 ـ 1464م ) (2) .
_________
(1) قاسم السامرائي، مرجع سابق، ص 90.
(2) عبد الرحمن بدوي، دفاع عن القرآن، ص 5.

المؤسسة الأولى: التبشير
كانت كلية الثالوث المقدس القاعدة التي انطلق منها التنصير المؤسَّسي فهي أولى لَبِنَات مؤسسة التبشير ضد الإسلام، وكان ريموند لول ليس أول معلم فيها فقط، بل كان " أول من مارس التبشير ضد الإسلام، فجال في بلاده وناقش علماءه" (1) .
ولما كان الرهبان ورجال الدين النصارى يؤلفون الطبقة المتعلمة في أوربا؛ كان من الطبيعي أن يقودوا العمل التبشيري ضد الإسلام نظرًا لمعرفتهم لغات المسلمين، فأصبحت الكنائس والأديرة مرتكزات وقواعد للعمل التبشيري لتخريج أهل الجدل الذين يجادلون ضد الإسلام والقرآن (2) .
ومن أوائل المبشرين الرهبان الجدليين ضد القرآن الراهب الدومنيكاتي ( ريكولدو دي مونت كروس ) ( 1243 ـ 1320 م ) الذي بعثه البابا نقولا الرابع إلى الشرق، فتجول مبشرًا في فلسطين ومجادلا باللغة العربية ضد القرآن، ثم ألّف أهم الكتب الجدلية ضد القرآن بعنوان:
( الجدل ضد المسلمين والقرآن ) Disputatio Contra Saracenos et Alchoranem (3)
ثم كتب الكاردينال نيقولا دى كوزا ( 1401 ـ 1464 ) بتوجيه من البابا بيوس الثاني :
1 ـ نقد الإسلام وتفنيده.
2 ـ غربلة القرآن (4) .
_________
(1) أ. ل. شاتليه، الغارة على العالم الإسلامي، ص 12 ـ 13. مرجع سابق.
(2) نجيب العقيقي، المستشرقون ( 1 / 104 ). مرجع سابق.
(3) عبد الرحمن بدوي، موسوعة المستشرقين، ص 211، دار العلم للملايين. بيروت 1989م.
(4) عبد الرحمن بدوي، دفاع عن القرآن، ص 5، مرجع سابق.

وقام عدد من الآباء الدومينيكانيين والجزويت بتصنيف جدليات ضد القرآن منهم (1) :
دينيس : ( حول الخداع المحمدي ) 1533 م.
ألفونس سينا : ( التحصين الإيماني ) 1491 م.
جان دي تيريكريماتا : ( بحث للرد على الأخطاء الرئيسية الخادعة لمحمد) 1606 م.
لويس فييف : ( الإيمان المسيحي الحقيقي ضد المحمديين ) 1543 م.
ميشيل نان : ( الكنيسة الرومانية اليونانية في الشكل والمضمون للدين المسيحي ضد القرآن والقرآنيين دفاعًا وبرهانًا ) 1680 م.
لودو فيجو مرتشي : ( مقدمة في دحض القرآن ) 1698 م.
وبرز من المبشرين الجدليين ضد القرآن في العصر الحديث كل من:
1 ـ هنري لامانس مبشر يسوعي وراهب متعصب خلف لويس شيخو في إدارة مجلة المشرق، وإدارة المجلة التبشيرية ( البشير )، وقد أودع جدليته ضد القرآن في مقاله: (( هل كان محمد أمينًا؟))، وفي كتابه (( الإسلام: عقائد ونظم)) (2) .
2 ـ وليم موير ( 1819 ـ 1905 م )، مبشر إنجليزي أحد أعضاء البعثة التبشيرية الإنجليزية في شمال الهند، كتب جدليتين ضد القرآن:
(( القرآن: تأليفه وتعاليمه )) 1877 م.
(( الجدال مع الإسلام )) 1897 م. (3)
_________
(1) السابق، ص 6.
(2) عبد الرحمن بدوي، موسوعة المستشرقين، ص 348 ـ 349.
(3) عبد الرحمن بدوي، موسوعة المستشرقين، ص 404 ـ 405، مرجع سابق.

3 ـ ريتشارد بل (توفي في النصف الثاني من القرن العشرين)، أحد رجال الدين المسيحي وصرف سنين كثيرة في دراسة القرآن (1) ، وله في الجدل ضد القرآن عدة كتب ومقالات تبرز التأثير المسيحي على النبي صلى الله عليه وسلم، وأهمها مقدمته لترجمة القرآن التي ضمّنها جدليته الأساسية ضد أصالة القرآن الكريم.
4 ـ سانت كلير تسدال (توفي في أوائل القرن العشرين)، قسيس مبشر في إيران (2) ، صنّف أعنف وأخطر جدلية ضد أصالة القرآن الكريم: (المصادر الأصلية للقرآن) وكتبها بالألمانية، ثم ترجمها المبشر وليم موير إلى الإنجليزية (3) .
5 ـ آرثر جيفري (توفي في النصف الثاني من القرن العشرين)، من محرري مجلة العالم الإسلامي التبشيرية وأبرز كتّابها وقد بُعث للعمل في الجامعة الأمريكية في بيروت، ثم للتبشير في أمريكا اللاتينية، ثم إلى مدرسة اللغات الشرقية بالقاهرة.
وله عدة جدليات ضد القرآن الكريم وأصالته نشر بعضها في مجلة العالم الإسلامي 1935م، ونشر بعضها في كتابه (( مصادر تاريخ القرآن ))، وأودع بقيتها في مقدمة تحقيقه لكتاب المصاحف لأبي بكر بن أبي داود (4) .
6 ـ آرينز مبشر، له جدلية بعنوان: ((عناصر نصرانية في القرآن)) (5) .
_________
(1) العقيقي، المستشرقون ( 2 / 93 ـ 94 ).
(2) أ. ل. شاتليه، الغارة على العالم الإسلامي، ص 36.
(3) Saint Clair Tisdall, The Original Sources of the Qur'an , Landon , 1905.
(4) إسماعيل سالم عبد العالم، المستشرقون والقرآن ( 1 / 25 ) سلسلة دعوة الحق ـ عن رابطة العالم الإسلامي، العدد 104، مكة المكرمة 1410هـ ـ 1990م، وقد قام -رحمه الله- بالرد التفصيلي على مقدمة جيفري لكتاب المصاحف..
(5) العقيقي، المستشرقون ( 3 / 537 ).

7 ـ كينث كراج خليفة زويمر في توجيه النشاط التبشيري في منطقة الشرق الأوسط، ورئيس تحرير مجلة العالم الإسلامي التبشيرية، ورئيس مؤتمر التبشير المنعقد في أكسفورد عام (1986)، له جدليتان ضد أصالة القرآن، طبعتا أكثر من مرة لمساعدة وعاظ التنصير، وهما: (( نداء المئذنة ))، (( القبة والصخرة )).
8 ـ بول بوبارد راهب فرنسي معاصر أشرف على إعداد قاموس للأديان
(( Dictionnair e des Religians )) نشرت طبعته الأولى عام 1984 م، وقامت على طبعه (( المنشورات الجامعية الفرنسية ))، وأنجز أغلب مواده أساتذة المعهد الكاثوليكي بباريس .
وقد ردد المبشرون القائمون على الكتابة فيما يخص أصالة القرآن الجدليات القديمة نفسها، بإرجاع القرآن إلى الأصول التوراتية والإنجيلية التي وقف عليها النبي صلى الله عليه وسلم، مستدلين على ذلك بالعناصر المشتركة بين القرآن وكتب العهدين (1) .
_________
(1) محمد عبد الواحد عسيري، صورة الإسلام والمسلمين في قاموس الأديان، ص 22 ـ 24، بحث مقدم إلى ندوة مصادر المعلومات في العالم الإسلامي المنعقدة في الرياض ( 22 ـ 25 رجب 1420 هـ / 31 أكتوبر ـ 3 نوفمبر 1999م ).

المؤسسة الثانية: الاستشراق
بدأ الاستشراق بقانون كنسي حدد مهمة المؤسسة الاستشراقية في التمهيد والإعداد لارتداد العرب إلى المسيحية (1) .
ولذلك نصّ قرار إنشاء كرسي اللغة العربية بجامعة كمبردج عام 1636 م -مثلًا- على أن الكرسي أنشئ: (( بهدف توسيع حدود الكنيسة ونشر المسيحية بين المسلمين الذين يعيشون في الظلمات )) (2) .
ولم تقتصر جوانب التنصير في المؤسسة الاستشراقية على الهدف وسلطة الإنشاء، بل تعدَّتها إلى الممارسة والتنظيم.
فقد كان الرهبان في طليعة المستشرقين (3) ، ولا زالت لهم اليد العليا في العصر الحديث حيث يزيد عددهم على مائة راهب من: ( البندكتيون، الفرنسيسكان، الكيوشيون، الكرمليون، الدومنيكان، البيض، اليسوعيين) (4) .
أما التنظيم والإعداد فقد اضطلع به الفاتيكان، واصطنع للمؤسسة الاستشراقية النفوذ لدى السلطات الحاكمة واضطلع بوسائل التمويل (5) .
وربما كانت الطبيعة التنصيرية الخالصة للمؤسسة الاستشراقية بعناصرها الأربعة: (سلطة الإنشاء، والهدف، والتنظيم، والممارسة )، تسبب الالتباس في أمر المؤسستين، وتحول في كثير من الأحيان دون التفرقة بين العمل التبشيري والعمل الاستشراقي.
_________
(1) Francis Dvornik , The Ecumenical Concils , PP. 65 - 66 , Hawthorn Books. New York 1961.
(2) عبد اللطيف طيباوي، المستشرقون الناطقون بالإنجليزية، ص 477، مرجع سابق.
(3) العقيقي، المستشرقون ( 3 / 249 ) مرجع سابق.
(4) علي النملة، الاستشراق في الأدبيات العربية، ص 76، مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية، ط 1، 1414هـ ـ 1993م.
(5) العقيقي، المستشرقون ( 1 / 104 ) مرجع سابق.

لكن على الرغم من الطبيعة التنصيرية المشتركة بعناصرها الأربعة بين المؤسسة التبشيرية والمؤسسة الاستشراقية، فهناك فوارق بين المؤسستين تتمثل في أداة العمل التنصيري ومجاله، حيث إن: (( الاستشراق أخذ صورة البحث العلمي وادعى لبحثه الطابع العلمي الأكاديمي، أما دعوة التبشير فقد بقيت في حدود مظاهر العقلية العامة، أي : العقلية الشعبية، وبينما استخدم الاستشراق الكتاب والمقال في المجلات العلمية وكرسي التدريس في الجامعة، والمناقشة في المؤتمرات العلمية العامة، سلك التبشير طريق التعليم المدرسي في دور الحضانة ودور الأطفال والمراحل الابتدائية والثانوية للذكور والإناث على السواء، كما سلك سبيل العمل الخيري الظاهري في المستشفيات ودور الضيافة والملاجئ للكبار ودور اليتامى واللقطاء )) (1) .
وهذا يعني أن مؤسسة التبشير استهدفت تنصير العامة وذوي الحاجات بما يناسبهما من وسائل واختص الاستشراق بتنصير النخبة والمثقفين، بوسائط علمية وفكرية.
_________
(1) محمد البهي، المبشرون والمستشرقون في موقفهم من الإسلام، ص 2، الإدارة العامة للثقافة ـ مطبعة الأزهر. القاهرة ، د. ت. الفكر الإسلامي الحديث، ص 459 ـ 460، ط 8، مكتبة وهبة القاهرة 1975م.

وهناك فارق آخر يمكن رصده، يتمثل في المشاركة اليهودية في نشاط المؤسستين: حيث شارك اليهود في الاستشراق بنسبة كبيرة وفعالة لا يمكن مقارنتها بالمشاركة الضئيلة في النشاط التبشيري وإن كان الدور التبشيري الخطير الذي مارسه (( زويمر )): حركيًّا وتنظيميًّا وجدليًّا لا يمكن إنكاره )).
أما فيما يخص أصالة القرآن الكريم والتكييف العقدي للإسلام، فإن المؤسستين تتفقان وتتحدان في استلهام التراث التنصيري وتكراره للمراحل السابقة في أطروحاته الأساسية:
الإسلام هرطقة مسيحية.
محمد صلى الله عليه وسلم نبي مزيف لا أخلاقي.
القرآن تلفيق من كتب العهدين القديم والجديد.
لذلك فإنه كما يقول إدوارد سعيد ساخرًا: سيكون مستشرقًا بحاثة ومختصًّا ألمعيًّا ذلقًا في أيامنا هذه من يشير إلى الإسلام على أنه هرطقة آرية من الدرجة الثانية، وأن محمدًا نبي لا أخلاقي، وأنه ألّف كتابه معتمدًا على كتب التوارة والإنجيل (1) .
وقد بلغ الجدل التنصيري ضد أصالة القرآن الكريم ذروته في هذه المرحلة بفضل الوسائل والإمكانات التي توفرت للمؤسسة الاستشراقية، ومن أبرز الجدليات الاستشراقية ضد أصالة القرآن الكريم (2) :
جدليات ذات نزعة يهودية:
_________
(1) إدوارد سعيد، الاستشراق، ص 44، 94.
(2) راجع: إدوارد سعيد، الاستشراق، مرجع سابق. نجيب العقيقي، المستشرقون، ( 531 ـ 541 ). عمر رضوان، آراء المستشرقين حول القرآن الكريم وتفسيره ( 1 / 220 ـ 231 ). عبد الرحمن بدوي، دفاع عن القرآن، ص 23 ـ 24.

1 ـ ( الحاخام ) إبراهام جيجر ماذا أخذ محمد من النصوص اليهودية؟، بون 1833م، ط 2 ليبزج 1902 م، إعادة طبع 1969 م.
2 ـ هيرشفيلد:
العناصر اليهودية في القرآن، برلين 1878م.
مقالة في شرح القرآن، ليبزج 1886 م.
أبحاث جديدة في فهم القرآن وتفسيره، لندن 1902 م.
3 ـ سيدرسكي أصل الأساطير الإسلامية في القرآن، باريس 1932م.
4 ـ هورفيتز بحوث قرآنية، برلين ـ ليبزج 1926 م.
5 ـ إسرائيل شابيرو الحكايات التوراتية في أجزاء القرآن، برلين 1907م.
عناصر من الهجادة في قصص القرآن. ليبزج 1907 م.
6 ـ فايل التوارة في القرآن 1835 م.
7 ـ جولدزيهر العقيدة والشريعة في الإسلام، ترجمة محمد يوسف موسى وزميله، القاهرة ( 1948 م ).
8 ـ س. د. جويتين اليهود والعرب: علاقاتهم عبر التاريخ. نيويورك (1955م ).
9 ـ بيرنات هيللر عناصر يهودية في مصطلحات القرآن الدينية، (1982 م ).
10 ـ جوزيف هاليفي السامريون في القرآن ( المجلة الآسيوية 1908 م ).
11 ـ ج فانسبرف المصادر وطرق لتفسير الكتاب المقدس. طبع بتمويل من جامعة لندن عام 1972 م.
12 ـ ميشائيل كوك محمد مطابع جامعة أكسفورد 1987 م.

13 ـ رودي بارت محمد والقرآن: تاريخ النبي العربي ودعوته، نشر دار كول هامر ضمن سلسلة أربان الألمانية عام 1957 م. وأعيد طبعه 1966م.
جدليات ذات توجه مسيحي
1 ـ ج. بوستل توافق القرآن والإنجيل، ( 1543 م ).
2 ـ كراديفو راهب بحيرا والقرآن، ( 1898 م ).
3 ـ فلهلم رودلف صلة القرآن باليهودية والمسيحية، بترجمة عصام الدين حفني ناصف دار الطليعة. بيروت 1974 م.
4 ـ جون بيرتون جمع القرآن، جامعة كمبردج 1977 م.
5 ـ ريجي بلاشير القرآن، بترجمة رضا سعادة وإشراف الأب فريد جبر دار الطليعة. بيروت 1974 م.
6 ـ وولكر باسيلي طابع الإنجيل في القرآن، (1931م).
7 ـ بوم شتارك مذهب الطبيعة الواحدة في القرآن. مجلة المشرق المسيحي 1953م
8 ـ سترشتين القرآن: الإنجيل المحمدي، (1918م).
9 ـ ريتشارد بيل أصل القرآن في بيئته المسيحية، لندن 1926م، وأعيد طبعه عام 1968م.
10 ـ تور أندريا أصل الإسلام والمسيحية، أوسلو 1926 م.

ويلاحظ أن مرحلة التنصير المؤسَّسي كانت أكثر المراحل وأبعدها أثرًا في الجدل ضد أصالة القرآن الكريم، وذلك لطول فترتها الزمنية منذ بدايتها 1311 م حتى اليوم، ولضخامة الجيش العامل في مؤسستيها: التبشير والاستشراق وكذلك عِظَم الإمكانات المسخرة لعمل المؤسستين.
ويكفي دليلا على ذلك الطابور الخامس من المثقفين الذين أفرزتهم المرحلة من الباحثين المسلمين ( الجالسين تحت أقدام المستشرقين كما وصفهم إدوارد سعيد )، الذين ردّدوا الأطروحات التنصيرية نفسها، وكان لهم أثر بالغ في محيط ثقافي واسع، مثل: طه حسين بكتابه (( في الشعر الجاهلي))، محمد خلف الله بكتابه (( الفن القصصي في القرآن الكريم))، محمد أركون ((الفكر العربي )) وبحثه المنشور عام 1977: (( مسألة صحة نسبة القرآن إلى الله ))، نصر أبو زيد بكتابه (( مفهوم النص)).

المبحث الرابع
مسالك الجدل التنصيري ضد أصالة القرآن الكريم
سلك المنصرون في جدلياتهم ضد أصالة القرآن الكريم ثلاثة مسالك سعوا من خلالها إلى نفي ربانية مصدر القرآن، وهي: ـ
المسلك الأول: ترجمة القرآن
كانت ترجمة القرآن هي السلاح الذي سلّه مجادلو التنصير لمحو القرآن أو منعه من الغلبة أو تفعيل دوره في الحفاظ على الذات الإسلامية.
إذ إن ترجمة القرآن الكريم إلى اللغات الأجنبية لم تتم بقصد المعرفة الخالصة أو الفهم المجرد، أو التفاعل والتكامل مع الآخرين، بل إنها تمت بقصد معرفة المواطن التي يمكن الوثوب منها عليه، أو البحث عما يمكن أن يكون نقاط ضعف يتم التركيز عليها لقهر (( الآخر )) وهزيمته والسيطرة عليه (1) .
يقول يوهان فوك في تأريخه للدراسات العربية في أوربا: (( لقد كانت فكرة التبشير هي الدافع الحقيقي خلف انشغال الكنيسة بترجمة القرآن)) (2) . ويضيف أن: هذه الفكرة التي أدت إلى ترجمة القرآن قد شهدت توسعًا من خلال تنقلات الوعاظ الدينيين لطائفتي الدومنيكان والفرنسيسكان (3) .
ويظهر هذا بجلاء من خلال أمور:
_________
(1) عبد الحميد مدكور، الترجمة والحوار مع الآخر، ص 47، كتاب المؤتمر الدولي الأول للفلسفة الإسلامية (( الفلسفة الإسلامية والتحديات المعاصرة )) المنعقد بدار العلوم. القاهرة 1996 م.
(2) يوهان فوك، مرجع سابق، ص 14.
(3) السابق، ص 22.

أولها: أن أول نصوص مترجمة من القرآن إلى اللغات الأجنبية قد جاءت ضمن كتاب "الجدل" الذي ألفّه ابن الصليبي مطران ديار بكر ( ت 1171 م ) وهو مخطوط بالسريانية وموجود في كنيسة بطريركية السريان ببيروت (1) .
الثاني: أن بطرس الموقر أمر بترجمة القرآن للمرة الأولى عام 1143 م حتى يستطيع دحضه (2) .
وقد أكد زويمر المبشر اليهودي على أن تلك الترجمة تمت بدافع تنصيري (3) .
الثالث: ما ذكره جورج سيل في مقدمة ترجمته للقرآن بأن الهدف منها هو تسليح النصارى البروتستانت في حربهم التنصيرية ضد الإسلام والمسلمين؛ لأنهم وحدهم قادرون على مهاجمة القرآن بنجاح، وأن العناية الإلهية قد ادَّخَرَتْ لهم مجد إسقاطه (4) .
ولما أعيد نشر هذه الترجمة في طبعة أخرى عام 1896م بتقديم المبشر (( هويري )) وتحقيقه، أعاد هويري التأكيد على دور هذه الترجمة في تنشيط العمل التنصيري ضد الإسلام وتدعيمه (5) .
_________
(1) محمد صالح البنداق، المستشرقون وترجمة القرآن الكريم، ص 97، دار الآفاق الجديدة، ط2، بيروت 1403 هـ ـ 1983 م.
(2) Trevor - Roher , Hugh , The Rise of Christian Europe , P. 145.
(3) Zwemer S., The Translation of the Quran , The Muslim World, P. 295, 5 (1973) .
(4) أحمد عبد الحميد غراب، رؤية إسلامية للاستشراق، ص 35، المنتدى الإسلامي، لندن 1411هـ.
(5) السابق، ص 36.

الرابع: أن الكنيسة حرمت طبع أو نشر ترجمة القرآن، حتى إن ترجمة بطرس الموقر ظلت حبيسة محفوظات دير كلويي ولم يفرج عنها إلا بعد أربعة قرون (1) . ثم أعيد تحريم الطبع والنشر مرة ثانية، ولم يسمح بطباعة الترجمة إلا عام 1694 م، عندما قام راهب مدينة هامبورج الألمانية إبراهام هنكلمان بطبعه (2) .
وقد سُخِّرت ترجمة القرآن في الجدل التنصيري من طرق:
الأول: تشويه الترجمة
عمد المترجمون إلى تشويه ترجمة القرآن بإسنادها إلى مترجمين من الدرجة الثانية والثالثة ومعاملة النص القرآني معاملة مؤلفات بشرية، وذلك للحد من إمكان إقبال غربيّ على هذه الترجمات والإفادة منها، وبذلك تألَّف حاجز نفسي عميق بين غير المسلم والقرآن، وكانت هذه الترجمات أحد أسباب سيول الأباطيل والمطاعن والشتائم التي ساقها كتّاب التنصير ضد القرآن الكريم (3) .
ويعدد صالح البنداق وجوه تشويه ترجمات القرآن، فيما يلي (4) : ـ
1 ـ إزاحة الآيات من مكانها التوقيفي لتضليل القارئ وإبعاده عن الإحاطة بحقيقة النص القرآني.
_________
(1) محمد صالح البنداق، مرجع سابق، ص 95 ـ 96.
(2) يوهان فوك، مرجع سابق، ص 98.
(3) قاسم السامرائي، مرجع سابق، ص 67.
(4) محمد صالح البنداق، مرجع سابق، ص 101 ـ 108.

2 ـ الترجمة الحرّة وتحاشي الترجمة العلمية إمعانًا في التحريف والتضليل، مما يترتب عليه تحوير المعاني وتبديلها، وعرض النص القرآني كما يراه المترجم، لا كما تقتضيه آياته وألفاظه.
3 ـ التقديم والتأخير والحذف والإضافة.
مما يمكن معه القول بأن: " ترجمات القرآن التي يعتمد عليها علماء الإفرنج في فهم القرآن كلها قاصرة عن أداء معانيه التي تؤديها عباراته العليا وأسلوبه المعجز للبشر" (1) .
فالترجمة اللاتينية الأولى للقرآن ( ترجمة بطرس الموقر ) التي تمت عام 1143 م اضطلعت فقط بتقديم مضمون الفكرة، ولم تكترث بأسلوب الأصل العربي وصياغته، وقام الدافع التنصيري حائلا أمام الوفاء بتحقيق هذا الغرض (2) .
وقد كانت هذه الترجمة (( المشوّهَة )) الأصل الذي نبعت منه الترجمات الأخرى؛ فمنها نبعت الترجمة الإيطالية الأولى التي أشرف عليها أريفابيني عام 1547 م، وفي سنة 1616 م ترجم سالمون شفايجر إلى الألمانية عن الإيطالية، وعن الألمانية إلى الهولندية في سنة 1641م (3) .
وعن هذه الترجمة اللاتينية الأولى وضع الحاخام اليهودي يعقوب بن إسرائيل أول ترجمة بالعبرية عام 1634م (4) .
الثاني: إضافة المقدمات والملاحق
_________
(1) رشيد رضا، الوحي المحمدي، ص 24، المكتب الإسلامي، دمشق 1391 هـ ـ 1971 م.
(2) يوهان فوك، مرجع سابق، ص 11.
(3) يوهان فوك، مرجع سابق، ص 18.
(4) محمد صالح البنداق، مرجع سابق، ص 96.

أضيف إلى نصوص الترجمات (( المشوّهة )) للقرآن الكريم مقدمات تفسيرية وملاحق شارحة لا لمضمون النص المترجم، بل جدليات ضد أصالته، وسخرية من محتواه، ومحاولات للحطّ منه.
أما الترجمات الفرنسية للقرآن سواء اعتمدت على الترجمة اللاتينية الأولى أم اعتمدت على الأصل العربي أم على ترجمة مرتشي الإيطالي، فإنها شوهت النص الأصلي وابتعدت عنه كما تقول الباحثة هداية عبد اللطيف مشهور في دراستها حول ترجمات القرآن الفرنسية: " رجعت إلى خمس وعشرين ترجمة للقرآن بالفرنسية، فوجدتها كلها محرَّفة، وتضيف نصوصًا من التوارة إلى آيات القرآن الكريم دون الإشارة إلى ذلك" (1)
وهكذا فقد تضمنت الترجمة اللاتينية الأولى "ترجمة بطرس الموقر " التي قام بها الراهب الإنجليزي روبرت الرتيني والراهب الألماني هرمان الدالماني عددًا من المقدمات والملاحق سميت بمجموعة "دير كلوني" ، وهي (2) : ـ
1 ـ خطاب بطرس إلى بيرنهارد ( القديس برنار دي كليوفر ).
2 ـ مجموعة مختصرة من الوثائق الشيطانية المضادة للطائفة الإسلامية الكافرة.
3 ـ مقدمة روبرت الرتيني .
4 ـ (( تعاليم محمد )) لهرمان الدالماني .
5 ـ (( أمة محمد ونشوزها )) لهرمان الدالماني .
_________
(1) مجلة الحرس الوطني، ص 37، العدد 129. المملكة العربية السعودية ( ذو القعدة 1413هـ ـ مايو 1993 م).
(2) يوهان فوك، مرجع سابق، ص 17. عبد الرحمن بدوي، موسوعة المستشرقين، مرجع سابق، ص 307.

6 ـ تاريخ المسلمين ( أخبار المسلمين المعيبة المضحكة ).
ولمّا انتهى الكاردينال يوحنا الأشقوبي الإسباني ( ت 1456 م ) من ترجمة القرآن إلى اللاتينية بمساعدة آخرين ألحق بالترجمة جدلية ضد الإسلام بعنوان: (( طعن المسلمين بسيف الروح )) (1) .
وحينما نشرت مطبعة بتافيا بإيطاليا الترجمة اللاتينية ذائعة الصيت التي قام بها الراهب الإيطالي لودوفيجو مرّتشي 1698 م بموافقة البابا أنوسنت الحادي عشر جاءت الترجمة في قسمين:
يشتمل القسم الأول على النص العربي للقرآن مع ترجمته اللاتينية وحواشي جزئية للرد على بعض المواضع، ويشتمل القسم الثاني على كتاب: " الرائد إلى الرد على القرآن" (2) .
أما ترجمة جورج سيل الإنجليزية التي ظهرت في لندن عام 1734 م وأعيد طبعها أكثر من ثلاثين مرة، فقد تضمنت مقدمة جدلية ضد القرآن وصفت في أدبيات التنصير بأنها قيِّمة وأنها أفضل وصف موضوعي للإسلام (3) .
لذلك أصبحت هذه المقدمة إحدى الجدليات الأساسية التي يعتمد عليها التنصير في الجدل ضد أصالة القرآن الكريم (4) .
الثالث: عنونة ترجمات القرآن
_________
(1) أورد الألماني هانبت سجلا للحدث في مقاله: (( حوار يوحنا الأشقوبي مع نيكلاوس القوسي وجيان الجرماني حول الثالوث المقدس وإعلانه بواسطة المحمديين )) M T H Z 2 (1915) S: 5 , 115 - 129.
(2) عبد الرحمن بدوي، موسوعة المستشرقين، ص 303، مرجع سابق.
(3) أحمد عبد الحميد غراب، مرجع سابق، ص 35 ـ 36.
(4) يراجع في ذلك ما ذكره المبشر القبطي المهتدي للإسلام إبراهيم خليل أحمد في كتابه: المستشرقون والمبشرون في العالم العربي والإسلامي، ص 58، مكتبة الوعي العربي. القاهرة 1964 م.

لم تكرّس العنوانات التي وضعها مجادلو التنصير على أغلفة ترجمات القرآن جدلياتهم ضده فقط، بل ألفت بذاتها جدليات مستقلة ضد أصالة القرآن، حيث تحاشت عقد أية صلة بين القرآن والوحي السماوي، فكتب المترجمون على الأغلفة عنوانات من قبيل: ( كتاب محمد ، قرآن محمد ، القرآن العربي، القرآن التركي، مبادئ السراسنة، الشرائع التركية، الكتاب المقدس التركي، تشريعات المسلمين) (1) .
_________
(1) راجع رصدًا لهذه العنوانات لدى: محمد أبو فراخ، تراجم القرآن الأجنبية في الميزان، مجلة كلية أصول الدين بجامعة الإمام ابن سعود الإسلامية. العدد الرابع ( عام 1402هـ ـ 1403هـ ). محمد صالح البنداق، مرجع سابق. عبد الرحمن بدوي، موسوعة المستشرقين، الفصل الذي عقده لترجمات القرآن.

أ ـ مصادر القرآن
لم ير هذا المبحث النور إلا في أعقاب نجاح جهود مدرسة النقد التاريخي من خلال بحوث: ريتشارد سيمون ـ يوهان سملر ـ القس الألماني تلننج برنارد فيتر ـ جان استروك ـ كارل دافيد إيلجن ـ دي فيته ـ هيرمان هونفلد ـ تيودور نولديكه ـ فلهاوزن ، في اكتشاف الوثائق أو النسخ أو التقاليد ( الكهنوتية ـ الإيلوهيمية ـ اليهوية ـ التثنية ) التي شكلت مصادر كتابة التوراة على يد محرريها من اليهود.
ولما كان الأخيران من رجال مدرسة النقد التاريخي ( نولديكه ، وفلهاوزن ) من كبار علماء المؤسسة الثانية من مؤسسات التنصير (الاستشراق)، فقد وجّها البحث في هذا المجال إلى القرآن الكريم، وذلك لإضفاء ثوب بّراق من العملية والمنهجية الزائفة على الادعاء التنصيري القديم بأن القرآن تلفيق من التوراة والإنجيل.
لذلك أصبح موضوع (( مصادر القرآن )) أو (( مصادر الإسلام )) فرعًا مستقلا بذاته في دراسات مؤسّستي التنصير: الاستشراق والتنصير.
وقد حرص مجادلو التنصير في هذا المجال على إرجاع كل كبيرة وصغيرة في القرآن إلى مصدر سابق سواء أكان دينيًّا أم غير ديني، وقد دارت مصادرهم المقترحة للقرآن الكريم حول مصادر ستة (1) : ـ
_________
(1) عمر رضوان، آراء المستشرقين حول القرآن الكريم وتفسيره ( 1 / 237 ـ 365 ). محمد الشرقاوي، الاستشراق، ص 84 ـ 114، مطبعة المدينة. القاهرة. د. ت.

1 ـ الوسط الوثني في شبه جزيرة العرب ( معتقدات، عادات، عبادات، أشعار) وعلى الأخص شعر أمية ابن أبي الصلت .
2 ـ الحنفاء.
3 ـ الصابئة.
4 ـ الزرادشتية وديانات الهند القديمة.
5 ـ النصرانية.
6 ـ اليهودية.
ومن بين الجدليات التنصيرية ضد أصالة القرآن في هذا المجال:
1 ـ المصادر الأصلية للقرآن، للمبشر البورتستانتي سانت كلير تسدال .
2 ـ مصادر القصص الإسلامية في القرآن وقصص الأنبياء، سايدر سكاي ، باريس 1932م.
3 ـ تاريخ الإسلام، إصدار جامعة كمبردج عام 1970 م بإشراف برنارد لويس .
4 ـ مصادر القص الكتابي في القرآن، سباير .
5 ـ مصادر تاريخ القرآن، آرثر جيفري .
6 ـ محمد ، ميشائيل كوك ، طبع جامعة أكسفورد 1987م.
7 ـ القرآن والكتاب، الخوري الحداد ، مطبعة حريصا البولسية، لبنان.
8 ـ مصادر الإسلام، المبشر وليم موير ، لندن 1901م.
وغيرها الكثير مما سبقت الإشارة إليه في النتاج الجدليّ لمرحلة التنصير المؤسّسي واكتفينا بذكره في موضعه تجنبًا للتكرار.

ب ـ تاريخ القرآن
أدرج هذا الموضوع ضمن مباحث منهج النقد التاريخي التي عالجت كتاب العهد القديم والعهد الجديد معالجة تاريخية، بوصفهما عملين أدبيين بإسهامٍ إنسانيّ يمثل أرقى إنتاج إنساني متطور عبر العصور؛ لأنه لم يُؤَلَّف دفعة واحدة أو بقلم واحد، بل مرَّ بمراحل تطور تاريخية وأدبية يمكن رصدها وتحليلها، حيث مرّ في مرحلة تكوينه: تأليفًا وجمعًا وتثبيتًا، بما يزيد على ألف عام بالنسبة للعهد القديم، وما يقارب نصف الفترة بالنسبة للعهد الجديد، وفي تلك الرحلة الطويلة تغيرت المضامين الدينية عبر مراحل التطور، وتغير البناء التركيبي للنصوص أدبيًّا ولغويًّا، مما استوجب بحثًا نقديًّا تاريخيًّا، يفسّر، ويبيّن، ويفصل ما بين تلك المراحل (1) .
وقد صنّف مجادلو التنصير من أتباع مدرسة النقد التاريخي عدة مصنفات جدلية ضد أصالة القرآن الكريم تضعه في مصافّ الأعمال ذات المراحل التطورية المتعاقبة، بما يعنيه ذلك من دمغ له بالبشرية، تصنيفًا، وتحريرًا، وتطويرًا.
ومن هذه المصنفات (2) :
1 ـ تاريخ القرآن، بوتيه ( 1800 ـ 1883م )، باريس 1904م.
2 ـ التطور التاريخي للقرآن، إدوارد سل ، مدارس ( الهند ) 1898م.
_________
(1) محمد خليفة حسن، آثار الفكر الاستشراقي في المجتمعات الإسلامية، ص 102، مرجع سابق.
(2) عمر رضوان، آراء المستشرقين حول القرآن وتفسيره ( 1 / 220 ـ 231 ). محمد خليفة حسن، مرجع سابق، ص 103 ـ 104.

3 ـ القرآن، فلهاوزن ( 1844 ـ 1918م ) مقال بالمجلة الشرقية الألمانية عام 1913م.
4 ـ مواد لدراسة تأريخ نص القرآن، آرثرجيفري ، ليدن 1937م.
5 ـ تاريخ النص القرآني، أجناس جولدتسهر، جوتنجن 1860م، وقد أعيد طبعه والتعليق عليه في مجلدين بواسطة ف. شواللي ، ليبتزج 1909م.
6 ـ تاريخ النص القرآني، نولديكه.
7 ـ تاريخ قراءات القرآن، برجشتراسر .
وذلك بخلاف المداخل التي صنفها مجادلو التنصير للتعريف بالقرآن الكريم وتناولت قضية (( مصادر القرآن ))، (( تاريخ القرآن ))، مثل المدخل الذي وضعه: بلاشير الفرنسي ونُشر في باريس 1947م بعنوان (( مدخل إلى القرآن ))، وكذلك المدخل الذي وضعه: د. بل ، ونشر في أدنبرج 1954 م بعنوان (( مدخل إلى القرآن )).

المسلك الثالث: إصدار الدوريات والقواميس ودوائر المعارف المتخصصة
من أبرز الدوريات التنصيرية المتخصصة في الجدل ضد القرآن الكريم: مجلة العالم الإسلامي، الحقيقة الواضحة، مجلة الإسلام: الألمانية، والفرنسية، والروسية.
ومن أهم دوائر المعارف التنصيرية في هذا المجال (( دائرة المعارف الإسلامية )) (1)
التي صدرت طبعتها الأولى باللغات الثلاث: الإنجليزية والفرنسية والألمانية في الفترة من 1914م إلى 1942م، وتوفر على إصدارها عتاة المستشرقين والمبشرين بإشراف الاتحاد الدولي للمجامع العلمية، ولما نفذت هذه الطبعة بدأ إصدار طبعة جديدة اعتبارًا من سنة 1954م.
وبدأ صدور الترجمة العربية للطبعة الأولى منذ عام 1934م، وفي عام 1997م صدرت ترجمة كاملة لدائرة المعارف الإسلامية بالتعاون بين الهيئة المصرية العامة للكتاب ومركز الشارقة للإبداع الفكري.
وتعد هذه الدائرة أضخم عمل مرجعي عن الإسلام، كما أنها تتصف بصفة العالمية حيث شارك في تصنيفها قرابة ثلاثة آلاف مؤلف ينتمون إلى مختلف الجنسيات والديانات، مما أعطاها زخمًا كبيرًا في مجال الجدل ضد أصالة القرآن بما لها من انتشار وقبول.
_________
(1) راجع تاريخ نشأة الموسوعة وبيانات المؤلفين والموضوعات، لدى: محمد فتحي عبد الهادي، المصادر المرجعية العربية عن الإسلام والمسلمين، ص 8 ـ 10، ندوة مصادر المعلومات عن العالم الإسلامي، مرجع سابق. أعراب عبد الحميد، دائرة المعارف الإسلامية، ص 8 ـ 15، ندوة مصادر المعلومات عن العالم الإسلامي، مرجع سابق.

وقد وفّرت كل تلك الخصائص للدائرة سمات العمل التنصيري الناجح في تشويه حقائق الإسلام وإثارة الشبهات حول أصالة القرآن.
يقول فريد وجدي : " إن أكثر كتّاب الدائرة قسس مبشرون يهمهم أن يحيفوا الإسلام لا أن ينصفوه"، لذلك يصف رشيد رضا مباحث الدائرة بما فيها من أغلاط ومطاعن ومخالفة الحقائق، بأنها: (( أضرُّ من شر كتب دعاة المبشرين وصحفهم )) (1) .
ويكفي استعراض ما سطره المبشر الأمريكي ماكدونالد في الدائرة.
_________
(1) أعراب عبد الحميد، دائرة المعارف الإسلامية، ص 9، ندوة مصادر المعلومات. مرجع سابق.

أ ـ القرآن تلْفيق من اليهودية والنصرانية.
يقول المستشرق اليهودي إبراهام جيجر في كتابه ((ماذا اقتبس محمد من اليهودية )): (( إن القرآن مأخوذ باللفظ أو بالمعنى من كتب اليهود)) (1) .
ويؤكد اليهودي برنارد لويس : (( أن محمدًا خضع للتأثيرات اليهودية والمسيحية كما يبدو ذلك واضحًا في القرآن )) (2) .
ويشرح جولدتسهر قائلا: (( تبشير النبي العربي ليس إلا مزيجًا منتخبًا من معارف وآراء دينية عرفها بفضل اتصاله بالعناصر اليهودية والمسيحية التي تأثر بها تأثرًا عميقًا، والتي رآها جديرة بأن توقظ في بني وطنه عاطفة دينية صادقة.... فصارت عقيدة انطوى عليها قلبه، كما صار يُعد هذه التعاليم وحيًا إلهيًّا)) (3) .
_________
(1) نقلا عن محمد صالح البنداق، مرجع سابق، ص 108.
(2) غراب، مرجع سابق، ص 112.
(3) جولدتسهر، العقيدة والشريعة في الإسلام، ص 12، بترجمة محمد يوسف موسى وآخرون، القاهرة 1948م.

ويستدل الخوري الحداد المبشر اللبناني في جدليته الضخمة ضد أصالة القرآن (1) ، على صحة مزاعم أسلافه من المنصرين، بقوله: (( فوجود العالِم المسيحي ورقة بن نوفل في جوار محمد خمسة عشر عامًا قبل البعثة، وأعوامًا بعدها في أوائل الدعوة ووجود هذه الحاشية الكريمة في المدينة مع النبي في كل زمان ومكان حجة قاطعة على أن بيئة النبي والقرآن كانت كتابية من كل نواحيها، وأن ثقافة محمد والقرآن كتابية في كل مظاهرها، وذلك بمعزل عن الوحي والتنزيل )) (2) .
_________
(1) صدرت هذه الجدلية منتصف القرن العشرين في أربع مجلدات طبعتها مطبعة حريصا البولسية في لبنان بعنوان (( دروس قرآنية ))، مع عنوان خاص لكل كتاب، يجسد فيه مضمون جدليته، وجاءت على النحو التالي: ـ 1 ـ الإنجيل والقرآن. 2 ـالقرآن والكتاب. 3 ـ القرآن والكتاب وهو تكملة للجزء الثاني. 4 ـ نظم القرآن والكتاب. وقد تصدى له الشيخ محمد عزة دروزة في ردٍّ تفصيلي في كتابه (( القرآن والمبشرون )) الصادر عن المكتب الإسلامي بدمشق، في مؤلف عدّه الدكتور فريد مصطفى من أفضل ما كتب الشيخ دروزة. راجع: فريد مصطفى سليمان، محمد عزة دروزة وتفسير القرآن الكريم، ص 424، مكتبة الرشد، الرياض 1414هـ / 1993م.
(2) الحداد، القرآن والكتاب ( 2 / 1060 ) مرجع سابق.

ب ـ القرآن تكرار لقصص العهد القديم والجديد
ساق مجادلو التنصير هذا الزعم تخصيصًا لما أجمل في الشبهة السابقة، استنادًا إلى العناصر المشتركة بين القصص القرآني وقصص العهدين.
يقول جولدتسهر : (( لقد أفاد محمد من تاريخ العهد القديم وكان ذلك في أكثر الأحيان عن طريق قصص الأنبياء ليذكّر على سبيل الإنذار والتمثيل بمصير الأمم السالفة الذين سخروا من رسلهم ووقفوا في طريقهم)) (1) .
ويستطرد موضحًا طريقة الإفادة، بقوله: " إن محمدًا أخذ يجمع ما وجده في اتصاله السطحي أثناء رحلاته التجارية مهما كانت طبيعة هذا الذي وجده، ثم أفاد من دون أي تنظيم " (2) .
أما المستشرق اليهودي فنسنك فيخرج بدائرة الإفادة عن حدود العهد القديم، ويربط لنا بوضوح بين هذا الزعم وسابقه والفرضية الأساسية والمنطلق الذي تفرعت عنه هذه الادعاءات قائلا: ( النبي كان يُبَشّر بدين مستمد من اليهودية والنصرانية، ومن ثمَّ كان يردد قصص الأنبياء المذكورين في التوراة والإنجيل، لينذر قومه بما حدث لمكذِّبي الرسل قبله، وليثبِّت أتباعه القليلين من حوله ) (3) .
_________
(1) جولدتسهر، العقيدة والشريعة في الإسلام، ص 15 مرجع سابق، والمعنى نفسه أورده بلفظ مقارب في (( مذاهب التفسير الإسلامي ))، ص 75، بترجمة عبد الحليم النجار، القاهرة 1955م.
(2) جولدتسهر، العقيدة والشريعة، ص 25، مرجع سابق.
(3) غراب، مرجع سابق، ص 91.

ولأن هذه المزاعم التنصيرية تستمد أصولها من مزاعم مشركي مكة حول أصالة القرآن الكريم كما اتضح ذلك من خلال رصد خصائص الجدل التنصيري في مرحلة بداياته المشرقية.
فإن القرآن الكريم نفسه قد تصدى لهذه المزاعم مُفَنِّدًا إياهًا من طرق:
أولها: طريق التحدي، وهو طريق الردع لذوي اللجاجة في الجدل غير المنقادين إلى المسلمات والحقائق، والرافضة لكل برهان يقينيّ ودليل إلزامي وحجة دامغة. قال تعالى: { قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا } (الإسراء: 88).
فإن كان محمد صلى الله عليه وسلم قد استطاع بمساعدة أهل الكتاب أن يأتي بالقرآن من عند نفسه، فليحاول أهل الكتاب أنفسهم ومعهم الثقلان من الجن والإنس أن يأتوا بمثل القرآن إن كانوا صادقين في زعمهم مبدأ الإفادة.
وهذا التحدي القرآني لمجادلي التنصير يشتمل على دليل بطلان مزاعمهم، إذ التحدي مكلَّل بفشلهم وهو دليل على بطلان دعواهم.

الثاني: طريق المقارنة، حيث يدعو القرآن إلى تأمل آياته وقصصه وأخباره، إذ ينتهي ذلك التأمل إلى نتيجة حتمية مؤداها تنزيه القرآن عن الاختلاف والتناقض، وهذه سمة الوحي الإلهي الأصيل فقط، أما غيره فيشتمل على وجوه من الاختلاف والتضارب، قال تعالى: { أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا } (النساء: 82).
الثالث: طريق النقد التاريخي، وفيه ألزم القرآن مجادليه بحقيقتين تاريخيتين تبطلان مزاعمهم:
الحقيقة الأولى: أمية الرسول صلى الله عليه وسلم وعدم معرفته بالقراءة والكتابة.
قال تعالى: { وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ } (العنكبوت:48).

الحقيقة الثانية: عجمة المعلمين المزعومين، فالحداد الذي نسبوا إليه تعليم النبي صلى الله عليه وسلم كان لسانه أعجميًّا لا يجيد العربية بينما القرآن في أعلى طبقات الفصاحة التي سجد لها بعض الأعراب، والتي لا يستقيم عقلا أن يتعلمها النبي صلى الله عليه وسلم من أعجمي، قال تعالى: { وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ } (النحل:103).

سادسًا: تأثير الإسلام في اليهودية والنصرانية
لعل هذا الوجه من أبرز دلائل تهافت المزاعم التنصيرية حول تلفيق القرآن من اليهودية والنصرانية؛ لأن واقع الأمر وحقيقة الحال أن اتجاه التأثير كان عكسيًّا، من اللاحق إلى السابق، وليس من السابق إلى اللاحق، وهذا الاتجاه التأثيري العكسي وإن كان على غير المألوف إلا أن له ما يسوغه، حيث جاءت اليهودية والنصرانية دعوة مرحلية لجماعات قبلية محدودة من البشر، فلمّا أرادت تجاوز طبيعتها وأهداف رسالتها احتاجت إلى عناصر تمكنها من ملاءمة الدائرة الزمانية والمكانية والثقافية الجديدة التي أرادتها لنفسها، ولمّا كانت تفتقد إلى تلك العناصر التي لم تتوفر إلا للإسلام بحكم طبيعة رسالته العالمية الخاتمة، فإن اليهودية والنصرانية تلمّستا تلك العناصر في الإسلام واقتبستها منه.
حتى إننا لا ندري إلى أيّ مدًى يمكن أن تكون ثورات الفكر المسيحي منذ الحركة الألبية حتى حركة الإصلاح البروتستانتي محسوبة كنتائج مباشرة أو غير مباشرة لمفهوم العقيدة في القرآن (1) .
_________
(1) مالك بن نبي، الظاهرة القرآنية، ص 192، مرجع سابق.

يقول قاموس "برتلس مان" لديانات العالم: (( لقد أثَّر الإسلام تأثيرًا عظيمًا في العقيدة المسيحية والفلسفة، وقاد على سبيل المثال إلى نقاش جديد حول عبادة الصور وتقديسها في المسيحية )) (1) .
لكن تأثير الإسلام لم يكن قاصرًا على العقيدة في المسيحية فحسب، بل يمتد إلى الشريعة والكتب المقدسة، كذلك فإن تأثير الإسلام تناول اليهودية إلى جانب المسيحية، وذلك في عدد من الجوانب يمكن إجمالها فيما يلى: ـ
1 -المبادئ الثلاثة عشر التي جعلها موسى بن ميمون أساس الدين اليهودي وأركان الإيمان فيه، فصاغها على غرار أصول الإيمان في الإسلام، وأدرج فيها بعض أصول الإيمان الإسلامية مما لم يكن معروفًا في اليهودية من قبل أو مدرجًا في العهد القديم، كالاعتقاد بأن الله عالم، وبالثواب والعقاب في الآخرة، والاعتقاد في بعث الموتى (2) .
وقد أقر ابن كمونة بعدم ذكر الثواب والعقاب الأخروي في التوراة وراح يعتذر عن ذلك ويحاول تسويغه (3) ، وهذا يؤكد اقتباس ابن ميمون هذه الأصول من الإسلام.
_________
(1) Religionen der Welt , Bertelsmann Handbuch , S: 183 , ders.
(2) راجع المبادىء الثلاثة عشر في: Moses ben Maimone: Sein Leben , Seine Werke und sein Einfluss , S: 112 , Hrsg von: W. Bacher. Leipzig 1908.
(3) ابن كمونة ، تنقيح الأبحاث للملل الثلاث، ص 40 ـ 43.

2 ـ تحديد مفهوم النبوة والمعجزة لأول مرة في اليهودية، والذي جاء إما متأثرًا بنظرية الفلاسفة المشائين كالفارابي وابن سينا ، وإما متابعًا لجمهور علماء الإسلام في استدلالهم على هذه المعتقدات بالنصوص القرآنية (1) .
3 ـ نقد التوراة، يقول (( واكسمان )) صاحب كتاب (( الأدب اليهودي )): ((في القرن الحادي عشر دخلت الفلسفة اليهودية مرحلة جديدة متأثرة بالمؤلفات الفلسفية الإسلامية والأفكار الإسلامية، وكان من أثر هذا أن بدأ الشك في التلمود، وبدأت تظهر أفكار حرة، ولم يقتصر الهجوم والنقد الذي قام به القراءون والطوائف المتصلة بهم على التلمود، بل شمل الكتاب المقدس أعظم إنتاج عقلي في الدين اليهودي)) (2) .
4 ـ إقرار المسيحية بالوظيفة النبوية للمسيح الأرضي عيسى -عليه السلام- والتي لم تجد لها مكانًا في وثائق الكنيسة إلا في قرار مجمع الفاتيكان الثاني عام 1965م (3) .
5 ـ دعوة البروتستانت إلى حرية قراءة الكتاب المقدس ورفض احتكار الكنيسة تفسيره والتي فتحت الباب أمام حركة نقد الكتاب المقدس في الغرب، تلك الحركة المنهجية التي تدين بالفضل لعلماء الإسلام كابن حزم والقرطبي وابن تيمية وابن القيم ، وغيرهم.
_________
(1) راجع رسالتنا للدكتواره، النبوة بين اليهودية والمسيحية والإسلام، بمكتبة كلية دار العلوم جامعة القاهرة 1996 م.
(2) نقلا عن إبراهيم موسى هنداوي، الأثر العربي في الفكر اليهودي. ص 144، مكتبة الأنجلو المصرية 1963 م.
(3) Katechismus der katholischen kirche. Leipzig - schwens 1993.

6 ـ تحريم البروتستانت لعبادة الأيقونات، ومنع وضعها في الكنائس لأنها عمل وثني.
2 ـ دلائل تهافت الدعوى الثانية: القصص القرآني تكرار لقصص التوراة والإنجيل
سبق القول بأن هذه الدعوى تفصيل للدعوى الأولى، وتحديد لمجمل مزاعمها، وتعيين القصص القرآني بأنه موضع الاقتباس والإفادة من قصص التوراة والإنجيل، ولن يجدي في رد هذه الشبهة سوى منهج نقد النصوص المقارن لإبراز جوانب التباين بين مرويات القصص القرآني ومنهجها، وبين القصص التوارتي والإنجيل.
وبواسطة هذا المنهج أمكن الوقوف على أربعة دلائل تتهافت معها دعوى تكرار القرآن لقصص التوراة والإنجيل، وهى:
الدليل الأول: اختلاف منهج القصص في القرآن عن المنهج القصصي في التوراة والإنجيل.
يختلف منهج القصص في القرآن عن المنهج القصصي في التوراة والإنجيل من عدة جوانب منها:
1 ـ مصدر القصص، حيث إن الذي يقصُّ في القرآن هو الله تبارك وتعالى (1) ، فهو المتكلم بالكلمة القرآنية، يقول تعالى: { نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ } (يوسف / 3)
_________
(1) التهامي النقرة، سيكولوجية القصة في القرآن، ص 80، الشركة التونسية للتوزيع. تونس 1974م.

ويقول تعالى: { نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى } (الكهف / 13).
أما في التوراة والإنجيل فالله تعالى متحدَّث عنه بطريق الحكاية لتعريف الناس به.
2 ـ الخيال القصصي، بينما يقوم الخيال القصصي في التوراة والإنجيل بأكبر الأدوار في صياغة وتأليف قصصهما، وهو ما كشفت عنه دراسات حديثة تعد مرجعيات في هذا الباب، مثل دراسة: جيمس فريزر عن الفلكلور في العهد القديم (1) .
ودراسة: (( زينون كاسيدوفسكي )) عن الحقيقة والأسطورة في التوراة والتي لخّص فيها مكانة الخيال والخرافة في القصص التوراتي، بقوله: (( تناقل اليهود تراثهم الديني من جيل إلى جيل، وساهم الطابع الفلكلوري لنقل الروايات الحقيقية بتطعميها بكثرة من الخرافات والأساطير والأمثال والأقصوصات، جعلت من الصعب الآن التمييز بين الواقع والخرافة فيها )) (2) .
_________
(1) جيمس فريزر، الفلكلور في العهد القديم، بترجمة نبيلة إبراهيم، الهيئة المصرية العامة للكتاب 1973م.
(2) زينون كاسيدوفسكي، الحقيقة والأسطورة في التوراة، ص 52، الأبجدية للنشر. دمشق 1990م.

وكذلك الأمر فيما يخص العهد الجديد، مما حدا بـ(( رودولف بولتمان )) أحد رواد مدرسة الأشكال الأدبية وتاريخ الأديان، إلى السعي نحو مشروع تطهير العهد الجديد من الأساطير حتى تكون له قيمة في الوقت الراهن، بقوله: (( تقف المسيحية اليوم أمام خيار عسير: فبمطالبتها الإيمان بعقائدها فإنها تشق على البشرية بإلزامها التسليم بقصص وخرافات أسطورية عفا عليها الزمن.
فإن كان هذا المطلب غير ممكن التحقيق ويترتب عليه التساؤل عما إذا كان العهد الجديد يتضمن ذاتية مستقلة عن عالم الأساطير !؟
فإن الواجب اللازم للباحث في الأديان تطهير الدعوة المسيحية من الأساطير تطهيرًا كاملا، وليس جزئيًّا، فإما أن يقبل المرء الأساطير أو يرفضها كلية )) (1) .
أما القرآن الكريم فلا يعرف الخيال القصصي طريقًا إلى مادة مروياته، حيث يلجأ القرآن في قصصه إلى الاحتكام لمعياره النقدي في الأخبار: { إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا } (الحجرات / 6).
_________
(1) Rudolf Bultmonn , Neues Testament und MyThologie , S : 21 , in : Kergma und MyThos, Hrsg . von : Hans - Werner Hamburg 1960 .

فهو يطالب قارئ قصصه بتلمس دلائل واقعيتها وصدقها التاريخي في آثارها الماثلة للعيان: { قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُروا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ } (آل عمران / 137).
وقد وقف الأثريون على آثار القصص القرآني الشاهدة على الصدق التاريخي، مثل آثار سيل العرم الذي هدّم سد مأرب باليمن، فلا زالت آثار الجنتين الواقعتين عن يمين السد وشماله ماثلة حتى اليوم تؤكد صحة قصة سبأ: { لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتَانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ } (سبأ / 15ـ21).
وكذلك اكتشف علماء الآثار النقوش الثمودية في أرض تبوك ومدائن صالح وتيماء ولا زالت مزارًا سياحيًّا حتى اليوم (1) .
ولذلك يصف القرآن قصصه بأنه: { أَحْسَنَ الْقَصَصِ } (يوسف / 3)، لما توافر له من علم ومعاينة: { فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ وَمَا كُنَّا غَائِبِينَ } (الأعراف / 7)، وما اتسم به من حقيقة وصدق: { إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ } (آل عمران / 62).
_________
(1) سيدة إسماعيل كاشف، مصادر التاريخ، ص 16.

3 ـ التشخيص البياني، وهو التعبير بالصورة المحسوسة المتخيلة عن المعاني الذهنية والحالات الشعورية والمشاهدات والأحداث الحقيقية، وهذا النهج التشخيصي هو الأداة المفضلة في القصص القرآني. يقول سيد قطب :
(( إن التعبير القرآني يتناول القصة بريشة التصوير المبدعة التي يتناول بها جميع المشاهد والمناظر التي يعرضها فتستحيل القصة حادثًا يقع ومشهدًا يجري لا قصة تُروى ولا حادثًا قد مضى )) (1) .
4 ـ التصريح والتلميح، في الوقت الذي يهتم القرآن بإبراز أدق التفاصيل النفسية والشعورية لأشخاص قصصه، فإنه يكتفي بذلك التشخيص معرضًا عن التصريح بالأسماء كما في قصة (( العبد الصالح )) (( الفتى )) مع موسى ، وكما في قصة ثمود { إِذِ انْبَعَثَ أَشْقَاهَا } (الشمس / 12)، وكما في مؤمن آل فرعون.
وقد يكون هذا التلميح إلى جانب ملاءمته للمنهج القصصي الذي يهتم بإبراز الحدث وقيمته ومغزاه لكونه الهدف من القصّ، فإنه يناسب طبيعة التشريع الإسلامي فيما يخصُّ أسماء النساء مثلا: امرأة نوح وامرأة لوط وامرأة فرعون ، وكذلك زوجة إبراهيم هاجر وسارة ، وأسماء زوجات النبي صلى الله عليه وسلم، والمجادلة في زوجها (2) .
_________
(1) سيد قطب، التصوير الفني في القرآن، ص 156، دار المعارف، القاهرة 1966م.
(2) حسين علي محمد، القرآن ونظرية الفن، ص 112، القاهرة 1413 هـ ـ 1992م.

5 ـ التجريد الزماني والمكاني، حيث لا يحدد القرآن زمن الحدث أو مدته أو مكانه إلا ما كان محوريًّا في الحدث أو مسرحًا له كمصر في قصة يوسف ، أو المسجد الحرام والمسجد الأقصى في الإسراء والمعراج، أو مدة رسالة نوح ، أو مدة لبث أهل الكهف في نومهم، أو المدة التي أماتها الله للمارّ على القرية الخاوية (1) .
وترجع أسباب التجريد في الزمان والمكان في قصص القرآن إلى أمرين:
أولهما: عناية القصة بالحدث وتقرير الحقائق الدائمة المستقلة عن الأشخاص، والتي يمكن الإفادة من حكمتها ومغزاها في كل زمان ومكان بما يتلاءم مع عالمية رسالة القرآن واستمرارها، فما الأشخاص في القصص القرآني والحال كذلك إلا أمثلة لتلك الحقائق المقصودة لذاتها (2) .
الثاني: تحقيق الإيجاز غير المُخِلّ (3) .
_________
(1) التهامي نقرة، سيكلوجية القصة في القرآن، ص 97. مرجع سابق. حسين علي محمد، القرآن ونظرية الفن، ص 113. مرجع سابق.
(2) سيد قطب، في ظلال القرآن ( 2 / 217 )، دار الشروق. القاهرة 1402 هـ ـ 1982 م.
(3) عبد الجواد المحص، أدب القصة في القرآن الكريم، ص 255، الدار المصرية بالاسكندرية 1420هـ ـ 2000م.

6 ـ التنويع بين الإجمال والتفصيل، ففي مواضع: التحذير من العناد والتكذيب والإصرار على الباطل، والتخويف من مصائر المكذبين، يكون الإيجاز والفواصل القصيرة دون ذكر للأسماء أو للمحاورات (1) ، فيورد القرآن -مثلا- في تسع آيات من سورة الفجر ثلاث قصص لمكذبي الرسل تشمل أعمالهم وعقابهم. قال تعالى: { أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ } . { إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ } . { الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ } . { وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِي } . { وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ } . { الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ } . { فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ } . { فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ } . { إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ } (الفجر / 6ـ14). وهذا ما لا نظير له في التوراة أو الإنجيل.
_________
(1) التهامي نقرة، سيكلوجية القصة في القرآن، ص 91.

7 ـ عاقبة القصص، يأتي ختام القصة في القرآن بعكس ختام قصص التوراة والإنجيل حيث تختم القصة مع نهاية السفر أو الإصحاح، ففي قصة يوسف مثلًا يفترض أن تكون الخاتمة في لقاء يوسف بأبيه يعقوب الذي صورته التوراة على النحو التالى: (( فشد يوسف مركبته وصعد لاستقبال إسرائيل أبيه إلى جاسان، ولما ظهر له وقع على عنقه وبكى على عنقه زمانًا. فقال إسرائيل ليوسف أموت الآن بعد ما رأيت وجهك أنك حيّ بعد )) (1) .
وعلى الرغم من أن عبارة يعقوب لم تمس سبب العقدة الأصلية في القصة وهي رؤيا يوسف وتآمر إخوته عليه، فإن القاصّ في التوراة يكمل الأحداث بعد هذا اللقاء ليصف لقاء يعقوب بالفرعون، والمكان الذي أقطعه لبني إسرائيل، ومرض يعقوب وموته.
_________
(1) سفر التكوين ( 46 / 29 ـ 30 ).

أما ختام القصص في القرآن فيكون غالبًا في شكل عبرة، أو عظة، أو حكمة، أو تقرير موجز (1) ، كما في قصة السامري مع العجل: { إِنَّمَا إِلَهُكُمُ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا } (طه / 98)، وفي قصة أهل الكهف: { قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا لَهُ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ مَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا } (الكهف:26)، وفي قصة يوسف: { وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا وَقَالَ يَاأَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ } (يوسف:100)، وفي قصة مريم وابنها المسيح: { ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ }{ مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ سُبْحَانَهُ إِذَا قَضَى أَمْرًا
_________
(1) حسين محمد علي، القرآن ونظرية الفن، ص 113، مرجع سابق.

فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ } (مريم / 34 ـ 35).
الدليل الثاني: تباين أهداف القصص في القرآن والتوراة والإنجيل
تختلف أهداف القصة في التوراة والإنجيل عنها في القرآن، وذلك على النحو التالي:
أ ـ أهداف القصة في التوراة والإنجيل.
يمثل العهد القديم والجديد سجلا تاريخيًّا لحياة الشعب الإسرائيلي والنصراني، فهو كتاب تاريخ وتأريخ للاعتقاد والرؤساء والأنساب والتقاليد والنظم الاجتماعية والعلاقات الشخصية؛ لذلك جاءت عناوين الأسفار ملخّصة لمضمون تاريخها، مثل سفر التكوين الذي يؤرخ لبدء الخليقة، وسفر الخروج الذي يؤرخ لخروج اليهود من مصر، وسفر العدد الذي يحصي أعدادهم، وسفر اللاويين الذي يؤرخ لأحكام الكهنة من بني لاوي، وسفر التثنية الذي يعيد الأحكام والفروض والوصايا.
ولما كان الهدف من الكتابين التأريخ جاءت القصص فيهما في إطار الهدف العام، فجاءت سردية تأريخية متنوعة ما بين التأريخ للأنساب كما في الإحصاءات التي يقوم بها العهد القديم لأعداد بني إسرائيل الداخلين إلى مصر والخارجين منها والداخلين إلى فلسطين والمهجّرين منها.... إلخ.

وكذلك التأريخ لنسب المسيح كما في شجرتي النسب الشهيرتين لدى متى ولوقا في العهد الجديد.
وما بين التأريخ للسير الذاتية والتيارات الأدبية، كما في خطابات بولس الشخصية لأصدقائه. تيموتاوس العهد الجديد، رسالة بولس الأولى إلى تيموتاوس. (1) ، فيلمون (2) ، وكما في التأريخ لقصائد داود في المناسبات المختلفة (3) .
وما بين القصص التأريخي للأحداث، مثل إنجيل لوقا الذي يصرح مؤلفه أن قصصه تأريخ لأحداث جرت بذكرها الألسنة. يقول لوقا : (( إذ كان كثيرون قد أخذوا بتأليف قصة في الأمور المتيقنة عندنا كما سلّمها إلينا الذين كانوا منذ البدء معاينين وخدّاما للكلمة.
رأيت أنا أيضًا إذ قد تتبَّعت كل شيء من الأول بتدقيق أن أكتب على التوالي إليك أيها العزيز ثاوفيلس ؛ لتعرف صحة الكلام الذي عُلِّمْتَ به، كان في أيام هيرودس ملك اليهودية..... )) (4) .
وفي سفر أعمال الرسل يخبر الكاتب أن قصصه تكملة لمشروع القصص التأريخي الذي بدأه في كتابه إلى ثاوفيلس وتوقف فيه عند رفع المسيح (5) .
وربما يكون هذا الهدف التأريخي أحد أهم أسباب مجيء القصص التوراتي والإنجيلي سرديًّا باردًا غير مؤثر وجدانيًّا في المتلقي أو مشوق له.
ب ـ أهداف القصص القرآني
_________
(1) العهد الجديد، رسالة بولس الثانية إلى تيموتاوس.
(2) العهد الجديد، رسالة بولس إلى فيلمون.
(3) العهد القديم، سفر المزامير، مزمور رقم: 45، 52، 54، 85، 89. وانظر: سفر الأمثال، الإصحاح الأول.
(4) إنجيل لوقا ( 1 / 1 ـ 5 ).
(5) العهد الجديد، سفر أعمال الرسل ( 1 / 1 ـ 9 ).

القصص القرآني ليس مسوقًا لذاته، بل لأجل غايات وأهداف كثيرة يمكن إدراكها بالتفكير والتأمل في القصص؛ لقوله تعالى: { فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ } (الأعراف / 176). ومن هذه الأهداف:
1 ـ الاستدلال على التوحيد، وهو من أهم أهداف القصص القرآني، كما في قصص إبراهيم مع قومه، ونوح مع قومه، وموسى مع فرعون.... إلخ.
2 ـ تثبيت الرسول والمؤمنين على الحق الذي يدعون إليه رغم ما يلقونه من مشقة ويتكبدونه من تضحيات، قال تعالى: { وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ } (هود / 120).

3 - الحكم والفصل في مواضع الاختلاف والتضارب في قصص التوراة والإنجيل، قال تعالى: { إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ } (النمل / 76)، ولعل هذا الهدف الذي حدده القرآن لقصصه أبلغ رد وأوقع دليل على تهافت دعوى الجدليات التنصيرية بأن القرآن تكرار للقصص في التوراة والإنجيل؛ لأنه يتضمن التفسير المقنع لمواضع التشابه بين القصص القرآني وقصص الكتب السابقة، فما جاءت به الكتب السابقة في مقام ادعاء المدعي، أما قصص القرآن فهو حقيقة الحدث الذي جرى يحكيه القاضي الفاصل في دعوى المدّعي، مبيِّنا به وجه الخطأ والصواب في مزاعم الادعاء ومقررًا الحقيقة التاريخية في الحدث لكل العالمين.
4 ـ العظة والاعتبار، قال تعالى: { لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ } (يوسف:111)، ويمكن القول : إن معظم قصص القرآن يُقصد به العظة والاعتبار من باب: إما قياس الطرد وإما قياس العكس، فما يحيق بالمشركين وبمخالفي الرسل هو جزاء كل من جاء بمثل فعلهم، أما من جاء بعكس فعلهم فله عكس جزائهم.

ولذلك حينما يورد القرآن قصص الفساد الأخلاقي لدى الأمم السابقة، يقرن ذلك بما تلاه من جزاء ومصير ناله المفسدون، ويصدّر ذلك بطلب النظر والتأمل في التلازم بين الذنب والعقاب للاعتبار والتخويف. يقول تعالى عقب قصة قوم لوط : { وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ } (الأعراف / 84 ).
ويعقّب القرآن على قصة ثمود بالترهيب من جزاء من يفعل السيئات مثلهم، وبالترغيب في ثواب من آمن واتقى من قوم صالح . قال تعالى: { فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ }{ فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ } . { وَأَنْجَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ } (النمل / 51ـ53 ).

5 ـ الحجة والإقناع، وذلك بإيراد القصة المناسبة للموقف بما تتضمنه من حوار تبرز فيه دعاوى المخالفين القدامى ضد أنبيائهم، ثم تأتي ردود الأنبياء الإقناعية وكأنها ردود من النبي محمد صلى الله عليه وسلم على قومه أو ردود من كل داعية إلى الإسلام على مخالفيه في كل زمان ومكان، من ذلك مثلا الحوار الذي جرى بين نوح وقومه. قال تعالى: { وَلَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ وَلَا أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللَّهُ خَيْرًا اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا فِي أَنْفُسِهِمْ إِنِّي إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ } (هود / 31 ).
6 ـ إظهار قدرة الله المطلقة، وذلك في باب الخلق من عدم كقصة خلق آدم ، أو الخلق من أم بلا أب كقصة مريم وابنها المسيح عيسى ، أو إثبات القدرة على إحياء الموتى كقصة إبراهيم مع الطير، أو البعث والنشور كقصة الذي أماته الله مائة عام ثم بعثه.
الدليل الثالث: القصص الذي انفرد به القرآن

يعد هذا الدليل من أبرز أدلة (( نقد النص )) وأهمها في بيان تهافت دعوى تكرار القرآن لقصص التوراة والإنجيل، بسبب كون المصدر المزعوم الإفادة منه يفتقد مادة المرويات القصصية ويجهل كل شيء عنها، وذلك في حالة القصص الكاملة التي انفرد بها القرآن، ويزيد الأمر قوة في الإثبات والإفحام عندما تتعلق المرويات ببعض التفاصيل الدقيقة التي أتى بها القرآن في القصص المتناظرة مما لم تذكره كتب العهدين.
ومن القصص الذي انفرد به القرآن ما يلي: ـ
أ ـ القصص الكاملة
مثل قصص: صالح ، هود ، شعيب ، الخضر ، ذي القرنين .
ب ـ تفاصيل دقيقة في القصص المتناظر انفرد بها القرآن أو خالف فيها كتب التوراة والإنجيل مثل (1) :
1 ـ ما جاء في القرآن الكريم من أمر الله الملائكة بالسجود لآدم وامتناع إبليس عن هذا السجود.
2 ـ ما ورد في القرآن الكريم من قصص الخليل عليه السلام مع قومه وتحطيمه لأصنامهم ونظرته في النجوم، وحجاجه مع قومه، ومحاولتهم إحراقه في النار، وإسكانه بعض ذريته عند بيت الله الحرام، واشتراكه هو وابنه إسماعيل في رفع القواعد من البيت وبناء الكعبة.
_________
(1) عبد الجواد المحص، أباطيل الخصوم حول القصص القرآني، ص 46 ـ 48، الدار المصرية. الإسكندرية 1420هـ ـ 2000م.

3 ـ ما قصه علينا القرآن الكريم من محاورة بين نوح وابنه الكافر، وعدم ركوب هذا في السفينة وغرقه، ومحاورة نوح مع الله في ذلك.
4 ـ ما قصه علينا القرآن الكريم من تمزيق امرأة العزيز قميص يوسف ، وحديث النسوة ودعوة امرأة العزيز إياهن وتقطيعهن أيديهن.
5 ـ ما قصه القرآن الكريم عن خبرة سحرة فرعون والتقام العصا التي انقلبت حية لحبالهم وعصيهم وسجودهم وإيمانهم برب هارون وموسى ، ومحاورتهم مع فرعون.
6 ـ الشخص الثاني الذي أراد سيدنا موسى عليه السلام أن يبطش به من عدوه، في حين أن العهد القديم يدعي أن هذا الشخص عبراني.
7 ـ السامري الذي صنع العجل لبني إسرائيل في حين أن التوراة تذكر أنه هارون عليه السلام.
8 ـ ما قصه القرآن الكريم عن الرجل المؤمن من آل فرعون الذي كان يكتم إيمانه، ودافع عن موسى حين هموا بقتله، وذلك الرجل الذي جاء من أقصى المدينة يسعى فنصح موسى بالخروج من أرض مصر.
9 ـ القرآن الكريم يذكر أن بنات الشيخ المديني اثنتان، في حين أن التوراة تذكر أنهن سبع.
10 ـ ما ورد في القرآن الكريم من محاورة بين فرعون وهامان لأجل بناء صرح ليطلع إلى إله موسى .

11 ـ ما جاء في القرآن الكريم من خبر أمر موسى قومه بذبح بقرة ومحاورته معهم.
12 ـ أمر الله لقوم موسى بدخول الباب سجدًا ومخالفتهم لهذا الأمر.
13 ـ قصة أصحاب السبت ومسخهم قردة بعد أن اعتدوا فيه.
14 ـ ما قصه القرآن الكريم من تسخير الله الشجر والطير والحديد لداود عليه السلام.
15 ـ تسخير الجن والريح لسليمان عليه السلام.
16 ـ قصة الهدهد، وكتاب سليمان لملكة سبأ وإسلامها وإحضار عرشها بلمح البصر من قبل الذي عنده علم الكتاب.
17 ـ كلام عيسى في المهد.
18 ـ صنع عيسى من الطين كهيئة الطير وصيرورته طيرًا بإذن الله.
19 ـ قصة المائدة.

الدليل الرابع: نتائج المقارنة بين القصص المتناظر في القرآن والتوراة والإنجيل
لا شك أن المقابلة بين نصوص القصص القرآني ونصوص القصص في التوراة والإنجيل تُعَدُّ معيارًا موضوعيًّا في بيان تهافت مزاعم الجدليات التنصيرية بتكرار القصص القرآني لقصص العهد القديم والجديد، وذلك لما يكشف عنه هذا المنهج المقارن للنصوص من اختلافات وفوارق تفصيلية وجوهرية بين متون القصص في الكتب الثلاثة، مما يحسم بشكل جليّ وقاطع أمر الاقتباس والمتابعة، وذلك في ضوء الاعتبارات التالية:

1 ـ تكرار المقتبس لأخطاء مصادره.
2 ـ وقوع المقتبس في الخطأ عند محاولته مخالفة المصدر الأصلي، نظرًا لبعد المدة الزمنية التي تفصله عن الأحداث مع قرب المصدر زمنيًّا من تلك الأحداث، بل وافتراض معايشته لبعضها.
فإذا ما أضيف إلى تلك الاعتبارات بُعْد موضوعي آخر يتمثل في الاسترشاد بمقررات العلوم ونتائج مكتشفات علماء الحفريات والآثار فيما يخص مرويات القصص المتعلقة بالحقائق الكونية أو التاريخية؛ فإنّ جوانب الموضوعية ولوازم المنهجية العلمية ودواعي الإفادة تكون قد توفرت في ذلك النهج.
فإن قادت نتائجه إلى أن القصص القرآني قد خالف القصص التوراتي والإنجيلي في تفصيلات دقيقة، وأن مقررات العلوم: الطبيعية والفيزيائية والإنسانية والأثرية، قد وافقت التفصيلات القرآنية بينما خطّأت الروايات التوراتية والإنجيلية، فسوف يكون ذلك أنصع برهان علمي على تهافت مزاعم الجدل التنصيري حول القصص القرآني خاصة، وحول أصالة القرآن عامة.
وسوف تكون المقابلة بين القصص القرآني والقصص في التوراة والإنجيل، حول القصص التالية: ـ
أ ـ رواية خلق العالم

جاءت قصة خلق العالم في التوراة في روايتين من سفر التكوين، أولاهما تسمى الرواية الكهنوتية التي كتبت بواسطة الكهنة في عصر المنفى، والثانية رواية ( يهوية )، أي من بين النصوص التوراتية التي تستخدم لفظ (يهوه) للتعبير عن اسم الإله، وهي أقدم تاريخيًّا من الرواية الأولى وإن جاءت في النصوص تالية لها، على النحو التالي (1) : ـ
الرواية الأولى
(( في البدء خلق الله السماوات والأرض، وكانت الأرض خربة وخالية وعلى وجه الغمر ظلمة وروح الله يرف على وجه المياه. وقال الله ليكن نور فكان نور. ورأى الله النور أنه حسن، وفصل الله بين النور والظلمة. ودعا الله النور نهارًا والظلمة دعاها ليلا. وكان مساء وكان صباح يومًا واحدًا.
وقال الله ليكن جلد في وسط المياه. وليكن فاصلا بين مياه ومياه. فعمل الله الجلد وفصل بين المياه التي تحت الجلد والمياه التي فوق الجلد. وكان كذلك. ودعا الله الجلد سماء. وكان مساء وكان صباح يومًا ثانيًا.
_________
(1) سفر التكوين ( 1 / 1 ـ 2 / 9 ).

وقال الله لتجتمع المياه تحت السماء إلى مكان واحد ولتظهر اليابسة. وكان كذلك. ودعا الله اليابسة أرضًا. ومجتمع المياه دعاه بحارًا. ورأى الله ذلك أنه حسن. وقال الله لتنبت الأرض عشبًا وبقلا يبزر بزرًا وشجرًا ذا ثمر يعمل ثمرًا كجنسه بزره فيه على الأرض. وكان كذلك. فأخرجت الأرض عشبًا وبقلا يبزر بزرًا كجنسه وشجرًا يعمل ثمرا بزره فيه كجنسه. ورأى الله ذلك أنه حسن. وكان مساء وكان صباح يومًا ثالثًا.
وقال الله لتكن أنوار في جلد السماء لتفصل بين النهار والليل. وتكون لآيات وأوقات وأيام وسنين. وتكون أنوارًا في جلد السماء لتنير على الأرض. وكان كذلك. فعمل الله النورين العظيمين. النور الأكبر لحكم النهار والنور الأصغر لحكم الليل. والنجوم وجعلها الله في جلد السماء لتنير على الأرض ولتحكم على النهار والليل ولتفصل بين النور والظلمة. ورأى الله ذلك أنه حسن. وكان مساء وكان صباح يومًا رابعًا.

وقال الله لتفض المياه زحّافات ذات نفس حية وليطر طير فوق الأرض على وجه جلد السماء. فخلق الله التنانين العظام وكل ذوات الأنفس الحية الدبابة التي فاضت بها المياه كأجناسها وكل طائر ذي جناح كجنسه. ورأى الله ذلك أنه حسن. وباركها الله قائلا أثمري وأكثري واملأي المياه في البحار. وليكثر الطير على الأرض. وكان مساء وكان صباح يومًا خامسًا.

وقال الله لتخرج الأرض ذوات أنفس حية كجنسها. بهائم ودبابات ووحوش أرض كأجناسها. وكان كذلك. فعمل الله وحوش الأرض كأجناسها والبهائم كأجناسها وجميع دبابات الأرض كأجناسها. ورأى الله ذلك أنه حسن. وقال الله نعمل الإنسان على صورتنا كشبهنا. فيتسلطون على سمك البحر وعلى طير السماء وعلى البهائم وعلى كل الأرض وعلى جميع الدبابات التي تدب على الأرض. فخلق الله الإنسان على صورته. على صورة الله خلقه. ذكر وأنثى خلقهم. وباركهم الله وقال لهم أثمروا واكثروا واملأوا الأرض وأخضعوها وتسلطوا على سمك البحر وعلى طير السماء وعلى كل حيوان يدب على الأرض. وقال الله إني قد أعطيتكم كل بقل يبزر بزرًا على وجه الأرض وكل شجر فيه ثمر شجر يبزر بزرًا. لكم يكون طعامًا. ولكل حيوان الأرض وكل طير السماء وكل دبابة على الأرض فيها نفس حية أعطيت كل عشب أخضر طعامًا. وكان كذلك.
ورأى الله كل ما عمله فإذا هو حسن جدًّا. وكان مساء وكان صباح يومًا سادسًا.

فأكملت السماوات والأرض وكل جندها. وفرغ الله في اليوم السابع من عمله الذي عمل. فاستراح في اليوم السابع من جميع عمله الذي عمل. وبارك الله اليوم السابع وقدسه؛ لأنه فيه استراح من جميع عمله الذي عمل الله خالقًا.
الرواية الثانية
هذه مبادئ السماوات والأرض حين خلقت. يوم عمل الرب الإله الأرض والسماوات كل شجر البرية لم يكن بعد في الأرض وكل عشب البرية لم ينبت بعد؛ لأن الرب الإله لم يكن قد أمطر على الأرض. ولا كان إنسان ليعمل الأرض. ثم كان ضباب يطلع من الأرض ويسقي كل وجه الأرض. وجبل الرب الإله آدم ترابًا من الأرض. ونفخ في أنفه نسمة حياة. فصار آدم نفسًا حية. وغرس الرب الإله جنة في عدن شرقًا. ووضع هناك آدم الذي جبله. وأنبت الرب الإله من الأرض كل شجرة شهية للنظر وجيدة للأكل )).
أما رواية خلق العالم في القرآن فلم تأت مجتمعة في مكان واحد شأن غيرها من القصص القرآني، وإنما جاءت متضمنة في نقاط أساسية هي:
1 ـ خلق السماوات والأرض في مراحل ستة، قال تعالى:
{ وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ } سورة ق / 38.

2 ـ تداخل مراحل خلق السماوات مع مراحل خلق الأرض: { قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ } . { وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ }{ ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ }{ فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ } (فصلت / 9ـ12).
3 ـ خلق الكون من كومة أوليّة فريدة متماسكة. قال تعالى: { أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ } (الأنبياء / 30).

4 ـ تعدد السماوات والكواكب التي تشبه الأرض: { اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ } (الطلاق / 12).
5 ـ خلق عالم وسيط بين السماوات والأرض. قال تعالى: { الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ } (الفرقان / 59)، ويقول تعالى: { لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَى } (طه / 6 ).
وتتفق الرواية القرآنية مع الرواية التوراتية في مسألتين فقط:
1 ـ عدد أدوار الخلق الستة.
2 ـ جعل النجوم مصدر النور.
أما وجوه الاختلاف فكثيرة يمثل كل منهما خطأ علميًّا وقعت فيه الرواية التوراتية، وتأكيدًا علميًّا على صحة الرواية القرآنية، وهذه الوجوه هي:
1 ـ انفراد القرآن ببيان كيفية نشأة الكون من الكتلة الأولية التي تفتقت بفعل انفجار كبير يطلق عليه العلم الحديث نظرية الانفجار العظيم ((The Big Bang )) (1) .
_________
(1) كارل ساغان، الكون، ص 124، سلسلة عالم المعرفة (178)، وزارة الإعلام بالكويت.

2 ـ المراحل الست في القرآن مراحل زمنية مديدة وليست ستة أيام بشرية بحساب تعاقب شروقين أو غروبين، كما يشير إلى ذلك قوله تعالى: { اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا شَفِيعٍ أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ }{ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ } (السجدة / 4ـ5).
وهذا ما يؤكده علماء الفيزياء الكونية من أن انفصال الأرض عن الشمس كان منذ خمسة الآف مليون سنة تقريبا، وأن الأرض ظلت مئات الألوف من السنين كي يبرد سطحها (1) .
ويقابل هذا المفهوم القرآني لمراحل الخلق الستة حصر توراتي خاطئ للمراحل الست في ستة أيام بشرية تبدأ بالأحد وتنتهي بالجمعة ويعقبها يوم السبت المقدس يوم الراحة الذي استراح الله -تعالى- فيه من عملية الخلق، وباركه وقدسه.
_________
(1) A. K. Wells , Outlines of geoloical History , pp. 3 - 37 , London 1938 . وانظر كارل ساغان، الموضع السابق.

ويفسر جيمس فريزر عالم الديانات المقارنة الشهير أسباب وقوع الرواية التوراتية في هذا الخطأ العلمي الشنيع، بأن رواية خلق العالم في التوراة لم تكن سوى تمهيد من الكهنة لخلع القداسة على يوم السبت يوم العبادة والراحة لدى اليهود (1) . وكان المصدر الذي استقى منه الكهنة تقديس اليوم السابع من أيام الخلق هو ملحمة خلق العالم البابلية ( انوما ايليش ) (2) .
وقد ترتب على هذا الخطأ في رواية الخلق التوراتية خطأ آخر وقعت فيه روايات العهد القديم وكذلك العهد الجديد كما يبدو في تصور إنجيل لوقا لشجرة أنساب المسيح ألا وهو حساب عمر الإنسان على الأرض بأنه بدأ في التاسعة صباح يوم الثالث والعشرين من شهر تشرين الأول عام 4004 قبل الميلاد (3) . أي قبل ستة الآف سنة من عامنا هذا.
3 ـ إشارة القرآن إلى حالة غازية في بداية عملية الخلق { ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ } (فصلت / 11).
وهي تتطابق مع معطيات العلم الحديث (4) .
_________
(1) جيمس فريزر، الفلكلور في العهد القديم ( 1 / 108 ) مرجع سابق.
(2) زينون كاسيدوفسكي، الواقع والأسطورة في التوراة، ص 23، الأبجدية للنشر. دمشق 1990م.
(3) السابق، ص 24.
(4) موريس بوكاي، القرآن الكريم والتوراة والإنجيل والعلم، ص 171 ـ 172.

4 ـ وجود العوالم الوسطية التي أخبر القرآن بخلقها بين السموات والأرض يسميها العلم الحديث بالبواقي أو المادة الكونية المنتشرة بين النجوم، ويصفها بأنها ذات كتل هائلة (1) .
5 ـ اشتمال رواية العهد القديم -منفردة- على الأخطاء التالية (2) : ـ
الإشارة إلى وجود المياه في المرحلة الأولى من مراحل الخلق.
ذكر النور في اليوم الأول قبل أن تخلق النجوم.
ذكر الليل والنهار في اليوم الأول قبل وجود الأرض ودورانها حول الشمس.
وجود العالم النباتي في اليوم الثالث قبل خلق الشمس في اليوم الرابع.
خلق الشمس والقمر بعد خلق الأرض، وذلك يناقض المعلومات الأساسية عن تشكل النظام الشمسي.
الإشارة إلى عالم الحيوان والطيور في اليوم الخامس مع أن وجود الطيور تال لوجود عالم الحيوان.
ب ـ الطوفان
تتفق رواية القرآن لقصة الطوفان مع رواية التوراة في العناصر التالية:ـ
1 ـ أسباب السيل ( الأمطار الغزيرة وتفجر عيون الماء من الأرض ).
2 ـ صنع نوح لسفينة النجاة.
3 ـ حمل بعض البشر وبعض الحيوانات والطيور في سفينة النجاة.
وتختلف الروايتان في أمرين جوهريين:
الأول: حجم الطوفان
_________
(1) السابق، ص 170 ـ 171.
(2) السابق، ص 41 ـ 45.

يأتي الطوفان في القرآن عقابًا خاصًّا لقوم نوح شأن غيرهم من مكذّبي الرسل: { وَقَوْمَ نُوحٍ لَمَّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ أَغْرَقْنَاهُمْ وَجَعَلْنَاهُمْ لِلنَّاسِ آيَةً وَأَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ عَذَابًا أَلِيمًا } (الفرقان / 37)
أما في التوراة فإن الطوفان عقاب عالمي لكل البشرية. يقول سفر التكوين:
(( فقال الله لنوحٍ نهاية كل بشر قد أتت أمامي لأن الأرض امتلأت ظلمًا منهم، فها أنا مهلكهم مع الأرض. اصنع لنفسك فلكًا.... فها أنا آتٍ بطوفان الماء على الأرض لأهلك كل جسد فيه روح حياة من تحت السماء. كل ما في الأرض يموت )) (1) .
وهذا التدمير الشامل للأرض كما تحكيه التوراة غير مقبول من الناحية التاريخية، فبحسب تقويم العهد القديم يرجع تاريخ الطوفان إلى القرن الحادي أو الثاني والعشرين قبل الميلاد وهو يقابل تاريخ وجود الأسرة الحادية والعشرين من أسر الفترة الوسطى في مصر (2) .
ومن الناحية العلمية فإن القول بوقوع تدمير شامل للكرة الأرضية يتعارض مع أبسط مبادىء الجيولوجيا (3) .
لذلك يفسره جيمس فريزر بأنه مناسبة خلقها الكهنة لإقامة عهد بين الرب وفئة الناجين المنتقاة حسب الشروط الكهنوتية (4) .
الثاني: موقع الطوفان
_________
(1) سفر التكوين ( 6 / 13 ـ 17 ).
(2) موريس بوكاي، ص 53 ـ 54، مرجع سابق.
(3) جيمس فريزر، الفلكور في العهد القديم ( 1 / 92 ) مرجع سابق.
(4) السابق ( 1 / 108 ).

تحدد التوراة مكان استقرار سفينة نوح : (( في الشهر السابع في اليوم السابع عشر من الشهر على جبال أراراط )) (1) .
وجبال أراراط تقع في تركيا كما توضح ذلك خريطة الشرق الأوسط في العهد القديم الملحقة بالبحث (2) .
أما القرآن فيحدد استقرار السفينة على (( الجودي )) وهو اسم جبل يقع في الموصل بالقرب من التقاء نهري دجلة والفرات غير بعيد من مدينة ((أور)) عاصمة السومريين القديمة.
وذلك ما أكدته الاكتشافات الكبيرة لعالم الآثار الإنجليزي ليونارد وولي الذي اكتشف مدينة أور وتحت مقابر ملوكها اكتشف طبقة من الطمي النهري سمكها ثلاثة أمتار، وتحتها آثار عمرانية لجماعة بشرية عاشت في زمن سحيق وأغرقها سيل مائي هائل، وبعد أن انحسرت مياهه جاءت بلاد الرافدين موجات بشرية أخرى سكنت المكان وهم السومريون (3) .
جـ ـ قصة يوسف
قصة يوسف هي القصة القرآنية الوحيدة التي جاءت في مكان واحد من سورة تحمل اسم النبي يوسف بن يعقوب عليهما السلام؛ لذلك يسهل وضعها بالتوازي في مقابلة القصة التوراتية للوقوف على وجوه تباين التفاصيل بين القصتين. وذلك من خلال الجدول التالي (4) : ـ
_________
(1) سفر التكوين ( 8 / 4 ).
(2) ملحق رقم (1).
(3) زينون كاسيدوفسكي، الواقع والأسطورة في التوراة، ص 26.
(4) مالك بن نبي، الظاهرة القرآنية، ص 240 ـ 241.

ويكشف جدول التفاصيل السابق عما يلي من وجوه تباين واختلاف بين رواية القرآن ورواية العهد القديم (1) :
1 ـ القرآن يضع القصة في إطار ديني تنفذ منه أشعة روحية إلى النفس ببيان العبرة التربوية والأخلاقية التي من أجلها أنزل الله القصة.
أما العهد العتيق فقد وضع القصة في إطار عائلي، يحمل طابع السرد التاريخي المجرد، دون أن يشير إلى ما وراء الأحداث من عظات.
2 ـ يذكر القرآن الكريم أن إخوة يوسف تضايقوا من حب والدهم له ولأخيه، ولم تشر التوراة إلى الأخ بشيء.
3 ـ رؤيا يوسف التي قصَّها على أبيه كما في النص القرآني تتلخص في أنه رأى أحد عشر كوكبًا والشمس والقمر له ساجدين والذي في التوراة أن يوسف رأى قبلها رؤيا، فقد رأى أنه وإياهم يحزمون حزمًا في الحقل في الصحراء، فإذا حزمته قامت وأحاطت بحزم إخوته فسجدت لحزمته حزمهم فقال له إخوته: ألعلك تملك علينا ملكًا؟ أم تتسلط علينا تسلطًا؟ وازدادوا بغضًا له من أجل أحلامه ومن أجل كلامه.
_________
(1) أحمد نوفل، سورة يوسف: دراسة تحليلية، ص 60 ـ 66، دار الفرقان. عمّان 1409هـ ـ 1989م.

وأما الرؤيا الثانية فهي كما في القرآن من حيث المضمون ولكن يوسف قصها على أبيه وإخوته، ولم يعلق الإخوة ولكن الأب انتهره وقال له: ما هذا الحلم الذي حلمت؟ هل نأتي أنا وأمك وإخوتك لنسجد لك إلى الأرض؟
3 ـ لم تذكر التوراة أن الإخوة تفاوضوا على قتل يوسف أو أنهم راودوا أباهم لإخراجه معهم، ولكن الأب يرسل يوسف لينظر سلامتهم وسلامة الغنم ثم يرد لأبيه الخبر فذهب إليهم، وعندما رأوه تفاوضوا في شأنه.
4 ـ تآمر إخوة يوسف عليه إما قتلا أو طرحًا أو إلقاء في الجب هكذا في القرآن، والذي في التوراة أن أحد الإخوة راؤبين استبعد فكرة القتل وأشار بالطرح في البئر التي في البرية، لا لتلتقطه السيارة، ولكن ليغافلهم ويستخرجه من البئر ليعيده إلى أبيهم.
5 ـ في القرآن أن إخوة يوسف جاءوا على قميص أخيهم بدم كذب وجاؤوا أباهم وقت العشاء يبكون أخاهم فأجابهم بما نعلم، والذي في التوراه أنهم لم يجيئوا إلى أبيهم بل أرسلوا القميص الملون المغموس بالدم وأحضروه لأبيهم بواسطة الرسول الذي أرسلوه.

6 ـ في القرآن أن يعقوب تجلد للمصاب الجلل وما زاد على أن قال كلمات نورانية سامقة: (( فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون)) ومثل هذا الموقف الرجولي الإيماني الرفيع هو اللائق بالنبي الكريم.
وأما التوراة فتقول: (( فمزق يعقوب ثيابه ووضع مسحًا على حقويه وناح على ابنه أيامًا كثيرة )).
7 ـ في التوراة استطراد عن زنى أحد الأسباط بكنته !! ولا علاقة قطعًا بين الخبر المحشور في السياق وبين القصة.
8 ـ ليس في التوراة من قول العزيز لامرأته أكرمي مثواه، بل تقفز مباشرة إلى قول المرأة ليوسف عندما دخل بيتها الخاص ورفعت عينيها إليه وقالت: اضطجع معي. وليس في التوراة ذكر تعرض المرأة له بالمراودة غير ما ذكر ولا تغليق الأبواب ولا قَدّ الثوب ولا استباق الباب، ولكن فيها أن المرأة أمسكت بثوب يوسف فتركه عندها وخرج.
9 ـ ليس في التوراة قصة الشاهد على روعة مغزاها، وليس فيها خبر النسوة على الرغم من دوره في النسيج القصصي، ولكن الذي في التوراة بعد أن حمي غضب العزيز أنه أخذ يوسف ووضعه في بيت السجن.
10 ـ في التوراة أن رؤيا الملك حصلت بعد سنتين من خروج الساقي.

11 ـ وبالنسبة لمجيء إخوة يوسف إلى مصر فإن التوراة تذكر أن يوسف حبسهم وسلك معهم مسلك إعنات حتى يأتوه بأخيهم وقال لهم: جواسيس أنتم. لتروا عورة الأرض جئتم. بهذا تمتحنون وحياة فرعون لا تخرجون من هنا إلا بمجيء أخيكم الصغير.
12 ـ ختام القصة، حيث تقول التوراة بعد أن ذكرت موت يعقوب ودفنه: (( واستحلف يوسف بني إسرائيل قائلا: الله سيفتقدكم فتصعدون عظامي من هنا، ثم مات يوسف وهو ابن مائةٍ وعشر سنين وحنطوه ووضع في تابوت في مصر))، هكذا تنتهي القصة في التوراة بخاتمة ميتة فنيًّا.
ولكن جاءت الخاتمة الفنية في القرآن الكريم مناسبة ومعبّرة: { وَقَالَ يَاأَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا } .... { رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ } .
أما وجوه الاختلاف ذات الصلة بالناحية العلمية والتاريخية فأمران:
الأول: وسيلة سفر أبناء يعقوب.

يذكر القرآن في ثلاثة مواضع من القصة أن العير هي وسيلة الترحال التي اتخذها أبناء يعقوب والعير في اللغة هي ما جلب عليه الطعام من قوافل الإبل والبغال والحمير (1) .
أما التوراة فتنصُّ على أن وسيلة السفر وحمل الطعام كانت الحمير، وهو غير ملائم من وجهين:
1 ـ أن الحمار حيوان حضريّ غير مألوف في البادية وحياة الصحراء كوسيلة انتقال ولذلك لم يعرفه بنو إسرائيل إلا في الحياة الحضرية الزراعية بمصر.
2 ـ من غير المعقول أن يستطيع الحمار قطع المسافة من كنعان في بادية الشام إلى مصر مخترقًا فيافي وصحراوات شاسعة، أوعرها شبه جزيرة سيناء، كل ذلك وهو محّمل بالحبوب والغلال يعاني جفاف الصحراء وقيظ الحر الشديد.
الثاني: حاكم مصر.
_________
(1) المعجم الوسيط، مادة عير ( 2 / 663 ) مجمع اللغة العربية بالقاهرة، ط3.

تذكر التوراة أنه فرعون، ويحكي القرآن أنه (( ملك )) وليس فرعونًا، وهذا ما أكّدته الدراسات التاريخية المعاصرة التي أجراها عالم المصريات الفرنسي (( بيير مونتيه )) استنادًا إلى تحديد العاصمة التي كان يحكم منها يوسف وهي ((أفاريس )) الواقعة في دلتا النيل قرب قرية سان الحجر المعاصرة ذات الكتابات الهكسوسية الغزيرة وهو ما يقطع بأن قصة حياته تعود إلى فترة حكم الهكسوس؛ لأن فراعنة الأسرة الثامنة عشرة نقلوا العاصمة إلى طيبة بعد طرد الهكسوس (1) .
كذلك تذكر الوثائق المصرية التي ترجع تاريخها إلى القرن السادس عشر قبل الميلاد القبائل الكنعانية الرعوية التي جاءت واستقرت في مصر.
كما أن المؤرخ اليهودي يوسفس فيلافيوس يتحدث عن الهكسوس على أنهم أجداده (2) .
وتتطابق نتائج هذه الدراسات التاريخية مع بعض إشارات النص التوراتي، حيث يذكر سفر التكوين في سياق القصة أن المصريين كانوا يعدُّون العبرانيين رجسًا، فيكون من غير الطبيعي والمنطقي أن يسمح حكام مصر من الفراعنة أن يتسلط على المصريين من يعدونه رجسًا.
بل الشيء المنطقي الوحيد أن يكون الهكسوس المحتلون الأجانب عن مصر قد استعانوا بآسيوي أجنبي مثلهم في حكم البلاد.
_________
(1) زيتون كاسيوفسكي، الحقيقة والأسطورة في التوراة، ص 80، مرجع سابق.
(2) السابق، ص 78.

مصادر ومراجع البحث
أولًا: القرآن الكريم
ثانيًا: كتب السنة النبوية
1 ـ جامع الترمذي: طبع مصطفى البابي الحلبي، القاهرة، ط2، 1395هـ- 1975م.
2 ـ صحيح البخاري: فتح الباري بشرح صحيح البخاري لابن حجر، المكتبة السلفية، القاهرة، ط3، 1407هـ.
ثالثًا: الكتب المقدسة لدى أهل الكتاب
1 ـ العهد الجديد ( نسخة الكاثوليك )، اعتماد بولس باسيم، دار المشرق. بيروت 1989م.
2 ـ العهد القديم ( نسخة الكاثوليك )، اعتماد بولس باسيم، دار المشرق. بيروت 1989م.
رابعًا: المعاجم
المعجم الوسيط، إصدار مجمع اللغة العربية بالقاهرة 1392هـ ـ 1972م.
خامسًا: دوائر المعارف المتخصصة
Theologische Realenzklopuedie , London - New York - Bonn.
سادسًا: مصادر ومراجع أخرى
1 ـ إبراهيم الجبهان، ما يجب أن يعرفه المسلم من حقائق عن النصرانية والتبشير، الرئاسة العامة للبحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد. الرياض 1404هـ.
2 ـ إبراهيم خليل أحمد، المستشرقون والمبشرون في العالم العربي والإسلامي، مكتبة الوعي العربي، القاهرة 1964م.
3ـ إبراهيم موسى هنداوي، الأثر العربي في الفكر اليهودي، مكتبة الأنجلو المصرية 1963م.

4 ـ أحمد عبد الحميد غراب، رؤية إسلامية للاستشراق، المنتدى الإسلامي، لندن 1411هـ.
5 ـ أحمد نوفل، سورة يوسف: دراسة تحليلية، دار الفرقان. عمّان 1409هـ ـ 1989م.
6ـ إدوارد سعيد، الاستشراق، ص 300، بترجمة كمال أبو ديب، مؤسسة الأبحاث العربية. بيروت ط2: 1984م.
7 ـ ارنست رينان، ابن رشد والرشدية، عادل زعيتر، القاهرة 1957م.
8 ـ إسماعيل سالم عبد العالم، المستشرقون والقرآن، سلسلة دعوة الحق ـ عن رابطة العالم الإسلامي، العدد 104، مكة المكرمة 1410هـ ـ 1990م.
9 ـ أعراب عبد الحميد، دائرة المعارف الإسلامية، ندوة مصادر المعلومات عن العالم الإسلامي الرياض ( 22 ـ 25 رجب 1420هـ، 31 أكتوبر ـ 3 نوفمبر 1999م ).
10 ـ أ. ل شاتيله، الغارة على العالم الإسلامي، نشر محب الدين الخطيب. بيروت، د. ت.
11 ـ أنيس فريخة، مخطوطات البحر الميت وجماعة قمران. بترجمة إبراهيم مطر. بيروت 1957م.
12ـ بابا دو بولس، تاريخ كنيسة أنطاكية، منشورات النور، بيروت 1984م.
13ـ البيجوري، تحفة المريد في شرح جوهرة التوحيد، دار الكتب العلمية. بيروت 1983م.

14ـ التنصير: خطة لغزو العالم الإسلامي ( الترجمة الكاملة لأعمال مؤتمر كلورادو التبشيري )، دون بيانات.
15ـ التهامي نقرة، سيكولوجية القصة في القرآن، الشركة التونسية للتوزيع. تونس 1974م.
16ـ توماس أرنولد، الدعوة إلى الإسلام، مكتبة النهضة المصرية، الطبعة الثانية.
17ـ ابن تيمية، الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح، مطبعة المدني، مصر، بدون ترقيم.
18ـ تيودور أبو قرة، ميمر في وجود الخالق والدين القويم، بتحقيق: اغناطيوس ديك. بيروت 1982م.
19ـ جلال العالم، دمروا الإسلام وأبيدوا أهله، مكتبة الصحابة جدة ـ مكتبة التابعين، القاهرة. 1994م.
20ـ جواد علي، يوحنا الدمشقي، مجلة الرسالة (مصر)، (عدد 610)، والعدد (612) ربيع الآخر 1364هـ ـ مارس 1945م.
21ـ جورج عطية، الجدل الديني المسيحي ـ الإسلامي في العصر الأموي وأثره في نشوء علم الكلام، كتاب المؤتمر الدولي الرابع لتاريخ بلاد الشام ـ جامعة اليرموك. عّمان 1989م.
22ـ جوستاف لوبون، حضارة العرب، بترجمة عادل زعيتر، دار إحياء الكتب العربية. القاهرة 1969م.
23ـ جولد تسهر، مذاهب التفسير الإسلامي، بترجمة عبد الحليم النجار، القاهرة 1955م.

العقيدة والشريعة في الإسلام، بترجمة محمد يوسف موسى وآخرون، القاهرة 1948م.
24ـ جيمس فريزر، الفلكلور في العهد القديم، بترجمة نبيلة إبراهيم، الهيئة المصرية العامة للكتاب 1973م.
25ـ حسن حنفي، نماذج من الفلسفة المسيحية، الأنجلو المصرية. القاهرة 1988م.
26ـ حسن طبل، حول الإعجاز البلاغي للقرآن، مكتبة الإيمان، ط1، مصر 1420هـ ـ 1999م.
27ـ حسين علي محمد، القرآن ونظرية الفن، القاهرة 1413هـ ـ 1992م.
28ـ دانييل ساهاس، جدل يوحنا الدمشقي مع الإسلام، مجلة الاجتهاد بيروت، عدد (28) السنة السابعة (1416هـ ـ 1995م).
29ـ رشا الصباح، الإسلام والمسيحية في العصور الوسطى، مجلة عالم الفكر، عدد (3) المجلد الخامس عشر. وزارة الإعلام، الكويت.
30ـ رشاد عبد الله الشامي، الشخصية اليهودية، سلسلة عالم المعرفة العدد (102). وزارة الإعلام بالكويت.
31ـ رشيد رضا، الوحي المحمدي، المكتب الإسلامي، دمشق 1391هـ ـ 1971م.
32ـ روم لاندو، الإسلام والعرب، بترجمة منير البعلبكي، دار العلم للملايين، بيروت 1977م.
33ـ زينون كاسيدوفسكي، الحقيقة والأسطورة في التوراة، الأبجدية للنشر. دمشق 1990م.

34ـ سعد العتيبي، نفوذ اليهود في عهد المغول الإيلخانيين، مجلة الدرعية (عدد 6، 7) ربيع الآخر ـ رجب 1420هـ / أغسطس، نوفمبر 1999م المملكة العربية السعودية.
35ـ سعد بن منصور بن كمونة، تنقيح الأبحاث للملل الثلاث، نشرة موسى برلمان، مطبوعات جامعة كاليفورنيا 1967م.
36ـ سعيد عاشور، الحركة الصليبية، مكتبة الأنجلو المصرية، القاهرة 1963م.
37ـ سيد قطب: التصوير الفني في القرآن، دار المعارف، القاهرة 1966م. في ظلال القرآن، دار الشروق. القاهرة 1402هـ 1982م.
38ـ عبد الجواد المحص، أباطيل الخصوم حول القصص القرآني، الدار المصرية. الإسكندرية 1420هـ ـ 2000م.
أدب القصة في القرآن الكريم، الدار المصرية بالإسكندرية 1420هـ ـ 2000م.
39ـ عبد الحميد مدكور، الترجمة والحوار مع الآخر، كتاب المؤتمر الدولي الأول للفلسفة الإسلامية (( الفلسفة الإسلامية والتحديات المعاصرة)) المنعقد بدار العلوم. القاهرة 1996م.
40ـ عبد الراضي محمد عبد المحسن، أسس فلسفة الأخلاق الإسلامية، مجلة الجمعية الفلسفية المصرية، السنة السادسة. عدد 6، القاهرة 1418هـ ـ 1997م.

41ـ عبد الرحمن بدوي، دفاع عن القرآن ضد منتقديه، دار الجليل، ط1، بترجمة كمال جاد الله. القاهرة 1997م.
موسوعة المستشرقين، دار العلم للملايين، ط2، بيروت 1989م.
42ـ عبد الرحمن حبنكة الميداني أجنحة المكر الثلاثة، دار العلم، دمشق، ط5، 1407هـ ـ 1986م.
43ـ عبد العزيز العسكر، التنصير ومحاولاته في الخليج العربي، العبيكان، ط1، الرياض 1414هـ ـ 1993م.
44ـ عبد اللطيف الطيباوي، المستشرقون الناطقون بالإنجليزية، الترجمة العربية الملحقة بكتاب الفكر الإسلامي الحديث. د. محمد البهي. مكتبة وهبة، ط8، 1975م.
45ـ ابن العسال، الصحائح في جواب النصائح، القاهرة سنة 1643 قبطية.
46ـ علي النملة، الاستشراق في الأدبيات العربية، مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية، ط1، 1414هـ ـ 1993م.
التنصير، 1993م بدون بيانات.
47ـ علي جريشة ـ محمد الزيبق، أساليب الغزو الفكري، ط2، دار الاعتصام. مصر.
48ـ عمر الأشقر، عالم الملائكة، دار النفائس. الأردن 1995م.
49ـ عمر رضوان، آراء المستشرقين حول القرآن الكريم وتفسيره، دار طيبة. الرياض 1413هـ ـ 1992م.

50ـ فروخ ـ الخالدي، التبشير والاستعمار في البلاد الإسلامية، المكتبة العصرية. بيروت 1986م.
51ـ ابن الفوطي، الحوادث الجامعة والتجارب النافعة في المائة السابعة، بتحقيق مصطفى جواد، بغداد 1932م.
52ـ فريد مصطفى سليمان، محمد عزة دروزة وتفسير القرآن الكريم، مكتبة الرشد، الرياض 1414هـ ـ 1993م.
53ـ قاسم السامرائي، الاستشراق بين الموضوعية والافتعالية، دار الرفاعي ـ الرياض 1403 هـ ـ 1983م.
54ـ كارل ساغان، الكون، سلسلة عالم المعرفة (178)، وزارة الإعلام بالكويت.
55ـ ابن كثير، البداية والنهاية، دار هجر. القاهرة 1417هـ ـ 1997م.
56ـ لويس شيخو، المخطوطات العربية لكتبة النصرانية، طبع الآباء اليسوعيين، بيروت 1942م.
مقالات دينية قديمة لبعض مشاهير الكتبة النصارى، طبع الآباء اليسوعيين. بيروت 1906م.
57ـ لويس غرديه ـ جورج قنواتي، فلسفة الفكر الديني، دار العلم للملايين، ط1، بيروت 1967م.
58ـ مالك بن نبي، الظاهرة القرآنية، بترجمة عبد الصبور شاهين، دار الفكر. دمشق 1402هـ ـ 1981م.

59ـ محمد أبو فراخ، تراجم القرآن الأجنبية في الميزان، مجلة كلية أصول الدين بجامعة الإمام بن سعود الإسلامية. العدد الرابع ( عام 1402هـ ـ 1403هـ ).
60ـ محمد أسد، الإسلام على مفترق الطرق، العلم للملايين، بيروت، 1987م.
61ـ محمد البهي، المبشرون والمستشرقون في موقفهم من الإسلام، الإدارة العامة للثقافة ـ مطبعة الأزهر. القاهرة، د. ت.
62ـ محمد بن جرير الطبري، تاريخ الأمم والملوك، ط5، دار المعارف. القاهرة.
63ـ محمد خليفة حسن، آثار الفكر الاستشراقي في المجتمعات الإسلامية، دار عين للبحوث والدراسات. القاهرة 1997م.
64ـ محمد السماك، مقدمة إلى الحوار الإسلامي ـ المسيحي، دار النفائس، بيروت 1418هـ 1998م.
65ـ محمد الشرقاوي، الاستشراق، مطبعة المدينة. القاهرة. د. ت.
66ـ محمد صالح البنداق، المستشرقون وترجمة القرآن الكريم، دار الآفاق الجديدة، ط2، بيروت 1403هـ ـ 1983م.
67ـ محمد عبد الله دراز، مدخل إلى القرآن الكريم، دار القلم، الكويت 1391هـ ـ 1971م.

68ـ محمد عبد الواحد عسيري، صورة الإسلام والمسلمين في قاموس الأديان، بحث مقدم إلى ندوة مصادر المعلومات عن العالم الإسلامي المنعقدة في الرياض ( 22 ـ 25 رجب 1420هـ / 31 أكتوبر ـ 3 نوفمبر 1999م).
69ـ محمد عثمان بن صالح، النصرانية والتنصير أم المسيحية والتبشير، مكتبة ابن القيم، المدينة المنورة 1410هـ ـ 1989م.
70ـ محمد عمارة، إستراتيجية التنصير في العالم الإسلامي، مركز دراسات العالم الإسلامي. مالطة، ط1، 1992م.
71ـ محمد فتحي عبد الهادي، المصادر المرجعية عن الإسلام والمسلمين، ندوة مصادر المعلومات عن العالم الإسلامي.
72ـ محمد الفيومي، الاستشراق رسالة استعمار، ص 464 ـ 365، دار الفكر العربي. القاهرة 1413هـ ـ 1993م.
73ـ محمود العابدي، مخطوطات البحر الميت، دائرة الثقافة والفنون. عمان1967م.
74ـ موريس بوكاي، القرآن الكريم والتوراة والإنجيل والعلم، دار المعارف. لبنان 1977م.
75ـ نجيب العقيقي، المستشرقون، دار المعارف، ط4، مصر.
76ـ ابن هشام الحميري، السيرة النبوية، ط2، مطبعة الحلبي، القاهرة 1375هـ.
77ـ يوهان فوك، تاريخ حركة الاستشراق، بترجمة عمر العالم، ط1، دار قتيبة، دمشق ـ بيروت 1417هـ ـ 1996م.

سابعًا: مراجع باللغات الأجنبية
1- A. K. Wells , Outlines of geoloical History , London 1938.
2- Adel Theodore Khoury , Der theologische Streit der Byzantiner mit dem Islam .
3- Anton Pegis , St. Anselm and the Argument of the Proslogion , Medioeval Studies 28 (1966).
4- B. F. Westcott , The Bible in the Church , Grand Rapids. (U.S.A 1980 ).
5- Dena John Geanakohlos , Byzantine East and Latin West: Two Worlds of
Christiandom in Middle Ages and Renaissance , Harpertoneh Books , New York 1966.
6- Francis Dvornik , The Ecumenical Concils , Hawthorn Books. New York 1961.
7- Goetz schregle , Deutsch - Arabisches Woerterbuch, London - Beirut 1977
8- Hans. Joachim Kraus , Geschichte der historisch - Kritischen Erforschung des Alten Tesament , Neukirchen - Vluyn. 1969.
9- Hermann Lais , Was sagt die Kirche zum Wunder in: Wunder und Magie , Gesmmelten Beitraege , Wuerzburg 1962.
10- Julius Richter , Ahistory of the Protestant Missions in The Near East , New York 1910.

11- J. M. Robinson , Die Bedeutung der Bibliothek von Nag Hammadi Fuer die heutige Theologie und das Fruhe Christentum ,Bamberg 22.6.93 ( vortrag ).
12- Katechismus der katholischen kirche. Leipzig - schweis 1993.
13- Klaus Hock, Der Islam im Spiegel westlicher Theologie , Deutschland 1989.
14- Moses ben Maimone: Sein Leben , Seine Werke und sein Einfluss, Hrsg von W. Bacher. Leipzig 1908.
15- Montgomery Watt, The Influence of Islam on Medieval Europe , Edinburgh up 1972.
16- R. Smend, Die Entstehung des Alten Testament, Stuttgart - Mainz 1978.
17- Rudolf Smend , Epochen der Bibelkritik , Muenscchen 1991.
18- Religionen der Welt , Bertlsmann Handbuch , Heraus gegeben von:
Monika und Udo Tworuschka. Muenschen Guetersloh 1992.
19- Rudolf Bultmann , Neues Testament und Mythologie , in: Kergma und Mythos , Hrsg. von: Hans - Wemer. Hamburg 1960.
20- Saint Clair Tisdall, The Original Sourees of the Quran, London , 1905.
21- Theologische Realenzklopuedie, London - New York - Bonn.

22- Trevor - Roper , Hugh , The Rise of Christian Europe , London 1978.
23- Werner. Kuemmel , Einleitung in das Neue Testament, Heidlberg 1983.
24- Willim Born, Christlicher Glaube und Naturwissenschaft, Blefeld 1954.
25- Zwemer S., The Translation of the Quran , The Muslim World, 1973.