وصف التخلق البشري بعد اليوم الثاني والأربعين
ت . ف . ن . برسود
عبد المجيد الزنداني
مصطفى أحمد
   بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين وبعد :
مقدمة :
يعني هذا البحث بدراسة تطور الجنين قبل ولادته في فترة ما بعد اليوم الثاني والأربعين ، وتتصف هذه المرحلة من التطور في الأسبوع السابع بعدة تغيرات مهمة في خصائص الجنين الداخلية والخارجية .
التطورات التي تطرأ خلال الأسبوع السابع وبعده :
يتكون في بداية الأسبوع السابع من النمو أي : عند حوالي اليوم الثاني والأربعين – الهيكل العظيم الغضروفي ، الذي يعطي الجنين شكله الآدمي الخاص ، فيستقيم جذعه ، ويتكون له رأس كبير مستدير ( الشكل 7-3) وتتحرك العينان إلى الأمام في محلهما في الوجه فيتجلى الشكل الآدمي للجنين ( الشكل 7-4) .
كما أن الأذنين الخارجية والداخلية تتكونان بعد اليوم الثاني والأربعين ، وتكتسبان الشكل الآدمي .
ويتم ذلك أيضاً بالنسبة للأنف ، الذي يأخذ المظهر الآدمي .
أما الأذرع التي ظهرت على شكل براعم في نهاية الأسبوع الرابع فتصبح أكثر طولاً بعد اليوم الثاني والأربعين .
وتظهر أصابع واضحة لم تكن موجودة قبل ذلك .
أما مؤخرة العمود الفقري البارزة فتتراجع وتعتدل تاركة أثراً لا يكاد يلاحظ وللمقارنة بين الجنين الإنساني قبل اليوم الثاني والأربعين وبعده ( انظر شكل : 7-1 ، وشكل : 7-2).
الشكل 7-1 : الجنين في الأسبوع السادس ( اليوم 34-36) وهو يتعلق بالأغشية الأولى بواسطة الحب السري . ويبلغ طوله من الإكليل حتى الكفل 12 . (1) برعم الذراع . (2) القوس الخيشومي . (3) الأغشية الأولى .(4) العين . (5) الدرنة التناسلية .(6) بروز القلب . (7) برعم الساق . (8) الذيل . (9) الحبل السري .
(Permission from : England, color Atlas of Life Before Birth, Chicago, Year Book Medical Publishers inc. 1983).
الشكل 7-2 : رسم لجنين في الأسبوعين 6،7 . لا يمكن أن نميز المظهر البشري فيه بوضوح.
CIBA. Clinical Sumposia, vol. 28,No.3
الشكل 7-3 : الجنين في بداية الأسبوع السابع ( اليوم 40 – 42) تكون الذراعان مقوستان وتحيطان ببروز القلب وتظهر إشعاعات أصابع القدمين . ويبلغ طوله من الإكليل إلى الكفل 20 ملم .
01) الذراع (2) الأذن (3) المرفق (4) العين (5) مقدمة المخ (6) بروز القلب (7) مؤخرة المخ (8) بروز الكبد (9) منتصف المخ (10) تفتق وسط المعي (11) الفم (12) صفحة اليد المثلمة (13) الحبل السري بإذن من :
(Permission from : England, color Atlas of Life Before Birth, Chicago, Year Book Medical Publishers inc. 1983).
أما البدايات الأولية للأعضاء التناسلية الخارجية فتكون متشابهة في بادئ الأمر بين الذكور والإناث . وتبدأ بالتطور قبل اليوم الثاني والأربعين في الأسبوع الرابع . إلا أن الحديبة التناسلية . والانتفاخ الشفري العجزي . والطيات البولية التناسلية المنشئة للخواص الجنسية المميزة ، لا تظهر إلا في الأسبوع التاسع ، كما أنه لا يمكن التفريق بين الأعضاء التناسلية الخارجية المذكرة والمؤنثة إلا بعد الأسبوع الثاني عشر .
وبينما تستمر العينان والأذنان في التطور في صفاتهما الخاصة بعد اليوم الثاني والأربعين فإن حجم العين في الأسبوع الحادي عشر لا يزيد عن حجم حمصة (انظر شكل : 7-4).
ولكن لا يمكن لأذن الجنين أن تسمع الأصوات إلا بعد الأسبوع الرابع والعشرين[77] .
ومن ذلك نعرف أن أقسام الأذنين الخارجية والوسطى والداخلية لا تتكامل قبل اليوم الثاني والأربعين ، وإنما تكتسب وظائفها وأشكالها بعد هذا الموعد .
 
الشكل 7-4 : رسم لجنين في الأسبوعين 7،8 ، وهو يتخذ شكل جنيني بشري واضح .
( Permission from CIB, Clinical Symposia, vol. 28, No.3
وكما يتطور الجهاز العظمي والعضلات والجلد وتكتسب أشكالها الآدمية المميزة بعد اليوم الثاني والأربعين أيضاً (انظر شكل : 7-4) .
فهناك الكثير مما يمكننا تعلمه عن هذا التطور الجنيني الغريزي الحسي والعاطفي للجنين . فهناك أدلة على وجود فعالية دماغية بعد اليوم الثاني والأربعين تم التوصل إليها بواسطة تسجيل تخطيط كهربائي للدماغ .
وقد يظهر الجنين بين الأسبوعين السادس والسابع استجابة في كامل جسمه إذا لمست زاوية شفتيه بلطف . وقد تظهر بعض الحركات التلقائية([78]) كحول العين أو البلع بين الأسبوعين التاسع والعاشر ، وقد وصف ( سير ويليم ليلي ) الجنين بعد اليوم الثاني والأربعين بما يلي :
" إنه يستجيب للألم واللمس والبرودة والصوت والضوء . وإنه يشرب سائل السلى خصوصاً إذا زبدت حلاوته صناعياً ، ويقل شربه له إذا فسد طعمه ، ويمل الإشارات المتكررة ، ومن الممكن تعليمه أن يكون يقظاً للمنبهات من الإشارة الأولى ولبرهة وجيزة).
وقد دلت دراسات أجنة الإنسان على ظهور بعض الصفات السلوكية الخاصة بالمشابهة لصفات والديهم ، حيث يكون للجنين الآن شخصية خاصة مميزة .
وقد ذكر الرسول y كل هذه التطورات التي وصفت فيما تقدم ، ومواعيدها في الحديث الذي رواه مسلم : ( عن حذيفة رضي الله عنه أن رسول الله y قال : إذا مر بالنطفة ثنتان وأربعون ليلة بعث الله إليها ملكاً فصورها وخلق سمعها وبصرها وجلدها ولحمها وعظامها ثم قال : يا رب أذكر أم أنثى فيقضي ربك ما شاء ويكتب الملك )[79] .
فهذا الحديث الشريف يوضح أهمية اليوم الثاني والأربعين في حياة الجنين داخل الرحم . كما يبين التطورات الدقيقة التي تظهر بعد هذا اليوم .
وقد أظهرت الدراسات الجنينية الحديثة أن الجنين يكتسب شكله الآدمي خلال هذه الفترة ويظهر على الجنين كل ما ورد ذكره في الحديث الشريف منذ أربعة عشر قرناً .
أما فيما يتعلق بجنس الجنين ، فالحديث يشير إلى تطور الأعضاء التناسلية الخارجية الذي يظهر في الأسبوع الثاني عشر . لا إلا تحديد الجنس التقديري الجيني الذي يتحدد مع عملية الإخصاب في مرحلة النطفة[80] . حيث أشار القرآن الكريم إلى هذا في قوله تعالى : ﴿ وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى(45)مِنْ نُطْفَةٍ إِذَا تُمْنَى(46) ﴾ (سورة النجم : 45،46).
وإذا تأملت في الحديث الشريف وجدت أن سؤال الملك يتعلق بتحديد الأعضاء التناسلية الخارجية التي يفرق الناس بها بين الذكر والأنثى ، وهذه لا تخلق إلا في الأسبوع الثاني عشر أي بعد أني أخذ الجنين صورته الآدمية .
أما قيام هذه الأجهزة بوظائفها فإنه يكون في مرحلة تالية ، فخلق الأجهزة وإيجادها يسبق تهيئتها للقيام بوظائفها المتخصصة .
والحديث النبوي هنا يحدثنا عن خلق هذه الأعضاء ، وزمانها ، واليوم المحدد الذي يبدأ بعده خلق هذه الأجهزة .
وتطابق المعلومات العلمية والدراسات الجنينية الحديثة ما ورد في نصوص الكتاب والسنة قبل 1400 سنة .
المراجع
1)     القرآن الكريم
2)     فتح الباري ، ط ، دار المعرفة ، بيروت .
3)     صحيح مسلم ، ط . دار إحياء التراث العربي ، بيروت .
4)     المعجم الكبير للطبراني ، مطبعة ابن تيمية ، مصر .
5)     مشكل الآثار للطحاوي ، ط ، دار صادر ، بيروت .
6)     سنن أبي داود ، ط . دار الحديث ، حمص . سوريا .
7)     بحث النشأة خلقاً آخر .
8)     بحث مرحلة النطفة .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[77]وهذا أمر يتعلق بقيام الأجهزة بوظائفها ، وذلك يحدث في مرحلة متأخرة (انظر بحث : النشأة خلقاً آخر) .

[78] أي بعد تكون العظام والعضلات .

[79] صحيح مسلم – كتاب القدر ج4 ص 2037 ح 3/2645 ، وله طريق آخر عنده عن حذيفة بن أسيد ، وأخرجه الطبراني في المعجم الكبير 3: 178 ح 3044 ، والطحاوي في مشكل الآثار 3 : 278 ، وأبو داود في كتاب القدر ورقة 44/45 ، وجعفر الفرياني انظر : فتح الباري 11 : 483.

[80] انظر بحث : وصف التخليق البشري : مرحلة النطفة